يدّ سقراط

 

عزيز  الحدادي


<<يا لها من عبقرية في هذه اليد, يد سقراط, الممتدة نحو هذا القدح نفسه الذي يمتلئ عن آخره بمادة غاية في الخطورة. إنه مستعد للموت, ومع ذلك يدافع عن خلود النفس. يبدو أنه يبحث بشكل آلي عن الترياق باعتباره أداة موته, لم يأخذه بشغف المتعطش. هذه الحركة تدل ببساطة على أنه مقتنع بموته; فطريقته في البحث عن القدح بدون أن ينظر إليها, دون ان يتوقف أيضا عن حواره الفلسفي تؤكد على أنه غير راغب في حل آخر, ما دام أنه كان مقتنعا بأن أفكاره تظل خالدة رغم توقفه عن الحياة>>.

لقد حاول الرسام العبقري مارت دافيد في لوحته الرائعة عن اللحظات الأخيرة لسقراط, أن ينقلنا إلى تلك الأجواء التي مر فيها تنفيذ حكم الإعدام في حق الفيلسوف, وذلك بإرغامه على شرب قدح الترياق أمام أصدقائه وتلامذته وعائلته. والحال أن لوحة دافيد <<موت سقراط>> استطاعت أن تنقلنا إلى الصفحات الأخيرة لمحاورة فيدون لأفلاطون, حيث مرت المحاورة بكاملها في تلك الزنزانة التي قضى فيها المعلم آخر أيامه قبل أن يتناول ذلك القدح القاتل.

يقول أفلاطون في الصفحات الأخيرة من محاورة فيدون: <<بمجرد ما سلمه ذلك العبد الجلاد قدح السم, تناولها سقراط بمعنوية مرتفعة, دون ان ترتعش يده أو يتغير لون وجهه, موجها نظره الثاقب إلى الجلاد حامل القدح ويسأله: هل يسمح في مثل هذه اللحظات أن يؤدي للإنسان صلاته ليقترب أكثر من الآلهة?>> لم يكن الجلاد يملك الجرأة للإجابة عن سؤال المعلم, بل إنه أخفى عينيه بيده اليسرى متألما لحاله, لأنه وحده يعلم بأنه كان مكرها على تسليم قدح الترياق للفيلسوف وإرغامه على تجرعها وانتظار موته.

تبدو يد الجلاد موجهة إلى الفراغ, إلى العدم, ترتعش خائفة من يد المعلم سقراط, التي تتحرك ببراءة أو شجاعة باحثة عن القدح القاتل بشكل آلي دون ان ترتعش أو تغير اتجاهها ودون أن يفكر في المادة التي توجد في القدح, ربما لأنه يعلم ان حكم الإعدام يستهدف جسده فقط, أما روحه فإنها تترفع عن أي حكم وعن أي استبداد, لأنها مستعدة لأن تستيقظ باكرا وتتجول في أزقة أثينا, مبشرة بآرائها الفلسفية; والشاهد على ذلك أن المعلم هو الذي يجيب عن السؤال الذي طرحه قائلا: <<إنني جد مقتنع بضرورة التوسل إلى الآلهة حتى يتم انتقالي من هذه الإقامة إلى إقامة أخرى بمنتهى السعادة>>. ويذكر لنا أفلاطون بأن المعلم بمجرد ما أنهى هذه الكلمات حتى تناول القدح وشربه دفعة واحدة وبهدوء مطلق.

ربما يكون هذا المشهد الدرامي قد أثر بقوة في الحاضرين دون ان يثير اهتمام سقراط الذي استخدم يده العبقرية في اتجاه مادة تسهل انتقاله من مدينة أثينا التي فقدت عظمتها حين رفضت استقبال فكر الفيلسوف وحاربت العقل والفلسفة, إلى مدينة فاضلة تشكل الفلسفة شريعتها ودستورها وتكون خالية من القضاة والطغاة, لذلك لم ترتعش يده ولم يتغير لون وجهه, بل ظل يتحدث عن تعاليمه الفلسفية التي تدعو إلى خلود النفس كما تبشر بأن الحكمة هي مفتاح السعادة. والشاهد على ذلك, محاورة فيدون نفسها, التي يتحدث فيها أفلاطون عن الألم الذي شعر به عندما تجرع المعلم تلك القدح, حيث يقول: <<و قد تمكننا حتى هذه اللحظة أن نتحكم في دموعنا, لكننا حين رأينا شفتيه تلمسان القدح تغير حالنا وبدأت دموعنا تتقاطر. أما أنا فكانت دموعي تسيل, على الرغم من أنني أخفيت وجهي. لقد كنت في الواقع أبكي على نفسي أكثر من بكائي على معلمي سقراط حزنا على فراقه, إذ كيف ستصبح أحوالي بعد أن أحرم من رعايته, ووشائج القرب التي جمعتني به?>>

