|
|||||
|
أن تقرأ ديوان الشاعر المغربي ياسين عدنان <<رصيف القيامة>> معناه أنك تغامر بولوج عالم قيامي بامتياز, وبمعاشرة اكثر من قيامة شخصية وعامة. ومع ذلك, فان اكثر من غواية تشد القارئ للوقوع في حبائل <<رصيف القيامة>>, الديوان الصادر عن دار المدى- دمشق 2003, وهو الاصدار الثالث للشاعر اذ اصدر قبل ذلك ديوانه الأول تحت عنوان <<مانيكان>> عن اتحاد كتاب المغرب 2000, ومجموعته القصصية <<من يصدق الرسائل?>> عن دار ميريت- القاهرة 2001. وبالعودة الى رصيف القيامة أتساءل كيف استطاع عدنان في 63 صفحة من القطع الصغير ان يشعل قيامات لا تغادرنا عبر ست قصائد طويلة, كل منها حبلى بقيامتها الخاصة مشرعة على قريناتها بدءا من العوم في (بحيرة العميان) التي ما ان نخرج منها حتى يواجهنا (صيادون بقمصان الحصاد) سيقودوننا الى التجول في (حديقة المهملات) الى ان نقطف (زهرة عب اد اليأس) ونمضي مخفورين بأريجها (في الطريق الى عام ألفين) الذي سيفضي بنا الى رصيف المحطة الأخيرة (رصيف القيامة). هكذا نمر مع الشاعر عبر نصوصه في ترتيب مقصود يسلمنا فيه كل نص الى قيامة ما, خاصة به ومكتملة تماما, لنتدرج في القيامات حتى نصل الى القيامة الكبرى, ونقف على رصيفها المكتظ بوطأتها عليه وعلينا. لتجربة ياسين عدنان في هذه المجموعة مذاق شديد الخصوصية ذلك انه على الرغم من اعتماده لفضاءات قصيدة النثر بتقنياتها المتعارف عليها, إلا أنه يحفر خصوصيته في هذا الفضاء, ويمرّر غنائيته الشخصية ورؤاه عبره. إذن سنجد قصيدة نثر بامتياز, ومع ذلك سنجد غناء وايقاعات داخل النثر تتخل ق من شتى امكانيات تخليق الموسيقى من داخل اللغة وعلائقها, من بساطة المفردة وموسيقاها, من جدتها في موقعها داخل الجملة, ومن حيوية المشهد, وفرادة الصورة, حيث الصور مبتكرة, مطروزة بمهارة من خيال خصب يحلق عبره الشاعر لينقل قارئه الى سماوات جديدة أكثر رحابة, وأعمق زرقة. قصيدة النثر لدى عدنان في هذه النصوص برغم تخليها منذ الوهلة الأولى عن البلاغة, والمعاني الكلاسيكية, وبرغم نزوعها الى تفجير كافة امكانيات الصورة والتخييل, إلا أنها لم تتخل عن المعنى, ولا ازدرته لصالح ما بات يُعرف في نصوص كثيرة باللغة الحداثية, وبالغموض لا بمعناه الشعري بل بوصفه افلاسا , أو إلغازا مجانيا لا معنى وراؤه.. ولا ضرورة لعناء البحث عن معنى ليس له وجود في النص أصلا . عدنان يزاوج باقتدار بين نسف العوالم المبتذلة بمعانيها <<المطروحة في الطريق>> وبين خلق عوالم مبتكرة بمعان تمنحها عمقها وتواصلها مع التجربة الشعرية في مسارها الأزلي المتجدد. إنه الشعر يتخلق هنا من بساطة شديدة التعقيد. هذا يعين أمرين: أو لهما أن القارئ هنا يبتهج إثر لذة التعامل مع نصوص منحوتة بدأب وبمهارة للتعاطي, ولكثير من الأخذ والرد, ولمتعة القول كما لنشوة الاصغاء أو القراءة. وثانيهما أن المتعة الفارهة التي تخلص لها هذه النصوص ليست المتعة المريحة, ليست متعة النص المهادن, والرؤية المهترأة; إنما هي متعة من نوع معذب, متعة ناجمة عن إقلاق لسكينة التعوّد, وارباك للرؤى السائدة, واللغة المطمئنة, إنها متعة شرسة جديرة بأن تخوض عذابات القيامة, وان تعي جمالياتها