لغــو

 

مورلي كالاغان
ترجمة: محمود منقذ الهاشمي


بعد أن عادا من الحفلة, رفع رجل الاعلانات جف هلتون ناظريه, فرأى زوجته الشابة, ماتيلد, واقفة ثمت باشة له. لقد بدت له متوهجة من ذكرى المحادثات المهموسة مع الشبان الذين كانوا تائقين الى لمس يدها أو ذراعها, وابتسمت وواصلت الحلم وعيناها الداكنتان الواسعتان تزدادان رقة يصاحبها الحنو. وبدأت تدندن عندما مضت الى النافذة ووقفت هناك تنظر من عل  الى الشارع في ليلة الشتاء المبكر; وبينما كان جف مستمرا في مراقبتها ظل ممتعضا  من أن تكون قد قضت وقتا  على ذلك النحو من المتعة في حفلة وجدها مغمة جدا. لقد تركته وحده مدة طويلة, إلا أنه ما برح مدركا  على الدوام ما كانت تثيره من الاعجاب في نفوس الشبان الذين كانوا حولها.

والتفتت آنئذ, وكلها دفء وتوه ج, وانفجرت بالكلام, <<أما أعجبتك الحفلة, يا جف?>>.

فقال بلؤم, <<انها حفلة مملة. وقد ضاق صدري بتلك الجماعة. فلا أحد منها لديه أي شيء جديد او مشرق يقوله أبدا. وتساخف جميعهم بعض الشيء>>.

وحاولت ماتيلد ان تمسك عن الابتسام, غير ان وجهها المكفهر المتقد مازال متوهجا  بالدفء عندما كانت واقفة هناك ويداها مشبوكتان أمامها. وبرغم ان جف قد واصل الكلام بنوع من التق زز المنشرح فقد بدأ وجهه الجدي ي سفر عن تلك العزلة الموحشة مما جعلها تشعر بالاثم فجأة; وتاقت ان تقدم إليه كل الرقة, وكل البهجة التي يسحرها ان تكن ها في نفسها منذ الحفلة. لقد أمضيت وقتا  جميلا  للغاية. الا انني كنت اراقبك. وأعلم مع من كنت. فهل كنت تراقبني, يا جف?>>. واندفعت نحوه وألقت نفسها على حجره وأخذت تقب له وتفرك يدها في داخل شعره ضاحكة طوال الوقت مثل فتاة صغيرة. <<هل اعتقدت أنني كنت أغازل? هل اعتقدت أنني ضحكت وهمست أكثر مما ينبغي? ألا تحب أن يراني الناس ظريفة?>>.

إلا أن جف, الذي كان قد أمضى وقتا  مغما , لم يكن يشعر الا أنها تسعى الى مواساته وفي جعله يشعر أنه بخير; ولذلك قال بضيق صدر <<لست بحاجة الى ان تعتقدي انك اهملتني. لا تشعري بالذنب , فلا احد ممن انجروا إليك وأحاطوا بك كان مضطرا أن يقلق علي  أبدا . بامكانك ان تشعري بالحرية>>.

قالت بمنتهى النعومة, <<جف, أنا لا أريد أن اشعر بالحرية. ولا أشعر بالحرية الآن>>.

<<أنت تشعرين بها بالتأكيد.. ولو لم تشعري بها لكنت أول المتذمرات>>.

<<أما قلقت علي  مرة من المرات في هذه الليلة, يا جف?>>.

قال بجفاء: <<اسمعيني, ان الرجال الغيورين هم أثقل الناس روحا  في العالم>>.

<<جف, ضع ذراعيك حولي>>.

<<ما بالك? لست مضطرة الى تهدئتي او الى الاحساس بالذنب لأنك قضيت وقتا  ممتعا , لقد تجاوزنا ذلك بالتأكيد>>.

قالت وهي تبدو ضائعة تماما, <<لم أكن أحاول أن أهدئك>>. وبدأت تكشف في وجهها عن ذلك الاستياء الغريب الذي كان يشعر به في الأشهر الثلاثة الاخيرة أنه ينمو في نفسها. وكانت مبرطمة مثل طفلة وفيها خجل منر فضت هديته البريئة بجفاء, ثم ابتعدت عنه مرتبكة, وكومت نفسها على الاريكة, رابضة تقريبا , وعيناها تقسوان وهي تحدق اليه.

