|
|||||
|
مفعم بالأحاسيس والأمطار, أمطار الروح التي تتجمع كالغيوم, أبدأ الرحلة الهندية نحو الشمال. الرعاة يهشون على أغنامهم فوق الأوتوستراد. والأغصان المليئة بالطراوة تنود على جانب الطريق. تذكرني بعنق <<الغزالة>> البرية, وهي تصعد العل وة, متمايلة للقاء الحبيب. النسيم الحريري يملأ الأنفاس برحيقه. والأعشاب الشديدة الخضرة, تلغي, دون عناء, كل مصدر <<فكري>> للتلوث. كلما ابتعدت عن <<دلهي>> اقترب أكثر من الهند! صرت أفكر. لكأنهما النقيضان. وبدون هذه<<الأنقوضة>> ليس للهند طعم. في شمال <<دلهي>> سأتوقف عند تمثال <<شيفا>>: إله الهند الأول. رجل جميل مثل امرأة, على كتفه الثعبان الكوبرا. وعلى رأسه هلال القمر. وهو ينظر الى العالم (لا إلى الغيب) بابتسامة متفائلة, البخور يملأ الفضاء المحيط به. والهنود ينحنون داخلين, وخارجين. يباركهم <<شيفا>> المهيب, مل هم البشر المسالم,أبو الإله- الفيل: <<غينيشا>>. في ساحاته الخ ضر المليئة بالعطر والبخور, أتوقف طويلا أنظر, مأخوذا , إلى الس م ت: سمت المكان الذي يتحمل كل هذه الصلوات الصامتة, بتواضع. لكأن الناس فقدوا أصواتهم! عيونهم مفتوحة, ولكن لا ترى أحدا . ينظرون الى أعماقهم, لا إلى <<مظاهر>> الآخرين. أحسهم يدخلون <<كل شيء>> في بواطنهم, وقد هيأوها, بتنظيفها من كل رجس! هيأوها لتسع العالم بلا اكتظاظ. أي <<شيفا>> الجميل, امرأة أنت, أم غلام? أحب أن أكتب, كثيرا , عن <<شيفا>>, الإله الذي شغفني حبا ! وقفت, طويلا , تحت تمثاله المتناسق الأركان. أتملى, بشغف, وجهه النضر مثل وجه عذراء, لعوب. حسبته امرأة منذورة للغواية, وهو <<يستوي سيدا ق حما>>! كما تقول أخت <<طرفة ابن العبد>> عنه! لنظرة <<شيفا>> بعد ميتافيزيقي صارم, مع أنها مملوءة باللين ولضخامة حجمه, فإن نظرته الغريبة, تلك, لا تغطي الكوكب الأرضي, وحده, وإنما تنطلق إلى ما هو أعمق منه, وتبدأ الجبال (التي قذفتها الهيمالايا) بالظهور. فما تناثر من <<شظايا>>, من قمم <<الهيمالايا>> الساحقة الع لو, مهما كان صغيرا بالنسبة لها, يبدو للرائي جبلا عظيما . أين تلال <<الجزيرة>> الخرساء من هذه الضخامات? وأين هضيباتها القزمة التي كنا نسميها: جبالا ? <<تنبئ الأرض عن أهلها>>! هذا ماصرت أعتقد به منذ سنوات, وسأرى إن كان سيتأكد هذا الاعتقاد, اليوم. <<أحمد النعيمي>>, <<أبو بتلة>> الذي كان أبي, ذهب, ذات يوم, على ظهور الجمال, إلى <<ديار بكر>>.وظل يحكي لي, طيلة حياته, عن رحلته الكبرى, تلك. كيف تزوج, وتطلق, وتزوج, من جديد. وكيف زوج امرأته التي ادعى أنها أخته, ليقبض المهر, مساء, وفي الليل, (قبل الدخلة) ينهبها ويطير. وأنا, لمن سأحكي الرحلة الهندية, إن لم يكن لنفسي! في أول <<راجاستان>>, توقفنا عند أقدام الجبل البركاني الذي قذفته <<الهيمالايا>>, بعيدا , مثل حجر صغير يقذف به عملاق. في بستان هادئ وجميل قعدنا. قعدت أنظر النور المتفاوت الأشكال والألوان. لكأن الطبيعة ألبست كل غصن ثوبا من ضياء لا شبيه له! والطيور المحلقة فوقنا تشي باتزانها عن روعة السماء. لماذا لا تخاف الطيور الكائنات, هنا? ومن