|
|||||
|
تضم مجموعة شوقي أبي شقرا الشعرية <<ثياب سهرة الواحة والعشبة>> بيانات السأم والكهولة وحشدا للتقنيات والاسلوبيات التي صاغها الشاعر عبر تجربة شعرية طويلة منذ <<أكياس الفقراء>> (1959) صانعا بناية <<شعرية>> عالية وطودا أصبح معلما بارزا في الشعر العربي الحديث. يواصل أبي شقرا في هذه المجموعة مساره الشعري الشديد الصلة بأعماله. لكن إذا كانت الطرافة والعنف والشيطنة واللعب سمات أساسية تشيع في فضاءات قصائده فان هذه المجموعة لم تخل بالطبع من ذلك مع اضافة الشعور الفجائعي بالسأم والكهولة اللذين يندلعان من أعماق بعيدة وأغوار داخلية سحيقة. إن الشاعر يقدم في قصائد كثيرة بيانات السأم والكهولة والوهن والحسرة على الشباب حيث آل الجسد وانتهى الى عربة. ذلك لا يعني أن طرافة الشاعر قد خفتت بل أصبحت مغلّفة بالألم والخوف من تقدم العمر. فالاشارات والايحاءات الحزينة تنقلنا الى احساس مرير بمرور الزمن وتأثير ذلك في الشاعر: <<الصياد الحقير/ في شختورة الكهولة واليباس>> (ص156), <<ويشتروا لي كرسي الخدر ويهدوني كتاب الكهولة>> (ص162). <<هذا بيدري العاجز حين شبابي السنابل>> (ص192), <<يتقرح العمر كالغربال>> (ص40), <<جدول السأم ووبر الكهولة>> (ص8), <<تقع العصاة وحدها من التعب/ تضجر من قبضة الكهولة>> (ص67). بعض القصائد هي خطاب تهكمي على الموت وأبعاده الوجودية: (رويدك يا مسعود), وليست ببعيدة عن هذه الأجواء القصيدة الأولى التي يفتتح بها الشاعر مجموعته: <<جداول الكهولة>>, فيما قصائد أخرى توحي بوحدة مؤلمة: <<قلبي يتمشى وحده/ عاريا بعد العشاء>> (من قصيدة <<رسالة>> ص12), أو <<بردت في المكان رغم معاطف الاصدقاء>>, (من قصيدة <<تمثال الكسوف>>, ص159). يظهر ضمير الجماعة كثيرا في القصائد لكن الشاعر عندما يحرر الخطاب الشعري من ضمير المتكلم ويحل مكانه ضمير الجماعة, يظل الوعي الجمالي وعيا ذاتيا فرديا , رغم مجيئه جماعيا. فالاشياء نفسها تبقى متروكة لتقول نفسها حيث اللغة توشحها بنبرة غنائية حادة أحيانا لكنها بعيدة عن ذلك الارث التراثي البلاغي فهي غنائية من نوع خاص مصوغة ومتكونة عبر تجربة شعرية خاصة بالشاعر. تغص القصائد بالاشياء. ورغم إحالة الخطاب الشعري على أشياء العالم, إلا أنها ترى كما لو أنها بك ر , وفي حال طازجة داخل القصيدة. أو كأن كل قراءة للقصيدة هي لحظة اكتشاف أولى للعالم وأشيائه, وهذا شأن اكثر ما يتجلى في شعر أبي شقرا. فعناصر العالم وجزئياته تولد في اللحظة المصاحبة للقراءة والمتوازية معها. ورغم ان هذه الاشياء تحمل سمات وشبهة من الوقائعي فإنها تعكس الداخلي. فالشاعر ينتقل من الخارج الى الداخل وبالعكس. وفي حركة مستمرة في النص الواحد نفسه. وهي باحالتها على الداخل, تحيل بالقدر نفسه على المعطى الريفي اللبناني. الداخل في قصيدة شوقي أبي شقرا يلمس عالما جديدا منبثقا من العالم العادي ويتكون من عادياته. لكنه ينوجد في لحظة القراءة نفسها. إنها اللغة الأولى البكر للاشياء الأولى البكر: <<وما الحبر سوى رحيق النهار سوى نحلتي قادمة بالهدايا من السفر فالليل جرذ, عازف أدركه الليل وجنى السهر وأقدام السيدات والسادة: وتنغلقين خلف الرتاج والشراب ينبع من الشبابة>> (من قصيدة <<أشعل القراءة وذنب القطة>>, ص80). ان الجملة القصيرة عنصر أساسي مكوّن للقول الشعري عند أبي شقرا: <<والجمل القصيرة/ وعقدة الحكاية هي أرجلنا>> (ص106). إلا أن قصر الجملة لا يمنع الشاعر من تفكيك الارتباطات فيما بينها دون إكمالها. فهي مشغولة بأناقة وعناية ودراية لغوية اكتسبت من ممارسة شعرية طويلة. فثمة نساج جملة ماهر يربطها بأخرى ليصوغ مجمل القول الشعري. والشغل هنا مقصود ويقترب أحيانا من الهندسة اللغوية الدقيقة, فالشاعر ينظر الى الكلمة ويعرف موقعها من الكلام. إن التركيبة اللغوية هي تيمة هذا الشغل الذي يحطم الأسس والخصائص التي بنيت عليها قصيدة التفعيلة, وهي تدمر جهازها التقني والبلاغي وتنفيها نفيا <<من مسرح الأستاذ نطرد فرقة/ الأوزان والقوافي>> (ص89) فالشاعر يعمد الى قلب مواضع الألفاظ والتراكيب واعطاء المفردات وظيفة عكسية: <<وها الأولاد يعصرون