|
|||||
|
علي الطاولة بطاقة بريدية جديدة, فيما أصابع يده ممسكة بصورة فوتوغرافية, أخذ يتأملها بصمت. لم تنفتح شفتيه, ليقول كعادته <<اقرأها>>. مستغرقا بالكامل في النظر إلى الصورة. يغمض عينيه, كمن يجد صعوبة كبيرة في تذكر تفصيل صغير, أو أن الماضي لا يأتيه دفعة واحدة, حين يستدعيه لأقل أمر, يغمضهما إلى حد اختفائهما تماما في وجهه, تتجعد ملامحه, تغدو كومة لحم مهترئ وبلا هوية. كانت الصورة تنزل قليلا, يده تفعل ذلك في سهو منه, حيث يمكن للآخر أن يرى وإن بشكل أقل وضوحا. منزلا بسقف أحمر مخروطيا, في أحد أركانه لوحة صغيرة, كتب فوقها كلمات قليلة بحروف إنجليزية, وفي الفضاء الذي يتكشف فوق السور الخلفي للفناء, ارتفعت مئذنة فقط, كانت واضحة لأنها بنيت بطريقة بدائية. وفي الفراغ, بين الفناء وارتفاع ذلك الجزء من المسجد لا يظهر أبدا في الصورة, كان هناك ثلاثة أشخاص. وبينما ينأى أحدهم, تاركا فقط ذراعه شابكة بحواف السور الخشبية المدببة, كان الآخران قد أعطيا الكاميرا وجهيهما, كانا شابين, شفاههما مفتوحة على ابتسامة واسعة, شعور هائشة وشوارب كثة, وكانا يتدثران بملابس ثقيلة, ويحيط عنق أحدهما شال أسود. الشاب الذي رمى بطرفي الشال فوق كتفيه, بدا واضح الشبه به, ابني أو أخ له أو هو نفسه على الأرجح. لم تكن نظراته تلاحق الأشخاص, بل البيت, حيث تسمرت هناك. تذمر من إنه لم يجد صورة له وهو في بيته, الذي باعه. لم تجمعه بأي جزء,حتى ولو حائط, من البيت, كما لم يتذكر أنه فكر, في يوم ما, لأن يلتقط له أحدهم صورة في منزله. في تلك اللحظة فقط, ربما شعر كم هو ضروري أو أنه كان سيكون من العزاء, لو كانت له صورة حتى ولو باهتة, بين جدران ذلك البيت الذي لم يعد له, مكتفيا فقط بأن يرقبه من بعيد. <<أبعث لك أيضا صورة قديمة, لن تصدق من أعطاني إياها..أبو هند اللبناني, أتذكره ...>> تفتح وجهه قليلا. هطلت عليه كلمات أخيه كالضوء الذي يصنع فجأة شكلا مخروطيا في عتمة ينغلق عليها مخزن مهجور, يغص حتى حواف الباب بكراكيب قديمة ومهملة, كانت كمن يكشف سرا ما صغير وثمين ملقى بين كل هذه الفوضى. -<<هذا البيت عشنا فيه أياما وليالي, كنت قد نسيتها لكنها الآن تعود إلى ذاكرتي ..>> و مد الصورة لسالم. ذكر إنه لم يكن متزوجا, لذلك كانوا يترددون عليه كثيرا, ينامون ليالي متواصلة عنده, وأنهم كانوا يعتبرون البيت بيتهم. لكن أبو هند تزوج من امرأة مهاجرة, أجدادها من العرب. حكى أنه كان يملك مطعما وأن أحواله كانت جيدة وأنه هو الذي التقط لهم هذه الصورة. ولمست إصبعه تلك المئذنة,<<كلنا شاركنا في بناء المسجد>>, خلف منزل أبو هند. و قال إنهم داوموا على زيارته في نهايات الأسبوع , بعد ذلك مرة في كل شهر, ثم ... .رفع الصورة إلى عينيه مرة أخرى وواصل صمته. في سنواته الأخيرة في ديترويت, قال إنه كثيرا ما تاقت روحه إلى السفر, عبر البحر, مرة أخرى, ملاحا على ظهر سفينة تائهة, في محيطات مجهولة. قال أيضا <<انه كان يزوره في نومه, يتعقبه كل ليلة, يهدر في أذنيه وتغطي زرقته كل شيء حوله, فعاد إليه>>. لم ينتظر, هذه المرة, حتى يأتيه من يبحث عمن يرغب العمل على ظهر سفينة, بل ذهب و سأل بنفسه, عن المكان الذي ترسو فيه تلك السفن الكبيرة. و لم يدر أصدقاؤه, الذين كان أغلبهم يعمل في صناعة السيارات في مصانع فورد والذين بحثوا وسألوا عنه طويلا, إلا عقب أكثر من سنة, من أنه يعمل في سفن نقل البضائع التي تجوب البحيرات العظمى. نحى الصورة جانبا وقطع صمته ليقول <<أقدر على تحمل كل شيء إلا نظرات الناس .. الكلام حتى ولو كان قاسيا يظل أخف من عيونهم>>. تدريجا أخذ يشتكي من تبدل المشاعر. وسيبدو مهموما أكثر من أي وقت مضى.