حركة المسافر وطاقة الخيال:
دراسة في المدهش والعجيب والغريب

 

محمد لطفي اليوسفي


في أزمنة البدء أيام العالم لم يزل بعد طريا هشا محاطا بالأسرار وأيام الكلمات لم تزل تمتلك سرّية الإيماءة وسلطان الإشارة كانت الرحلة تعبيرا عن إصغاء الكائن لنداء الأقاصي. فالرحلة من جهة كونها حركة سفر وانتقال إنما تترجم الرغبة في العبور من الهنا إلى الهناك,  من الأليف إلى المجهول, من المحدود الضيق الخانق إلى المطلق. الرحلة ليست حدث سفر وتجوال في المكان أو في الوهم والخيال فحسب, بل هي ترجمة فعلية لرغبة الكائن في الخلاص من شرطي الزمان والمكان والعدم.

في أزمنة البدء أيام كانت الحياة هشة طرية مشتهاة كانت الرحلة تعبيرا عن إصغاء الكائن لنداء الأقاصي. وفي أزمنة البدء كان خروج قلقامش من أروك تجسيدا لهذه الرغبة الجارفة في تحطيم الحدود ومشاركة الآلهة في الخلود. وفي الأزمنة ذاتها كان بناء برج بابل تجسيدا للرغبة في الرحيل من البشري المحدود إلى المطلق والألوهي. لقد كانت رحلة قلقامش رحلة في المكان امتد ت أفقيا من بلاد الرافدين حتى جبال الأرز في لبنان. أما الرحلة التي خط ط لها بنو البشر نكاية في الآلهة آن بنائهم لبرج بابل فقد كانت حركة صعود وعروج امتد ت عموديا من الأرض إلى السماء وكل لت بالخسران. ولن تخرج رحلة أورفيوس آن هبوطه إلى مملكة الدياجير عن هذه الأطر. فلقد كانت رحلة تنشد اختطاف الحياة من أحشاء العدم. وعلى هذا البحث الممض  عن المعنى كان جريان رحلة عوليس في الأوديسية. أما كتاب ألف ليلة وليلة فإنه كتاب سفر وترحال بامتياز. سفر من الواقعي المصدق به باتجاه ما لا يقبل التصديق لجعله ممكن التصديق, وما لا يمكن وقوعه في الأعيان لجعله ممكنا في التوهم والأذهان بالالتجاء إلى القص  والتخييل وتحطيم الحدود الفاصلة بين الممكن والمحال.

ومثلما لم يجن قلقامش من رحلته غير المرارات, هدم برج بابل فبلبلت ألسنة بني البشر جراء سخط الآلهة. وعاد أوروفيوس كسير النفس إلى موطنه طراقيا بعد أن حكم على حبيبته يوريديكا بأن تؤبد في مملكة هاديس وحيدة إلى الأبد.

الرحلة, من هذا المنظور, ليست مجر د سفر باتجاه التخوم, بل هي فعل وجود. ومعنى كونها فعل وجود أنها بحث عن المعنى أو توسيع لدائرة  المعنى. وهي أيضا تعبير عن رغبة الكائن في الإفلات من شرط لم يختره, لكنه اختار أن ينازله. والرحالة, مثله مثل عابر السبيل إنما يختار الإقامة في السفر والترحال بحثا عن المغاير والفريد والعجيب. إنه يخوض تجربة السفر ثم يدو نها. لذلك يرد  نصه الذي يروي حكاية حاله مخترقا بزمنين: زمن التجربة وزمن تدوينها. إن زمن التدوين أو القص  لا ينفتح على زمن خوض التجربة إلا  بالاستحضار والتذكر والحنين.

وبذلك تصبح عملية التدوين في حد  ذاتها نوعا من الإيثار والكرم, إيثار الرحّالة لبني قومه وكرمه تجاههم. فهو لا يغنم الثروة لنفسه بل يمكّن ناسه مما غنمه. فيجن بهم ويلات السفر وأهواله ومخاطره ويحقّق لهم عن طريق التخييل والقص المتعة التي تتولّد عن رواية تلك الأهوال والمخاطر.