في الوقت ذاته. وبرغم أن الاحتفاء بالتفاصيل صار سمة قصيدة النثر الأساس إلا أن التفاصيل المحتفى بها في رصيف القيامة تفر من الطابع العام لتأخذ خصوصيتها ليس من وجودها في النص فحسب, بل من انفتاح هذا الوجود على جهات كثيرة منها العام والاسطوري, ومنها الميتافيزيقي; فرهان رصيف القيامة ليس على تحقق الشعرية في تفاصيل صغيرة أو منسية مكتفية بذاتها, ومنغلقة على تلك الذات الصغيرة, بل من مزجها بعوالم كبيرة تصبح معها وفيها أكثر من كونها وجودا صغيرا مغلقا; أي تصبح عوالم لها الحق في مجاورة, وفي انفتاح على كل ما يحيط بها: على العالم, وعلى قيامته أيضا : الأهم/ هو أن تدفن يأسك وسط الكؤوس/ قمرك في مجرة الأسى/ معطفك المبلول في موقد الضلوع/ منديلك الأخير بين أسلاك الهم / ثم حدَّق في القيامة/ بعيني سمكة للتو حررها الموج/ من ربقة الهواء (حديقة المهملات, ص21) إن النص الشعري في رصيف القيامة يدين بالكثير من شعريته الى خاصية الانفتاح هذه, بحيث يغدو المقروء هنا بصريا , وبحيث نجد مرجعيات ابداعية كثيرة تتواطأ لتنسل الى نسيج النص دون أن تثقله, فنجد النصوص تقيم صلات حميمة مع السرد والتشكيل والضوء والظل, تماما كما لو كنا نتتبع مشهدا سينمائيا بكاميرا شديدة الاحتراف, صادقة الاخلاص لمسرات الصورة ولآلامها أيضا: إنها جثة الضوء/ تلك التي قط عناها إلى مذنبات/ صغيرة/ وبدأنا ندفنها كيفما اتفق/ بين شقوق الهواء (من بحيرة العميان ص6) وبما أننا نقف على رصيف اختاره الشعر, فسنقع ها هنا على سيرة شعرية للهامشي والمهمل الحافل بتضاداته; هذه السير تجمع بين المنسي والأنا, لا بل إن الذات تتوحد مع المهم ش, وتنحاز للمهمل. سيغدو النص من هذا المنطلق توثيقا حميما للمهمل, وتمجيدا له كذلك, بما أن هذا التمجيد هو جزء من الحفاوة بالذات المستوحشة, والانحياز لصالحها في الخيار الشعري كما في اختيارات الحياة. إن التماهي مع الهامشي والذوبان فيه هو بمثابة إعادة اعتبار للذات المنبوذة, لتغدو- في المتن الشعري بأكمله- مرجعية إبداعية وحياتية متعالية على المرجعيات كلها. هكذا ي عاد النظر الى الأولويات بتراتبيتها التقليدية, لتأخذ منحى شعريا يتفق مع هوى الذات, ويتغنى بالأنا التي تحس وطأة الجماعة, وبالهامش الذي يبتلعه المركز, سيظهر هذا جليا في المجموعة عموما , وبصورة خاصة في نصيّ: صيادون بقمصان الحصاد وحديقة المهملات. ففي النص الاول يتمازج البحر وصيادوه بالبر وبطقوس الحصاد, ويصبح المهم ش من أحلام هذه الذوات المنسية ومن خساراتها هو المتن الشعري كله, بحيث سيبدأ المشهد هكذا: بحّارة بأمزجة برية/ نزحوا منذ أعوام بعيدة الى هنا/ وها هم يدفنون أع قاب مصائرهم/ في الموج/ ويتذكَّرون دائما / أن آباءهم كانوا فلاحين (ص11) وفي النص الثاني يعلن الشاعر أمرا يخص رؤيته لعالمه الشعري واختياراته الكتابية وهو أن الهامشي المهمل لدى الآخرين هو المتن المثقل بالخضرة والحياة لديه, ولذا سيغدو <<حديقة>>. إن ما لا يستحق الانتباه عادة هو الأهم, هو جوهر ما يحتفى به, وما يجدر به أن يعاش, يقول في جهة من (حديقة المهملات): الأهم هو أن تقتنع أخيرا بضرورة البكاء/ عاريا / بعد منتصف الليل/ كي