مؤخرا لم يعد يختلط بأحد, حتى برفقائه القريبين منه, كما أنه كان يبتعد عن أي تجمع للناس, تحاشيا للنظرات. ربما في الليل فقط, حيث الوقت أكثر ملاءمة للخروج بضع خطوات,ليس بعيدا عن الحجرة التي يسكن, ثم يعود, أو حين يضطر للبحث عن عمل لنصف يوم. -<<لا تنظر في عيونهم>>, قال له سالم. - <<ومن قال لك أنني أفعل, هي التي تطاردني وتخز في ظهري>> يضع قدما على الأخرى ويشبك أصابع يديه عليهما ثم يرفع رأسه إلى السقف ويظل يحدق هناك, كأنما ينتظر أن ينشق ويهوي شيء ما منه. التحالف الدولي. دول الضد. العراق. الكويت. كانت هذه الأسماء والكلمات تعني له الكثير, تخطفه خطفا من غفلته, أو من نفسه. كثر تردادها على مسامعه, مع ذلك كان يحس أنه لا علاقة لها بما يحدث له, حتى حين رأى بيته يفارقه, وأخذت مقابض الأبواب وملامسها تحك أصابعه في الغياب , وحتى عندما اندلعت الحرب, ظل غير قادر على فهم هذه العلاقة. في أكثر تلك الليالي التي شهدتها الحرب, حين كانت المساءات تأتي ملطخة بأخبارهم هناك, وتتطاير الحكايات عن انتصارات سريعة وحاسمة, ظل يستيقظ مذعورا, يحس أن هناك من يجذبه بعنف من نومه القلق, ليفتح عينين منتفختين محمرتين, فيجده يحدق فيه. لم يستطع أن يثبت نظره عليه, كان قبيحا بفمه المزموم وعينيه الطافرتين, يتملاه بنظرة قصيرة ضمن أشياء الحجرة, يغمض جفنيه و يضغط عليهما بأصابعه, ويتذكر الصديق الذي جلبه له, والذي لاحظ يومها كم بدا منفعلا وهو يناوله إياه, ويشرح له كيف يضعه ومتى بالضبط, <<هذا سينقذ حياتك من أسلحة صدام الكيماوية>>. ملقى بإهمال, القناع الواقي, في مكانه من الحجرة منذ تلك الأيام.بل من ذلك اليوم قبل حوالي ثلاث سنوات, حين لم يمد يده ليمسك به, إذ بدا له حينها كتلة بشعة, جمجمة آدمي مفصولة عن باقي الجسد. سيتركه له, ذلك الصديق ويمضي. وسيظل كلما لمحه, يتذكر ذلك الصوت الشبيه بعواء قبيح,صوت الإنذار, الذي كان يكرهه في تلك الليالي, يكرهه أكثر من الحرب نفسها, وهو يسبق كل غارة جوية. كان كأنما ينتزع أمعاءه وقلبه, أكثر من أي سلاح كيماوي شرس, ببطء وبغير رحمة. لم يحدث له أن لمس ذلك القناع أبدا عدا المسافة القصيرة التي قطعها, مدليا إياه بإصبع واحد, من وإلى الحجرة التي لم يكترث أن يضع شريطا لاصقا على نوافذها أو الفتحات الأخرى فيها, ككل الناس الذين راحوا يفعلون ذلك بهلع وخوف شديدين, حتى لا تتسرب الغازات السامة فيما لو نفذ صدام تهديداته, ليس لأنه لا يمكن ذلك لكثرت الثقوب واتساعها في الحجرة المتداعية, بل لأنه لم يشعر أن حرصا ما ولو ضئيلا على الحياة يدفعه إلى أن يفعل ذلك. كان عندما يتفاجأ بغارة وتتصدى لها الصواريخ المضادة, يهرع مع رفيقيه دون قناع وبلا خوف, يصعدون أعلى بناية جديدة لم تكتمل, بالقرب منهم, ويتفرجون على الشظايا التي تضيء ليل المدينة الخالية, التي تركها معظم أهلها إلى مدينة أخرى أو عادوا إلى أريافهم