الإمبريالية الإلكترونية وعصر الشبهة
الثورة التكنولوجية تفتقر إلى الأساس الأخلاقي والجمالي

 

هربرت ريد
تهامة الجندي


مع دخول النصف الثاني من القرن العشرين بدأت تتصدر الأدبيات الفكرية في العالم أسئلة كثيرة ومقلقة حول مصير الذاتيات الثقافية في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات, وحول أثر الإعلام على التنشئة الاجتماعية والقومية, وبدأت تظهر مفاهيم جديدة مثل <<الغزو الثقافي>>, <<حوار الثقافات>>, << التدفق الإعلامي>>, <<حق الاتصال>> و<<هندسة السلوك>> وغيرها, وكلها مفاهيم اصطلاحية تشير إلى عمق التغيرات الثقافية التي أحدثتها وتحدثها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجماهيرية في بنية المجتمعات البشرية التقليدية منها والحديثة على حد السواء, والتحقيق التالي سوف يحاول توضيح العلاقة التبادلية ما بين الثقافة ووسائل الإعلام, حيث سوف نتوقف عند مفهوم الثقافة ثم علاقتها بوسائل الإعلام, ومن ثمة نتناول التغيرات الجذرية التي طرأت على هذه العلاقة في ظل واقع الاحتكارات والعولمة.

 مفهوم الثقافة

قد يكون مفهوم الثقافة من أكثر المفاهيم الاصطلاحية تعقيدا والتباسا, وأكثرها خضوعا للسجال والمراجعة والتدقيق في العصور الحديثة, حيث بإمكاننا أن نحصي مئات التعاريف الخاصة بها, وقد يكون أحد وجوه الإبهام في المفهوم هو اختلاطه بمفهوم الحضارة, ففي الغرب ظهرت الكلمتان في عصر واحد هو القرن الثامن عشر, وتباينت معانيهما من موقع فكري لآخر, وكان الفرق طفيفا بينهما في الفكر الفرنسي, لكنه كان واسعا في الفكر الألماني, حتى أصبحت الثقافة تخص المعنى الروحي والفكري والفني والعلمي أي بما نحن فيه, بينما تدل الحضارة على المعنى المادي والتقني أي بما نستعمل, وهكذا اصط لح على اعتبار الثقافة جزءا من الحضارة, واعتبار الحضارة صيغة أشمل تحتضن جملة من الثقافات, وترتبط ببعضها البعض بصلات واتصالات معينة .

وثمة إبهام آخر يأتي من تداخل مفهوم الثقافة مع مفهوم التقدم, وأمر التفريق هنا أهون لأن التقدم مفهوم تقويمي مرتبط بالاتجاهات الفلسفية التي بدأت تظهر منذ عصر النهضة الأوروبية, وتجسدت في مظاهر الثورات الصناعية, كما أنه مفهوم نسبي يقوم على تقدير مدى الحركة الإنسانية.

ويمكننا القول عموما إن الثقافة ظاهرة إنسانية اجتماعية تخص الإنسان حصرا والتجمعات البشرية, وتتكشف أهم دلالاتها في كونها :

1- فاصل نوعي ما بين الإنسان وسائر المخلوقات.

2- هي التي تحدد ذات الإنسان وعلاقاته مع نظائره ومع الطبيعة وما وراء الطبيعة.

3- هي قوام الحياة الاجتماعية وظيفيا وحركيا, فليس من عمل اجتماعي أو فني جمالي أو فكري يتم خارج دائرتها.

4- إنها إنجاز تراكمي متنام مستمر تاريخيا, فهي بقدر ما تضيف من الجديد تحافظ على التراث السابق, وتجدد من قيمه الروحية والفكرية وتوحد معه هوية الجديد روحا ومسارا ومثلا, وهذا هو أحد محركات الثقافة (1).

5- باعتبار أن الثقافة إنجاز تراكمي مشترك ومتجدد, فللإنسان فيها دور مزدوج, دور المبدع المنشئ ودور المتلقي المستجيب.

