التقــاء

 

سمير عبدالفتاح


قريبا  من الباب أرمي بجسدي المثقل بعبء سنة فوق مقعد.. أغمض عيني للحظات حتى أعتاد على المكان.. أبعد رأسي عن الجدار مع ارتفاع صوت خشن قوي يأتي عبر ميكرفون من مقدمة المكان. اخرج قلمي وأحاول متابعة الكتابة فيزجرني الصوت الخشن بعيدا  عن الورقة التي حملتها معي من الخارج, أحاول التركيز في كلمات الصوت الخشن لألتقط منها بعض العبارات لتساعدني في النقاش نهاية الندوة, أقلب نظراتي بين الجالسين أمامي لأعرف كيف سيستقبلون مشاركتي في الندوة. فجأة يختفي القلم من يدي.. أنظر إلى يدي لأتأكد من أن احساسي بالفراغ ناتج عن اختفاء القلم.. أنظر بتلقائية الى أرضية القاعة.. لكن البلاط المصقول كان خاليا  من أي أثر للقلم سوى بضع قطرات من الحبر تشكل خيطا  متقطعا . صدمة اختفاء القلم- دون معرفتي لمكانه- وشوش على ذاكرتي كأنني تلقيت ضربة شديدة على رأسي. سقوط ورقة الاستبيان على ركبتي وسقوط غطاء القلم على الأرض يعيد لي  جزءا  من الهدوء.. فتمتد يدي الى غطاء القلم. أحاول استجماع نفسي لأعود الى حالتي الطبيعية.. لكن الصوت الخشن يدفعني الى دوامة الأفكار التي أحاول الهروب منها.. يتداخل الصوت الخشن مع أصوات كثيرة داخلي وتتشكل نبرة مختلطة غير متجانسة من الأصوات.. أركز في الصوت الأجش الذي اندفع فجأة في ذهني وغطى على الصوت الخشن الذي يأتي عبر الميكرفون:

- بسهولة سقط القلم أرضا  بعد معركة صغيرة بين أصابع اليد اليمنى.. حبر القلم الأسود تناثر على الارض.. الصرخة المكتومة التي اندفعت من حلقي على اثر انكشاف الأمر كانت تحمل شعور الهزيمة.. الغطاء الأسود.

اعتاد أخيرا  على خليط الأصوات.. اعتاد كذلك على ضوء المكان الذي يتشكل من لمبات إضاءة قوية متناثرة على الجدران.. لكن تفاصيل الصورة أمامي تظهر مهزوزة قليلا .. كراسي أمامي ممتلئة بالبشر وأخرى فارغة, وفي المقدمة طاولة صغيرة عليها ميكرفون.. على يميني الباب الذي دخلت منه, وورائي الجدار الخلفي للمكان. أحاول استعادة ما حدث قبل وصولي الى هنا فتأتي الصور متداخلة.

(الخطوات البطيئة التي قطعت  بها المسافة بين بداية الشارع وهنا.. السيجارة المطفأة وهي في المنتصف عند الباب.. ورقة الاستبيان الملونة التي تحتاج للامتلاء.. الاستناد على الجدار والبدء بملء الاستمارة..اليد التي أزاحت ورقة الاستبيان عن مدى نظري.. وجه صاحبة اليد.. ابتسامتها...) ينقطع خيط الصور من جديد. أعود لتأمل الجالسين أمامي.. مؤخرة رؤوس بعضهم مألوفة من تكرار جلوسي في المقاعد الأخيرة.. لكنني لا أعرف وجوههم.. أحاول تذكر المزيد من الأحداث. (المعركة الصغيرة اثناء ملء ورقة الاستبيان فجرت شيئا  ما داخلي وجعلتني تائها  على المقعد الاخير من ندوة باردة عن نهاية العام...) يعود الصوت الخشن ليدخلني في دائرة الندوة:

- كان...

