|
|||||
|
تتجلى في هذا العمل براعة الكاتب الإيطالي - إيتالو كالفينو-, براعة عهدناها لديه سابقا, خصوصا في عمله الساحر- مدن لا مرئية -, حسب ترجمة الشاعر ياسين طه حافظ, الصادرة وقتئذ في بغداد, أو - مدن الخيال - كما في ترجمة اخرى. والبراعة تتمثل, هنا, بشكل خاص في استنطاق أشياء أو موضوعات تبدو للوهلة الأولى غير قابلة للخوض فيها او استنطاقها, كما في نص - حاوية القمامة المناسبة. وكما ي حيل العنوان فان الثيمة الأساس في هذا النص تختص بواجب أو - مهمة - رب اسرة, وهو هنا - المؤلف - (يحسن هنا ان نتذكّر ان الكتاب, كما هو مفترض سيرة ذاتية), هذه المهمة تتمثل في نقل قمامة المنزل وإفراغها في حاوية خارجية . غير ان الموضوع, وكما لدى أي كاتب كبير يتخذ من مثل هذه التفاصيل الصغيرة مجرد منطلق إلى موضوعات أشمل وأكبر ليتحول إلى تأم ل في الحياة والوجود, وبحث في التراتب الاجتماعي, والطموحات الإنسانية المغفلة لأناس مندغمين في الظلال: (في الاقتصاد الإيطالي غير المستقر وضع عامل القمامة محمي لأن مهنته ثابتة, مهنة حياة, أما في الإقتصاد الفرنسي المستقر, فجمع النفايات حرفة غير ثابتة, يؤد يها أولئك الذين فشلوا في وضع جذور لهم في المدينة, والذين يتعرّضون للقانون فقط من خلال تبادل تهديدات بالطرد والإضراب ) (80) . بهذا الطابع الأقرب إلى اسلوب المقال منه إلى أي نوع آخر من الكتابة, اتّسم كتاب - كالفينو - بمجمله, باستثناء - ذكريات معركة - وبضع صفحات من - مذكرات مرتاد سينما - وكذلك - الطريق إلى سان جيوفاني - فهذا الأخير كان الأكثر قربا إلى موضوع السيرة الذاتية, فالكاتب يتحد ث عبر هذا النص عن طفولته وصباه وعن والده ذي الحضور القوي في حياته.. (انت ترى كيف تشعبت طرقنا, طريق والدي وطريقي ومع ذلك فقد كنت أشبهه على نحو ما . إذ ماهو الطريق الذي كنت أقصده إن لم يكن تكرارا لطريق والدي) (13). وفي( مذكرات مرتاد سينما) يقدم كالفينو رؤيته وفهمه للسينما, ساردا في هذا النص شغفه الجنوني بالسينما وتعلقه بها منذ يفاعته, إذ لايمر يوم - كما يروي - دون أن يرتاد فيه واحدة من صالات السينما الخمس الموجودة في بلدته الصغيرة, وأحيانا يقصد السينما مرتين في اليوم ذاته. انه يتحد ث عن السنوات القليلة التي سبقت الحرب العالمية الثانية, كذلك فترة الحرب نفسها, وهنا نتعرف إلى العادة المتبعة في إيطاليا في ترجمة الأفلام الأجنبية, وذلك من خلال دبلجتها بأصوات إيطالية, وفي هذا الصدد يشير<< كالفينو>> إلى مفارقة ذات مغزى, وهي كيف ان دبلجة الصوت الإيطالية حولت <<جان غابان>> - ممثل فرنسي - إلى جندي مسرح يريد العمل في الزراعة في المستعمرات, غير انه - في واقع الفيلم - جندي فار من الجبهة الأمامية, وهو موضوع كانت رقابة النظام الفاشي لاتسمح بمناقشته في فيلم(14) . في هذا النص المليئ, نلامس فهم <<كالفينو>> وتذوقه السينما, بل رؤيته للوجود: <<كان احساسي ان ما أشاهده على الشاشة فقط, هو الذي يمتلك الميزات المطلوبة من العالم, الامتلاء, الضرورة, الإنسجام>>:(33). أو كما يقول في الصفحة ذاتها <<السينما كمراوغة>> وفي (الجانب التطبيقي) يتناول الكاتب السينما الأمريكية والفرنسية والإيطالية, دون إظهار الشغف بهذه الأخيرة. في نص (مذكرات مرتاد سينما) نقع على <<كالفينو>> خبيرا في مجال السينما وواحدا من المساهمين فيها في ما بعد, وان لم يخف أساه لافتقاده متعة أن يكون متفرجا فقط, وماتعنيه هذه المنزلة من بساطة ونقاء, حسب تعبيره... <<وأتاني انطباع غامض, ومن أجل حبي القديم للسينما,أن علي أن أحتفظ بمنزلة المتفرج نقية وبسيطة. وبأنني سأفقد الامتيازات التي جاءت مع هذه المنزلة إذا اردت الإنضمام إلى صُنّاع الفيلم>> (48). عبر << الطريق إلى سان جيوفاني>> نقترب من عوالم - كالفينو - الغنية, نلامس رؤاه وفهمه للعالم, هذا الفهم المستند في عمقه إلى الحلم أو طاقة الخيال وهو ما يميز أعمال - كالفينو - عموما ويعطيها نكهة متفردة في سحرها. وهو ما كان ملمحا من ملامح الكتاب العديدة, فقد تنوعت مواضيعه لهذا يمكن قراءته وفق أكثر من تصور.. فهو يصلح كسيرة ذاتية أو مجموعة قصص وحتى مقالات تتقصى وتتأمل العابر والجوهري في الوجود, غير ان حتى هذا العابر تحول إلى جوهري على يدي الكاتب الذي عالج كل ذلك بسجية الخبير. |
|||||
|
|||||