هكذا ودع أفلاطون معلمه الذي تركه وحيدا مع الواحد, ومتألما مع ألم الفلسفة; إذ كيف يمكنه أن يدافع عن الفلسفة بعد موت سقراط? هل كان يعلم أن مصير الفلسفة سيظل دائما هو الاغتراب وهل ستستمر في الوجود بعد هذه المحاكمة الأليمة? ألا يبدو ذلك مستحيلا? أمن الممكن التوقف نهائيا عن التفلسف حتى يسلم المرء من قدح الترياق? لماذا نجد الفلسفة بقدر ما تمنح عاشقها السعادة وتذوق فيوضات واهب الصور بقدر ما تمنحه في النهاية قدح ممتلئ بالترياق?

من المحتمل أن يكون سقراط قد تفاءل لمستقبل الفلسفة والسعادة التي ستوفرها للإنسان على امتداد بقائه فوق الأرض. ولذلك لم يتردد أمام حكم الطغاة, بل تجرع قدح الترياق وهو في تمام اطمئنانه على خلود روح الفيلسوف من خلال أبدية الفلسفة. هكذا نجد أفلاطون ينقل إلينا احتجاج المعلم على الحاضرين الذين بدأت دموعهم تسيل وأصواتهم ترتفع. التفت إلينا سقراط وخاطبنا قائلا: <<أيها الرجال العظماء, إنني لم أبعد النساء لسبب آخر سوى لقناعتي برهافة عواطفهن في مثل هذه اللحظات.. أرجوكم قليلا من الصمت والتأمل. وتغليب قوة  الارادة.. بمجرد ما سمعنا ذلك شعرنا بخجل كبير وتوقفنا على البكاء>>. كانت إرادة سقراط أقوى من  ارادة الاستبداد الذي رغب في القضاء على الفلسفة من خلال الحكم على الفيلسوف بالموت, لأن اعتقاد المستبدين يكمن في أن الآراء تموت بموت أصحابها ما دام ان سقراط قد اكتسب شعبية كبيرة وأصبح له أتباع وتلاميذ, وما دام أن مذهبه يستهدف بالدرجة الأولى الحكم الاستبدادي ويدافع عن الفضيلة والعقل, وإرساء قواعد السياسة الفاضلة انطلاقا من تعاليم الحكمة. فإنه ينبغي القضاء على هذا المذهب من خلال القضاء على صاحبه.

هكذا يموت سقراط شهيدا لتبقى الفلسفة, لأن اعتقاد الناس بقوة هذا الفكر وجدية آرائه ازدادت بعدما ضحى المعلم بحياته, حيث خاطبهم بصمت رهيب: <<أتعرفون أنكم تحاكمون الجسد الزائل, جسد سقراط? وليس بإمكانكم الحكم على موت النفس, لأنها خالدة وهي التي تحمل في حقيقة الأمر الأفكار الفلسفية, أقول لكم هذا على سبيل الرمز, وذلك من أجل أن أخبركم بتعاستكم أيها العوام الذين تخيفهم دهشة محبة الحكمة. مع سقراط تنتهي عظمة أثينا لتبدأ مأساتها التي سيصف لنا أفلاطون تجلياتها, خاصة وأنها أرادت أن تتخلص من قدرها. هذا القدر الحزين الذي انفعل مع محبة الحكمة, وأصبحا يشكلان وحدة مطلقة. هل كانت أثينا على علم بأن موت سقراط يعني من ضمن ما يعنيه نهايتها? وهل كانت تعلم أيضا ان سقراط لو ظل حيا لأرغم الفلسفة على شرب قدح الترياق, والاندثار نهائيا?

حقا إنها معادلة صعبة أشخاصها ثلاثة: الفيلسوف, المدينة والفلسفة. لكن كيف يمكن القضاء على الفيلسوف بواسطة ذلك القدح لتظل الفلسفة متحدة بالمدينة تضامنا معه في هذه التضحية الشجاعة التي قدمها سقراط?

كان سقراط في منتهى السعادة, على الرغم من تجرعه لقدح الترياق, لأنه متيقن أن روحه ستظل حية إلى الأبد, لأنها اختارت أجسادا أخرى من أجل الإقامة, إذ كيف يمكن تفسير موت سقراط, وهو الذي ترك لنا مذهبا فلسفيا لا زال قائما إلى يومنا هذا?

وهل كان هذا هو السبب الذي دفع أرسطو إلى التساؤل باندهاش كبير قائلا: سقراط... أميت أنت حقا?


تصميم الحاسب الشامل