يهيجني الصوت الخشن المندفع عبر الميكرفون ويدفعني بعيدا  عن المكان... ويسيطر التوهان من جديد على المدى الذي يقع أمام نظري.. وتعاود الصور للتداخل مرة اخرى مع انضمام الصوت للصور. (صوتها كان عذبا .. أعادت لي ورقة الاستبيان بعد أن قرأت عنوانه وهي تقول أنها لا تريد أن تتذكر أن عاما  من عمرها قد انتهى.. واكملت بأن تذكر أحداث يوم صعب فكيف بتذكر أحداث عام كامل. ابتسمت وهي تشير لما كتبته في ورقة الاستبيان وتابعت بأن فكرة اختزال العام بورقة جيد لكن يجب إعطاء المهمة لأشخاص آخرين لا مصلحة لهم في تزوير التاريخ.. ضحكاتها كانت خافتة وهي تبتعد عن المكان وتقول انها اليوم تريد نسيان هذا المكان...) تنقطع الصور.. ثم تعود للاتصال وهذه المرة وأنا داخل القاعة قبل بداية الندوة. (... انتبه لورقة الاستبيان في يدي.. أتأمل الرقم المكتوب في أعلاها.. الرقم الذي سيتغير عند الثانية عشرة ليلا .. أغوص في ذاكرتي بحثا  عن أحداث العام لأكتبها في ورقة الاستبيان وكلماتها ترن في رأسي بأنه لم يحدث شيء يستحق التسجيل هذا العام أيضا .. الأضواء الباهتة التي تسقط فوق سن قلمي تأخذني بعيدا  الى الشهور السابقة...) الصوت الخشن يعود مدويا  قاطعا  الطريق على محاولة التذكر وتتزاحم العبارات المفككة في رأسي فيتصاعد الصوت الأجش ويتداخل مع الصوت الخشن:

- كان البؤس.. بنغمات الارتجاء انثر حروفي..بكل أحزان المكان أترك معطفي بجوار البقايا.. ما هذا الدفء? الوهج الحار ترك في اصابعي انكسارا.. أين الوقت? تمضي الأحزان... الوهج لا يرتخي بسكون أمام اليد الممدودة نحو الألق.. أين المضي بين الا...? الغبار يتداخل مع ذرات تكوينه... ثم... عندما عادت العين الى لحظة اليقظة بعد ثانية الراحة الأولى لم يعد له وجود.. نفس الذرات قد احتلته...

تتحرك ذاكرتي من جديد (... مع استمراري في الكتابة أخذ صوتها يرتفع في ذاكرتي.. هززت رأسي وأنا أحاول تشتيت صوتها من ذهني.. عباراتها- بأن ننسى هذا العام ايضا  ولا نحاول توثيقه حتى لا نضيف جرحا آخر في الذاكرة- عادت للظهور في ذهني وأوقفت حركة القلم وادخلتني في توهان غريب.. الأصوات أخذت بالاختلاط في رأسي عندما شعرت أن قلمي يبتعد عن ورقة الاستبيان التي سقطت على ركبتي اليسرى.. عيني المرتخية تتابع بصعوبة حركة القلم السريعة قبل اختفائه عن مدى رؤيتي.. أصابع يدي اليسرى تنزلق للأرض بآلية وتلاحق غطاء القلم الذي سقط على الأرض...) انقطاع الصوت الخشن المفاجئ يوقف حركة ذاكرتي.. انظر حولي بدون تركيز.. أتأمل غطاء القلم فتعود ذاكرتي للحركة أمام عيني. (... قالت لي انه سيأتي يوم أبحث فيه عن نفسي وأحاول اكتشاف عالم آخر يمكن أن يقبل بي.. فجأة صوت أجش ينبعث من أعماقي يغطي على الصوت الخشن الآتي عبر الميكرفون ويبتلعه.. الصوت القادم من أعماقي يسحبني بعيدا  عن غطاء القلم ويجعلني أحاول معرفة أين اختفى القلم...) ينقطع خيط ذاكرتي من جديد.. وتتحور كلمات الصوت الخشن القادم من المنصة في عقلي لتتوافق مع الصوت القادم من أعماقي:

- هناك في قعر الفكرة سقط الغطاء صريع حزن العمر الضائع وسط اللقاء.. كانت الحرية.. الشعور بالخلاص من الآمال.. لكنها كانت متأخرة تحمل نبرات النهاية وبداية الانطفاء...

