|
|||||
|
أحاسيس غير معتادة تراءت له.. أفكار نحتت طيفها ونمت شاغلة ذهنه. مع هذا الهاجس الهلامي بطيوبه غير المحددة الملامح, تفيض اللحظات بين حين وآخر, بما يمكن أن يكون حقيقيا .. فأحداسه تضبط مواعيدها بنذير ما. مع هذا فكر سعيد بيوم سعيد, محاولا خلخلة الظروف الضاغطة عليه, ناسيا ومتناسيا تلك النسائم لروائح أخبار قادمة لم يعرف كن هها بعد. أنا في عطلتي الأسبوعية قال: كلما تبدت له الأخبار في جنينية طلائعها, إحساسات الصورة الرمادية وهي تستولي على خاطره. فقد كشفت مراياه العميقة, آبار الحياة, وانعكاس صورته على مائها. كان يتحاشى النظر الى اللحد, كلما قادته قدماه الى المقبرة, لدفن صديق أو عزيز غي به الموت. ظانا ان النظر الى اتساع المشهد من أعلى التقوس الطيني للقبور المتناثرة يمنحه فرصة النسيان, لتغييب الموت, وتأجيل القبضة العزرائيلية ولو مؤقتا . لقد وصل سعيد الى قريته غير سعيد فهو متعب الآن, ليس من ثقل الشغل ومسؤوليته.. فهو يعرف أن منجزه من العمل لا يتناسب وطاقته في منتصف العقد الثلاثيني. راميا حبل المبررات على مسؤولية الزمن وواقعه, والطقس وتقلباته. ما يشغله حقيقة, الملل, والانقياد لهاوية التكرار وديمومة الحال وعبثية الواقع. فحياته معلقة على أضلع مثلث مكرر, الوظيفة, المنزل, والشارع. كلما تعلق بها كبر صمته يوما بعد يوم. أخذته تلك الأفكار بعيدا نحو شطآنها المضطربة. مقتنعا أن لا فائدة من أي شيء سيقوله أو يتفوه به. أحيانا يردد في خاطره, ما أجمل الثلج في فم الانسان, مسترجعا بحنين مفرط وداع صديق رحل في قطفة العمر المبكرة. حين يضعون القطن في إطفاءة العين, والصمت في قطن فمه الأبدي. البياض عيني, البياض إذني, البياض لساني. أرأيتم, قال: الورقة على بياضها ميسم جسمي, الكفن, أبيض طريقه بين التراب أعلاه وأسفله. ل م الخطوات التي مشيناها.. (ك تبت علينا), هي بين قدرها مسير ومصير. حاول سعيد أن يحو ل ما ضاق به صدره الى مكان متسع في المخي لة.. هذا, ما قاله على أقل تقدير حين <<تضيق العبارة>>, تتسع الطفولة, يتسع التأويل, وتتسع الحيلة. انقضى مساء الأربعاء 27/8/2003 , سريعا في قريته على ثقل اللحظة وكاهلها. وكان يكرر بين فترات الهدوء القليلة, أيعقل إنني نجوت من موت مرتين. فالتفكير بالنجاة الثالثة له حساباته بين الكيلومترات المائة والثمانين التي تفصل مسقط عن حفيت, ومع تصاعد توترات الغضب التي تنتابه بعض الحين يضرب بقبضة يده على مقدمة السيارة <<من لم يمت بالسيف>> مات بين ركامك أيها الحديد. هدأت الذكريات والحنين الذي تداول بين جل يسي أهل البيت واشتياقات الأسبوع من روعه. وأخذ الكلام حيزه في مسامات الجسد, ناشرا أجنحة المودة بين أهل بيته.. لكن الزمن, هو الزمن. وعلى مقربة محكمة من الوقت, تحركت السواعد بشكل لا إرادي كاشفة آلة الزمن <<العاشرة>> كلهم قالوا, بصوت واحد. عند ذلك تناسل خيط الألم والدم, فاغرا فاه ومندلقا عبر كل المحطات. لم تطل الفرصة بسعيد إذ به وبضغطة مكررة على الزر الأحمر في جهازي التلفاز واللاقط ان يسكت نعيق الموت المتشابه. وان يلملم قدر المستطاع تشظيات جسده من التبخر الفجائعي.. أمنيته بنومة مقنعة وصلت طريقا مسدودا.. استذكارات الخراب ماثلة أمامه.. فبان له الليل كصندوق مليء بالنمل الأسود.. ومع