إن الطور الأهم في سلوك الإنسان الذي تبنى على أساسه الأفعال والمواقف هو طور التقييم, وهو الطور الذي تشترطه أولا وقبل كل شيء المنظومة الثقافية التي امتصها الفرد أصلا من بيئته عبر مختلف أشكال التنشئة الاجتماعية, وقد كتب الدكتور معن زيادة بهذا الصدد أن: <<الثقافة هي التي تجعل الإنسان يرتفع فوق رغائبه الجنسية والحسية عموما ويؤثر التبتل أو الرهبنة, أو أن يختار أن يقتل أما أو أختا غسلا للعار, أو أن يضحي بنفسه في عملية انتحارية من أجل فكرة أو هدف يدخل في عداد ثقافته>> وكتب أيضا: <<إن المجتمعات على اختلاف أنواعها تتميز بثقافاتها الخاصة أولا وقبل كل شيء (2), يأتي الطفل إلى هذا العالم ويبدأ منذ اللحظات الأولى بالاغتراف من ثقافة مجتمعه, إلا أننا لو غيرنا في تلك الثقافة المحيطة بالطفل لما شب وفق التوقعات التي يشب عليها عادة لو أن تبديلا في الشروط الثقافية لم يحصل, كأن نأخذ طفلا فيتناميا مثلا ونضعه في أسرة أمريكية, فإن الطفل ينشأ حاملا لكل خصائص الثقافة الأمريكية, وقد يصعب عليه التكيف مع البيئة الفيتنامية كما قد يحصل لأي شاب أمريكي>> (3).

كان صموئيل فون بومندروف أول من استخدم كلمة ثقافة في بداية عصر النهضة بهدف التمييز داخل النشاط الإنساني بين ما هو طبيعي فطري وبين ما هو مكتسب, وهو العمل الذي طوره كنت (1798-1857) بتعريفه الثقافة على أنها <<مجموعة من الغايات التي يمكن للإنسان تحقيقها بصورة حرة وتلقائية انطلاقا من طبيعته العقلانية>>, وقد تلاحقت بعد ذلك التعاريف, التي أغنت المفهوم كتعريف هيردر بأن <<الثقافة هي الصورة أو الهيئة العامة لحياة شعب أو أمة>> أو تعريف ا.ب. تايلور بأنها <<مركب يتضمن جميع المعارف والعقائد والفنون والتقاليد وجميع التنظيمات والعادات المكتسبة من طرف الإنسان كعضو في المجتمع>> (4), وتتجه الدراسات الحديثة كلها إلى تحميل الثقافة معنى واسعا, هو الذي توقف عنده الإنتربولوجيون بشكل خاص, فهي عندهم تضم جملة أنماط السلوك المشترك السائدة في مجتمع معين سواء كانت مادية أم معنوية, بالإضافة إلى أنماط العيش والمأكل والمشرب والملبس وطراز تربية الأطفال وآداب التحية والمعاشرة وتقاليد الزواج والولادة والوفاة وطقوس الأفراح وعادات النظافة واللباقة وغيرها, كذلك تضم الثقافة نواحي حضارية أكثر عمقا تتصل باللغة والفكر والعقيدة والتشريع والقانون والأدب والعلم والتقنية وغيرها, ومن الهام أن ندرك أن أنماط السلوك هذه لا تسمى ثقافة إلا إذا ارتبطت بسلوك الجماعة كجماعة لا بسلوك الفرد وحده, والمقصود ليس أية جماعة اعتباطية وإنما تلك التي تفاعلت فيما بينها تاريخيا ضمن بيئة جغرافية واحدة وظروف مشتركة, وعليه فإن لكل جماعة بشرية كبيرة كانت أم صغيرة ثقافتها الخاصة بها, والعالم منقسم إلى مناطق ثقافية متعددة تؤهلنا للحديث عن ثقافات قومية, تضم بدورها ثقافات فرعية أو محلية, تتعدد وتتكاثر في إطار الثقافة القومية الشاملة, ويظل التصنيف فيما بينها نسبيا, كذلك يمكننا الحديث عن ثقافة عالمية هي القاسم المشترك بين الثقافات المختلفة, وهو قاسم يزداد اتساعا في عصرنا هذا (5), بفعل وحدة العلم والحركة العلمية ووحدة تداخل النتائج والتأثيرات ووحدة ترابط فروع المعرفة, وتأثير تكنولوجيا الاتصال والمعلومات.