أين لها بهذه الأجنحة المستوية مثل السحاب? العامل الهندي, البسيط, الأشيب, لم يتوقف عن النظر إلي , ولا من لمس شعري, ومن آن لآخر يعيد سؤاله الوحيد علي : - من أي بلد أنت? وأسمي له <<البلدان>> التي أنا منها, دون أن يكف عن السؤال. لكأنه يطرب لكلامي, دون اهتمام بمحتواه! لكأنه يبحث عن الصوت, لا عن المعنى. وهو ما أثار دهشتي. ووجدتني أنجذب إليه. إلى بساطته الرائعة, وانعدام حيائه. فها هوذا قد بدأ يحكي لي <<بلغته الصماء>> مآثر الجنس, وفضائل الاتصال. ومزايا الأجساد. وأنا استمع إليه باهتمام كبير, محاولا أن أفقه: لم يعذب الناس, عندنا, أنفسهم بالشروحات, والأمثلة, من أجل توصيل <<تفاهاتهم>> التي, مع ذلك, لا تصل إلى أي أحد, إن كان التفاهم الانساني يمكن أن يتم بمثل هذه السهولة? أما صاحبة المحل, السيدة السمراء الغامقة, ذات الشفاه الحمر المليئة بالشهوة, فقد كتبت اسمي <<بالهندي>> (كما يقولون عن لغتهم هنا), وأهدت ما كتبته لي. ومن تحت حواجبه المذهولة تطلع الرجل القديم إلي , وهو يحكي لي, صمتا , عما يملأ رأسه من هذيانات. قالي لي. وقلت له. وتفاهمنا, وتآمرنا, دون صوت. آه! كيف تشعل امرأة <<ساذجة>>, مثل هذه, نيران الغواية! وكيف تملأ مكانا خاليا, بالانس, وتؤثثه برغبات بلا حدود! ماذا كانت تقول السمراء بعينيها? <<دلهي>> تخنق الكائن إنها كابوس يومي. وبفضل <<بابو>> وأمثاله من <<الدلالين>> الحديثين(أريد أن أقول من دلالي الحداثة), فقد تحولت إلى فخ! إلى فخ مرعب بالنسبة للسائح الصغير من أمثالي. هنا, في راجاستان, بدت أتنفس. الشمس أراها بوضوح (ولم ارها, أبدا , خلال وجودي في دلهي, مع أنها ظلت تشرق وتغيب)! وهواء السهول الخصيبة, ذات الاتساع المهيب, منعش ولطيف. النظر يأخذ مداه بلا حدود (وقد كان مقيدا بأمتار محدودة في عجاج دلهي)! الناس, هنا, غير لزجين, ولا عدائيين, مثل أهل دلهي. وعلى شفاههم ابتسامة <<عادية>>! وعندما تقبل عليهم,ينظرون إلى وجهك, لا إلى حذائك, كما يفعل الآخرون. يحيونك, وكأنك ضيفهم الخاص, مع أنك تجلس في حدائق الله. ويقدمون لك الخدمة وهم مبتهجون. الرصاص الذي كان جاثما على صدري ذاب! ولأول مرة, منذ سافرت عنهم, أتذكر <<سلوى>> و<<شام>> و<<نجد>>! كان <<رعب>> المدينة المكتظة, المليئة بالنصابين الصغار, يمنعني من الالتفات إلى قلبي! ولم أستطع أن أمنع نفسي من النظر إلى المرآة, لأتأكد من أن الابتسامة تملأ وجهي, عندما رأيت نبات <<الزل>> الرشيق يتهف هف في الريح. في ريح <<راجاستان>> العليل. آه! زل <<الخابور>> الطاعن في التاريخ. سهول <<راجاستان>>, الحمر الواسعة, ونبات الزل الجميل المنتشر في ضفافها, وبيوتها الطينية الواطئة, وكثرة الجمال الراعية في روابيها, يعيدني إلى <<الجزيرة>> السورية, ذات الألق التاريخي العريق. على حدود <<بادية الشام>>, في القسم الغربي من <<الهلال الخصيب>>, تتمدد <<الجزيرة السورية>>, فاتحة أركانها للتاريخ. هياكلها الكثيرة, هياكل المدن- الأم: مدن الحضارة المتوسطية الأولى, وقد تحولت إلى تلال من التراب والصفيح, تعطيها بعدا مليئا بالأساطير