يتحقق الانسجام بين السرير والمنفضة/ وتعود / ساعة المنبه الى سالف عويلها. الأهم/ هو أن تسحب ثرثرتك من تلابيب خف تها/ إلى ف ر ن الصمت/ كي تحس الخيالات أكثر حرارة/ في رأسك / ولتفهم بالضبط/ لماذا انتحر همنغواي (ص18- 19) يمضي الشاعر في اعتناق قرار الرفض.. رفض المألوف.. رفض الاستكانة.. رفض النفي والإهمال حد التوحد معهما.. رفض الانصياع, واختيار الوحشة. بمثل هذه الرؤى ينطلق في الاغتراف من ذاكرة الشعر, ولهذا تبدو استعادته لطرفة بن العبد, أو استعارته له أمرا يفصح عن أكثر من دلالة. فهو من جهة يعبر عن أنه لا قطيعة مع التراث الشعري في السير باتجاه الحداثة, وان تلك القطيعة إنما هي مع ما هو ضد الشعر في كل زمان ومكان. وهكذا لا يبدو الشكل الشعري الذي اختارته نصوص رصيف القيامة رافضا لأي شكل ما دام الشعر موجودا , وبذا فلا غرابة من أن يرى عدنان في طرفة امتداده الحي والنابض. ومن جهة أخرى, القضية ليست قضية شكل ينحاز إليه الشعر فحسب, فالشكل في هذه الرؤية لا يعطي النص شعرية مجانية. فالقضية مرهونة برؤيا الشاعر, لا بشكل القصيدة ولا بزمنها. إن الشاعر اليوم يجد صوته الراهن ينطق به طرفة, ويجد رؤى مشتركة بينهما, فما يوحد الشاعرين هو علاقة التوتر الحاد في الصلة بالعالم: رؤى وقيما وجماعة ومصيرا ; يبدو ذلك في الاهداء الذي صد ر به نص زهرة عبّاد اليأس, فهو يهديه <<إلى طرفة بن العبد في عيد ميلاده السابع والعشرين>> ثم يردف الاهداء بإثبات بيت لطرفة مشهور من معلقته هو قوله: إلى أن تحامتني العشيرة كلها وأفردت إفراد البعير المعبد سيبدو النص بأكمله بعد بيت طرفة تتمة لقصيدة الشاعر الجاهلي, إن الشكل لا يغدو مهما هنا, بل الرؤية. فياسين عدنان يكتب مرة ثانية أحاسيس طرفة اليائسة التي هي في الحقيقة أحاسيسه الخاصة ويأسه الشخصي, وخساراته الحميمة وألمه العظيم.. هنا سيتطابق الاثنان, وسيتداخل موت الأول بحياة الثاني. لتغدو السابعة والعشرون مفصلا يجمع الشاعرين. ففي حين يسميها النص: عيد ميلاد طرفة فإنها في الحقيقة العمر الذي مات فيه, وهي في سنة كتابة القصيدة تاريخ ميلاد ياسين نفسه التي يثبتها صراحة, ويؤرخ بنفس السنة تاريخ كتابة يأسه الممتد بعمقه الى طرفة بن العبد: أيها العالم/ وحدك تعرف أنني مجرد خطأ / في كتاب الكون/ صر ة خطايا/ على فز اعة برجلين/ سنوات عمري لم تكن/ سوى خربشات طفل/ على باب مرحاض المدرسة/ وسمائي مسقوفة بهشيم الخسارات/ خطأ أنا أيها العالم/ وخطأ / جئت الى السابعة صباحا / في ذلك الأحد النبيل/ من غشت 1970. (ص24- 25) إن التماهي مع الشاعر الجاهلي يغدو قدرا ثقيلا يحمله شاعر اليوم على كتفيه, ويحمل فيه غربته الباذخة عن كل شيء حتى عن ذاته, وكرهه لكل شيء حتى لذاته.. إنه عمر من السأم يقتل معنى الحياة, ويغرس في تربتها (زهرة عباد اليأس) المطلة بقساوتها هكذا: سئمتك/ سئمت العيش بالتقسيط/ سئمت مصافحة الآخرين/ ........./ سئمت المشي في هذه الجنازة/ الفادحة/ التي تسمى, عزاء , الحياة/ ........./ جثث كثيرة تنمو في بالي/ فأشرب بلا هوادة/ وأنام بعينين مفتوحتين/ على أنفاس المطاط/ أغرز مدية الصمم العظيمة/ في لحم الأجراس/ وأكره الأصدقاء (ص27-29) وبرغم أن كثيرين قد يحيلون سأم الشاعر المعلن هنا الى السأم البودليري وأجوائه, فإن النص, فيما يبدو, ينحاز إلى سأم أقدم من بودلير بكثير. إنه يستنطق سأما جاهليا أعلنه زهير بن أبي سلمى في معلقته حين قال: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبالك يسأم وبفارق زمني بسيط نجد اختلاف السأمين من الحياة. فسن الثمانين كانت قديما محطة السأم من العيش. واليوم يختصر الزمن الى السابعة والعشرين لتكون هي زمن السأم الذي يساوي الموت بالحياة, هل لأننا في زمن طائش السرعة نستهلك كل شيء أسرع بما في ذلك الحياة. فكأنه لا مفر من أن نراعي ونحن نتقاسم السأم القديم مع أسلافنا أن نراعي فارق التوقيت. على هذا النحو لا يمكننا أن ننظر الى هذه القصيدة تحديدا إلا بوصفها قيامة شخصية حافلة بكل أهوال القيامة وشروطها وفجائعها. ويغدو التوحد مع الأسلاف تعبيرا عن قدر الشعراء كلهم. والحلول في بيت شعري يائس يعني بالضرورة خوض أكثر من قيامة جماعية وبرانية لتكتمل ملامح هذه القيامة الفردية الجوانية. ولذا فحين يكون بيت شعري جاهلي مسكنا لشاعر اليوم فإنما ليكون منفى له كذلك. فذلك البيت لا يحمل صفات السكنى بل هو مثقل بوحشة حارقة, وبانكسار وبثورة يائسة على قيامة واثقة من تحققها, ومن اكتساحها لكل شيء. ربما لأنها قيامة قدرية لا يمكن ردها أو التحايل عليها, فقط سيرن السؤال في مشهد فجائعي يؤثث النبذ فضاءه القاسي, النبذ في عمقه الممتد إلى بيت طرفة: إنني عطشان ومنبوذ/ وشبه طاو / بعيد عن مقهى الأصدقاء بمراكش/ قريب من بيت طرفة/ ألم تجد لي أيها القدر المر / سكنا غير هذا البيت? (ص31) ومع كل هذه الخسارة, وفي عمق اليأس ووطأة النبذ والوحشة يوجد ملاذ وحيد لا يتخلى عنه الشاعر. إنه وعيه الخاص بصنيعه الشعري, وانحيازه لاختياره الشعر في حساسيته الحداثية, وفي ضرورة تعريته مما علق به من غش وتصنع يفضحهما الشاعر, وينحاز إلى النقيض على هذا النحو: آه يا س ك ر الاستعارات/ المغشوش/ تحلل بعيدا عن فنجاني/ أريد القصيدة مرة / كقهوة السكران/ كي تدون في سواد عيونها/ هذا الصداع العظيم/ الذي يزلزل رغبتي في العيش (ص35) إن اليأس يتكاثف ويحط بعتمة حضوره على أرواحنا مبررا لذاته من خذلانات عميقة, وخسارات متنوعة طوقت أيامنا, وحاصرت جل الأمنيات التي كان وهم انتظارها يشع خالقا مسافة للأمل المعذب وللشعر العذب. ذلك أن الوهم هو مسكن الشاعر بامتياز. وأقصى ما يستطيعه الشاعر في الحقيقة هو تربية الأوهام ورعايتها, لذا يغدو كل ما هو واقعي ضدا ونقيضا لما هو شعري. إن كل حدث يقع يقتل القصيدة ويتضاد مع الشعر. من هنا تتجلى قيمة النبوءات وسحرها. فهي تتيح الفرصة للتعاطي مع الوهم والحلم, أما وقوعها فليس مما يهم الشاعر أو يعينه. ما يحفزه هو ما لن يقع, ما يؤطره الاحتمال, ويسيجه الانتظار كما (في الطريق الى عام ألفين) حيث: ستولد الصبايا بزعانف ذهبية/ تماما كحوريات البحر/ وستصعد أعيننا الى أعلى بالتدريج/ لتستقر فوق الرأس/ فترى خطوات الله الشفيفة/ الحانية/ حتى لكأنها الهواء (ص38) إن أقسى خسارة للشاعر هي خسارة الوهم.. هي أن تنتهي النبوءة, ويمر العمر ولا يحدث شيء, فاليقين النافي