أجداث المهــد

 

أحمد الرحبي


لا تنفصل عن المكان وتضاريسه إذ هي تشارك في تأثيثه ولا تختلف إذ ذاك عن أديم الأرض بشيء فشواهدها الحجرية السوداء والبنية القاتمة باتت لا تختلف ولا يمكن تمييزها عن سائر أحجاره ولا تقبب التربة في أكداس صغيرة الحجم من التراب عن باقي تموجات سطح الأرض المكونة لصفحة المكان تبدو للعين هكذا وكأنها منثورة, بين منخفضاته ومرتفعاته وتلاله وربواته ولأنها في مادتها سواء الحال على سطحها أو  بداخل جوفها وقد عاد بالتأكيد إلى المادة الأصل في غضون مدة قصيرة تكاد لا تذكر مقارنة بهذا العتق الذي يكاد يمسخ معالمها, هي أكوام تراب جزء لا يتجزأ من مظهر الأرض حولها, ضاعت معالمها واختفت وكفت عن أن تكون شاهدا  لذكرى غالية تتذكرها القلوب المفطورة حزنا  ولوعة بفعل رحيل شاءت الأقدار أن يكون مبكرا  جدا  وانصرام قبل الأوان لحيوات براعم خضراء ريانة كانت مخاضا  ربيعيا  تتواصل فيه الخصوبة طالما الطين المادة الأولى التي استقبلت نفحة الروح في ثناياها مجسدة خالقية الخالق, طالما هذا الطين يحبل بالنطفة والنسغ ويعيد للحياة توالدها وتجددها, لقد تساوت تلك الأجداث بالأرض وانتعلتها الأرجل فلم يعد هناك ما يميزها إلا حدود غائمة في الذاكرة الواهنة للعجائز والشيوخ المسنين في القرية وباتت تحضر في هذه الذاكرة بإجلال وقداسة كبيرين حيث أن لكل أهل القرية نصيبا  لهم في تلك الأجداث, وحيث أن ذاكرة فقد جماعية ما يشتركون فيه ناحية تلك المساحات الكبيرة والواسعة على امتداد حزام التلال والسفوح التي تحيط بالقرية, ولفرط قدم هذه الأجساد الراقدة هنا و إيغالها في عمق ذاكرة الزمن قياسا  بحاضر جديد هو ابن يومه فإن الإجلال والقداسة ما برحت تحدث إشعاعها في ذاكرتهم وتفعل فعلها في مشاعرهم ناحيتها, برغم عوادي الأيام وفعل عوامل التعرية عليها وانطماس معالمها بفعل السيول والعمران الجديد الزاحف بلا ذاكرة على الأرض بجوار القرية, كنا عندما نمر بجوار إحداها (المقابر) بصحبة جدتي اسمعها تترحم على نزلائها وتصفهم بعبارة اعتدناها على لسانها في كل مرة نمر على هذه الأجداث العتيقة <<محظوظين لا لهم ولا عليهم>> وقد اعتادت جدتي أن تنهانا بشيء من الزجر عن أن نجعل من هذه المراقد مسارحا  للعبنا ولهونا الطفولي وكانت لا تتأخر عن إرسال لعناتها على من انتهك حرمة هذه الأجداث وقام باللعب في نطاقها ومازال يحضرني بطزاجة ذلك المشهد حين انفلتت بعدوانية لم أكن أتوقع أنها تضمرها إلى هذا الحد في نفسها, على ابن جيراننا وحفنة من أولاد القرية وقد هيأوا مساحة وسط إحدى هذه المقابر كملعب لكرة القدم, وما أن باغتته مع رفاقه حتى أسفت عليه كل كلمات وعبارات السباب والشتم الذي طال أهله وأصله و انهالت عليهم بكل الأحجار التي صادفتها في طريقها, فلاذو بالفرار ليتقولوا عليها أنها <<ساحرة و مجنونة تضرب بحصى>>.