والخراب. تلال تثير في النفس <<وحشة ميتافيزيقية>>, لا علاج لها! فوقها,كان أبي يقعي مثل طير في نهاية طيرانه, ينظر في الخلاء الشاسع, يمينا وشمالا , قبل أن تجيئه نوبة الحداء الحزين. هنا, أنا بين عناصري, وأحابيلي, أعرف هبة الريح, وأتمتع بنور الشمس, وأنظر المدى, وأنا اختبئ في ذاتي! <<جيبـــور>>! <<جيبور>> مدينة جميلة, محاطة بالجبال من جميع الجهات تملؤها الفيلة التي تمشي مختالة بتزييناتها البارعة. تزيينات مرسومة على أركانها بعناية لا حد لها. فيلة عظمى يقودها صبية نحاف. هي واسطة النقل الأولى في <<جيبور>>. تليها الجمال ذات الوبر الناعم والصقيل, والتي تتمتع هي الأخرى باهتمام هي جديرة به. <<جمالي>> التي رعيتها في <<بادية الشام>>, في <<جزيرتي>> السمراء العتيقة? كيف لا ارتبك في <<جيبور>>? بيوتها حمر, نظيفة شوارعها مستقيمة, ومعتنى بها, هذه الـ<<جيبور>> إذا كانت دلهي تبدو وكأنها بنيت بشكل عشوائي فإن <<جيبور>> على العكس منها, بنيت وفق مخطط مدروس, المهاراجا <<ساوائي جاي سنج>> الثاني, الذي كان, هو نفسه معماريا , خطط لها, وبناها وفق تصوره الباذخ. وهذا المهاراجا الذكي كما يقال, عرف كيف يتحالف مع المغول المسلمين ليصون <<المدينة الزهراء>>, أو <<الحمراء>>, وهو الاسم الذي افتتحت به <<جيبور>>. بواباتها الحمر الشامخة, وجوامعها الكثيرة, تذكرني <<بمراكش الحمراء>> في المغرب. في شوارعها تتجاور الجوامع البسيطة, المحفورة في الأرض, مع أماكن العبادة الهندوسية المبنية بنفس الطريقة. هنا لا ضرورة للبذخ لكي يتعبد الناس ولا مانع من أن يتجاور المؤمن بالله و<<الوثني>> الذي يسجد لصنم <<بوذا>>. تعدد الآلهة والأديان, والاتينيات, هو الذي يسود الحياة الهندية, وسمته <<التوليرانس>>, أو التسامح, التحمل, التقبل, التفهم, أو هذه كلها, مجتمعة. لا أحد ين هر البقر في <<جيبور>>! وتقف السيارات في صفوف طويلة, لتمر الأبقار بهدوء, وبانتظار <<أن تحل معجزات كثيرة>>, يحلقون تحت الشجر القصير لحاهم! وتحته, يأكلون, ويتغوطون, وينامون, أيضا . الأرض بالنسبة لهم بساط والسماء غطاؤهم الذي لا يبلى. التراب ليس نجسا , والماء, كلها, نظيفة, والطعام, إن وجد, فهو مستساغ, مهما كان نوعه. وشكله. هنا, سأكتشف <<غباوة>> الأعراف والتقاليد. سأكتشف أن للحياة وجوها لا تحصى, وكلها سليمة, وممتعة! من أين تعلمنا التزمت والإنسداد. سأكتب كثيرا في <<جيبور>>, وعنها, لأن متعتها لا تنتهي, حتى أبقارها مدللة وسمينة! للجمال رهبة! هذا ما سأشعر به في <<جيبور>> المدينة الهندية الحمراء, أو <<مراكش الهند>>, إذا أحببت أنظر ! أمام بائعات الخضار المرصوفات تحت جذع شجرة عملاقة, سأتوقف طويلا , اللون الأخضر الذي يزين ثيابهن يوحي بالحب والحياة, وهن لا يبالين بمن ينظر إليهن, الحياة تدافع عن نفسها بعدم الاكتراث. الشارع الأحمر الرئيسي, سأمشيه حتى النهاية, حتى <<الجامع المسجد: <<جامع جوهاري بازار>> في <<جيبور>>, كما هو مكتوب بالعربية, على حيطانه. سيستوقفني العشرات من الناس. وسأظل ماشيا , دون تردد, حتى النهاية. لا, لم أعد