اسلامان متقابلان
سيد قطب - رفاعة الطهطاوي

 

غي سورمــان
ترجمة: مرام مصري


نيويورك: ألا يعود اختيار هدف تفجيرات 11 سبتمبر 2001 الى سنة 1948? في هذه السنة, توجه <<السيد قطب>>, وهو مدرس مصري, إلى نيويورك من أجل متابعة دراساته, وستساهم اقامته, خلال سنتين, في قلب نظرته الى العالم, إن الحالة عادية, ف-<<نيويورك>>, تزعج وتحفز العقول, وتكهرب المقاولين والكتاب والفنانين. ولكن <<قطب>> لم يستخلص من اقامته الامريكية الدروس التي ي حضرها معه المسافر العادي. وهكذا وكما كتب في مذكراته التي سطرها في السجن, فقد تنبأ بأن نيويورك أصبحت العاصمة السياسية والاقتصادية والثقافية للحضارة الغربية. لقد جاءه الاقتناع بأن هذه المدينة صنعت لنفسها هوية العالم المستقبلي. فامتلأ حقدا على كل ما رآه واستشعره. وعلى كل , فان نيويورك بدت له كنفي للاسلام, من خلال الفردانية ضد التضامن الجماعاتي, تحرير المرأة ضد ابقائها في المنزل, المادية ضد الإيمان بما وراء الطبيعة. وخلال اقامته الامريكية تعرض <<قطب>> لبعض مظاهر العنصرية التي عارضها بكوني ة وشمولية الاسلام.

فلا شيء, في نظر <<قطب>> يمكن أن يتفوق على ايمانه الخاص, ف-<<نيويورك>> ينبغي أن تختفي في نوع من القيامة, هذا ما كتبه في مؤلفاته, حين عودته الى مصر. الاسلام وحده لا يزال قادرا على انقاذ البشرية, المهددة من طرف الانحطاط الأخلاقي الذي تمثله وتجسده أمريكا, إن هذا الخلاص, يح ث <<قطب>> الجيل الجديد من المسلمين المنخرطين في حرب مقدسة جديدة, على الالتجاء الى العنف.

إن <<قطب>> الذي نفذ  فيه النظام الناصري أمر القتل في سنة 1966 بالقاهرة, بسبب اعتداء مفترض على أمن الدولة, هو مؤسس التمامية الإسلامية المعاصرة(1) <<الاسلاموية>>. إن كتاباته تلهم الأفعال, التي نصفها, في الغرب, ب-<<الارهابية>>, ولكن أتباعه, ومن بينهم <<ابن لادن>>, مفروض فيهم أن ينقذوا البشرية, وهو إنقاذ الإسلام الذي يتم تقديمه كديانة كونية, وليس فقط ديانة المسلمين.

إن التمامية الإسلامية <<الاسلاموية>> هي إذا أيديولوجية حديثة, بسبب ولادتها من علاقة صراعية مع الحداثة الغربية. وهي كذلك بسبب استخدامها لوسائل العلوم الغربية, وسائل الاتصال كما أسلحتها التدميرية, وهي أيضا كذلك بسبب ادعائها أنها تقود الى حداثة أخرى ترفض أخلاقيات الغرب في الوقت الذي تلتجئ فيه الى اختراعاته التقنية, انها مفارقة شبه - حداثية متناقضة تطعم حضارة اسلامية على العلوم الغربية في الوقت الذي ترفض فيه المسعى النقدي الذي يؤسس هذه العلوم. وأخيرا فان التمامية الإسلامية <<الاسلاموية>> تتغذى من فشل المحاولات التي بدأت في بداية القرن التاسع عشر في البلدان الإسلامية, من أجل اللحاق بالغرب ومصالحة الاسلام بالحداثة, إن كان ممكنا.

إن التمامية <<الاسلاموية>>, وهي مسعى يائس, مؤلم للغرب, وهو مؤلم, كذلك, بالنسبة للمسلمين. ان تطبيقاتها العملية في ايران والسودان وأفغانستان لم تنتج, لحد الآن, أي نموذج حامل لمستقبل حديث واسلامي في نفس الآن, لا بالنسبة لشعوبها ولا لباقي العالم. فهل من المبكر إصدار الحكم? هذه هي حجة التماميين <<الاسلامويين>>, فكما حدث , في الماضي, بالنسبة لشيوعيي الاتحاد السوفييتي, فإن فشل تجربتهم لا يكفي في نظرهم لتدمير شرعية وعودهم. فإذا كانت الاسلاموية قد فشلت في السودان, فلأن البلد, في نظرهم, فقير وهو ضحية لحرب أهلية. وإذا لم تنجح في ايران, فلأن ايران شيعية ومن الضروري أن تكون سنية. إن الاسلاموية الراديكالية تشتغل مثل كل الايديولوجيات المنزلة, فهذه لا تقبل أي نقد عقلاني. ومثلما في حالة الشيوعية, فوحده الفشل الواضح والمستمر هو الذي يستطيع البرهنة على الخطأ, إن ثمن التجريب الباهظ جدا على فئران التجارب البشرية كبير.