أن يكتب الرحالة وقائع رحلته أو يسردها على متلقيه معناه أن يستعيد الأحداث التي عاشها ويستحضرها من الذاكرة ويعيد ترتيبها ويتورط في الحكي. وللحكي فتنته وأحابيله. للحكي مفاجآته وله إكراهاته أيضا. ثمة تجاذب ينشأ في لحظة السرد بين ما يدرك بالحال, أي التجربة كما عاشها الرحّالة, وما يدرك بالمقال, أي الرحلة كما سيرويها صاحبها. ثمة مسافة تسمح للذاكرة بتطهير المدركات التي شاهدها الرحّالة عيانا وتجري عليها نوعا من التحويل والتبديل. وثمة تبديل آخر ينشأ نتيجة الانتقال من زمن الأحداث كما عاشها الرحّالة إلى زمن الحكي. وللحكي شروطه وإكراهاته. ذلك أن الحكاية وما يداخلها من حذف وإضافة واستسلام لفتنة السرد وحرص على إبهار المتلقي بالفاتن والغريب والمهيب -كل  هذا- من شأنه أن يجعل الحكاية لا توازي الواقع ولا تحاكيه, بل تصبح قبضا على الحياة في غرائبيتها وفي أشد  لحظات توهجها. وهذا ما يمليه العقد المفترض بين الرحّالة ومتلقيه.

إن العقد بين الرحّالة الذي يسرد رحلته ومتلق يه المفترض عقد مضمر مسكوت عنه. لكنه عقد محدّد  بيّن  أيضا, إذ لا يمكن للمتلقي أن ينشد  إلى الحكاية إلا  متى وجد فيها ما ينتشله من الضجر, الضجر من المألوف والمعاد والمكرور. ولاشيء أكثر من الغريب والفريد والعجائبي تحقيقا لهذه الغاية. فلا يمكن للرحلة من جهة كونها حكاية أن تنهض بهذه المهمة إلا متى نذرت نفسها للمهمات العظيمة. وأولها إنقاذ المتلقي من الضجر عن طريق إبهاره وإمتاعه واستدراجه إلى نوع من المشاركة الوجدانية. إن الرحّالة يعلم يقينا أن تجربته لا يمكن أن تنال القبول والإعجاب إلا متى عول في سرد وقائع رحلته على ما أسميه قانون التعجيب حتى لا يخذل توق عات المتلقي. والتعجيب في حد  ذاته هو الذي يمك ن الكلام من تخط ي عتبة العادي والمألوف والمتعارف. وهو الذي يجعل الكلام يتشك ل جامعا إلى اللذة الاعتبار, وإلى الإمتاع المؤانسة.

من هنا يستمد  الطابع المقاوم للعجيب والمفارق والمدهش. فهو يسهم في إمتاع المتلقي فيما هو يحقق غاية الاعتبار. ومن هنا يتسل ل الطابع التذكري الحلمي. ففي الحلم يمارس الرحّالة صراعا ثقافيا يمد  الثقافة التي ينتمي إليها بمتخيلات وتشخيصات ورموز توسع من قدرتها على مقاومة المتخيلات الوافدة من ثقافات أخرى. يكفي هنا أن ننظر في  كتاب نخبة الدهر في عجائب البر والبحر للشيخ شمس الدين أبي عبد الله محمد أبي طالب الأنصاري الصوفي الدمشقي المعروف بشيخ الربوة, وسندرك أن هذا الطابع المقاوم يتخذ أكثر من مظهر. فهو يرد صريحا في فاتحة الكتاب إذ يعلن المؤلف أنه قد نذر كتابه لمطاردة الجميل والفاتن والمهيب مبينا أن الغاية من وضعه إنما هي السفر باتجاه الفريد والقبض على الغريب والعجيب. وهو يجاهر بأن كتابه عبارة عن تهج   للأرض وما تزخر به من عجائب من شأن الإخبار عنها أن يحفظ على المؤمنين دينهم ويزيدهم إيمانا بأن ما جاء به محمد هو الحق  ولا ريب. فالنبي ليلة المعراج قد تمكن من الإحاطة بكل  ما أبدع الله من عجائب. والإخبار عن بعض ما رآه إنما يمثل فعلا جهاديا بالتمام والكلية. يكتب الشيخ شمس الدين في خطبة الكتاب:

صلى الله على سيدنا محمد المبعوث إلى كافة البرية أحمرها وأسودها وأعجامها وأعرابها والذي بلغ ملك آمنة ما زوى له من مشارق الأرض ومغاربها وأطلع ليلة الإسراء على ملكوت السماوات والأرض وأملاكها وعجائبها.