تنعكس الثقافة في وعي الأفراد والجماعات على شكل منظومة متكاملة من القيم الروحية والمعرفية والجمالية والأخلاقية وغيرها, تشكل بمجموعها كلا مترابطا يعرف بالنسق القيمي, ويذهب عالم الاجتماع الروسي غينادي أوسيبوف إلى اعتبار منظومة القيم : مجموعة المعايير أو القواعد العامة المعترف بها من قبل أفراد مجتمع ما, والتي يقارن الناس بواسطتها التفاعلات فيما بينهم, وبواسطتها يجري تنظيم الخبرة الحياتية وترشيد الأدوار الاجتماعية, وهي تضم المستويات الثقافية المشتركة التي يحتكم إليها في تقدير الموضوعات والاتجاهات الأخلاقية أو المعرفية, وتحديد ما هو المرغوب فيه أو المرفوض اجتماعيا, وما هي أشكال الثواب والعقاب, كذلك تضم مجموعة التصورات والمفاهيم  الدينامية الصريحة أو الضمنية التي تميز الفرد أو الجماعة, وتؤثر في اختيار الأهداف والطرق والوسائل والأساليب الخاصة بالفعل, وتتجسد في اتجاهات الأفراد وأنماطهم السلوكية ومثلهم ومعاييرهم ومعتقداتهم ورموزهم الاجتماعية.

يجري تثبيت القيم والمعايير طبقا لأهميتها في المجتمع خلال عمليات الإنتاج المادي والروحي, ويتم تناقلها عبر الأجيال خلال عمليات التنشئة الاجتماعية وأشكال الاتصال المختلفة ومؤسسات التعليم والثقافة, وهي تظهر استقلالية نسبية حيال العلاقات الرأسية, وتتميز باستمرارية مفعولها لفترات زمنية طويلة, وبها تتحدد الأشكال الراسخة للتفاعل الاجتماعي الذي يجري باسم الأهداف الماثلة أمام المجتمع, وعليه فإن المجال الفعلي لوجود منظومة القيم هو دائرة السلوك اليومي للأفراد ومختلف مظاهر التفاعلات الاجتماعية, ففي الأعمال ذات الأهمية الاجتماعية يتجسد جوهر المعايير والقيم في وعي الفرد وتصرفه, وعلى أساس استيعابه لها يتحدد أسلوب تفاعل الفرد مع الأفراد الآخرين والمحيط الاجتماعي بوجه عام.

هكذا تغدو منظومة القيم والمعايير بمثابة الجهاز العصبي في ثقافة أي مجتمع وتنظيمه الاجتماعي, ويغدو استيعاب هذه المنظومة وتمثلها بشكل سليم شرطا من شروط زيادة فعالية الأفراد في بيئتهم ويقول غ. أوسيبوف : << ثمة تبعية مباشرة بين مستوى ثقافة النسق الاجتماعي وبين درجة فعالية تنظيمه الاجتماعي, فبمقدار ما يزداد مستوى الثقافة ارتفاعا, أي بمقدار ما تزداد درجة جعل المعايير والقيم قضية حميمية داخلية لدى النسق الاجتماعي المعني وعناصره, بمقدار ما تكون درجة فعالية عمل التنظيم ودرجة إنتاجيته ومردوده أكثر ارتفاعا>> (6).

الثقافة والاتصالات الجماهيرية

أشكال الاتصال المختلفة منذ حالتها البدائية الأولى وحتى القمر الصناعي, هي التي مكنت البشر من نقل وتداول منجزات الثقافة, وهي التي أتاحت لدور الإنسان المزدوج فيها (المبدع/المتلقي) أن يكون منتجا وفاعلا سواء على مستوى الفرد أو الجماعة أو القومية أو العالم, ومما لا شك فيه أن ظهور وسائل الإعلام الجماهيرية والتطور الهائل الذي شهدته بعد دمج قطاعي الاتصالات والمعلومات, قد أحدث بالضرورة تغيرات في شكل ومضمون الوظائف الثقافية, وعمق ووسع من حجم ونوعية الدور المزدوج للإنسان في عملية الإبداع الثقافي, واختصر إلى حد كبير المسافة بين المبدع والمتلقي على مستوى الفرد والعالم.