ومن حسن الحظ فان البحث عن توافق بين الاسلام والحداثة لا يقود, حصريا, إلى التمامية <<الاسلاموية>> وإلى العنف. إن البحث عن الاسلام الحديث, الذي يبدو يائسا وافتدائيا لدى <<قطب>>, تم تدشينه, قبل قرن, على يد مفكر مصري آخر, ليس على نمط تدميري, ولكن على نمط مرح وإيجابي, إن هذا الرائد هو <<رفاعة الطهطاوي>>.

ان هذا الطالب الشاب في العلوم الدينية في القاهرة, <<رفاعة>>, تم ارساله في سن الخامسة والعشرين الى باريس من قبل باشا مصر, بصحبة خمسة وعشرين أميرا شابا; كانت مهمتهم تتمثل في اكتشاف أسرار تفوق الغرب التقني والعلمي, كما استطاع المصريون معاينة هذا إبان حملة <<بونابرت>>, قبل سنوات. وفي نهاية اقامته, من سنة 1826 الى 1836, استنتج رفاعة بأن التوليف ما بين الاسلام والتقدم ممكن, وأنه لا شيء في القرآن يمكن ان يعترض على تحديث العالم الاسلامي. إن عمله اللاحق, حينما كان رجل دولة, سينفذ محاولة التوليف, هذه من خلال ادخال اكتشافات الغرب الى العالم العربي- الاسلامي, دون التخلي عن حرفية وروح الوحي القرآني.

ومن حينها سيعتبر رفاعة في مجموع العالم الاسلامي كمؤسس لما نسميه ب-<<النهضة العربية>>, هذه النهضة سيتجاوز تأثيرها, لدى المسلمين, محيط العالم العربي, إذا أخذنا بعين الاعتبار كون مصر كانت, ولفترة طويلة, تعتبر صورة التنوير بفضل سؤدد ورفعة ثيولوجييها (علماء الدين), وفنونها وثقافتها وتقدمها التقني.

إن هذه النهضة بدت وكأنها نجحت. لقد أوشكت أن تقود العالم العربي- الاسلامي نحو الحداثة والديمقراطية الى حدود سنة 0591, ولكن تحرير الاقتصاد المتدرج وعمليات التنمية الاقتصادية للمجتمعات الإسلامية توقفت حينها بفظاظة. وفي كل مكان, تقريبا, استولى العسكريون على السلطة. فتبنوا القومية ثم الاشتراكية كأيديولوجيا. ولحد الآن لم يستفق العالم الاسلامي, أبدا, من هذه الضربة. ومنذ هذه القطيعة ساد الاستبداد والفقر. بطبيعة الحال توجد بعض الاستثناءات التي سلمت من فشل المرور نحو الحداثة, ولكنها نادرة جدا, وتتموقع في ضواحي المجتمعات الإسلامية كما في ماليزيا. من هذا الفشل انبثقت شعبية <<قطب>> الثورية, ما الفائدة إذا من جلب الحداثة الغربية, إذا كان الثمن هو خسران الروح, من دون اللحاق بالغرب?

هل يمكن القول بأن الفكر الاصلاحي لدى رفاعة قد مات? لا, أبدا, في كل المجتمعات الإسلامية, يقوم مفكرون, يفتخرون به بشكل دائم, ويجهدون أنفسهم على البحث عن توليفة بين الاسلام والتقدم. إن <<أبناء رفاعة>>, هؤلاء- هذا التعبير ليس من عندي, وإنما هم من اخترعه- ينتمون الى حركات سياسية ودينية مختلفة; البعض منهم قريبون من الماركسية, والبعض ليبراليون, وآخرون محافظون. كما يوجد ايضا اسلاميون لا ينادون بالعنف, والذين يحترمون رفاعة لأنه لم يخن إيمانه أبدا, إذ يكتب رفاعة: <<معتقدات الباريسيين مثيرة للاشمئزاز (رفاعة يخلط بين باريس والغرب) لأنها تضع الحكماء وعلماء الفيزياء فوق مرتبة الأنبياء, إنها تنفي العناية الإلهية كما تنفي ما وراء الطبيعة>>.

إن رحلتنا عند المسلمين ستكون إذا تحت رعاية رفاعة, فشرفه الفكري يقودنا. وستكون رحلة بين أحضان المسلمين وليس الاسلام, لأننا نقترح, كمبدأ, مع الفيلسوف الجزائري <<محمد أركون>>, <<أن الاسلام هو مجموع تجارب كل المسلمين منذ بداية تاريخهم, بما فيها علاقاتهم مع غير المسلمين>>.