ضحكة تأتي من المقعد المجاور لي كأنها تابعت اليد المجهولة التي انقضت على قلمي وانتزعته من يدي اليمنى.. أمسك غطاء القلم بيدي اليسرى بقوة أكثر وتمتد يدي الأخرى في الفراغ وتنزلق بدون إرادة وراء نقاط الحبر.. اصابع يدي اليمنى التي ما زالت منذهلة لاختفاء القلم تركت الفراغ الذي كانت تتحرك داخله بعشوائية واختفت داخل جيبي الدافئ, وغطاء القلم أخذ يتقلب بين أصابع يدي اليسرى بنعومة وهو يتجاهل الصوت الذي يأتي من أحد الكراسي المجاورة لي وهو يدعو الغطاء للانضمام للقلم. تداخل الأصوات يزعجني فأحاول الانسياق وراء الصوت الخشن:

- عد .. بدون حزن متوالي.. عد وحيدا .. غريبا .. كل الاشياء الهامشية اتركها هناك عند مكان اللقاء.. عد بدون رغبة بالرحيل.

الضباب والدوامة بدآ بالتلاشي من عقلي والاحداث المتشابكة السابقة تنتهي عندما تسحب العين اليقظة الى الأسفل.. وفي خيط باهت متقطع في ذهني تصاغ حقيقة ما حدث بشكل أوضح.. وذاكرتي تعود للتوهج من جديد. (أتذكر قراري بالتوجه لقاعة الندوات للاحتفال باليوم الأخير من العام.. لم آخذ حقيبة أوراقي معي على غير عادتي لأكون حرا  في تنقلاتي.. وبخطوات عادية توجهت للمبنى الذي ستقام فيه الندوة.. النظرات التي وزعتها على الأشياء التي تحيط بالشارع الذي مشيت عليه كانت عادية ولا مبالية.. والكرسي الذي جلست عليه في القاعة قبل ابتداء الندوة كان في الصف الاخير.. كوب الشاي ثم بعض الضحكات.. خروجي من القاعة لأجيب على احدهم.. عدة أوراق قلبتها بسرعة وأعدتها لصاحبها.. ورقة الاستبيان الملونة.. استنادي على الجدار لأملأ  فراغات ورقة الاستبيان.. الميكرفون.. صوت الميكرفون الذي أعلن عن بداية الندوة.. دخولي القاعة من جديد- كل هذا كان روتينيا - أخرجت قلمي مستغلا  اللحظات الأولى للندوة- التي عادة ما تكون لفرض الهدوء والنظام والتعريف بمواضيع الندوة- وأنا ما أزال ابحث عن اسماء وكلمات لأملأ بها ورقة الاستبيان الخاصة بالعام الذي ينتهي اليوم...) الصوت الأجش عاد لاختراقي وقطع خيط الذكريات الباهت الذي أحاول استعادته.. الصوت الأجش دفعني لليقظة المشوشة من جديد:

- امتلاك بؤرة أحزان.. كابوسي اليوم يدفعني لامتلاك بؤرة أحزان مأساوية.. سيدتي.. أيامي بدأت عند نقاط التيه.. في حواف الفناء نشأ تكويني الهش.. اربع أو خمس خطوات صغيرة قطعتها ثم أمسك بي الفناء.. خطواتي بطيئة.. ساذجة.. قوية ومرحة.

خيط الذكريات يعود للاتصال من جديد لكن بتفاصيل أكثر وضوحا (... عند باب القاعة وقبل دخولي اعطاني ورقة الاستبيان عن العام الذي سينتهي اليوم.. وبسرعة بدأت بملء ورقة الاستبيان لأتفرغ للندوة لأنني سأكون المتحدث الثاني. أسندت الورقة للجدار وبدأت بملئها.. لكن يدا  انتزعت مني الورقة.. كانت هي.. انتزعت ورقة الاستبيان من يدي ودعتني لحضور حفلة بعيدا  عن هدوء الأدباء.. وعندما حاولت اقناعها بالبقاء هنا حتى لمتابعة ما سأقوله في هذه الندوة ضحكت وقالت ان من حقها أن تعيش يوما  صادقا  لا تزيف فيه نفسها ولا تتظاهر بأنها كائن مهتم لأمر العالم.. وسألتها ان كنا سنتقابل في اليوم التالي فقالت انها لا تدري ماذا ستفعل في العام المقبل. ثم تركتني ودخلت القاعة وخرجت بعد ثوان وغادرت المكان وأشارت لي من طرف الشارع فابتسمت لها وهي تختفي عن نظري. دخلت القاعة وجلست  لأكمل فراغات ورقة الاستبيان لكن تصاعد صوت الميكرفون افقدني التركيز.. الصوت الآتي عبر الميكرفون كان مزعجا  وعبارته متداخلة غير مفهومة وعقلي كان مشغولا  بها وبكلماتها عن الزيف...) ينقطع خيط الذكريات مع سقوط غطاء القلم للأرض من جديد.. صوت الميكرفون يواصل الصراخ.. آذان مثلي تبحث عن أشياء تنسيها الملل الذي وجدت نفسها داخله.. حركة قدمي السريعة عادت الغطاء الى مسافة اقرب مني.. تنزلق ورقة الاستبيان من يدي وتغطي المساحة الصغيرة بين قدمي اليمنى وغطاء القلم. الأصوات تعود للاتحاد بحيز واحد.. صوت الميكرفون والصوت الخشن وصوت الحركة حولي وصوتها:

