قصتان

 

أحمد بن محمد


الرصاصة الطائشة

انطلقت رصاصة طائشة من بندقية مجهولة, وشرعت تصول فوق شوارع المدينة بسرعة جنونية. في بداية الأمر,حين سمع الناس دوي الطلقة, حسبوه هزيم رعد أو ارتطام شجرة على صفحة أحد النهرين الذي تقع بينهما مدينتهم. وبرغم أن الأفق كان صحوا ولم تكن هناك ريح لتسقط الشجرة, إلا أنهم صدقوا ظنونهم سريعا. أما الرصاصة نفسها فلم تعبأ بما فكر به الناس وشقت الطريق بتصميم لا يحيد قيد شعرة. عبرت أول مشوارها عاليا بحيث لا يطالها أحد, بيد أن صليلها المستمر فجر الرؤوس وجعل الناس يهملون أعمالهم وحرفهم ويتركون بيوتهم إلى الشارع رجالا  ونساء وأطفالا , فعمت الفوضى أرجاء المدينة ونواحيها ولم يستطع أصحاب الحل والعقد تهدئة روع السكان وإعادة النصاب إلى الحياة كما كانت, حتى المجانين المشردين الذين كانوا قبل ذلك يهيمون في الدروب والازقة, صارخين على كل رائح وغاد  من عباد الله, خفت صوتهم واستكانوا في زوايا مظلمة وأخذوا يضربون برؤوسهم على الجدران الصلبة خشية أن يفجرها صوت الرصاصة الذي تحول إلى هدير جنوني. ومع مرور الوقت اكتشف الناس بأن الفوضى التي تسببها الرصاصة ستأتي على كل حياتهم وستساوي بينهم وبين البهائم لو أنهم رضخوا لمنطقها, عندئذ استنفروا حنكتهم الطويلة وشرعوا يكنسون الخراب ويرممون ما تبعثر لديهم, وكفوا عن مراقبة السماء بحثا عن الرصاصة, فعاد العمال إلى أعمالهم والحرفيون إلى أشغالهم واقتادت النساء أطفالهن إلى البيوت وشرعن في تربيتهم من جديد, في حين كف المجانين عن الصراخ في وجوه المارة بعد أن غطى هدير الرصاصة على أصواتهم وسلبتهم دورهم التاريخي في الحياة.

وبما أنها رصاصة وليست ريح أو شجرة ويضخ في أوصالها قوانين مختلفة, فقد غيرت من خط سيرها وهجمت على الأرض بعد أن ظلت طويلا مختبئة خلف السحاب.

حدث ذلك في صبيحة يوم من أيام الصيف, ولم يعرف أهل المدينة في حياتهم وحياة من سبقوهم صيفا أسود مثلما شاهدوه في ذلك اليوم. فقد تسبب ارتطام الرصاصة الطائشة على أرضهم في انتشار سحابة سوداء هائلة حجبت عنهم الشمس وأدخلتهم في ليل دامس. ظن المجانين بأنها سحابة من الله وبأنه أرسلها إليهم لتلطف من قسوة صيفهم الطويل, ولكنهم عندما شاهدوا ع قلائهم يتخبطون بلا هدى ويسلكون سلوكا غريبا, أيقنوا بأنها النهاية وبأنه لم يعد لهم مكان في المدينة, عندها حملوا صرة أوهامهم ويمموا هاربين. عبروا سهوبا وفيافي حتى وصلوا إلى الصحراء, وهناك حاولوا الاستغاثة, بيد أن كل شيء خانهم, فسقطوا على الرمل وتفاصيل صرخة مكتومة تشققت في وجوههم.

كل هذا والرصاصة تندفع بسرعتها الجنونية مخترقة أية قامة تقابلها في طريقها وأي نوع من الأجسام والأجساد من غير أن يثنيها شيء ولو قيد شعرة.  

أهوال المدينة

لا تصمد الموسيقى طويلا في المدينة. سرعان ما تتعب أنغامها وتتكسر على الأبواب والنوافذ الموصدة باكرا, وتصمت تماما عند انسحاب آخر ألوان الأفق. في هذا الوقت, وكأنما بسبب انفجار قنبلة امتصت الهواء, يوسوس هاجس مرعب في قلوب السكان, وتنحسر قواهم في الحياة إلى أقصى حد. في هذا الوقت يبدو وكأنهم يعيشون آخر أيامهم. تنفلش خلية الدبابير في الرؤوس وتطن حتى آخر رمق. الأطفال لا حيلة لديهم. يتركون تربة لعبهم وينهزمون إلى غرفهم ح زانى. يفتعلون المرض والصراخ ليستدروا شفقة أمهاتهم الجالسات يمشطن شعورهن التي تساقط نصفها قبل الأوان. الرجال يسترون عوراتهم في غرف مظلمة بعيدة عن عين الرقيب, بينما يتحصن العجائز في طفليتهم التي انتقلت معهم منذ مائة عام. وخلف الأسوار الواهية للمدينة , في مثل هذا الوقت,  تبدأ طقوس ماجنة تستمر ألف ليلة وليلة. طقوس السحرة الر عناء بعصيهم وحرابهم اللامعة في القلوب. يحومون حول جثث صمّت آذانها بأقراط ذهبية وكبلت معاصمها بالأساور.


تصميم الحاسب الشامل