ثم يبين المراد من تصنيفه لمؤلفه ملحّا على أن كل ما على الأرض من موجودات وكائنات إنما يمثل إيماءات وإشارات إلى الحقيقة التي حظي بها المؤمنون في ديار الإسلام. يكتب:

وبعد فهذا كتاب سميته نخبة الدهر في عجائب البر والبحر يشتمل على العلم بهمة الأرض وأقاليمها وتقاسيمها واختلاف القدماء في ذلك وعلاماتها ومعمورها من البحار المتصلة والمنفصلة والجزائر والجبال والأنهار -الحرارات والآجام العظيمة والعيون أهم الممالك ومسالكها والأمصار الكبار ورساتيقها والآثار القديمة والعمائر العظيمة والعيون والآبار والينابيع العجيبة والحيوان النادر الشكل.

تلك هي استراتجيات الكتابة. إنها تنهض لا باعتبارها مجر د حكاية تنشد التسلية بل باعتبارها فعل مقاومة. وهي لا تتكتم على مقاصدها بل تجاهر بها فتخبر المتلقي بأن للكائنات والموجودات جانبها العجيب اللا مرئي الذي يدق  المسلك إليه. يكتب في الفصل الخامس ومداره وصف البحر الأسود <<بحر طرابزنده بحر الروس ويسمى نبط والأسود>>:

بحر الروس وسرداق بحر مظلم كثير الاضطراب كبير الموج مهول سريع تغرق المراكب فيه لشدة غليانه واضطرابه واختلاف الرياح فيه (...) وكثيرا  ما يظهر بهذا البحر التنين الذي يزعم من لا علم عنده أنه حيوان حي وأنه ينقله الملائكة من البحر إلى جهنم عند عتوه وطغيانه على دواب  البحر وأنه يكون في جهنم من جملة حياتها وأنواع العذاب فيها وزعم آخرون أن التنانين دواب  تكون في قعر البحر فتعظم وتؤذي ما فيه من دابة فيبعث الله السحاب والملائكة فتخرجها من البحر وتلقيها في أرض يأجوج ومأجوج فيأكلوها.

ويكتب محدثا عن سمك بحر الروم:

وسمكه لها وجه آدمي بلحية بيضاء ولون جسده كلون الضفدع وهي في قدر العجل ويسمى الشيخ اليهودي يخرج من البحر ليلة السبت قبل غروب الشمس إلى البر ولا يزال إلى غروب الشمس ليله الأحد فيدخل البحر وسمكه أيضا  كصورة رجل محارب بيده سيف قصير وبالأخرى ترس مدور وعلى رأسه بيضة برفرف وذلك كله قطعة واحدة حيوان واحد جسم حي واحد السيف عضو والترس عضو والخوذة عضو يسمى سياف البحر وأكثرها يوجد ببحر سردانية وبرشلونة والله أعلم وحيوان كهيئة الرجل والمرأة بالوجوه وأبدانها أبدان السمك وهذا النوع يوجد كثيرا قريب زقاق سبته وفيه وفي البحر المحيط منه بكثرة وربما حمله البحر إذا مد فيلقيه في الساحل عند جزره يتخبط فيصاد بسرعة قبل عود المد إليه وسمكة طولها (شبرين) أو أقل مكتوب على ظهرها بالعربية لا إله إلا الله ومكتوب بين أذنيها من خلف محمد رسول الله وهذه السمكة توجد حول مياه قسطنطينية حيث يوجد السمك الذي يسمونه سقنقور.

هكذا تتشكل الكتابة في قالب رحلة من المعلوم إلى المجهول, ومن المدرك في الأعيان إلى ما يصعب تمثله في الأذهان. لذلك تحفل بالحديث عن الغرائب التي يصعب على الذهن تمث لها. فتجتذب العقل إلى نهاياته وتفلت من مبدأ الاحتمال النقدي. إذ يحرص المؤلف على تملي غرائب الموجودات جميعها فيدو ن العجيب والفاتن ويوسع من دائرة الحلم ومجاله. يخترق الواقعي  ويشرع في تحطيم الحدود الفاصلة بين المرئي المشاهد في الأعيان وغير المرئي الذي لا يمكن أن يطال إلا بالتوهّم وعلى سبيل التخيّل. وبذلك تنفتح الكتابة على الفاتن والمبهر والبديع الذي يثير الفتنة والخوف في آن معا. وكما في كل  المشاهد والتصاوير التي يبتنيها الخيال ستعتمد الكتابة على التقاط مدركات مرئية متعارفة في الواقع وتبتني بها الخارق والعجيب وما لا يمكن أن يوجد في الواقع, فيما هي تدفع بالعقل إلى نهاياته وأقاصيه وتتوغل في المناطق التي تفلت من قبضته بواسطة التخييل والتصوير. لذلك يطفح الكتاب بمشاهد من شأنها أن تلبي حاجة المتلقي إلى الجميل الذي يظهر في هيئة غير متوقعة أصلا وتضعه في حضرة المهيب. وترد المشاهد والصور جميعها لتخدم مقاصد المؤلف وحرصه على إثبات أن محمّدا هو المصطفى.