أريد أن أقطع المتعة الى أنصاف, ولا, أن أخيب ظن نفسي في نفسي حتى ولو مرغما , ثمة حدود لا يمكن للكائن أن يصلها, ومع ذلك عليه أن يصل هذه الحدود التي لا يمكن التوصل إليها, أبدا , وليس ذلك مناقضا للمنطق, على عكس ما تتصورون. والآن, علي أن أمشي. كنت أريد أن أنزع عن قدمي كسل دلهي, وخمولها. أن أثأر لمنعي من المشي فيها لعدة أيام. أيام قضيتها مقرفصا في <<طراطيراتها>>, الصاخبة, المنطلقة في الشوارع الشديدة التلوث, بجنون! من أجل أن تصل الى أين? إلى لا مكان, بالتأكيد, بعد أن تحولت المدينة, كلها, إلى <<متجر>> مفتوح على الجهات, على جهات الكون الأربع. عندما التقيت بالصدفة <<المخطط>> لها بعناية بالغة, من قبل <<بابو>>, بصديقي الجديد <<رامزي>>, في حي دلهي الشعبي المهمل,وشربنا الشاي أمام دكانه الخشبي الذي لم يزره أحد غيري, منذ ايام, ربما, فرحت كثيرا , ربطتنا اللغة العربية على الفور! أية علاقة تقوم بين الكائن وبين اللغة التي رضعها مع الحليب? لا! لا شيء يعادل الأمان, والاطمئنان, الذي يشعر بهما غريب يسمع أحدا يتكلم بلغته (حتى ولو على الريحة), وبخاصة في وضعي <<الدلهوي>>! اشتغل <<رامزي>> في الخليج لسنوات, عند طبيب (أيكون قال هذا, وقد عرف اني طبيب جراح, إذ لابد أن <<بابو>> قد شرح له كل شيء قبل أن يجيء بي إليه: قبل أن يبيعني له, بالأحرى)! والطبيب يدعى <<حجر>>. وهو من العائلة الحجرية الشهيرة في الدوحة. كما قال. المهم, أن بضع كلمات قالها لي بالعربية, كانت كافية لكي أتخلص من <<وضعي الحجري>>, وأغدو لينا كالعجين, بين يديه. وهو ما ذكرني <<بلين>> المرأة الم شتهاة, عندما تدرك صدق اشتهاء الرجل لها, ورغبته الحميمة فيها. انها, عند ذلك, تفقد كل مقاومة, على العكس منها. عندما تشتهي, هي, نفسها, الرجل, حيث تستطيع أن تسيطر في هذه الحال, على رغبتها, ومع ذلك, صدق <<رامزي>> في قوله, وجاءت السيارة البيضاء في موعدها, لتقل ني إلى الشمال الى الشمال الهندي الذي أختال فيه, الآن. في هذا المساء الجميل, وأنا أتابع الرقص <<الراجاستاني>> بحركاته المملوءة بالحسي ة والحماسة, الحسية المتناثرة من أجناب الراقصات الممشوقة من كثرة الوثب والتفلت, أشعر ان رحلتي قد تصيب نجاحا ما, بعد أن كنت متأكدا من فشلها! وأكاد أوقن, الآن, أن ما خشيت أن يتحقق لن يتحقق إلا في أحلامي! وليس ذلك علينا بغريب. في <<جيبور>> سأقف في الظل طويلا : ظل <<قصر الهوا>>! مقابل <<هوا محل>>, وهذا هو اسمه بالهندية, سأستحضر غابر الأزمان, حين كانت النساء محل حيطة وافتتان, كانت نساء المهاراجا العظيم يتبصرن من وراء ط وق <<هوا محل>>, مستمتعات بالريح الغربية الآتية من بعيد. يرين كل شيء, ولا يراهن أحد غيره (أو هكذا كان يظن)! فالمرأة لا يغلبها إلا الله عندما تريد أن تتمتع بوقتها. هذا ما أكده الحكماء, جميعا : حكماء الغيرة والنميمة, أهل الألسنة الطيبة مثل عصير جسد مهْصور. <<قصر الهوا>> رفيع وجميل قصر تتخلله الريح متى هبت, وفيه يمكن للعين أن تظل طليقة, مثلما في بيت مشي د في الفلاة. وهو ما لم تتمتع به الأعرابية التي لم