وقال بعد وقت قصير, <<أنت طفولية , يا ماتيلد. لماذا تقعدين هناك كأنك تكرهينني?>>, إلا انه بدأ يشعر بالعجز إزاء غضبها الصامت والسري وغير المعقول. وقال: <<أوشكت في هذه الشهور القليلة الماضية, ان تصيري غير معقولة السلوك مثل امرأة مريضة. ما مشكلتك على الأرض?>> ونهض وراح يتمشى ذهابا وايابا وكان صوته يعلو وهو ماض  في طرح الأسئلة عليها, ولكنه في كل مرة مر بالأريكة حيث كانت جاثمة اشتد انزعاجه مما أحس به لديها من الاضطراب الغضوب.

ولذلك حاول أن يضحك وقال: <<هذا قدر كبير من اللغو, يا ماتيلد>>, وقعد بجانبها. وحاول بطريقة خشنة أن يشدها اليه. وحين دفعته عنها حد ق إليها حتى بدا في النهاية يشتهيها, ووضع ذراعيه حولها مجددا , فدفعته عنها مرة أخرى. ثم تملكه الغضب; فألقى ذراعيه حولها وسيطر عليها حين حاول أن يعانقها. فصاحت, <<كف  عن ذلك, كف  عن ذلك, يا جف! ألم يكن لديك أي شعور أبدا ? ألا يعني لك أي شيء انك لم تكن تريدني بالقرب منك قبل بضع دقائق? ماذا تظنني?>> وكانت حين دفعته عنها بخشونة تناشده حقا ان يرى انها كانت تجاهد للتشبث بشيء ما كان يدمر ه شهرا فشهرا في عدم اكتراث. وسألته <<ألا يعني لك ذلك أي شيء?>>.

فقال: <<أنت توصلين الامور الى هذا, فلماذا لا تقصدينها مباشرة بدلا من تغليب العواطف?>>.

قالت: <<لأنني لا اريد الامور بتلك الطريقة>>. ثم صاحت بانفعال شديد, <<لا يمكن أن تلمسني متى تشاء. لا يمكن ان تفعل ذلك في الوقت الذي تشعر بالرغبة في ذلك>>. وكانت عيناها مغرورقتين بالدموع كأنها لمست المصدر الحقيقي لكل خيبتها.

لكنه شدها اليه, وأمسك بها لحظة ليريها انه يستطيع أن يحظى بها, ثم دفعها عنه. وصاح, <<لست صبيا صغيرا يلعب تلك اللعبة القديمة. نحن متزوجان منذ ثلاث سنوات. فلماذا كل هذا اللغو? وعبر عن غيظه الذي كان ينمو في نفسه بضربها على ركبتها بقبضته.

فقالت وهي ممسكة بموضع الضربة, <<آه, انك توجعني. لماذا فعلت ذلك?>> وأخذت تبكي قليلا . وقالت: <<هذه تنهي الأمر. فلن تضربني أبدا مرة أخرى..>>.

<<تبا  لكل ذلك, فأنا لم أضربك>>.

<<لقد ضربتني, آه, يا عزيزي, لقد ضربتني.. وذلك يحسم الأمر, لن أبقى هنا! لن أبقى ليلة أخرى! انني ذاهبة الآن!>>.

<<هيا .. افعلي ما يحلو لك>>.

قالت: <<لا تقلق. فسرعان ما اكون قد رحلت>>.. وهرعت والدموع منهمرة من عينيها الى مخدع النوم. فوقف عند الباب مغتما  وقد ضم ذراعيه على صدره. وراقبها وهي تسحب الادراج. وتقذف بالملابس في صندوق الثياب, وتمسح الفضة عشوائيا من أعلى الخزانة. وكانت تتوقف احيانا لتضغط بقبضتيها على عينيها. وبدأ يشعر بالكرب, وهو يراقبها, حتى انه صاح في النهاية, <<ليس لي أن أتحمل هذا العرض!>> ووثب إليها, وألقى ذراعيه حولها وهصرها كأنه يعتصر الثورة المجاوزة حد المعقول في روحها الى الأبد. ثم ازداد خجلا  وقال: <<لا اريد أن أوقفك, ولا أريد أن أبقى وأراقب هذا السلوك الغبي كذلك. إنني ذاهب>>. وعندما تركها كانت بعد  تسحب ادراج الخزانة.

