|
|||||
|
هذه الدراسة النقدية صدرت في تونس للباحثة الجادة عفاف عبدالمعطي, وإن كانت قد أهدت بعدها في نشر ديوان نبوية موسى إلى أستاذها الدكتور محمد عبد المطلب, فقد أهدت هذه الدراسة إلى الدكتور جابر عصفور <<عرفانا بفضله>>, والكتاب لا يقدم تاريخ الرواية في المغرب العربي. ولكنه يتوقف أمام حاضرها, أما الماضى فقد اكتفت الباحثة برصده من خلال المقالات التي تناولته من قبل, المغرب العربي بالنسبة لها هو: تونس, الجزائر, والمغرب. وقد تساءلت: ألا تعد ليبيا وموريتانيا من دول المغرب العربي? أم أن الباحثة تقصد دول شمال المغرب العربي فقط? إختارت الباحثة الرواية, السرد, وأنا أميل لتعبير السرد أكثر من كلمتي الرواية والقصة. لأنه عند القول بالسرد يمكن أن يدخل الشعر والمسرح والتأملات والوثائق والرسائل واليوميات . وهو ما يميز السرد عن الرواية. هذا الكتاب يحاول أن يجعل من النصوص التي تناولها بالتطبيق دافعا كي تخرج تقنيات كتابتها من قلب النص نفسه, وذلك حتى لا تقوم الكاتبة بتطبيق لنظرية أدبية على النصوص الروائية المدروسة, ثم لي عنق النص في قوالبها. أيضا فإن اختيار الروايات يقوم على جديتها وجديدها من حيث التماس الفعلي مع الواقع, أو انشغالها بالتناص مع الأسطورة أو ألف ليلة وليلة أو تقديم عوالم روائية جديدة. القسم الأول يدور حول الرواية التونسية وقد بدأت بتونس لسبقها لدول المغرب في معرفه الكتابة الروائية . ذلك أنه خلال الفترة من 1945 حتى 1962 صدرت خمس روايات تونسية, وكانت الترجمة قد لعبت دورها في إثراء الرواية التونسية, وإن كانت هناك نصوص روائية قد صدرت في تونس قبل ذلك بكثير مثل: رواية صالح السويسي <<الهيفاء وسراج الليل>> 1906. وراوية الصادق الرزوقي الساحرة التونسية 1910 وروايات أخرى وهناك توقف بالطبع عند جهود محمود المسعدي الذي يعد الكاتب المؤسس للكتابة الروائية في تونس, بصرف النظر عن أية اجتهادات قد تقوم في مواجهة مشروعه الروائي, ومحمود المسعدي له السد ومولد النسيان وحدث أبي هريرة قال. بعد المقدمة النظرية تدرس رواية المعجزة للروائي والناقد وأستاذ الجامعة محمود طرشونة. ورواية <<المعجزة>> رواية <<أصوات>>, فيها أصوات روائية كثيرة, بعضها أساسي وبعضها ثانوي, وإن مال الحكي تجاه البطلة مريم والبطل ساتر, فهما الراويان اللذان يقوم السرد على روايتهما معا. وهما معا, يعانيان من عدم الإنجاب وتقول الباحثة: لقد قدم طرشونة نصا يجنح إلى الأحكام في الصياغة والتعابير, تداخلت عنده الكثير من التقنيات الروائية التي أثقلته, إلى جانب رسمه شخصيات كل منها متوائم مع أفعاله. وقد أنهى طرشونة هذه المنظومة الروائية الفنية بحدوث معجزة كبرى, لم يتوقعها القارئ عبر طول النص, وهي حدث الحمل الحقيقى لمريم, دون أن يكون معها زوج, مما يجعل أهل الجزيرة يشكون في سلوكها, وهو الأمر الذي يجعلنا نسقطه على التناص مع قصة السيدة مريم العذراء (أم النبي عيسى). وإن كان مدار الشك في سلوك مريم قد خصه الكاتب بصوت مجهول دلالة على أن الأمر شائع ولا ينسب هذا الكلام إلى راو