تألف القصور الكتيمة. أيكون باني <<جيبور>> قد قرأ أشعار تلك الأعرابية الرافضة لكل قيد: لبيت تخفق الأرواح فيه.. وعرف, بالتالي, مدى الأثر الذي يحدثه النظر الى العالم, حتى ولو من وراء حجاب من المرمر الرشيق? إن الكائن المحروم من الاتصال, كائن معطوب. وهو ما يشرح, ولو جزئيا, مآسي <<خواتين>> الترك, وغزارة شحومهن. واجهة القصر العظيمة, ذات اللون الآجري, وطوقه التي لا تحصى, وارتكازاته فوق هضبة تشرف على <<جيبور>>, ونواحيها بحيث انك ترى منه السهول الشاسعة والبعيدة (ومن باب أولى الكائنات القريبة التي تمر تحتك), وكأنها طوق عينيك, دون أن يراك أحد, تجعل من <<هوا محل>>, رغم نحافة بنائه (أو قلة ث خنه, بالأحرى) أثرا معماريا لا مثيل له على وجه الأرض. أن تبني قصرا شاهقا , عظيم المرأى, لا يتعدى عمقه أمتارا قليلة, ليجيء بهواء الكون إلى أجمل نساء العالم, عبر المشربيات الرهيفة. من أجل أن <<ينعشه ن>>, هو بالتأكيد دليل على مخي لة شديدة الحسية. مخيلة مهراجا تتوقد حساسيته مثل شرر نار في حضور المرأة البهية. وقد أدرك, بفطرته النبيهة, أن الجسد, وبخاصة جسد المحبوب, هو, وحده المقدس. الجبال السود المحروقة المحيطة بجيبور, تذكرني بجبال <<عدن>> اليمنية, تلك الجبال المتوحشة الصامتة, التي تجعل العين تدمع من شدة الانفعال, تصوروا <<مراكش>> الحمراء مختلطة <<بعدن>> السوداء. هكذا يمكنكم أن تفهموا ما هي <<جيبور>>! والآن , يدهشني ألا يكون المهاراجا العظيم, الذي كانوا يلقبونه <<بنيوتن الشرق>>, وهو العالم والمعماري والحكيم, الخبير بشؤون العالم, آنذاك, والذي عرف كيف يتحالف مع المغول المسلمين, ليصون مدينته, أقول سيدهشني ألا يكون أراد بوعي, عندما بنى مدينته <<الزهراء>> أن يجمع بين النقيضين: بين مراكش, وعدن! وهو الذي يعرف (ولا بد) أن الطبيعة, في هذه البقعة, توفر له كل ما يريد. خصائص <<الشيء>> هي التي تجعلني أتكلم واكتب. وهي التي تدفعني الى التعبير عن أحاسيسي, للأشياء الجميلة طاقة تحريضية هائلة, وبدونها تغدو الحياة خرساء.. فاعذروني إذا استفض ت كثيرا . تصعد الفيلة الجبل هادئة وبطيئة. تصعده حتى القلعة الواقفة فوق <<جيبور>>! جبال, جبال, وقلاع, حية, تحرس <<جيبور>>, عظمة! لا اسم آخر لها. وأتذكر الاهرامات استحضر عظمات التاريخ, الأخرى, التي لا تحصى. أتصور أن حاجة المهراجا (على عظمته) لا تتجاوز <<يكفيها>> قصير واحد من هذه القصور العظمى, والقلاع العديدة, المحيطة بجيبور. لماذا كل هذا الاستحواذ على التاريخ. زمانا , ومكانا . إذن? أتراها, فكرة الخلود التي تعذب الكائن, هي التي وراء كل هذه المآثر والبراعات? حفظ الله الخلود, لنا, دافعا , الخلود الذي سيدمره أسلوب الحياة الغربي المبني على الاستهلاك البائس, والسريع, القائم على المضي, قدما , نحو الموت: نحو الموت ابتذالا , فاحذروه. تصعد وتهبط بلا اكتراث بمن يركبونها, فيلة, <<جيبور>> الخرافية, المزينة بالألوان. يركبها أطفال صغار لا يعادلون ذيولها, لكأنها تؤكد أن حجم الكائن قد يعادل <<حكمته>>! وان الكبير الذي يطيع الصغير, لا يفعل