هكذا يعلن قانون التعجيب عن نفسه وهو يعمل ولا يكل . ثمّة أشياء يستبعدها العقل, وسيعمل كتاب نخبة الدهر في عجائب البر  والبحر على التوغّل بالعقل داخل ما يستبعده ولا يرتضيه ليبتني نوعا من التمثّل المستحيل. ويبتني, في الآن نفسه, عالما بين مكانين حتى يكون الكلام فاتنا ومصدّقا به في الآن نفسه. لذلك تنهض الكتابة على استدعاء المعلوم (سمك/ بحر/ سيف/ ترس/ ضفدع/ امرأة/ عين...) ويتصرّف فيه وفق نسق يسمح بإشاعة اللبس في تلك المدركات. وتنهض عمليّة بعثرة صفات الموجودات والكائنات وخاصياتها موظفة لتحقيق هذه الغاية (سمك له وجه آدمي بلحية بيضاء/ لون جسده كلون الضفدع/سمك في صورة رجل محارب بيده سيف قصير/بيده الأخرى ترس مدور...). ترد المدركات المتعارفة (الضفدع/السمك/الرجل/ الترس...) لتمنح الكلام قاعه الواقعي  وتعطّل إمكانية عدم التصديق. ويرد التوسع فيها عن طريق الإفراط والمغالاة وبعثرة الصفات والخاصيات ليخرج بالكلام إلى دائرة العجيب الفاتن الذي يحول دون التعامل مع هذا المشهد تعاملا عقليا. والنص  إنما يحقّق مبدأ رفع عدم التصديق عن طريق إثارة الدهشة والإبهار في ذات المتلقي.

الإقناع, في مثل هذه الحال, فعل جهادي لأنه سيعمّق إيمان المؤمن وقد يجعل الجاحدين الطاعنين على الحقيقة المحمدية يرجعون عن نكرانهم وجحودهم إذا أخبروا بكل  تلك العجائب ومنها خبر السمكة التي <<كتب على ظهرها بالعربية لا إله إلا الله ومكتوب بين أذنيها من خلف محمد رسول الله.>> إن الإقناع الذي ينشد الكلام تحقيقه لا يمكن أن يكون عقليا, بل نفسيّا. وذلك عن طريق إثارة الجميل والمهيب في نفس المتلقي. لذلك يعو ل الكلام على قانون التعجيب ويبتني الجميل الآسر, والفاتن المدهش, والمهيب المخيف. ثمة في كتاب عجائب الدهر هجمة للجمال في هيئة غير المتوقّع, وهجمة للمهيب في هيئة غير المحتمل وما لا يقبل به العقل أصلا.

يجسّد كتاب عجائب الدهر الحلم وهو يتحوّل إلى فعل جهادي. هذا الحلم المقاوم سيظل  يوسّع من مجالات عمله وكيفيّات إعلانه عن نفسه. وستصبح أغلب نصوص الرحّالة العرب عبارة عن فضاءات فيها تنكشف عبقريّة الثقافة التي أنتجتها. وفيها تنكشف مقدرة الخيال على توسيع دائرة الممكن والمحتمل. فيها تنكشف أيضا كيفيّات غزو الخيال والتوهّم منطقة اللا معقول.

حتى أنه لا يمكن أن ينظر في الكلام باعتباره مصدقا به أو غير قابل للتصديق لأنه يكر س, بما يبتنيه من فريد وعجيب ومهيب, مبدأ رفع عدم التصديق الذي ينهض عليه السرد عادة. فيتشك ل الكلام في شكل حكاية. والحكاية إنما تنجز في فعل القصّ وبه. وبذلك تصبح القراءة العقلانيّة للحكاية قاصرة ومحدودة لأنها تخل  بمبدأ هام عليه جريان فعل القصّ وهو مبدأ رفع عدم التصديق. لاسيما أن الحكاية تنهض على المواربة واللعب والالتواء, مجسدة بذلك ما تتوفر عليه الطاقة المبدعة من مقدرة فائقة على الزيغ والمراوغة وتحطيم الحدود والأنظمة المنطقية.