بعينه, بل تلوكه الألسن ثم صار أمرا شائعا , وعندما أراد الكاتب تقديم مسوغات براءة مريم, جاء بها على لسان حبيبها أو عشيقها ساتر. الراوي التونسي الثاني هو إبراهيم الدرغوثي, وقد صدرت له روايات أربع, الأولى كانت الدراويش يعودون إلى المنفى 1992, حتى أسرار صاحب الستر 1998. وإن كانت روايته الأولى مبنية على واقعة لم تحدث, فهو يقول إن علماء الأزهر حكموا بحرق كتاب ألف ليلة وليلة في قاهرة المعز في أواخر القرن العشرين بتهمة إفساد الذوق العام: - لم أكن أريد قبل هذا اليوم كتابة هذه الرواية. لأنه وكما تعلمون ومنذ أن أحرق الرعاع في مدن وقرى الأندلس كتب <<ابن رشد>> وأتهموه بالكفر والزندقة, إلى أن حكم علماء الأزهر بحرق كتاب <<ألف ليلة وليلة>> في قاهرة المعز في أواخر القرن العشرين بتهمه إفساد الذوق العام, وأنا أخاف القلم والقرطاس ولكن درويشا هددني بالقتل قال: <<إن لم تكتب هذه الرواية سأقتلك شر قتلة>> ! قلت هي أضغاث أحلام. والذي حدث إن هذا الحكم كان قد صدر من محكمة الآداب الابتدائية بالقاهرة, وتم إلغاؤه من محكمة الاستئناف في حكم تاريخي نادر, فضلا عن أن علماء الأزهر ليسوا جهة قضائية, من حقها أن تصدر حكما مثلما يجري في المحاكم عادة, وإن كانت الكاتبه تقول عن رواية الدرغوثي : - إن الرواية منذ بدايتها يختلط فيها السرد القصصي مع الحدث الشعبي مع بقية النص العجائبية, وإن كان التعبير غير المباشر عن فشل المجتمعات العربية هو ما جعل الدرغوثي يكتب الرواية بهذه الطريقة, التي تحاول فيها الشخصيات توصيل أكبر قدر من الإحساس بخيبات الحاضر في الوطن العربي, وهو ما عبر عنه من خلال فشل جميع الشخصيات ما عدا الأطفال. الذي يختم بهم مشهد الرواية ليقرر الراوي أن الأمل ينتهي بنهاية الماضي المتمثل في درويش. وأهل القرية جميعا الذين يحاصرون في الكهف حيث إن البداية أدت إلى النهاية في حكايتهم . لقد أولى الراوي اهتماما خاصا بالشخصية داخل الحدث وهو ما جعلنا نطلق على هذه الرواية رواية الشخصية لأن الشخصية هي المهيمنة على وصف الرواي وموصوفه. الرواية المغربية بدأت في أربعينيات القرن الماض, وهذا التاريخ ترصده الباحثة عبر كتابات عبدالرحيم العلام والمرحوم الدكتور سيد حامد النساج. وتدرس أحمد التوفيق الروائي المغربي الذي يشكل مفاجأة مفرحة برواياته التي صدرت مؤخرا. وهو صاحب رسالة دكتوراة حول: التاريخ الاجتماعي للبادية المغربية 1976, وقد كتب الرواية في مرحلة متأخرة من حياته: جارات أبي موسى 1997, وشجيرة حناء وقمر 1998, والسيل 1998 والباحثة تدرس الرواية الأخيرة التي تعتبرها رواية شخصيات وترى إنها : - والرواية في مجملها تقدم إسقاطات فلسفية على بعض الأمور : أهمها تهميش حياة القرية والظرف النفسي الذي يمكن أن يعانيه الإنسان من جراء فعل لا مسؤولية له عنه. أن الراوي يتخذ من استرجاع أحداث متباينة طريقة في عرض الحكاية الأساسية التي تتفرع عنها حكايات صغيرة تقدم معلومات مستفيضة عن المروي عنه, وهذا الحدث يتمثل في اصطياد القنفد وتعذيبه أملا في نزع أشواكه, وعلى المروي المسترجع