ذلك, دائما, بغاية الخضوع المجاني, وإنما لحكمة تقتضيها الحياة, تقول لي هذا, وهي لا تكف عن الصعود البطيء نحو قلعة <<امير>> المعلقة فوق ح بال الجبال. مرامر وزخاريف في قصر القلعة المنيف. فيه, نكتشف نبل المرمر ورشاقته. نرى الأسود تتناطح في الحجر الأصم, والأفيال تتحابب في صورها الزرقاء اليمامية. فوق القصر جبال وقصور أخرى. فضاءات من اللازورد المعمم بالجبال. أي فضاء سحري يحيط بهذه المدينة المليئة بالتراسيم? وفي الأعالي قريبا من السماء الدنيا, يقف صامدا جدار <<جيبور>> الحامي لها من الغزاة والأفاقين (القادمين من الآفاق) جدار شامخ يمتد من قمة الى قمة. أشجار القصر عمرها مئات السنين. وتلافيف جذوعها تشبه أخاديد وجه هندي عتيق. أشجار <<بودا>> الشهيرة التي أحبها وحماها أشجار <<بنْين>> . بينها أجلس, مصالبا يدي وقدمي أتشرب الصمت العميق النابع من أعماق الأرض. من أعماق الوادي اللفيف (الدائر حول البناء), أتشمم الروائح القديمة مثل روائح القرنفل البري في <<الجزيرة>> عندما تهرسه الثيران. الماء الصافي يترقرق بصمت في الأعماق, وكأنه يريد من الناس أن ينتبهوا إليه. أي ماء هو هذا الزلال العابق بالورود? وقصر من كان هذا القصر? وأين هم الخلان الذين توافدوا ذات يوم, إليه? من أي النواحي التمعت قطيراته على السيقان البضة الجميلة? وأخيرا , أي خير في حياة لا تتمتع بكل هذا البهاء. لأتخلص من صمتي, أبدأ الكتابة, من جديد, يحدث, أحيانا , أن أكتب صوتي, أن أسمع كلماتي وهي ترتسم على الورق وعندما أتوقف عن الكتابة, أتطلع الى الطريق. أتطلع إلى ن هير صغير يجري هائبا بين أشجار كثة شديدة الخضرة والإلتفاف. نهير يشبه, الى حد بعيد, <<نهر البليخ>> التاريخي, في أعالي <<الجزيرة>> السورية. النهير الذي شربته الشمس والسيخ. <<نهر التراب>> المتجفف الذي كنت أنحدر حافيا على جيلانه اصطاد الضفادع والحراشيف, أقطف سيقان البصل البري, وأحفر التربة لأشرب من الينابيع الصغيرة التي تفجرها أصابعي. كان نهرا صديقا وأنا, الآن, في <<جيبور>>! الأزرق والأحمر والأخضر هي ألوان المهاراجا الأساسية. أرى اشارة في قصره الديني. أحذيته, وسلاحه, وثيابه, وحرير حريمه, كل ذلك لا زال حيا , أراه في صوره التي أبدعها الصوار تزين اذنيه أقراط الذهب, والياقوت. وعلى صدره تتدلى ألباب الخرز الثمين: عقيق وزمرد ومرجان. وبالقرب منه, يحمحم, شامخا , رافعا ذيله بعزة, حصانه الأدهم, قبل أن يمتطيه, ذاهبا إلى لعبة <<الجولف>> , في الهضاب المحيطة بجيبور. العظمة لا ثمن لها سوى الخلود! هذا ما سأشعر به في قلب القصر الأحمر المهيب, حيث لا زالت الأفيال المزينة بالبراقع, ترابط على مداخله. في <<جيبور>> لا قسس, ولا رهبان, ولا شيوخ جوامع! المعابد الهندية شديدة البساطة, ومبنية في وسط الطريق. من شاء أن يدخلها بلا حرج, أن يستريح فيها, أن يأكل بجوارها, أن ينام, إذا شاء! إنها مثل قساطل <<ماء الفيجة>> الدمشقية المتاحة للظمأى من أي نحو جاءوا, وبخاصة إذا كانوا غرباء (أو هكذا عرفتها أنا في صباي البعيد), ولقد قلد المغول المسلمون الهنود في بساطة