فقد عرفت البشرية خلال القرن العشرين من وسائط نقل الثقافة والمعارف ما لم تعرفه خلال تاريخها المديد, كما ظهرت أشكال إبداعية جديدة لم تكن معروفة سابقا كالأفلام والمسلسلات والبرامج الإذاعية والسيناريو والنص الإعلامي وغيرها مما بات يعرف ب <<الثقافة الإلكترونية أو الجماهيرية>>, ونشطت الحركة الثقافية واجتذبت إليها الكثيرين, وتيسرت إلى حد كبير عمليات التعارف والتبادل والتفاعل الثقافي بين الأفراد والأمم,  ليس فقط لدى الأوساط المتعلمة والمثقفة, وإنما لدى الأوساط الشعبية والأمية أيضا, مما أدى إلى كسر الطوق الذي قيد الثقافة حقبا طويلة وقصرها على قلة من البشر لديها المال والنفوذ اللذين يمكناها من الوصول إلى مصادر المعرفة, فوسائل الإعلام الجماهيرية كأدوات لجمع المعلومات وحفظها ونشرها وتداولها, مكنت الإنسان المعاصر من ممارسة حقه في الاتصال والمعرفة, وأتاحت له أن ينال حظه من الثقافة من خارج المؤسسات الرسمية المتخصصة, وقد صار ممكنا للجماهير العريضة أن ترى وتسمع وتتذوق ضروبا من الروايات والأدب والموسيقى, وأن تضيف إلى خبراتها الحياتية معلومات وخبرات جديدة, تمكنها من التفاعل مع مستجدات الحياة والحكم عليها بصورة أفضل.

بيد أن التطور الكبير الذي حققته وسائل الإعلام بعد الحرب العالمية الثانية, لم يكن متكافئا على مستوى العالم, ومنجزاته التي باتت تتطلب إمكانات علمية ومالية وتنظيمية ضخمة, لم تعد بمقدور الأفراد والجماعات الصغيرة وكثير من بلدان العالم الثالث, وكان من نتائج ذلك أن خضعت وسائل الإعلام وما تحمله من رسائل إنتاجا وتوزيعا في الغالب إلى سيطرة احتكارية, سواء تعلق الأمر بالشركات المتعددة الجنسية على مستوى العالم, أم بهيمنة الدولة أو الجماعة على المستوى القومي, وفي كل الحالات بات الإنسان في عصرنا الحالي مبدعا كان أو متلقيا للثقافة وما يتصل بها من معارف ومعلومات, رهين هذه السيطرة الاحتكارية, وباتت الثقافة القومية في حدود العالم الثالث أسيرة الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات في عالم الاتصال والإعلام (7).

تشير إحصائيات اليونسكو إلى أن الدول المتقدمة تتحكم اليوم بوكالات الأنباء الكبرى, وأقمار الاتصالات الفضائية, والترددات الإذاعية, والعقول الإلكترونية, و93% من المنتجات الإعلامية التي يتم تداولها عبر أقنية الاتصال والإعلام في العالم, كذلك تشير إحصاءات مكتب المعلومات والتنبؤات الاقتصادية إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تدعمها كندا تحقق 08% من الصادرات العالمية في مجال التلفزيون, وأنها تملك تسعة أعشار المعلومات المخزنة في العقول الإلكترونية, وأنها تسيطر على 21 وكالة إعلان من أصل 25 وكالة تحتكر الإعلان الدولي (8), أما بخصوص شبكة المعلومات الدولية <<الإنترنت>> التي ولدت في أحضان المؤسسة العسكرية الأمريكية, فقد عملت الولايات المتحدة الأمريكية منذ البداية على حصر هذه التقنية بها أولا, ومن ثمة بحلفائها حسب أهميتهم ومدى قربهم, وابتكرت لهذا الغرض أكثر من 26 لغة خاصة للتعامل مع أجهزة الحواسب, لم يعرف منها على نطاق واسع سوى أربع لغات, كذلك عملت على هيمنة اللغة الإنجليزية إذ تمثل 88% من معطيات الإنترنت مقابل 9% بالألمانية و2% بالفرنسة و1% موزع على باقي اللغات ومنها العربية, وفي الولايات المتحدة الأمريكية فقط يتمركز حوالي 06% من مجموع الشبكات الجزئية المتصلة بالإنترنت, بينما تحظى أوربا بحوالي 26% و14% لبقية دول العالم منها الدول العربية, ويؤكد المتخصصون بأنه لا يمكن التحكم بخدمات الشبكة ولا المعلومات المنتشرة فيها بشكل مباشر, لأنها شبكة غير مركزية ولا تمر بمراكز سيطرة حكومية, لكن توجد ثلاثة مراكز في أمريكا وهولندا واليابان تقوم بمسؤولية الإدارة وتسجيل العناوين, وتقوم مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية <<(NS F) بدعمها ماديا, ويدعمها فنيا مجموعة الدعم الهندسي للإنترنت وهي مكونة من مجموعة علماء وخبراء  (9).