يقدم الراوي على الأحداث الجديدة التي تتعرض لها الشخصية, فأسترجاع السرد يأتي في صورة حدث يفصح الراوي عنه صراحة, ولابد أن يقدم جديدا , فضلا عن تدعيمه للمروي, وهكذا يجعل الراوي - بمباشرة أسلوبية - من الأحداث المسترجعة أيقونة لتقديم الحكاية من خلال كلمات بعينها دالة على الاسترجاع, وجاءت الحوادث لتصدق ظنه مرة أخرى. ثم تدرس رواية <<البعيدون>> للروائي المغربي بهاء الطود وهي من روايات الغربة والحنين, حيث تدور أحداثها في جامعة مدريد. وترى أن رواية <<البعيدون>> قدمت صورة حية لواقع العلاقة بين الشرق والغرب من جهه. وكيفية تقبل الآخر الغالب للشرق من جهة أخرى. مع ما تضمنته الرواية من مرثية بكاء على الماضي الأندلسي. لقد سيطر التحسر على لغة الراوي بخصوص عمله, وإن كان الراوي ينظر إلى راحته المادية التي لا تشبع رغباته, وكأن المال الذي حققه لنفسه ليس كافيا, وهو ما يدل على أن هناك حاجات أخرى غير الحاجات المادية تشبع الإنسان, عندما يفتقدها يشعر بزوال كل شيء . تلمس الرواية بواسطة السرد على الكثير من القضايا الشائكة التي لا يعانيها شخص ادريس فحسب, بل تعد قضايا للطرح العام. أهمها قضية الوجود العربي للأندلس الذي سرى به ادريس إلى أسبانيا, وكان منطقه في الكثير من العلاقات, فلقد أعقب ادريس حديثه عن تودده للنساء ومراودته لكل صنوفهن, مفسرا ذلك باستفهام يقيم تلك العلاقة الذهنية بين فتح الأندلس, وفتحه هو الدائم للمزيد من العلاقات. وبعد التأريخ للكتابة الروائية في الجزائر, تتوقف أمام النصوص الروائية للطاهر وطار صاحب الفتح الأدبي في الكتابة الروائية الجزائرية, فهو من أوائل الذين كتبوا النص الروائي بالعربية مباشرة, بعد سنوات من الكتابة بالفرنسية, حيث ولدت الرواية الجزائرية في منفى لغة المحتل الفرنسي, واستعادها <<الطاهر وطار>> إلى حقول اللغة العربية. تدرس للطاهر وطار روايته <<الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي>> وهي الرواية التي لم تصدر في مصر وتعد آخر ما انتجه الروائي. وتقول عن رواية الطاهر : - وهي على صغر حجمها , ليست مجرد قصة/ مادة حكائية فحسب, بل ملحمة ذات ملامح خاصة وقسمات متميزة, تضعنا الرواية في صلب الشأن الجزائي كقراء للتخيل السردي الجميل, لكنها تقدمه بعيدا عن الواقعية الفجة والمعالجات التهويلية, كما تحمل رؤية فلسفية لعودة شبه إسطورية لولي من أولياء الله وهو شخصية تاريخية صوفية تعيش حالات تتجسد في حالة واحدة, عاشت في الماضي ثم أتت إلى الحاضر , وهو ما يذكرنا بأهل الكهف والنبي عزير الذي نام ألف عام ثم بعث مرة أخرى. الرواية تقرأ التاريخ قراءة صوفية, وهذا ما يبرر أن الشخصية الرئيسية في الرواية صوفية تعيش حالات تتجسد في حالة واحدة. الكتابة النسوية في المغرب تمثل الفصل الأخير من الكتاب, وبعد المقدمة تدرس ثلاثة نصوص روائية هي : سيرة الرماد 2000 لخديجة مروازي. وهي تقدم تجربة سجين سياسي رجل, ولذلك يأتي الفصل تحت عنوان: كيف يكون النص الروائي عندما تكتبه المرأة بصوت الرجل? وتلاحظ ان سرد الكاتبه إنما يتم