ويلفريد ثيسيجر

 

سيـــف الرحبي


(...) لقد سبق ثيسيجر إلى الجزيرة العربية آخرون مثل داوتي ولورانس وبرترام توماس مؤلف كتاب <<البلاد السعيدة>>. وكذلك السير <<جون فيلبي>> حيث تركوا آثارا تتراوح في أهميتها ونوازعها, لكنها لا غنى للباحث عن مرجعيتها في شؤون المنطقة وتاريخها وتطورها حتى اللحظة الراهنة.

لكن كتاب << ثيسيجر>> مثله مثل كتاب لورانس <<أعمدة الحكمة السبعة>> يتميز بقوة الملاحظة وعمقها ودقتها ليصل الى استنتاجات هائلة حول الصحراء وحياتها واستمراريتها  قيما وشعوبا عبر التاريخ.. ويصل الى استنتاجات ومقارنات بين الحضارات البشرية وديمومتها وتلاشيها.

فهو في انطلاقه من وصف حياة الصحراء ومظاهرها وسرابها واطلالها الخفية يصل الى آراء تتميز بطابع كلي حول الانسان والحياة والموت والحضارة بشكل عام داخلا في عمق التكوين البشري ومساره وتبدلاته ودوام قيمه.

انها الكتابة التي تتطلب هذا القدر من التجربة المأساوية لتكون ذاتها وحقيقتها الشاهدة على مر الزمن.

في الاشارات السابقة الى ان ويلفريد ثيسيجر جاب صحراء الربع الخالي وهذه الأصقاع الرملية المتحولة باستمرار بفعل العواصف والرمال التي تبتلع قطعان الماشية والبدو في مناطق تظل تجسيدا لخطر دائم ومواجهة عنيفة.

لم يكن ثيسيجر الذي جاب قبل ذلك صحارى الحبشة وتشاد ومراكش واهوار العراق. التي لم تكن الا تمارين أولية لرحلته الكبرى في جنوب الجزيرة العربية ومركز صحرائها وصحراء العالم.

لم تكن مغامرة هذا المستكشف الكاتب بمثل هذه الأهمية الا عبر ثمارها ونتائجها الكتابية والتأملية وقيمة الآراء والاستنتاجات التي طرحها حول الحضارة العربية التي انطلقت من الصحراء وقيمها الخالدة, نحو العالم وانسانه ووجدانه لتضيف وتؤسس ثراء وعمقا روحيين على المستوى البشري قاطبة.. اذ يقول:

<<وأفضل صفات العرب جاءت من الصحراء الا وهي ايمانهم الديني العميق الذي وجد تعبيره في الاسلام. واحساسهم بالانتماء الذي يربطهم بأشخاص يعتنقون نفس الدين واعتدادهم بجنسهم وكرمهم وحسن ضيافتهم وحرصهم على كرامة الآخرين كاخوانهم في الانسانية, وطيب معشرهم وشجاعتهم وصبرهم, واللغة التي يتكلمونها.. وحبهم الحماسي للشعر>>.

ويتابع ويلفريد ثيسيجر حديثه في هذا السياق الموضوعي: <<تأملت في تأثير العرب على تاريخ العالم بدا لي انه شيء ذو مغزى ان عرب الصحراء هم الذين فرضوا خصائصهم على الجنس العربي والتي انتشرت مع الفتح العربي.. ومن ثم أسسوا امبراطورية تزيد مساحتها عن مساحة امبراطورية روما.. وكانوا قد خرجوا من الصحراء متحدين بفضل دينهم الجديد>>. ويصل ثيسيجر في استنتاجاته وتأملاته في هذا الانسان القادم من الصحراء لغزو العالم لانه لم يخلف وراءه الدمار والخراب كما فعل الآخرون وانما انشأ حضارة جديدة واستوعب انجازات الحضارات التي سبقته ومن دونه لما تطورت العلوم والمعارف.. وما تم بناء الحمراء و<<تاج محل>> ويصل الكاتب والمستكشف البريطاني الى قوله: <<لا استهجن الافتراض انه في حالة انقراض الحضارات اليوم كما حدث لبابل وأشور فان كتب التاريخ المدرسية ستخصص بعد الفي سنة من الآن بعض الصفحات للعرب دون اشارة حتى الى الولايات المتحدة الأمريكية>>. قصدت من اجتزاء هذه الاشارات السريعة المنصفة حتى المبالغة ربما من كاتب ومجرب ينتمي الى الغرب في عمقه الانجلو سكسوني وفي عصر أصبح من مميزاته الهجوم الغوغائي على أي شيء عربي واسلامي وشرقي الذي لا يظهر عبر مرآة الوعي الغربي الا في صورة ارهابي وجاهل ومتخلف يثير القرف والاشمئزاز... وروائح طبخه تدفع الأوروبيين الى التقيؤ كما عبر عمدة باريس ذات مرة.


تصميم الحاسب الشامل