الأرقام السابقة تؤكد بوضوح واقع الاحتكار وعدم التكافؤ في النظام الإعلامي العالمي, كما تبين أن إنتاج وتوزيع تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات وما تبثه من رسائل, يتركز في أيدي عدد صغير من الشركات الغربية تحديدا الأمريكية, وقد أصبحت هذه الشركات تشكل مراكز وتكتلات متخصصة في مجالي الثقافة والإعلام, وقامت بتدويل صناعة ما يعرف ب <<الثقافة الجماهيرية>> التي يمكن تمييز منتجاتها المتمثلة في النشرات والبرامج الإخبارية والمسلسلات والبرامج التلفزيونية والأفلام وأفلام الكرتون والاسطوانات وأشرطة الفيديو والجرائد والكتب (10) والأقراص المدمجة والبرمجيات وما شابه, ويتم تصدير هذا المنتوج الهائل إلى كافة أرجاء العالم خصوصا النامي منه, حاملا ومروجا للنموذج الثقافي الغربي بكل ما يتضمنه من قيم وتصورات ونمط حياتي كامل متكامل, يمتد من طريقة الأكل والملبس حتى طريقة التفكير, ومن أشكال الإبداع الفني والأدبي حتى طرز العمارة وتصميم المدن, وعبر هذا النموذج الثقافي الذي يقدم بحرفية عالية قائمة على علوم النفس والاجتماع والاتصال وغيرها لتيسير قبوله واستحسانه لدى كافة مستقبليه, يتم حصار واجتياح الثقافات المحلية وخلخلة نسيجها الداخلي وزعزعة منظومة القيم والقناعات لإحداث الاستجابات الذهنية والسلوكية المطلوبة تحديدا لدى الأجيال الصاعدة.

إننا نعيش في عصر نواجه فيه ما أسماه توماس ماك فيل بـ<<الامبريالية الالكترونية>> والتي عرفها بأنها : <<علاقة التبعية التي تأسست باستيراد معدات الاتصال والبرامج الأجنبية ومعها المهندسين والفنيين وما يتعلق بها من برتوكولات ومعلومات, وذلك بخلق الأسس لمجموعة من المعايير والقيم الأجنبية والتوقعات التي يمكن أن تغير الثقافة المحلية وعمليات التنشئة الاجتماعية إلى درجات مختلفة << (11).

عصر الشبهة والتنميط

مذ دخل الإعلام حلبة الاستثمارات الضخمة والشركات المتعددة الجنسية, لم يعد يعكس حقائق الواقع كما كان مفترضا له بقدر ما بات يصنعها, إنه اليوم يصنع الأحداث الكبرى والمشاهير والنجوم والرأي العام, ويحاصر الثقافات, ويهندس السلوك, ويشن الحروب, ويتدخل في كل شيء مغيبا قضايا ومضخما أخرى وممارسا نوعا من السلطة الحقيقية على مختلف جوانب حياتنا الاقتصادية والسياسية والثقافية, وبتعبير أدق دخل الإعلام عصر الشبهة, وأصبح سلعة يتحكم بإنتاجها وتسويقها رأس المال, سلعة لها مواصفاتها وشروطها وقوانينها الناظمة الخاصة التي تهدف إلى تسوية ثقافية عالمية, أي تسوية للفكر والقيم والذوق وأنماط الحياة والاستهلاك على مستوى العالم, تمهيدا لتوحيد السوق العالمية والدخول في عصر العولمة الذي تمسك بمفاتيحه الولايات المتحدة الأمريكية وحدها دون رقيب قانوني أو واعز أخلاقي.

