|
|||||
|
ثم هي اندفعت في الكلام, ثلاث عشرة دقيقة, وبعد أن قام, وفي ارتباكته قلقل كأس الماء, وبعد أن غاب تماما عن بصرها, سكتت , وفتحت عينيها على العالم من جديد. الحقيقة أنها افترضت غيابه, مثلما افترضت وجوده. أما كأس الماء الملموس, الوحيد الملموس, فظل يهتز, حتى بعد أن قامت, وغابت, وصاحب المقهى أحاط المنضدة بسور قصير. غيرت المقهى, وأحببت مقهى غيره, ولا يزال أصحابي يضربون لي مواعيد في المقهى الجديد, وأنتظرهم, مستمتعا بالماء الذي لا يقع, والكأس الراقص على جميع أنواع الضجيج. أجدادي لم يعرفوا الأبجدية, وبينما هم في طريقهم رموا سهامهم كلها ولم يحصلوا مع هذا على السماء كقنفذ, ومن ثم لم يذهبوا الى الحرب ولا إلى الصيد. ولم يورثوني كلاما والحجارة تركوها لي حجارة, لا ملونة ولا منقوشة, وأجدادي هزمهم الجميع ولم يسلبوهم حيرة العيون ولا أي شيء. فقأ أكبرهم عينيه ذات ليل وصاح <<لم تزل السماء زرقاء>> وألقى بكل شيء الى النيل ما عدا روحه, ولم يكتبوا حكايته فأين الحكاية, ولا اخترعوا الأبجدية. وكانوا يفرون إن شعروا أن طفلا سيولد فيهم, يتركون مكانهم وح بلاهم ويقطعون في ذعرهم المسافات تلو المسافات فداروا هكذا تسع مرات حول الأرض, وبغتة وجد أحدهم نفسه وحيدا فبدأ بأن تذكر الحبلى التي لابد وضعت ثم تتابعت الصور بسرعة: السهام مطر معكوس, الأعداء المنتصرون على الهواء, العجوز نائم على صفحة الماء والسماء لها لون آخر لأنه يريد ذلك, الأفراد- كل واحد في ظروف خاصة- يختفون نفس الاختفاء. إن الايقاع الذي تتحرك به الحياة في الخيال بديع, لا يمكن أن يقاومه راقص حقيقي. راقد جنب امرأة نائمة , بحيث لا أعرف أين هما يداي, إنهما لا تلمسان شيئا , ولهذا لذة كالتي يدخرها الشيطان لا يزال, وجسمي كله أيضا, ولكن قليلا قليلا , ليس كمن يغرق, كمن يصعد من حوله الماء من غير جلبة أنا, لابد أنني في حلمها وأنني قوقعة على أذنها وهي تسمع <<(أنغام) >> تقرأ نشرة الأخبار. اللون الوردي لا يشمل الأشياء أمامي, فقط كل شيء واضح كأنه تمثال نفسه, المخدة , الببغاء مكتوم الأنفاس, الدولاب, وما تقوله ؛أنغام« يؤكد أننا في خطر ما دام العالم في خطر ما دمنا من العالم, بينما لا شيء يؤشر إلى شيء: كقاعدة عامة. *** بعد أن انقشع الغبار الذي كان كثيفا جدا , لم يكن هناك سوى بالونة حمراء منفوخة بالدموع, وحدها في أفق كامل بلون الثلج. الغبار الذي بسبب ديناصور كان يجري وأمامه الآدميون يجرون. ثم الآدميون يجرون وأمامهم قطيع البقر الوحشي يجري. ثم الآدميون يجرون, لا شيء أمامهم, لاشيء في الخلف.. وإذا بطريق مرصوف والعربات جرت وتجري وستجري, مع غبار - هذه المرة- أقل وأطول وخانق للشاعر والرومانتيكي والقروي. لا شيء يساعد على التكهن بما حدث للدموع, إنما البالونة بلا ثقب واحد , وبعقدتها لم تنحل, ذابلة, منكمشة مثل واق أخفق, مهملة جنب جدار, وحين نظر إليها الطفل قالت له أمه ؛إياك« ذلك الطفل هو أنا حاولت أمي دون جدوى أن تتذكر الحكاية برمتها. والبالونة, وما حدث لها يجعلني غير ناقم على أمي. لحظة واحدة آلو.. نعم.. نعم أنا أحمد شافعي.. أهلا أهلا .. آ .. أهلا أهلا .. وما الذي يمكن أن يمنع.. غدا .. آ.. الذي خلف الميدان.. جنب السنترال.. أوكي هناك.. لا لا هذه أسهل حاجة, فلن تجدي مني اثنين في العالم, فدائما تتدلى من فمي بالونة حمراء.. مرتخية.. مرتخية خذي بالك.. وبمجرد أن أتكلم تأخذ قوامها.. لحظة واحدة أنا آسف جدا نكمل القصيدة فيما بعد - لا .. لا.. ولا مشغول ولا حاجة.. لكنه شحاذ لحوم وصرفته وخلاص *** اشترك أربعتنا في نقل فناجين الشاي الى ركن المائدة, وبعد ذلك أخذت تتلو في خجل ورهبة, فيما لاحظت أنا أن هناك ثلاثة فناجين فحسب قال: وأنا قبلت زواجك خرجنا, أنا, وتامر وهو الشاهد الثاني, وفيما نمشي قلت له: أعلى رأسك فنجان شاي ببخاره. كالسحابة التي ظللت رأس النبي الى الشام في الشام ضاع كل أثر لتامر. أما أنا فجلست على أدنى درجة في السلم الذي يؤدي الى السماء الأولى ومنها إلى بقية السماوات, ومن ذلك المكان تفرجت لعدة سنوات على المعارك اليومية الشيقة بين اسرائيل والفلسطينيين, وحين بلغت الأربعين تذكرت: كانت المائدة مستديرة فأي ركن إذن وضعنا الفناجين فيه? لابد أننا عملنا المستحيل, عملنا مربعا من دائرة, فاختفى فنجان, وطار اثنان واستقر الأخير في يد العريس الجالس وحده في شرفة الشقة المفروشة في لباس أحمر ولا شيء في الشقة من خلفه غير سجادة كتلك المفروشة في أنتارتيكا, ثم في وقت آخر يستقر الفنجان في يد العروس الوحيدة في منتصف انتارتيكا لا تجرؤ أن تظهر في الشرفة المطلة على سليمان باشا. وحين يحدث ويلتقيان, في يوم عطلة, لا يجد الفنجان من ينظر إليه وهو يعرف أنه أصيص من نوع ما لزهرة من نوع ما, سرية تماما. تستطيع عبر هذا الشباك أن تعود إلى العالم وأن تنهي الرحلة الشاقة ياه يا رجل كأنك كنت تطلع نخلة تنمو أثناء ذلك وبينما يقع لحم الطفل ويكمل الطلوع لحم الشاب وهكذا, تمني هي نفسها بأن تكمل الرحلة ويصبح الماء والهواء والتراب بلحا أحمر ياقوتا للأكل لكن الشباك أنت ابتلعته مثلما ابتلعت العالم. ----------------------------- * عن زفاف بلا تفاصيل, في كافيتريا الهناجر, يوم 9/سبتمبر/2003م. ** مطربة مصرية. |
|||||
|
|||||