وقبل أن توافيها المنية بأيام, جدتي وهي في غمرة المرض كان إلحاحها علينا بطلب واحد أن نأخذها لزيارة هذه المقبرة ولقد شعرنا عندما ذهبنا بها إلى هناك, من خلف دموعها التي سفحتها وهي تتطلع بنظرات حزن ولوعة إلى تقببات القبور الصغيرة الدارسة كأنها تعتذر لأحد وتتأسف بمشاعر صادقة حزينة عن تأخر اللقيا بينها وبينهم ولا شك أن في تلك الزيارة كانت أحاسيس الأموات قد سيطرت عليها ومشاعرهم خاصة بعد أن باتت تهجس بذلك منذ الأيام الأولى من مرضها العضال الأخير, كامرأة مسلمة تؤمن بالقدر والمصير خيره وشره. وكان لا يفوت المرء أن يلمح في قسمات وجه تلك العجوز الثمانينية الدامع هالة استبشار وهو أن سهم نظرتها المركزة الحادة لا يتبدد هدرا  فوق فضاء ذلك المكان حيث يسدد على نقطة بعينها في هذا الفضاء تخصه وحده وتربطه بها وشائج عميقة. كنت حتى تلك اللحظة وفي الحقيقة حتى بعد شهور من وفاتها لم أكن أعرف سر الارتباط الحزين للجدة بهذه الأجداث العتيقة وما سر تعلقها بها وما أظهر حقيقة ذلك السر أمامي هو تأسف بعض أحفادها من أنهم قبروها على هواهم لا كما كانت قد أوصت قبل وفاتها بأن تدفن في ذلك المكان ذاته (لا يمكن في الحقيقة الاستجابة بتاتا  لهكذا وصية فإلى جانب أن هذه المقبرة كفت منذ زمن طويل عن استقبال قادمين جدد  فهي بالأساس مخصصة لفئة معينة من الأعمار) ويعود ذلك حسب ما عرفت من بناتها وأبنائها أن الجدة قد وارت الترب في تلك المقبرة 13 من براعم رحمها قد مات جلهم في سن الرضاعة حين كانت القرية في ذلك الزمن لا تملك مدافعة للأمراض والأوبئة التي تصيب الأطفال في مقتل كونهم الخاصرة الواهنة في الجسم السكاني المريض أصلا , وليس بيد أهلها الحول ولا القوة في صد هذه الأمراض إلا وصفات الطبابة الشعبية المتعارف عليها واللجوء كحالة الغريق الذي يتعلق بقشة إلى الدجل والشعوذة الشعبيين التي لا جدوى منها  في صد هذا الفتك و الانتهاك القاتل. معنى ذلك أن الجدة قد أمضت شبابها وجزءا  من كهولتها في تحدي الموت الفاتح شدقيه على اتساعهما سنة بعد سنة, ونساء القرية جميعهن حرصا  على استمرار نسغ الحياة بالتوالد والتناسل, هن رمز الخصوبة وعشتارات القرية ومبعث أسطورة الديمومة و الخلود فيها. على ذلك كان تاريخ القرية ملخصا  حزينا  من الميتات المبكرة جدا  بإمكاننا سماع الرواية كابرا عن كابر إلى آخر شيخ وعجوز في القرية قد بلغ بهما أرذل العمر أن لا يعيان لحظتهما بينما يحتفظان من حطام الذاكرة بالكاد قبضة حكايات واخبار عن ذلك الزمن غير متواترة فاقدة لسندها الإخباري (هل تعون بهذا أيها النمامون و الثرثارون في لا فائدة ترتجى منه أن ذاكرة القرية في خطر?).