للانتظار هو أسوأ مصير يختتم به ياسين عدنان الطريق الى عام ألفين: لقد قطعت براري العمر لاهثا / في الطريق الى/ عام ألفين/ والآن/ بعد كل هذه الأخاديد التي/ حفرتها الأيام داخلي/ لم يحدث شيء.. لم يحدث شيء (ص42) هكذا يلوح أن انتفاء الحدث أو انتهاءه يبرر استعجال الوصول الى القيامة بوصفها ملاذا من نوع ما. على الأقل ستكون خلاصا - ولو شعريا - من هذا التوقف عن الفعل.. عن الحياة, والانزواء في البيت اليائس لطرفة. ألهذا سيتوجه الشاعر بعد فراغه من طريق مضن الى عام ألفين, سيتوجه الى الوقوف على رصيف خطر, هو (رصيف القيامة)? هذا الرصيف الذي يبدو اتخاذه عنوانا للديوان بأسره ولخاتمة قصائده اختيارا مقصودا وواعيا كي تدور قصائد الديوان كلها في أجواء قيامية تبدأ من العنوان في أول معانقة للكتاب, ولا تنتهي مع النص الأخير. بل تتعمق عبر مشاهد مريعة هي بعض من القيامة المتشظية في قصائد الديوان كله, مع احتشادها في نصه الأخير المكتظ بقيامته الرهيبة. وفي إطار عنوان الكتاب نرى الغلاف- الذي رسمه الشاعر والفنان السوري نزيه أبوعفش- مشبعا بضبابية ورماد, يفيض بوجوه موتى يخرجون الساعة من أكفانهم وهم يهرون خوفا ورعبا يفيضان من الأسطوري والموروث الشعبي, حيث لا يمكن تصور القيامة إلا مروعة بأهوالها, ونحن أضعف ما نكون نجر الى رصيفها وفظائعها. إن القيامة هنا قيامتان: قيامة وقعت عام 2001, تحديدا في شهره التاسع- كأنما هي ولادة موت للكائنات والكون- وقيامة أخرى ميتافيزيقية مرهونة بغيب غائم القس مات. هذه الأخيرة يبدو أنها لن تقع, أو أنه لم يعد من المهم أن تقع, ما دامت الأولى قد استنوفت شروطها, وجعلت يومية التحقق القيامي وعبثيته انتظار المغيب أمرا مملا لن يفتحنا على أية مفاجأة. فكل يوم يحمل مشاهد قيامة هنا أو هناك: في فلسطين, وفي العراق, وفي أفغانستان, وحتى في أيلول الأمريكي. أما الرصيف فيبدو مؤكدا ليومية وقوع القيامة, ولصورة انتظارنا الحارقة, وعجزنا الأكيد عن الحركة, واستسلامنا المألوف على أرضيته لتلك القوة الغيبية أو الغبية التي فجرت قيامة لا ناقة لنا فيها ولا رصيف. لنجد القيامة ذات سبتمبر تخرج سافرة فتتحول من فكرة, من عقيدة في كتاب إلى حقيقة مر ة- شأن الحقائق كلها- وواقعية تماما , حسية ودنيوية لا مجال فيها لخيال ولا لآخرة: كنت أظن وأنا أعبر شارع الموتى/ أن القيامة مجرد حكاية في كتاب/ حتى جاءت الساعة بغتة / وانفلقت الجبال العظيمة عن فئران/ صغيرة سوداء/ ورياح شديدة الفتك (ص43) ويتنامى النص معتمدا على شعرية التكرار, ودرامية الصورة, وقلب الأدوار, وبث المفارقات ذات السخرية التي تتحول إلى مرارة أحيانا , ويعتمد على تصاعد الحدث أو تصعيده إلى أقصى ذروة له. وقد باتت هذه التقنيات شائعة في قصيدة النثر, غير أن قيمتها هنا تتجلى في توظيفها لتستجيب لطقس القيامة وتلبي متطلباته. فمثلا سنجد التكرار يؤدي هنا دور الحطب الذي يزيد في حرائق القيامة, ويؤجج نارها. فكل مجيء للشخصيات الآتية الى القيامة يعزز صورة المحشر, ويعمق مشهد الحطب البشري لقيامة عاتية تحترق في أتونها الإنسانية المتعددة الهوية والمصائر في كل مجيء هكذا: ... فجاء الملوك والمنجمون/ وجاء الحكماء من الكتب القديمة/ وجاء أدونيس وادعى انه المتنبي/ وجاء عبدالمنعم رمضان فسألته العصفورة/ عن ناريمان/ وجاء قاسم حداد/ ليدل الوعول على قبره/ ................................./ وجاء الكهربائي وبائع الطاقيات المطر زة بألوان الفرح/ وجاء باعة السجائر بالتقسيط/ وجاءت سيارة الاسعاف/ وجاءت الطفلة بتنورتها البيضاء/ وجاء العاشقان على متن وردة/وجاء الجابي والبهلوان والمهرج ذو الرنين المر / وجاء حلمي سالم فبدا رومانتيكيا للغاية/ وجاء ابن سيرين عاريا من أحلامه/ وجاء أسامة بن لادن ومجاهدو بيشاور والملا عمر/ أمير قندهار/ وجاءت حاملات الطائرات وصواريخ الكاتيوشا/ وعميلات الموساد الشقراوات/ وجاءت الناقة فعقروها/ وجاء الكسعي ولم يكن نادما على الاطلاق/ وجاء معاوية بن أبي سفيان/ وكان محرجا للغاية/ وجاءت مرام المصري وبيلين خواريث وسوزان عليوان/ ورحنا جميعا ننفخ على النار لتصير بردا/ ونعض بأسناننا على لهب مطاطي/ قديم لم يلتفت أي منا نحو شجرة الخروب/ حيث كان ابن حزم يمسك بخناق شاعر مغربي حديث (ص43-45) هكذا سيبدو ما ليس منطقيا في الحياة هو منطق القيامة, وما لا يحدث في دنيانا هو ما يجب حدوثه في القيامة. من هنا لن يكون عبثا أن تتجاور شخصيات من سياقات وأزمنة تاريخية وأدبية مختلفة. بل يكون مقبولا أن نجد تداخلا لملامح بعضها مع ملامح ليست لها, فلا نكاد نمي ز مثلا أدونيس عن المتنبي, ولا المعري عن سان جون بيرس كاتب <<أنا باز>> ولا عبدالرحمن بن ملجم عن خالد الاسلامبولي الذي اغتال السادات, ولا نجد غرابة في أن يتحاور كل من قاسم حداد وابن سيرين ومعاوية بن أبي سفيان وأسامة بن لادن... الى آخر القائمة. بهذه الروح سنتيقن من أن الاشتغال على التقنية لم يكن مفصولا عن روح النص, بل إننا نجد السخرية التي طبعت بعض الجمل الشعرية جاءت لتعمق المشهد المأساوي لقيامة من هذا النوع. وبعكس ما تهدف اليه السخرية عادة من إشاعة روح ضاحكة ومشاكسة ستغدو هنا معمقة للروح الدامية للمشهد. ومن خلالها ستتضح المفارقة التي بفعلها ستتيبس الابتسامة, ويشيع بداخلها جو من العدم ومن غبار الموت. بهذا سيبدو منسجما مع رؤية الشاعر لنصوصه أن يكون رصيف القيامة هو النص الأخير, والحدث الأخير, والكلم الأخير.. حيث لا يوجد بعد ما يقال, ولا يمكن أن يحدث أكثر من ذلك: كان العالم قد أغلق كتابه وانسحب الى الخارج الأعمى/ وبقيت نهبا لذئاب الحيرة/ فالأحاسيس غادرتني تباعا/ الإحساس بأنني كنت والإحساس بأنني لن أعود/ والإحساس بأن هناك شيئا اسمه الجسد كنت ارتديه/ كانت ألسنة اللهب تنهش الرمق الباقي/ فيما الدوي الأخير يتغم د/ الألباب. (ص60-61) إننا نصل مع ياسين عدنان إلى آخر المدى.. آخر الكلام, حيث تتوقف الحكاية في قيامتها الأخيرة دونما نهاية سعيدة, بل على نحو درامي بالغ الوجع. ولكن مع كل ذلك الوجع, فيه مع القسوة الألم والخسارات نقع على شعر صاف, وحده يمنح المتعة حتى لأهوال القيامة. ووحده ينفخ في رمادها بضوء القصيدة. إننا بصدد ديوان متميز, شديد الجرأة على مسكوكات الشعر, وترهات التصنع. ديوان يشد قارئه إلى الإيمان العميق بوقوع قيامة العالم, وبجنة الشعر. |
|||||
|
|||||