ولم يكد جف يسير على امتداد الشارع خارجا  من المبنى في تلك الليلة الشتائية المبكرة حتى راح يشعر انه في الحقيقة لم يغادر تلك الغرفة البتة, لأنه أن ى سار, وأنى ذهب, قد ظل مشدودا  الى تلك الغرفة يراقبها, وحين دخل في حانة الزاوية لتناول زجاجة من الجعة قعد ثمة يفرك جبينه ويفكر, <<لا بمجرد أن اريد, وليس في الوقت الذي أشعر بالرغبة في ذلك! لا استطيع أن استمر بهذه السخافات وقد تعود كل منا الآخر كثيرا. أشعر أنني غبي>>.

كان الرجال والنساء في الحانة المزدحمة يتكئ بعضهم على بعض متلاصقين ومتهامسين وحين اصغى جف ظل يسمع صوتها خلف همهمة الاصوات وقعقعة الكؤوس ويرى وجهها في دخان الحانة, وعندما نظر حوله لزمه خوف رهيب يزداد في نفسه من أن ما كان دافئا  وحيويا  بين الناس قد انزاح عن متناوله; وعندئذ لم يستطع أن يكف  نفسه عن النهوض والاسراع عائدا أدراجه الى المبنى.

رآها خارجة ترتدي رداءها البني, وقد انخفضت قبعتها اللبادية فوق عينيها. كانت تحمل حقيبتها. كانت تنتظرها سيارة أجرة. ولكي يخفي شوقه, ابتسم بطريقة سخيفة وقال: <<.. أيمكنني أن أحمل لك الحقيبة, يا مدام?>> حتى انه انحنى قليلا .

قالت: <<لا .. شكرا>>, ونحت الحقيبة عن يده الممدودة, وهي تنظر اليه بطريقة دفاعية حيية.

<<أأنت متيقنة من أنك لا تريدينني أن أحملها?>>.

قالت: <<متيقنة تماما>>.

قال بأدب: <<طيب>>, ووقف محاولا  ان يبتسم عندما دخلت العربة, وعندما أخذت العربة تنهب الشارع وقف هناك قلقا  وغير مصدق, يغمره احساس انه لم يكن هناك مكان تذهب اليه.

غير انه دخل المبنى وطوف وعندما جال على غير هدى في غرفة النوم ونظر الى ادراج الخزانة الخالية تعمقت عزلته, وفكر: <<كنت أحاول أن استخدم شيئا  من الفهم المشترك. على اية حال انها ستعود. ولو واصلت  النزاع معها بتلك الطريقة طوال الوقت فلن أكون قادرا  على الاحتفاظ بعملي. أراهن بمليون دولار انها ستعود>>.

وانتظرها وكان مستوحشا  وهو يتذكر النظرة الدفاعية الحيية في عينيها حين نح ت الحقيبة عنه فوق الرصيف, وأصاخ الى كل خافت يأتي من الشارع, ومن الدرج والباب; وعندما سمع المفتاح يدور في القفل في النهاية وثب منتصرا  واندفع لملاقاتها.

أقبلت هادئة, تبتسم ابتسامة اعتذار وجلة, وحين خلعت قبعتها وقالت بنبرة ممازحة: <<ماذا كنت تفعل, يا جف? ما الذي ابقاك ساهرا  حتى هذه الساعة?>>.

<<انتظرك, ولا شك>>.

<<تقصد أنك افتقدتني?>>.

قال: <<افتقدتك بالتأكيد. أنت كذلك تعرفين أنني افتقدتك>>. وساعدها على خلع ردائها, ورجاها ان تقعد, واندفع الى الثلاجة لإحضار وجبة خفيفة لهما وقد ظل وجهه يبدي كل انتصاره الطفولي.. وأبهجها أن يكون بانتظارها بهذه الطريقة المختلفة. وكلما رانت على وجهه الابتسامة العريضة سألته, <<علام تضحك, يا جف?)..

فكان كل ما يقوله: <<كيف الشعور بالحرية?>>.

ولكنهما عندما ذهبا الى السرير ودفنت رأسها الداكن في الوسادة أخذت تبكي بكاء متقطعا  , ولم يكن من شأنها ان تهدأ مهما تمل قها, ومهما تكلم بلطف معها. واستمر يقول: <<ألسنا سعداء الآن, يا ماتيلد? ألم ينته كل شيء الآن?>>.