 تجري اليوم محاولات حثيثة عبر وسائل الإعلام لصياغة الإنسان المعاصر وعيا وسلوكا وفق نموذج معد سلفا, وهو ما بات يعرف ب <<هندسة السلوك البشري>> أي إعادة تشكيله عبر مبدأ الخطوات الصغيرة والخطوة خطوة, وهي المدرسة التي تفوقت بها الولايات المتحدة الأمريكية منهجا وممارسة, وبموجب ذلك ليس مهما ما يكونه البشر أو يعتقدونه, وإنما ما يمكن أن يدفعوا لكي يكونوه ويعتقدوه, وتعتبر أطروحة هارلد لاسول حول الإعلام الدعائي المثال الأوضح على ذلك, حيث يقول : <<إن مهمة رجل الإعلام الدعائي هي اختراع رموز هدفية تؤدي وظيفة مزدوجة, هي تسهيل التبني وتسهيل التكيف, وينبغي أن تكون الرموز قادرة على أن تستحث القبول تلقائيا, وينتج أن المثال الإداري الأعلى هو السيطرة على موقف ما, لا بالفرض والإكراه بل بالكهانة>> (12), وعلى هذا المستوى يرى جاك آلون أنه بمقدار ما يقتنع الفرد بأن ما يفكر أو يشعر أو يقوم به إنما هو نابع عن ذاته بمقدار ما يعظم استلابه, والاستلاب كما عرفه هو <<أن تصبح شخصا غريبا أكثر من كونك نفسك, وكذلك يعني أن تصبح خاضعا لشخص آخر, أي انسلاخ الشخص عن نفسه ليصبح خاضعا أو حتى متمثلا بشخص آخر>>, ولعل تهافت الشابات في الدول النامية بما فيها تلك التي تعاني الفقر والمجاعة على مستحضرات التجميل وآخر صيحات الموضة الغربية حفاظا على أسرار الأنوثة والجمال, ليعتبر أنموذجا ساطعا لنجاح مبدأ هندسة السلوك واستلاب الذات عبر الإلحاح الدعائي الذي باتت تمارسه بامتياز شاشات التلفزة  في العالم, بعد أن اتصلت بالفضاء وتبوأت عرش الإعلام, وتصدرت منازلنا شريكا كاملا للحياة.

فمع ظهور وانتشار الفضائيات في السنوات الأخيرة, انتشرت وتكرست الأنماط والأساليب الأمريكية في الإعلام والدعاية, وقد كتب دون فورستا بهذا الخصوص << تتزايد الابتكارات التقنية في كل ما يمت إلى التلفزيون بصلة بدءا بالشاشة ذات النقاء الفائق إلى البث عبر الأقمار الصناعية والتوزيع عبر الأكبل والتقنية المركبة عديدة العناصر والمحطات المتعددة الجنسيات, إنهم يعرضون العالم وعجائبه لقاء دراهم معدودات تسدد شهريا, والمزعج في هذه التداعيات جميعا غياب التفكير والتأمل المتعلق بمحتوى هذا المستقبل البصري الرائع غيابا شبه كامل>> واستطرد متابعا <<تحت تأثير التلفزيون الأمريكي أصبح الإنتاج التلفزيوني المقرر عرضه إلى العدد الأكبر من الناس, أي إلى الأكثرية, أصبح بسرعة المعيار الكلي الكوني, ونحن نعرف في أوروبا أن شراء المسلسلات الأمريكية أقل كلفة من إنتاج مسلسلات محلية, ولقد أخذت تنتشر في أرجاء العالم طريقة نسخ الأساليب اليسيرة للوصول إلى الجمهور الأكثر عددا, وأخذت صور هذا العالم المثالي تغدو أليفة في عيوننا, فالرياضة أصبحت البديل عن الهوية الجماعية, ومفهوم الفوز هو الأمر الأكثر أهمية كما يبدو في برامج المسابقات المتلفزة وحفلات توزيع الجوائز والأوسكارات أيضا, لأنه من الضروري لهذه البرامج أن تؤدي إلى خلق إحساس بأننا نشهد حدثا استثنائيا نرى فيه فائزا, وإلى نشر جو من الغبطة والحبور يجعل الرسائل الإعلامية أسهل على الهضم>>, ولاحظ فورستا أنه <<يجري إعداد غالبية البرامج في أمريكا من أجل جمهور شاب, وهي لا تخاطب إلا الجانب غير الناضج لدى البالغين>> (13).