بضمير المتكلم الذكوري, وإن هذا لم يمكنها من أن توظف لغتها للكشف عن مصائر بعض من البشر يجمعهم مصير مشترك, تبحث عن خلاص غير متحقق في ظل سياسية القهر. والرواية مكونة من فصلين الفصل الأول يحمل عنوان (صباح الخير <<الغربية>>) ويضم ثلاثة عشر قسما من الرواية, بينما يحمل الفصل الثاني عنوان (مساء الخير <<جروحي>>) ويضم خمسة أقسام من الرابع عشر حتى التاسع عشر, وبين الصباح والمساء تقع أحداث النص في تجربة هي الأولى من نوعها في السرد المغربي من حيث تصدي مبدعه لسرد تجربة سجين سياسي بصوته, فشخصية <<مولين اليزيدي>> هي السارد الذي يحكي قصة استرجاع عشرين عاما قضاها في المعتقل اعتراضا على بعض السياسات العامة. وقد أخذت لغة السرد التي أتبعها الراوي في صورة بلاغية تصف الممارسات التعذيبية العنيفة, واستمرت لغة القص كاشفة عن مدى القهر الذي يمكن أن يتعرض له شباب ما لهم من ذنب اقترفوه سوى الاعتراض على قرار المستعمر بضم مدينة <<كيدا>> للبلاد. وتدرس رواية : يوميات زوجة مسؤول في الأرياف لدليلة حياوي وهي نصها الأول, وهي تجربة امرأة تنتقل من شمال المغرب إلى جنوبه, وتلاحظ الباحثه أن السرد قد أسرف في تعرية واقع الجنوب الذي سارت إليه الراوية برفقة الزوج بسبب عمله. وإن كان نصها الروائي قد أصبح نصا حواريا تقليديا, الحوار هو البطل الحقيقي للنص, لذلك جاء عنوان الفصل : رواية في ثوب مسرحية, والنص النسوي الثالث هو جراح الروح والجسد للكاتبة المغربية مليكة مستظرف 1999. وترى الباحثة بالنسبة لرواية مليكة مستظرف إنها تقدم محاولة لم يسبقها فيها سوى محمد شكري, حيث تقدم سردا ذاتيا من صاحبة تجربة داخلية, تصف الرواية حادث الاغتصاب الأول الذي تعرضت له. وتحت عنوان : <<فيقي يا قحبة, نايمه في العسل>>, تصف حادث الاغتصاب الثاني تقول الباحثة: - لقد أسرفت لغة القص عبر الساردة في وصف قدر الانحطاط الذي تعيشه البلد وسط مشكلاتها التي تحيط بها من كل جانب, وإن كانت تأخذ على صاحبة النص, إن النص قد امتد بصورة غير منطقية في بعض جوانبه, خاصة فيما يتعلق بصورة المرأة التي لم تجد سبيلا لها سوى الانحراف. صور المرأة التي تقدمها الرواية متعددة فالأم مقهورة والأخت خديجة تغطي انحرافها بالكذب ثم الشخصية النسائية الثالثة هي إلهام صديقة الرواية. وإن كانت الرواية تعاني على مدار النص من الحوارات الطويلة كذلك عدم منطقية كثير من الأحداث التي قدمتها الكاتبة لتدلل على المواقف المتباينة التي قدمتها. كذلك فإن زمن النص يتقافز على بعضه ففي مائة صفحة حاولت الكاتبة أن تعري المجتمع وتكشف عطبه, عبر مراحل من حياة الساردة, وقد كان عليها ألا تتعجل في إنهاء مرحلة الطفولة والصبا المليئتين بالأحداث لحساب مرحلة الشباب التي تعد حصادا لهاتين المرحلتين. صدور هذا الكتاب يسد فراغا كبيرا في معرفتنا بالرواية في المغرب العربي التي ازدهرت كثيرا في السنوات الأخيرة, وأصبح هناك تراكما - كما وكيفا - في إنتاجها مما يجعل دراساتها ومتابعتها من الأمور الهامة. لقد جاء هذا الكتاب في وقته تماما . |
|||||
|
|||||