قصائـــد

 

نجاة علي


ضجيج الموتى

ستكون  هزائمي مريحة  لكم هذا المساء, ولا حاجة لي بكم <<فتعي رونني>> بهذا القبر الضيق, فهو يناسبني تماما, وسأودع  -- بسعادة  بالغة -- حفاره, كي أهرب منهم ومن أشياء كثيرة لا أعرف معناها بالضبط : الرحمة, والفضيلة, ورائحة أمي المخيفة, التي تتجول بحرية بين غرف البيت, والتى علمتني سوء  الظن والوقاحة, لابد  إذن أن أتخلى عن هذه الأوهام البلاغية, التى تورطت  يوما في عشقها, وأن أحاول أن أهش  هذا الذباب  اللعين, الذى يروح ويجيء فوق رأسي, فيصيبني بالدوار والغثيان, فأبصق على نعشي, وأتسل ى باصطياد العناكب المتوحشة, التي تركت بقعا فاحمة  على جلدي, أيضا هذه المنضدة المعوجة, تلك التي جعلتني أخلط  بين صورتي وصورة الذين أفسدوا حياتي وعطلوا وجودي, أخر جوها من المشهد كي أستطيع  أن أرى الأشياء عارية, فلم يعد بإمكاني الآن أن أخفي رغبتي في أن أردد:

<<الحياة لا تساوي شيئا, لا تساوي شيئا الحياة >>

أغنية قديمة وباهتة, تعلمت ها من هذه الجدران البيضاء المشقوقة, حين كنت  أبحث  عن نكات  مفجعة ومسلية, أحكيها لكم ثم  أصير  بعدها كائنا مشوشا تلتبس  عليه الأمور, وربما مهرجا أعمى يحمل صليبه بحماس, وخفة زائدة, لا تتناسب أبدا مع نحافة جسده, وضعف مفاصله التي أوشكت على التفتت, سأقولها بثقة  هذه المرة : <<سقوطكم واقع لا محالة>>. كما أننى لا أصدقكم ... فأيديكم ملطخة ... ولا أحد  منكم أيضا يستطيع إخراجي من القبر, ولا حتى هذا الولد, الولد الذى قالت عنه النبوءة, تلك النبوءة الساذجة, إنه جميل كالمسيح, وإنه سيأتي يوما إلى ذلك المكان الخرب, والذي يد عون دوما أنه غرفتي, ليعيد طلاءها من جديد, ثم يوقظني بلمسة سحرية من يديه, هذا مع أن سك ينه الحادة ما زالت مغروزة  في عنقي منذ ثلاثة أعوام, وصوت تقطر دمائي يفزعني ليلا, ولا أحد يلتفت إليه غيري . وعلى الرغم من هذا, سيكون رائعا حقا, ذلك المسيح الجديد الكاذب, الذى سيهبط علي  من السماء, السماء التى قاطعتني دون أسباب  واضحة, ليفك  تلك القيود  الأبدية, لابد إذن من التهيؤ لتلك القيامة الوهمية , ولن يكون هناك بالطبع مشكلة في مصادقة بلهاء آخرين, أكثر منكم تواضعا, يساعدونني على خلع روحي الثقيلة, التي أصابها العطب, وربما أفكر فى الانحدار إلى هذه المياه القذرة, حتى أستمتع  بملامسة تلك الضفادع اللزجة, والعقارب التى تقطر  صديدا في رأسي, وتمنحني رغبة متأججة فى الرقص, الرقص الذي تدربت عليه جيدا فى الظلام, هذا بالطبع بعد أن أضع غمامة  سوداء  على عيني لأداري انفصالها الشبكي  أمام المتفرجين السذج, فليس هناك ما يستحق  العناء . يكفيني إذن هذه القبور المظلمة التى لا تقلق أحدا غيري, وتلك الكلاب  الضالة  التي تنبح حولي وتطارد ظلي النحيل, لتفسد عزلتي وتشعل  الهواجس المرة التي تنخر  كالسوس في عظامي أو تجعلني أنتظر دائما ما لا يجيء.

قرب حائط مشقوق

بياض  شعرك

يزيدك  فتنة

وبدانتك

دليل  إفراط  في

الحياة .

أيها المراوغ  العجوز

لا يعطلنك شيء

ولا حتى هذه  الفتوق 

      بيننا

أو تنتبه لجثتي التي

سأحملها بهدوء

للخارج

لأنعم بالبرودة 

تسري بين خلاياها .

فلا تحاول استدراجي

مرة  أخرى بحديث

عن بحيرات  هادئة

وجنات  خضراء

نرحل  إليها

معا

مثلي لا يحلم  .

فلا تجعل  يديك 

تحتضنان  كفي

هكذا ,

كفي التي تقبلها

-- بحنان  طفل  --

ولا تحاول قراءتها الآن

فخطوط ها غائمة

مثل مطفأة  معتمة

وهي لن تقول لك

مثلا

إننى أفرطت  في

اليأس

وفي السير لساعات

طويلة

-- بلا هدف  --

<<أنتظر  الليل  ومن بعده

القبر>>

.....................

ليس أمامي إذن

سوى إضاعة  الوقت

أو البحث عن حائط

-- أي حائط --

شريطة  أن يكون

قديما ومثقوبا

أجلس  قربه

أد عي - بزهو - عنده

المعرفة  المرة ,

ثم أهذي بأسمائهم

حتى أراهم

هؤلاء الذين غادروني

في الزحام

... ودون إشارة .


تصميم الحاسب الشامل