لم تفتأ هذه الأجداث العتيقة تترصد بمضرتها (الضرر)  لأهل القرية عند كل استباحة لحرمتها, ظل ذلك اعتقادا  راسخا  في ثقافة سكانها, يحذرون مثل هذه الاستباحة والمساس بنطاقها ويتطيرون من ذلك أيما تطير, وقد اعتادت النساء المسنات اللاتي وعين وتربين وترعرعن على هذا الاعتقاد الذي وعينه وتشربن به على أيدي أمهاتهن وجداتهن مثلما يعي ويتعود الطير من اعتياد أمه وأبيه على اجتناب الشراك والتسلح بالحذر والخوف منها, في إيقاد البخور في دوائر من فحم في هذه الأماكن اتقاء لضر يقع منها على الأحفاد, إنها إذا  مقابر الأطفال تنتشر, منثورة فوق كل سفح وتلة وفج حول القرية و كأن مساحة الأرض حولها ضاقت بما رحبت لفرط كثافة ذلك الرحيل المبكر الذي تعيشه الطفولة في ذلك الزمن البعيد من عمر القرية, في كل موطئ قدم في جوار القرية هناك عظام صغيرة نخرة لجسم طفل  أو رضيع استسلم مبكرا  لإغفاءة الأبدية, إلى درجة خجل الحذاء في القدم وإحساسه بوضاعته على بساط طاهر كهذا من جسد الطفولة الغضة وجلدها الذي تلتحف به الأرض تحت أديمها. نظرا  لما تشكله هذه المراقد من مكانة كبيرة لها قدسيتها في وعي سكان القرية فإن الإيمان بمنبع للكرامات والظواهر المعجزة هو الباب الذي تؤدي إليه بالنتيجة هذه المقابر بالحضور المادي الكثيف في المكان والحضور العاطفي في وعي سكانه وهي تضم فلذات أكبادهم التي اختارها الموت المبكر وألحقها في أعداد غفيرة إلى قوائمه السوداء المعتادة, كخسائر ثمينة تكبدتها على يديه الحياة, فالنور دائم الإشعاع من هذه المراقد والرائحة الزكية تتضوع من محيط هذه المقابر على ما اعتاد أن يروي سكان القرية بايمان وقدسية ظاهرين بما يروون وتقبل لا يداخله الاستغراب أو الشك مهما كان الراوي في صفته الخلقية, وسيرته في الناس, ولقد هيأ المناخ هذا القدسي والإيماني والأسطوري الذي باتت تشكله مقابر الأطفال في اللاوعي الجمعي لأهل القرية, الناس ليكونوا كنانة سهام ونبال مصوبة باللعنات لأي كان,تسول له  نفسه  المساس    بوضعية هذه القدسية مساسا  ماديا  أو مساسا  سلوكيا  محضا .

 وهل تنسى القرية والقيمون على الأمر في مركز المحافظة صيف اللعنات ذلك,الذي احتدمت فيه القرية كأنها رجل واحد في وجه بيروقراطيي وزارة التربية ومن بعدهم مصلحة الكهرباء والمياه,حين قر قرار هؤلاء نظرا لضيق المساحة التي لا تتأثر بمجرى الشعاب والأودية على اختيار مناسب في رحاب محيط القرية لزرع اساسات المدرسة الإعدادية الأولى في المنطقة التي تشكل أرخبيلا  من القرى الجبلية الصغيرة المتباعدة, وعلى غرز خازوق آلة الحفر في نفس المكان لتوفير بئر ارتوازي يعوض نقص المياه الضرورية للشرب, فقد تعالت اللعنات حينها والصيحات الغاضبة التي لا تنقصها صدق العاطفة كوقود في الاحتجاج على انتهاك قدسية الموت والعبث بحرمة الموتى زد على ذلك <<أنهم أطفال طاهرون لا يختلفون عن الملائكة في شيء, فهم بلا كتاب أعمال تركوا الدنيا وما زالوا على فطرتهم التي فطرهم الله عليها>> كما اعتاد أهل القرية ترديد هذا الكلام كلازمة لتقوية حجتهم, وبرغم المضي في الأمر الواقع بتغليب نفر قليل منهم المصلحة العامة والتخفف من وطأة المحرم والقداسة إلا أن الأمر ويا للمفارقة في النهاية كأنه غدا خاضعا  لتصفية حسابات لعنة المقدس ذاته الذي لوح به أهل القرية في احتجاجهم, فالبئر الارتوازي وبالصدفة بعد أشهر من تدشينه أصبح ماؤه مرا  أجاجا  أما المدرسة بعد سنة دراسية وهي المدة الكافية لتدخل في أرجائها الخرافة (خرافة انتهاك وهم المحرم والمقدس) عن طريق الطلبة الذين جاءوا يطلبون العلم في رحابها, فتستوطن بين جدرانها لتحيلها بعد مدة إلى أطلال.                                

                                       خاتمة

على عكس زمان جداتنا وأمهاتنا لم يعد الأطفال وصغار السن في زماننا مهددين بالموت إلا من استسلم منهم بسذاجة طفولية لمغريات الموت التي راح يقدمها عن طريق الآباء الأغبياء, لهم على شكل ألعاب سخيفة كرة ملونة تجر خطواته خلفها في الطريق.. دراجة هوائية يعتليها لتصدم جسده الصغير أو تدهسه سيارة عابرة,لقد امتلأت بهم البيوت وباتوا يحملون الهرم السكاني على أكتافهم  واثقين آمنين في حجور أمهاتهم.


تصميم الحاسب الشامل