إيمانهم, فأقاموا, هم أيضا, مساجدهم المتواضعة في الشوارع والساحات. وأتاحوا لمن يشاء الدخول اليها, ,الخروج منها, بلاهيبة أو اعتراض. في <<راجاستان هوتيل>> البسيط, ذي اللونين الأخضر والبني, ببنائه الذي يعود إلى أكثر من قرن, سأقضي أيامي الرحيمة في <<جيبور>> فندق هادئ ونظيف (عكس ما سمعت من الهند), يديره شيخ هرم, مئوي, يشبه في بنيانه جذوع أشجار <<بنين>> التي يقدسها <<بوذا>>. في ساحته القريبة من القلب, مثل امرأة جميلة, ورود وأماثيل, حذروني من وساخة الهند, وأنا, هنا, في أنظف مكان, أرى السلام يهبط على القاع, وأسمع الهدوء بعيني , حتى الريح المنعشة تأتي بلا ضجيج. مساء, أخرج الى الشوارع, تزاحمني جموع البشر التي بلا حدود. كم هائل من الناس الذين لا شاغل لهم سوى الانتقال من مكان الى مكان, وهذه المرة, أرى البؤس الانساني بلا قناع! الهند أمتان, كما قالت الماركسية! في وسط هؤلاء <<الرعاع>> أتوقف طويلا . استعيد معهم, وبهم, طفولتي الأشد بؤسا ! لماذا لم أكن أخاف منها, وأنا انغمس فيها? الان, مجرد تذكرها أرعبني. اللعنة! من أية طينة جبل الكائن? وبأي حق يبذر حياته هباء? ثلاثة رجال نحاف, يكادون ألا يروا لشدة هزالهم, يتجادلون فوق كوم من القذارة والتراب, التراب الملوث! هل رأيتم ترابا ملوثاً? شعورهم لم تعرف البلل منذ سنين, وأنوفهم مملوءة بالحشر والنفايات. يتنفسون منها, أم منها يبتلعون الريح? ريح القذارة الشديدة الانحدار. أطرافهم تتثنى من شدة التعود على الجثو, وكأنها بلا عظام. ألسنتهم تلوك الهواء المليء بالنفايات, وأصواتهم تحمل العبث الى الفراغ. ماذا تراهم يقولون, أولئك النفر الذين أخطأوا الطريق إلى الحياة? ول م تراني أظن بأنهم كذلك, وها هم يتراشقون بعسل الكلمات! وأنا, أقف, وحيدا , في جو لا يكترث حتى بوجودي? ومع ذلك, أسمح لنفسي بأن أنظر عن اللاجدوى! أقف قربهم طويلا , دون أن يكترث أي منهم بي. أريد أن أفهم لم يتحمل الكائن كل هذا البؤس? أحقا, يتحمل هو ذلك, فقط من أجل أن يعيش? فقط, من أجل << أن يبقى على قيد الحياة? ولكن ما هي الحياة, في مثل هذه الحال? إنها الأنف واللسان. فقط, إنها التنفس والكلام, لا غير. فلا أكل, ولا لبس, ولا ذوق, ولا متعة(!), ولا يسمع احد منهم أحدا آخر (رأيت ذلك بعيني) ألذلك تراهم يتكلمون, معا , وبلا انقطاع? أيحاول كل منهم أن يسمع, هو, نفسه, صوته الأعمق, بوجود صوت صاحبه, دون أن يعيق صاحبه عن سماع صوته الخاص? أو ليست هذه هي الرفقة الحقيقية, التي نفتقدها, بعمق? الناس تستقر حيث تستطيع أن تعيش. وأنا, هذا المساء, في قرية من النمل. قرية نمل بشري! حفاة, عراة, يفترشون الأرض, ويلتحفون السماء, وهم, مع ذلك, يكادون أن يكونوا سعداء! سعداء لمجرد وجودهم في الحياة. في <<حياة قاسية>> (حسب تعريفنا السخيف للحياة)! وما أدرانا ما هي <<الحياة القاسية>>, ونحن نكاد لا نعرف حتى <<متعة البرد>>? ولكن, من هم هؤلاء الباحثون عن <<العيش>> في التراب? في تراب قعدتها الأبدية? في <<جيبور>>, سأتمتع, للمرة الثانية, بالرقصات الشعبية الهائلة الروعة, سأرى لون السماء