واختصر روجيه غارودي واقع الفضائيات وأثره على المشاهدين, بقوله : <<غابة من الصور المتلفزة تنتصر من بينها جميعا الصور الدامية للأفلام الأمريكية, تدمر الاستمرار وسلطة الانتباه والتفكير, وعادة التنقل من قناة لقناة, تنتج نوعا وحشيا من تركيب الصور, كأنها استمرار للتواصل مع الفظاعة المبتذلة, هذه الاقتحامات الفوضوية لمنازلنا بكلام دون جواب, تحول مشاهدي التلفزيون إلى مستهلكين لصور بلا مغزى إنساني>> وقال أيضا : <<نحن نعيش مجددا عصر فساد التاريخ وتدهوره - كما كان الأمر زمن انحطاط الرومان وألعاب السيرك التي كانوا ينشغلون بها - بهذا التدهور الموسوم بهيمنة تقنية وعسكرية ساحقة لإمبراطورية لا تحمل أي مشروع إنساني قادر على إعطاء معنى للحياة وللتاريخ>> (41) .

المراجع

1- الخطة الشاملة للثقافة العربية, المجلد الأول, ص (40-41), منشورات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم, الكويت 1986

2- د. معن زيادة <<حول الثقافة والثقافة القومية>>, في مجلة <<الوحدة>> العدد 41 /فبراير 1988, ص (136-137)

3- د. معن زيادة <<كيف تتميز ثقافات المجتمعات ولماذا>> مجلة <<الوحدة>> العدد 84 /أيلول 8891, ص 681

4- المختار بنعبد لاوي <<الثقافة العربية ومعطيات الواقع الراهن والآفاق المنظورة>> مجلة <<الوحدة>>, العدد 101/102 1993, ص (44-45)

5- انظر د. عبد الله الدايم << التخطيط الشامل لتطوير الثقافة العربية, الأسس والأهداف والوسائل << في <<الخطة الشاملة للثقافة العربية>>, المجلد الثالث/ الجزء الأول, ص 50

6- غينادي أوسيبوف << أسس علم الاجتماع << دار التقدم, موسكو 1990, ص (94-95) 

7- انظر لطفي الخولي << الاشكالية الراهنة للثقافة العربية وعلاقتها بوسائل الإعلام والاتصال << في <<الخطة الشاملة للثقافة العربية>>, المجلد الثالث/ القسم الثاني, ص (751 -753)

8- عن سيرج ديكور <<تنازلات أوربية>> في كتاب <<نظام التضليل العالمي>> , ترجمة غازي أبو عقل, دار المستقبل /دمشق 1994, ص 122

9- انظر عبد الملك ردمان الدناني << الوظيفة الإعلامية لشبكة الإنترنت>> منشورات دار الراتب الجامعية, بيروت 2001

10- انظر د. سميح فرسون <<الثقافة والتبعية, الغزو الثقافي للعالم>> في <<الخطة الشاملة للثقافة العربية>>, المجلد الثالث/ القسم الثالث, ص 1195

11- توماس ماك فيل << الإمبريالية الإلكترونية << عن د. صالح أبو إصبع <<وسائل الإعلام العربية والانسلاخ الثقافي>> مجلة <<شؤون عربية>> العدد 17, تونس 1982 ص (173-184)

12- انظر د.اسماعيل الملحم <<وسائل الاتصال الحديثة ووحدة الشخصية القومية>> في مجلة <<الوحدة>> العدد 54, 1989, ص 122

13- دون فورستا <<المعيار الأمريكي>> في كتاب <<نظام التضليل العالمي>> ص (95-96)

14- روجيه غارودي <<ثقافة اللامعنى>> في <<نظام التضليل العالمي>> ص 186

15- د. جيهان رشتي تدفق الأنباء الأجنبية في الإعلام العربي>>  في مجلة <<شؤون عربية>>, العدد 17, ص 186

16- محمد بو عزي <<أي إعلام وفي خدمة من>> في مجلة <<الوحدة>> العدد 54 آذار (مارس) 1989, ص 36. 


تصميم الحاسب الشامل