- اطار المكان يضيق .. تقل المسافة بين القدمين..

أغوص في ذاكرتي للأيام السابقة. (... في تكوين قريب الصور تتداخل في رأسي.. أرى نفسي محصورا  في زاوية.. ظل آخر يقع علي.. صوت مجهد ينبعث من حنجرتي.. حركة يدي تدل على رغبتي بالاستسلام.. صوت اطارات سيارة تخترق سكون المكان المظلم وتتوقف بجواري ثم تنطلق بالظل الذي كان يسقط علي قبل قليل.. ضحكة هادئة تنطلق والسيارة تغادر وهي تترك بجوار بقع الحبر خيطا  أسود قاتلا .. يتمدد صوت الضحكة بينما عيني تلاحق آثار بقع الحبر...) يزاحم خليط الصوت الأجش والصوت الخشن ذكرياتي:

- تاهت بين أجنحة الوقت.. في حضن النغمات الحزينة أرخيت أسفاري.. أناجي البراءة بصمت الدائخ.. يا ... تكسرت معاولي فوق صخرة الألم.. انتهيت كورقة في خريف الزمن.. يا سيدي.. بمكان قريب من هنا ضعت.. احتلني أحدهم.. لم يكن للظلام دور هذه المرة.. كان الوقت مضيئا .. تسلل فوق عتمات الآمال.. وعندما أشرقت الشمس للمرة الثانية تسلل من جديد.

يخفت الصوت الاجش فتتداخل الصور في رأسي من جديد. (... انحسار الظل يعيد للجدران ابعادها الحقيقية. الهواء تحرر من حرارة الرئتين القوية.. الضوء عاد للانتشار في مدى الرؤية...) نبرة الصوت المختلط عادت للوضوح:

- سيدي.. مغادرة الوقت أخذت بالاطمئنان.. كل الأحزان توقفت أمام دولاب المكسور بخشوع.. لم يعد لدي مكان.. بنقطة الانتهاء تركت أحلامي. تركت شيئا كبيرا  من جسدي المجروح.. سيدي.. ساد الصمت.. وهامت قدامي في فضاءات الانطفاء.. اشعل الوقت لهبه في أعماقي.. سيدي.. تركت الأزيز يعبث بي.. استسلمت ليدها.

اللهاث المختنق يبتعد ويحل مكانه التنفس المنتظم في الصور المتداخلة في رأسي.. العرق ينزلق على اليد. حركة الورقة الخافتة حركت غطاء القلم قليلا  لتجعله يلامس قدمي اليمنى والصوت الأجش يدفعني للغوص من جديد في ذاكرتي وهو يتصاعد بنبرات خافتة:

- أراقب الانكسار في العيون. أركض وراء الظل المتلاشي.. ألاحق صدى صوتي المخنوق.. تدفعني الرمال للقفز.. يلازمني تعب غامض.. أقفز.. أقفز.. ينحفر جسدي في أعماق حفرة.. تعود لي أنفاسي الحارة.. يتسلل العرق ببطء.. ببطء.. تنغلق عيناي...

- صوت حذائها وهي تبتعد يتداخل مع الصوت الأجش. (... عرفتها في بداية العام.. في هذه القاعة بالتحديد.. دخلت من الباب وجلست بجواري.. كانت الندوة باردة لذلك انشغلنا بالحديث.. وقبل انتهاء الندوة كنا في الشارع...).