خلال هذه المسيرة, سنقوم بالتمييز ما بين المسلمين والاسلامويين أي ما بين الورع المعيش من جانب وما بين النضال السياسي من الجانب الآخر. إننا لن نصبغ صفات شيطانية على أي طرف. لأننا نعرف بأن التطرف يوجد في كل مكان وبأن الايديولوجيات الأوروبية في القرن العشرين قدمت للبشرية من التدمير أكثر ما سيولده الارهاب القادم, دون شك أضيف الى هذا أن الارهاب يمكن أن يكون اسلامويا, ولكن لا يمكن أن يكونه بالضرورة , فبعض الاسلامويين ليسوا عنيفين, والعديد من الارهابيين ليسوا اسلامويين على الاطلاق! هكذا فإن <<الاستشهاديين>>, نذك ر أن طرقهم استخدمها الفوضويون الروس, واليابانيون والتاميل في سيريلانكا. وأما بالنسبة لمليار وأكثر من المسلمين, الذي نتقاسم معهم هذه الأرض وهذا الزمن, فهم في غالبيتهم يبحثون, كما نحن, عن سلام من أجلهم ومن أجل أبنائهم, وعن حياة أفضل وأكثر حرية.

ولكن معظمهم يعيش تحت القمع والفقر; إنهم يحسون ايضا بشعور من أن الآخرين هم الذين يثبتون القوانين والقواعد, فكيف يمكنهم ألا يعانوا? يوجد في أوروبا كثير من أعداء العولمة الذين يخشون أن يفقدوا جزءا من هوياتهم. فما الذي سيقولونه لو كانوا يعيشون محرومين من كل شيء في القاهرة أو في كراتشي? بدون شك, مثل كثير من المسلمين ومثل كثير من الاسلامويين, كانت ستراودهم بعض أشكال العصيان.

إذا فمن المفهوم أن المجتمعات الإسلامية مترددة بين <<قطب>> و<<رفاعة>>, التخلي عن الحداثة من اجل انقاذ الهوية, أو رسم طريق وسط- إذا كانت موجودة- بين الوحي الإلهي والمغامرة العلمية والديمقراطية?

إننا لا نعرف المجتمعات الإسلامية بشكل جيد, بالرغم من أنها جاراتنا, ونتقدم بحذر, ونحرص على أن نتعلم دون أن نوزع كثيرا من الدروس. سنقوم برحلة <<رفاعة>> بشكل عكسي, فهو أبحر من القاهرة الى باريس, ونحن سنطير من باريس الى القاهرة, ثم الى ما هو أبعد منها, حتى حدود العالم الاسلامي. لقد عاد رفاعة الى مصر محملا بما سماه <<تخليص الابريز في أخبار باريز>> وكذلك العلوم الغربية, من دون ان يصحب معه ما يعتبره <<الشوائب>> المادية. ونحن بدورنا, وكما فعل هو, سنكون منقبين عن الذهب. وخلافا للعديد من المؤلفات العلمية حول الموضوع, فان هذا المبحث لن يدرس الثيولوجيا ولا القرآن, ولا الاسلام في حد ذاته, ولكن المسلمين والافراد المتفردين والمتميزين حيث يعيشون سواء بين أحضاننا أو في بلدانهم. إن سرعة الرحلة لا تجعل المشروع سهلا. لقد كان <<رفاعة>> في زمنه يستطيع أن يشعر بأنه موجود في الغرب. أما في زمننا فالمسلمون موزعون في اربعة وخمسين بلدا حيث الاسلام يشكل الأغلبية, يضاف إليهم المسلمون الذين يشكلون أقليات هامة كما هي حالة فرنسا. ولا يوجد بلد واحد يجسد, لوحده, الاسلام ولا المسلمين. كثير من التباينات تفرق بينهم, والتباين ما بين السنة والشيعة هو الأكثر أهمية, ولكن توجد تباينات أخرى تتعلق بالمدارس والتقاليد والطقوس وأخرى تتعلق خصوصا بالاسلام في حد ذاته.

فتعددية المسلمين لا نهائية لأن كل واحد منهم مؤهل لاختيار سبيله, وخلق حركته الفكرية. ولكن هدفنا ليس هو الوصول الى الشمولية, وسنحاول قبل كل شيء توضيح تفرد المجموعات الكبرى, أي الاسلام العربي, التركي, الايراني, الهندي واسلام جاوة.

ما بين المسلمين وما بين الملاحظين الغربيين تنتصب, أخيرا, عقبة أكثر أهمية من الجغرافيا, وهو التفرد الذي لا يمكن اختزاله للاسلام الذي هو في آن واحد دين وأيديولوجيا وحضارة وإيمان. غير أن معظم المحللين الغربيين, وبوجه خاص, علماء الاجتماع وعلماء السياسة, يختزلون الاسلام الى طقوس او الى سياسة. وبعدها, فإننا نخاطر دون توقف باختزال إيمان المسلمين تارة الى وضع اجتماعي وتارة أخرى الى وهم عقلي. كل شيء في علاقاتنا مع العالم الاسلامي يحدث كما لو أننا, نحن الذين لا نؤمن بالتعالي, لا نستطيع أن نتقبل أن الآخر <<يؤمن>> وبأن ما نسميه <<اسطورة>> يمكن أن تكون احدى الحقائق. إن امبراطورية العقل, عندنا, تحول دون رؤيتنا لديمومة الوحي <<الديني>> لدى الآخر. إن هذا الحائط لا يمكن اجتيازه دون شك; فلنعرف, على الأقل, انه موجود.

هامش

1 - التمامية , هي التمسك بتمام المبدأ أو الدين.


تصميم الحاسب الشامل