البعيدة. كانوا مرعوبين لكن ليس كمن يعيش حربا عادية, ثمة شيء كان يفصلهم عن ذلك الشعور. فقط, كانت الشظايا تبدو لهم كألعاب نارية, تلتمع على شاشة كبيرة, كونية على الأرجح بما يكفي لأن تدخلهم فيما يشبه بهجة غامضة وملتبسة, تنسيهم لهنيهة شراسة حرب استثنائية, حربا يتجدد أوارها تحت الجلد, كلما اصطدمت عيونهم بأبواب البيوت والمحال وهي مغلقة دون أصحابها, أو بوجوه لا يجدون فيها الأهل و لا الأصحاب الذين كانوا يعرفون. وحدها النظرات كانت تزعجه, قد لا يكون ثمة جديد فيها, لكن إدراك ما تعنيه جاء متأخرا, أو كان ليحتاج إلى ما يجعله واضحا على ذلك النحو, قاطعا وشرسا أحيانا. هل هي لامبالاة?. فارغة تأتي بعض النظرات وخالية من المعنى, فقط تضمهم كأي شيء قابل للرؤية, ثم تمجهم في الهواء, أحيانا تراهم كمن يرى شخصا يقضي حاجته, تتحاشاهم. كانت أشكالهم تطفو في محيط النظرات, كانت ثقيلة بما يكفي لأن لا يستطيعون تمييزها, ربما كان يلزمها تغيرا ما لتستقر في عيونهم وتجذب الاهتمام من جديد. و نظرات أخرى, أخذت تتخللهم كما لو كانوا فراغا يتدلى, غير مرئي, وليس ظلا لعمال بهياكل محروقة, تتطوح في العراء أو تأخذها بنايات فقيرة إلى عمقها الظليم والفاتر, وحينا تشغل المصاطب التي تتقدم المحال, أو تلتصق ببعضها في المقاهي الرخيصة والحجرات المهجورة البعيدة. مال برأسه قليلا إلى الوراء, كأنما يتسمع لهدير العربات في الخارج وانخطاف الأضواء مع قدوم الليل, يتلمس بأذنيه وسط الضجيج والزحام الشديد لصور قديمة ترهق ذاكرة شائخة وسنوات العمر التي عبرت دروبه السحيقة كقطار مسافر أبدا, راح يصغي وسط كل هذا لصوت بعيد, مشوش, صوت لا أحد, يجهد للوصول إليه خلال ضباب كالح يدثر حواسه كلها. انتبه لسالم وهو يختلس النظر بين وقت وآخر إلى رأسه كأنما غريب عنه. - <<حلقته .. يا شيخ ما فيه خير .. هو السبب في البطالة التي نحن فيها>> قال, وكأنما لم يكتف بذلك, وليرضي فضوله أكثر, حسر العمامة التي كان يشده بها, اختفى الشعر وتبخر الخط المستقيم الذي يشق رأسه. تحول وجهه إلى وجه طفل. بدا سالم, وقد لاحظ أن شيئا مختلفا طرأ على هيئته, جعله لم يتعرف عليه لأول وهلة حين اقتحم عليه الحجرة وهو يحمل كوب حليب وفي الأخرى لفافة مبقعة بالزيت, فيما البطاقة البريدية في الجيب العلوي, وكان يغطي رأسه بعمامة بيضاء, يقنع نفسه أن العناية الكثيرة بالشعر قد تمنع العمل و تجلب النحس, لكن ما لبث أن سمعه ينفجر مغتاظا وهو يتحسس شعره الوهمي. - << ومع ذلك ما اشتغلت إلا نصف نهار>>. نفرت عروق رقبته, والتمعت نظراته بالبلل فيما تقلصت ملامحه و تركته براءة الطفل. ثم قال بصعوبة ,<<ماطلني المقاول أبو عيون مخزقة.. هذه المرة أعطاني ظهره وراح>>. أخذ رشفات متلاحقة من الكوب, وابتلع لقمة كبيرة من اللفافة الساخنة. - <<فكر بعرض أخيك>>, قال له سالم. انزلقت أصابعه, كأنما الأمر أكبر من أن يقرره هو المسكين, تداعب قبضة الشعر الخشين في صدره, يتلوى كأعشاب شائهة, ليطل من فتحة القميص, يتخلله بأنامله, كأنما كان يجد فيه تعويضا عن شعر رأسه. كان أخوه قد كتب له أنه سيبذل وسعه في تدبير فيزا له إلى ديترويت, أو على الأقل زيارة للعلاج. غير أن أمريكا, بدت له فكرة غامضة, لم يستطع أن يستوعبها,حتى عندما كان ينزل مع