الفجر خطفته الظلمة لإغماضة سريعة, فاق معها على نعيق الشمس وهي تسوطه بخيوطها اللاهبة. راوده إحساس انه خارج لتوه من كهف رطب ومظلم وهو يستل جسده من اتون لحظة غامضة. علي أن أبدأ الصباح كيوم مختلف, قال.. لكن صفنته بدأت على غير العادة, وشعر إن أحاسيسه غير مقبوض على ملامحها حتى تلك اللحظة. كرر العبارة نفسها, ماذا, أفعل كي أجعل صباحي ككل صباحات البشر. خاطرته أفكار ضحوكة كشفت عن ثغر ذب لت ابتسامته منذ زمن.. مع كل هذا, بدا له يوم الخميس 28/8, يوما مشوبا بوشوشة ريح صباحية شمالية لامست خد ه على استحياء, منثرة على بقية جسمه ذبذبات كهرومغناطيسية لم يعرف سر كنْهها, لهذا ترك الأمر على سنام اللحظة بالمزيد من وضوح الصباح وشمسه وهي ترتقي السلم السماوي. فالستون دقيقة الممتدة بين الساعة السابعة والثامنة من كل صباح خميسي مهمة, لأنها, ساعة القضاء والقدر, حسب ذلك المصطلح الذي انطبع في ذهنه. فهو يستقبل ما تراكم ليلا , أو ما هيأه الصباح من تغ يب وفناء يتم رصدها في زلزال مفكرته في بحر تلك الساعة على أقصى تقدير, مع ان ملمح تباشر هذا الصباح الخميسي لا يؤشر على ورقة الرصد في تخ ياله على ما يحمله من سوء طالع, إلا أن شيئا ما يضطرب في صوت تلك <<الضيْضوة>> (1) بأن ثمة أخبارا غير سارة في طريقها إليه. الثواني يسمعها كضربات قلبه وهي تقترب من لفظ أنفاسها الأخيرة قُبيل الثامنة, حين جاءه خبر وفاة محمد الصوفي. رفع رأسه نحو تلك الشجرة التي تقف عليها <<الضيْضوة>> وقال: وصلت الرسالة. وعلى عجالة العبارة <<تكريم الميت دفنه>> تهيأ سعيد لتأدية واجب العزاء. لكنه عند <<رزة>> البيت وقف برهة يفكر بمسيرته نحو المقبرة.. وقال: في صوت يكاد يسمع, تعبت من مداومة المقابر.. هل أنا مخلوق لأتذكر المقابر والقبور على مدار الاسبوع, سوف أعزي هم في المسجد.. على الأقل سوف أتخلص هذا الاسبوع من مشاهدة <<الطارقة>> (2) صحيح أن الموت حق, يحصد الجميع بمنجله, لكنه, لماذا, يأكلنا كالجراد. فبعد انقضاء الساعة والنصف من ضبطه إتمام الدفن والعودة من المقبرة, ذهب الى المسجد. وما ان وضع قدماه في باحته, حتى تراءت له <<الطارقة>> مادة يدها له بالرحيل.. اللعنة.. قالها في سره.. ما هذا الصباح الولائمي على الكارثة. حاول أن يتراجع الى خارج المسجد ليسترد تقطعات أنفاسه من هذا الاستقبال الباذخ للموت, لم يستطع تنفيذ فكرته بالهروب, حين فتح عينيه على اتساعهما, فقد وجد نفسه في مرمى عيون أهل الميت.. رصدته وهو يدلف المسجد, بحيث سيكون من غير اللائق العودة من حيث أتى. تمالك قامته من السقوط المحتوم وتوكأ أكثر على العصا ذات الحنْية الواحدة, المدهونة باللون الأسود لتناسب مثل هذه الحالات. فبعد تعزية تليق بصديق طفولة في تجليات القول والعبارة وإبراز الاحاسيس والمشاعر وتكرار القول الدائم بالخسران والفقد, هم بمغادرة المسجد ليفاجئه خبر موت سليمان الشاعر اثر حادث سير.. هكذا تسلسل أمامه عقد الموت, من مسجد لآخر, وانقاد سعيد الى حتف اللحظات, قاضيا عطلته الاسبوعية محمولا على زفيف الريح. حين اكتشف أن جسده لا يطاوعه على شيء, فقال: البقية فيكم, وأنا الراحل. ------------ الهوامش 1 - طائر أزرق يطلق عليه أحيانا <<مطيطو>> صوته دليل شؤم. 2 - صندوق خشبي يحمل عليه الموتى. |
|||||
|
|||||