فقالت, <<لا, لسنا سعداء, لا استطيع أن أتحمل ذلك>>.

<<لا تستطيعين تحم ل ماذا?>>.

<<الطريقة التي تركتني بها أذهب. لم أكن أظن أنك تتركني اذهب ابدا مهما حدث. لم يكن من شأنك ان تفعل ذلك قبل سنتين>>.

<<ولكنك أردت ان تذهبي, يا ماتيلد, وإذا فكرت  في انك أردت أن...>>.

<<قبل سنتين كنت تعمل على اعادتي.. كنت تخاف أن تفقدني..>>.

<<كنت اعرف انك ستعودين مثل حمامة الزاجل>>.,

قالت: <<أجل, كنت متيقنا  من ذلك. كنت متيقنا  جدا>>, ثم وضعت يدها فوق وجهها, وابعدت رأسها عنه متمتمة, <<إنني سخيفة, أخمّن أنني أبدو سخيفة أخمن أنني لا أعرف ما اريد>>, ولم يستطع أن يرى إلا مؤخرة عنقها ويدها التي تتحرك فوق وجنتها.

وفكر حين سار حول السرير, وهو ينظر اليها, <<لم  لم  أوقفها? ولماذا هي لا تستطيع أن ترى أن معرفة أننا متحابان خير من أن ينشغل بالنا بأننا غير متحابين>>, ولكنه بدأ يحس بمنتهى الخوف. وقال: <<لا أحد يحب عدم الاستقرار>>, وهو يعلم ان كلماته بدت ضعيفة وتعلّلية. وراقبها قليلا , ثم راح يتحدث, ولكن وجد نفسه متلجلجا  بكلمات بدت قديمة, وهكذا وقف ثمة صامتا , وقد صار حبه ألما  خفيفا  متواصلا, لانه بدا له أمرا  رهيبا  ان تبدو كلمات كهذه غريبة لمجرد انهما قد وصلت بهما الحال الى ان يتعو د كل منهما الآخر. ثم عرف ان خوفه كان من انه لم يكن قادرا  على التعبير عن كامل شعوره نحوها. وكان كل ما قاله, <<تناولت زجاجة جعة في الزاوية وبدأت أشعر بالرهبة>>.

قالت من دون أن تنظر اليه: <<هل شعرت بالرهبة?>>.

فقال:: <<أعتقد انني اعرف ماذا كنت تفتقدين>>.

قالت: <<نعم>>.

قال: <<وأنا لم أستطع أن أبقى بعيدا  عن هنا , واعتقدت انك سوف ترجعين أيضا>>.

رفعت ناظريها إليه في تهيّب لأنه برغم ان الكلمات التي استخدمها لم تكن جديدة, ولا دافئة, ولا غريبة, فقد بدأت تحس  بحيائه المربك, وكادت تسمع صوت تفكيره. <<ماذا يجري لك فلا تستطيع ابداء حبك حين يكون شديد القوة في نفسك?>>.

وانتظرت في هذه الآونة وصارت حيية كذلك, وبدا الشعور بينهما في تلك اللحظة أعمق بكثير من أي دافع وفرح فجائي في أي وقت مضى.

----------------------

* مورلي كالاغان Morley Callaghan , روائي وقاص وكاتب مذكرات, وهو من ابرز كتّاب كندا المعاصرين المتميزين. ولد في تورونتو التابعة لـ<<أونتاريو>> في كندا سنة 1903. ودرس في جامعة تورونتو, وصادق همنجواي. وانتسب الى نقابة المحامين سنة 1923, ولكنه حين كان في باريس شج عه همنجواي على التخلي عن المحاماة من اجل الأدب, وساعده على نشر بعض قصصه في المجلات الأدبية المهجرية. وقد عمل محررا  في مجلة <<القصة>> Story منذ أن عادت الى الصدور سنة 1960. وكانت روايته الاولى هي <<الهارب الغريب>> (1928) ومجموعته القصصية الأولى <<السفينة التجارية الوطنية>> (1930). وقد عاد الى تورونتو سنة 1929. ومن رواياته الاخيرة <<المحبوب المفقود>>  (1951) و<<السترة متعددة الألوان>> (1960) و<<زمن ليهوذا الاسخريوطي>> (1983). وله كتاب في الذكريات هو <<ذلك الصيف في باريس>>.


تصميم الحاسب الشامل