مجموعة من العرب, فلسطينيين وسوريين ولبنانيين, إلى مناطق زراعية في <<سان جوكن>>, وحتى حين رأى بعضهم يتهاوى على تلك الأراضي, يقبلونها بتشنج ويتمرغون فيها كما لو كانت الجنة الموعودة. بدأ المهاجرون اليمنيون بالتدفق على أمريكا, ربما بعد افتتاح قناة السويس عام 1869م, مستقلين سفنا من ميناء الحديدة أو عدن, بطرق غير قانونية, لترسو بهم غير بعيد من السواحل, حيث يدخلون خلسة. لكن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية, وحينما أقامت الولايات المتحدة علاقاتها مع اليمن, سمحت بحصة صغيرة لمن يرغب في الهجرة من اليمنيين. لا يزال يتذكر تلك الوحدة الغريبة, حين كان الميناء يتباعد أمام عينيه, يتلاشى حتى الإمحاء, متروكا وسط مدى من الأمواج الزرقاء, ظل كذلك حتى لمس كتفه المسافر الإنجليزي, ليحكي له عن رحلته ما قبل الأخيرة لليمن في أواخر الأربعينيات, وعن الإمام الذي وضعه تحت الملاحظة الشديدة, في مدينة صنعاء أو المدينة المحرمة, كما وصفها, مانعا إياه من التجوال خارجها, خشية أن يكون جاسوسا لحساب جهة أجنبية. حكى له أيضا عن حزنه ,الذي يتأجج كلما قدم إلى الحديدة, لموت صديقه الأمير سيف الإسلام محمد, غرقا في البحر, وقال له أنه سيذكر كل ذلك في كتاب عن رحلاته المتكررة إلى اليمن, وسوف لن ينساه هو أيضا, ثم أعطاه بعض الأدوية المضادة لدوار البحر. - << أو لم لا تعود إلى البلاد وتستقر هناك نهائيا.. يكفي غربة?>> سيصمت طويلا,حتى ليخيل أنه لن يتكلم مرة ثانية وأنه سيترك مقعده, منصرفا. لكنه نطق بغير رغبة في الكلام. - <<البيض قال كلمة في الراديو .. لا يوجد شيء في النور.. لكنه ترك صنعاء>>. كان فمه يمضغ اللقمة ببطء, يستطعم ببطء مزيج الخبز والحليب معا. لا ينتظر كثيرا, ليقول أيضا. - <<ما ذنب الناس هناك لو قامت حرب أهلية لا قدر الله , مثلما تقول الجرايد ?>> يفرغ آخر قطرات الحليب ويمتص حثالة الشاي. قبل أن يفتح فمه مرة أخرى. - <<الكل يتكلم ويتهم, لكن أين الحقيقة>>. ثم يزم شفتيه, ويخط خطين متصالبين في الهواء علامة على الوضع المتردي. مال إلى مسند المقعد, لكن المسند كان لصق ظهره تماما, فحرك قوائم الكرسي الخلفية إلى الوراء ونفخ صدره. وقال فجأة انه حلم بقاسم, وهو يركض في الطرقات, بينما رجال بمعاطف طويلة يتعقبونه, حتى سقط كالذبيح بين أرجلهم. وسيروي أيضا أحلاما وكوابيس تتقصده, تبدد ليله, حكى عن سفن ضخمة تبحر به ليلا في مضائق خطرة, ولا تلبث أن تتحطم ويجذبها القاع. تحدقان عيناه في الأرض, تتبعان خيطا صغيرا يختلج من النمل, يخرج من أسفل الموكيت. ظل يتأمل في الطابور الطويل, يخرج مترنحا. بعض النمل يخرج على الخط, يلتف ليعود إلى الخلف, ثم يذهب إلى مقدمة الطابور, و يرجع مرة أخرى, وفي لحظة واحدة, ينكص النمل كله, إلى طرف الموكيت, حيث ظهر لأول مرة, كأنما في حالة استنفار شديدة, قليلا ويعاود الخروج, يعتل صرصارا كبيرا. - <<تغيرت الأمور .. طاح كرتنا>>. يعلق, قبل أن ينهض. وتمتد يده خائرة لتسحب الظلفة الزجاجية إلى الداخل قليلا, كانت يده واهنة حد أنها بالكاد استطاعت أن تشق لجسمه فراغا ينفذ منه بصعوبة إلى الشارع. خيل لسالم لوهلة أنه علق بحافتي باب الألمنيوم. -------------- * فصل من رواية بعنوان<<تصحيح وضع>>. |
|||||
|
|||||