الليلي, رائجا , فوق رأسي. ارى النجوم الخ ضر, تتلألأ, هادئا, في الأعالي: في أعالي الكون الغريب الأطوار. أحس بالهدوء الانساني, رغم ضجيج الرقصة الهائجة, يتدفق ساجما كالشلال. ستغيب, عن عيني , (مؤقتا ) صورة الرجال الثلاثة المفترشين الأرض, المتحدثين بلا صوت, المتكلمين, بلا انقطاع! لكأني صادفتهم في عالم آخر. الناس الذين يحيطون بي, هذا المساء, وفي هذا المكان, <<م خص بون>> يجلسون على كراس محشوة, ويأكلون بشهية, وكأنهم لن يأكلوا, مرة أخرى, يلبسون الحرير والزخارف, ويشربون بتؤدة, وكأنهم يخشون أن تسقط في حلوقهم قطرة إضافية. يختم ليل <<جيبور>> الصافي, <<رقصة النعامة>>, التي تؤديها راقصة شديدة الشباب, رقصة ت نبئ عن ماهية البنت التي صارت تساوي <<ماهية قدميها>>, ولم لا? إن كان ذلك سينقذها من بؤس مؤكد. حياة هي التي تلهم الأحياء! فلنتذكر هذا, دائما , إن كنا, في معمعة السذاجة اليومية, قد نسيناه, هي التي تلهمنا <<كل شيء>>! وأي ادعاء, آخر لا يستحق سوى الرثاء, الآن, أدرك معنى <<الجسد المقيد>>. وأدرك أكثر, بذالة <<الفكر المردد>>, وعقمه! أدرك, في حضرة الرقص الهيولي, فداحة الامتثال للسكين, أرى <<بوجودي>> كيف أن الرقص الحي هو الذي يعطي الجسد معناه, لكأنه يعيد خلقه, وتصنيعه, بشكل تصبح فيه المادة معادلة للحياة, المكو نة من الحركة المستمرة, حتى داخل الجسد, نفسه. وليست التظاهرات الفكرية السخيفة التي تأخذ شكل <<حركة معاوضة>> إلا علامة من علامات الاستسلام المطلق للموت. لموت الفكر قبل موت الجسد. أترك <<جيبور>> فجرا , برفقة <<دي باك>> سائق النزاهات ونبتعد: الى الفضاء الكبيرالذي يسبح العالم الأرضي فيه. وأخذت أرحل مع النور البهي المشع من العينين! ولئلا <<تفوتني الفرصة>> (وهي كما, أحسب, قد فاتت بعد أن بعثرت سنواتي الأولى في أرض قاحلة بلا رموز, سوى رموز الرمل والغربان. وما أحبها إلى نفسي!) سحبني السائق الهندي من ذهولي, بلطف: تأخرنا كثيرا. مستر. مشيت الى الخلف, أودع <<شيفا>> الجميل بنظراتي المملوءة بالألق. وسريعا , دخلت السيارة البيضاء التي ابتدأت على الفور, تلتهم الأرض. وعندما التفت , عبر حركتها السائبة, كانت عينا <<شيفا>> تذوبان في الغيوم البيضاء التي تتجمع في قبة السماء. بهدوء, اغمضت عيني ناظرا (محاولا أن أنظر) مثل عباد <<شيفا>>, بعمق إلى الداخل. فملأني الرعب! بعد ساعات من السير المتوثب, دخلنا <<راجاستان>>. وفجأة, يتغير النوء والضوء. أصبحت أرى السماء فوقي. والأرض تبدو رطبة ومبلولة. الورود زاهية الألوان, والمسافات بين الأشجار واسعة ومفلوحة. البشر على الطرقات أقل عددا , والغابات المحيطة بالفضاء أكثر كثافة. المحترف, نخترق, عند شروق الشمس, الجبال الجرداء المحيطة بالمدينة, من جميع الجهات! في الفجر الجديد, تتراءى لي المعالم والأفانين. أحسني مفعما بنعوشة الفضاء الذي استبينه لأول مرة. وأصير أتمتم, وأنا ألتفت يمينا ويسارا , غائصا في الصمت: من أين تهب الريح على <<جيبور>>! ----------------------- * فصل من <<الحج الى <<هاري دوار>>/ كتاب الهند. |
|||||
|
|||||