هـــذا الجــنّاز

 

محمد القيسي


قبل وفاته أرسل الشاعر الفلسطيني محمد القيسي هذا المقطع الشعري.. وهو حسب ما ذكر انه مفتتح لعمل شعري طويل تحت عنوان:

<<جنّاز تذكاري لليالي الألف جوار بيتك>>.

وكان المرحوم الشاعر محمد القيسي قد أشار حينها في رسالته الى<<نزوى>>ان هذا المشروع هو قيد الانجاز.

بعد أن رشفت  شاي النهاية من

أرشيف  <<حديقتك  السري ة>>

وجلست  إلى نفسي

رأيت  وقد آلت  إلى الورق

حياتُنا,

تلك  الماضية  تمضي

ولا أعرف  أين

بعد ذلك كله,

بعد رشفة  الشاي الأخيرة , لا غيرها

صرت إلى جانبي

فجأة  على الطاولة أمامي

تتنقلين هنا وهناك معي

أو تدخلين حقيبتي البنية وأغلق  عليك

وأنت تراودين لساني عن الكلام

أو تقفزين لي من الهاتف,

قفزة حي  ملدوغ,

كأنك في الوجود الحقيقي  تقاسمينني

يحدث ذلك وانا حدادا  عليك أبكي!

وأفيق  على الوردة هنا

نائمة  في السطور على كل صفحة ,

وصامتة  إلا من أنين  بعيد

يصدر  عن شمالي في الأسلاك:

- ها لو

من أين تحكين يا أم خالد,

ألم تموتي في لندن الثانية,

داخل كازينو نوح ,

بينما بالباب كنت  أنتظرك..?

* مُت قليلاً,

وجر حني ما تبقّى

- كيف حال الجحيم هناك,

- وهل نوح ما زال يرهقه الوقت والاجتماعات ,

- حتى لتنهض موظفات المكتب  بمُهمّات المساج ?

* أنت لم تنس شيئا.

- أنت حدثتني بالتفاصيل عنها

آفاتي كثيرة ,

ليس منها النسيان ,

فهل بر أوه من تهمة الاغتصاب ,

وفازت  المديرة  من تريندادا

بما اقترح محاميها من تعويض ,

لوقف القضية في المحكمة ..?

* ليس يشغلني غير  ما أنا فيه

ومسرح نفسي

- تماما كما حين كنا معا  عائلة ,

* كف  عن  السخرية

أنت هناك على الأرض

وأنا أتفقد مشترك البلدان

والأسفار والمقاهي

لأرى كيف يدور الحبر بعدي في الصحائف

وأين علّقت ملابسي

ورسائل قلبي?

- هناك في الحديقة ,

على السور والبوابة,

تحت سيقان الذرة

وعند شجرة الأكاسيا

* هل اختلف الداخل  كالخارج,

وانتظمت  سلسلة  الثأر من بلقع الوحدة,

بين يديك أخيرا ,

- اختلفت كثيرا,

مثلما للوحشة نولُها وخيطان ها

اشتغل  الآن على جن ازك التذكاري ,

نصبا  آخر, وشاهدة  خامسة ,

على قبرك الرخام,

فاعذري الوحيد على وحدته

والغريب على ما اقترفت  أصابعه,

في دمه!

* أنت تمزج ني بالرماد,

فأين ذهبت بما وهبته الأقاصي لنا

حول دجلة,

أو عند فاس أو القاهرة?

- إلى القبو والشمس,

لا شمس لي

غير شتيت الأوابد منك,

وغير  ما أرتجي في المراثي

ليس لي غير  هذا النصب

* لماذا من جديد

تروح  إلى محتويات المحفظة?

- لأحضر فيها, وتحضر بنت  دليلة,

* من أي  زمان ?

- من سابق صورتها

في ألبوم الماضي

يحضر ما فات من رغبات

قرأت  هذا الخريف أرق  الصلوات حزنا:

من  لا يملك الآن بيتا  لن يبني

أبدا لنفسه بيتا,

من هو وحيد  ستطول  الآن وحدته,

سيستيقظ , ويقرأ  ويكتب  رسائل طويلة

وفي الطرق المقفرة سيشرد  قلقا ,

صاعدا هابطا ,

والريح  تذرو ذابل الأوراقِ(*)

* يأسك يقطر  كالسم ,

وأنت في الجفاء  ثانية

تقصف  عودي.

- عليك أن تبتهجي

وقد خرجت من الحب عليلة  بلا أمراض

حيث  لا ترقى الوحشة , ولا

غليظا  من  نافذتك , بتر وسه,

وأظلافه الفاتكة ,

يطل  فارس  الألم .

دعيني إلى جنازك,

دعيني الليلة أنام  جوار كلماتي

هذه المرة,

وقبرك.

----------

* راينر ماريا رلكه.


تصميم الحاسب الشامل