الانكسار الذي يطل من عيني يطرد نظرتي الى الجهة الأخرى.. تنطلق يدي لتتلاقى مع يد ممدودة- وهي تحمل القلم- في اتجاهي.. ظل القلم يختفي في الجهة المقابلة وأشعر بيدي المخدوعة خاوية. الضحكة التي انطلقت من المقعد بجواري دفعتني لالتقاط غطاء القلم من على الأرض وإمساكه بيدي اليسرى بقوة كبيرة حتى لا يسرق مني.. أمد يدي من جديد والتقط ورقة الاستبيان, الصوت الأجش يدفعني بعيدا داخل ذاكرتي:

- سيدتي.. لم أعرف بوجودك هنا.. أتيت لأشكو.. طرقت باب مغارتك فلم أجد أحدا .. سيدي.. أشكو.. جاء الي.. أنزل عني كل احمالي.. حتى تعويذتك سيدتي لم يتركها لي.. سيدي.. أشكو.. سيدتي.. عفوا .. لماذا أتيت إلى هنا...

تتداخل مع ذاكرتي الصوتية الصور. (... قالت لي أنها أضاعت عامين في تحضير الماجستير في دراسة التراكيب اللغوية عند شعراء العصر المملوكي.. فعندما عادت بعد إنهائها لرسالة الماجستير تم اعتماد تعيينها في وظيفة ادارية.. وقالت أن اجمل ما في العصر المملوكي هو الحرية. قالت انها اختارت العصر المملوكي لانه كان عصر الوصول باللغة لأقصى مداها في التعبير بين الناس ردا  على اللغات والدعوات الشعوبية التي حاولت الإحلال مكانها...)

أتسلل بذاكرتي عبر الجدران بحثا  عن الحرية.. جدولي اليومي الثابت الذي يتكرر على مدى الأيام والشهور كان قضبانا  من الفولاذ بنظرها. (... دعتني للعيش معها في عصرها المملوكي.. قالت: ؛أن امتزاج العبودية والحكم في شخص واحد هو حل لكل إشكالية البشر.. أن تكون حاكما  وفي نفس الوقت تشعر بالعبودية.. حينها لن تكون عبدا  ولن تكون حاكما  أيضا .. وبذلك تمسك طرفي السلسلة التي تقيدك.. سيكون بيدك القيد والمفتاح.. وتجد هذا في حكم العبيد في العصر المملوكي«...).

تتراخى عظلاتي ويغمرني شيء ثقيل لا أعرف ماهيته.. يتباطأ تفكيري أكثر.. أنظر بلا هدف لغطاء القلم.. أحملق فيه وأنا لا أكاد أراه.. فراغ يملأ جسدي.. فقط مقدمة رأسي تقتحمها مطارق وفؤوس.. عيني تتوهج وتنكفئ باستسلام.. قالت لي أنها تريد التخلص من مقدمة رأسها عندما غمرها صداع وأنا معها.. قالت أيضا وهي تضحك أن مقدمة الرأس القوية لم تعد تنفع في هذا الزمان فلقد انتهى دورها عند اختراع البارود.. لقد ضحكنا طويلا  حينها ونحن نتخيل الصراعات التي حسمتها مقدمة الرأس, لكن الآن أفكر بمبادلة مقدمة رأسي بالقلم المسروق مني.. لكن الصوت الأجش يفسد المقايضة بنبراته المزعجة:

- لم أعد أبحث عن شيء.. ولا أرغب بشيء.. استسلم لشيء أضعف مني.. شيء يقودني في متاهات اليأس.. تتراخى يدي ويسقط القلم على الأرض وأتمنى السقوط بجواره..

أتحرر من الصوت الأجش الذي ينبعث من حنجرتي.. أرى الأمر بشكل واضح.. الخيوط المتشابكة واضحة الآن.. يتداخل صوت يأتي من الخارج مع حركة يدي.. أنظر الى القلم المرمي على الطاولة بجوار الميكرفون.. أحدق في الوجوه اليائسة الجالسة أمامي.. أتابع الخطوط المتناثرة التي ترسمها تلك العيون في مدى ابصارها.. صوتي الأجش تحول الى حروف متقطعة.. الكراسي تبتعد.. أفلت الجدار.. وأغافل الباب واجتازه بسرعة.. يلاحقني صوت.. لكن الاسفلت الخائف يدفع قدمي للهروب بعيدا .. ويتبعني غطاء قلم.. وعندما أتوقف في نهاية الشارع أمزق ورقة الاستبيان وينزلق غطاء القلم الى جيبي البارد وأنا أحاول بدون جدوى تذكر شيء عن العام الماضي.

 

تصميم الحاسب الشامل