المعجون>> (ص15), <<يختنق الحلق بالصدى>> (ص40), <<تكتبنا الطبشورة>> (ص45), <<والعشب يرعى الخروف>> (ص92) كأن الفعل الشعري لا يكون إن لم يكن فعل توتر وقلق لغوي حاد لاستنباط تراكيب جديدة وصوغها. ان الغرائبية الموجودة في قصائد المجموعة والتي تشيع في فضاءاتها يحيل على السوريالية بقدر ما تتصل اتصالا وثيقا بالتجربة الشعرية والحياتية (الطفولية) عند الشاعر, فيمكن ملاحظة ان الجنون الذي هو سمة في الكتاب لا يؤدي بالاضطراب والعبث أن ينفلتا لغويا وجماليا وتعبيريا . فالشاعر لا يترك اللغة تتخبط في بناها وطبقاتها ومستوياتها الداخلية رغم خربطته إياها, بل ينسجها بهدوء ليصل بها الى ما يشبه البحيرة اللغوية الصافية التي يصوغ من مياهها قصائده. إن السمات البنائية المنظمة لا تطبع قصائد الشاعر بل التفكيك اللغوي الذي أصبح بنائية منظمة. فاللغة تتحرك في الخطاب الشعري في حرية تامة وتندغم متلاحقة مع بعضها البعض في كل عناصرها التي تتناوب آخذة أمكنة بعضها: <<سوف اللغة تكون الزبرجد ومداسي للبيادر>> (ص168). شوقي أبي شقرا يقدم رؤيا لغوية للعالم, لكن محررا هذه اللغة من سكونيتها واتساقيتها. فمظاهر التفكك والتكسر وخلخلة اللغة وانظمتها البنائية تحيل بدورها على تفتت المعطيات الوقائعية نفسها. لكن هذه الفوضى المتوهمة تمتلك نسقا خاصا هو نسق شديد التنظيم يظل ينقلنا على رائحة ما موحدة. فالتجريب اللغوي لدى الشاعر ليس بهورة لفظية أو ألاعيب لغوية أقرب الى السيرك, بل هو نتاج فهم عميق لبنية اللغة الداخلية, والسعي الحثيث الى تفجيرها. تشتغل المخيلة شغلا أساسيا في القصائد وبنشاط كبير: <<وينكش تربة السطور لك/ ميدانا للتزحلق على النقاط/ وسلك الخيال>> (ص12). تجيء الدهشة مباغتة دائما وتنبثق من حيث لا يحتسب القارئ, فالشاعر يجمع بين أشياء لها صلة فيما بينها, مفرقا هذه العاديات في الغرابة. ورغم أن هنالك فكرة ما فانها فكرة حركية موسومة بالدينامية في سقوطها على العالم وأشيائه. والدهشة الدائمة ناتجة من سيل من الصور الممزوجة بالأضداد من دون أن تتوقف وتمتزج بالمعنى الذي يظل يموج حتى في لحظة وهم القبض عليه: <<وتهزني الشارد تنبع مني الصور/ وتموج المعاني>> (ص167). ولعل هذه المعاني مجانية: <<المعنى إلى الهواء>> (ص8), وهي مبددة, فالغريب أخذ <<سرب المعاني>> (ص24). يحطم الشاعر كل ما هو عقلاني: <<نعبث بالعقل وخيطانه>> (ص70): فالفكرة ليست متروكة لوضوحها وآليتها العفوية. والتأليف والشغل يخفيان البهورة اللغوية ويجيرانها لصالح الطرافة والطفولة: <<وأحوك الفكرة ثم الكنزة>> (ص10). يعمد الشاعر الى استحضار السيرة الاولى محاكيا الذاكرة الطفولية الطالعة من عمق القرية وأشيائها, راسما غنائية ريفية حادة الأسى وذاكرة جماعية للقرية. يتبدى ذلك من خلال القاموس اللغوي الريفي: جنطاس, جنينة, الدوار, بوبانة مردكوش, قرقة, طاستنا, قلشين, جربندية, القنباز, الطنبر, الصبيديج, السنطور, شرقطت... الخ. ان الميكانيزمات الريفية التي تشتغل في قصيدة أبي شقرا انتقلت لتعمل في خطابه الشعري نفسه. فاللغة , فاللغة داخل الخطاب الشعري بدت كما لو أنها داخل الطبيعة وبالعكس. فالمسعى الأول والأخير للشاعر هو أن <<تركض القصيدة حافية>> (ص149) وأن يسوق <<الأحرف في البادية>> (ص25). إن المعجم الريفي جاءت في موازاته احالات كثيرة على المدينة عبر مفردات مثل: مقهى, سينما, اوتوستراد, تاكسي, مكتب, أضواء, ... الخ وفي ذكر اسم المدينة حرفيا : <<أطفئ المصباح وعربدة المدينة>> (189), <<التاكسي الذي يرسل/ مزموره هباء ويؤذي المدينة>> (ص167) و<<رسامة ولا لوحات/ في المدينة>> (123). وحضور المدينة هو حضور سلبي, فالشاعر الذي يغمس الحرية <<بالزيت والملح>> (ص18), وتهرب خيطانه <<من المدرسة وتصطف في بهو الشيطان>> (ص21), يرى الى دخوله المدينة أشبه بانحدار مستمر من فضاء طلق, حر, ممتد, إلى <<خريف المكتب>> (ص26). شوقي أبي شقرا عقوق اللغة, وكل مجموعة شعرية جديدة له هي مغامرة جديدة وسافرة معها. أخرجها من المدرسة الى هوائه النقي والطلق, هش مها, جرحها, خدشها حتى سال دمها, شاعر يكتب في المستقبل. |
|||||
|
|||||