هذا ما يعلن عن نفسه وفق طرائق أخرى في رحلة ابن فضلان مثلا. إن رحلة ابن فضلان رحلة في المكان من مدينة السلام حتى بلاد الترك والصقالبة والروس. وهي رحلة ذات مقصد جهادي بيّن. إذ كانت غاية القائم بها الإسهام في نشر الدين الجديد وترسيخه في بقاع لم يتمكن المسلمون من فتحها ونشر الدعوة فيها. يكتب ابن فضلان في مفتتح نصه:(1)

<<لمّا وصل كتابُ أَلمش بن يلطوار ملك الصقالبة  إلى أمير المؤمنين المقتدر يسأله فيه البعثة إليه ممن يفقّهه في الدين, ويعرّفه شرائع  الإسلام, ويبني له مسجدا  وينصب له منبرا  ليقيم عليه الدعوة له في بلده وجميع مملكته, ويسأله بناء حصن يتحصن فيه من الملوك المخالفين له, فأجيب  إلى ما سأل من ذلك. وكان السفير له نذير الحرمي, فندبت أنا لقراءة الكتاب عليه وتسليم ما أهدي إليه والإشراف على الفقهاء والمعلمين وسبب له بالمال المحمول إليه لبناء ما ذكرناه وللجراية على الفقهاء والمعلمين على الضيعة المعروفة بأرثخشمثين من أرض خوارزم من ضياع ابن الفرات. وكان الرسول إلى المقتدر من صاحب الصقالبة رجل يقال له عبد الله بن باشتو الخزري والرسول من جهة السلطان سوسن الرسي مولى نذير الحرمي وتكين  التركي وبارس الصقلابي وأنا معهم على ما ذكرت فسلمت إليه الهدايا له ولامرأته ولأولاده وإخوته وقواده وأدوية كان كتب إلى نذير يطلبها>>.

والناظر في بنية هذه الرحلة وفي طرائق انتظام السرد فيها وكيفيات تتالي الأحداث سرعان ما يدرك أن ابن فضلان لا ينقل الأحداث كما جرت فعلا بل يتعمد الإيجاز والحذف ويتخلى عن الإطناب والوصف في المواضع التي يكون مدارها الإخبار عن أحداث تبدو له أدخل في باب العادي والمألوف. يكتب محدثا عن خروجه من مدينة السلام باتجاه بلاد الترك:

رحلنا من مدينة السلام يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر سنة تسع وثلاثمائة فأقمنا بالنهروان  يوما  واحدا , ورحلنا مجدين حتى وافينا الدسكرة فأقمنا بها ثلاثة أيام, ثم رحلنا قاصدين لا نلوي على شيء حتى صرنا إلى حلوان فأقمنا بها يومين.  وسرنا منها إلى قرميسين فأقمنا بها يومين, ثم  رحلنا فسرنا حتى وصلنا إلى همذان فأقمنا بها ثلاثة أيام.  ثم سرنا حتى قدمنا ساوة فأقمنا بها يومين, ومنها إلى الري فأقمنا بها أحد عشر يوما  ننتظر أحمد ابن علي أخا صعلوك لأنه كان بخوار الري.  ثم رحلنا إلى خوار الري فأقمنا بها ثلاثة أيام..>>(2).

لقد نذر ابن فضلان رحلته للقبض على الغريب والمجهول. لذلك لم يتوسع في وصف المحال  والمدائن التي أقام فيها. حتى كأن لا شيء بالنهروان  يغري بالوصف والإخبار ولاشيء هناك في الدسكرة وحلوان وقرميسين وهمذان وساوة والري  وخوار الري . وباطل الإخبار عن المتعارف والمألوف في رحلة ستحفل بالعجيب والغريب. أو لكأن ابن فضلان يتعجل بلوغ المواضع التي سيمتع فيها متلقيه المفترض بالإخبار عن الغرائب والأعاجيب. والراجح أن ابن فضلان كان قد رأى في الطريق إلى هذه المدن والمحال  جديدا يمكن أن يكون قد لفت انتباهه, لكنه تخلى عن ذكره لأنه على يقين من أن ما رآه من غرائب في بلاد الترك والروس والصقالبة يجعل الحديث عن كل  ما عاينه في طريقه من مدينة السلام حتى خزار الري  مجرد ثرثرة لا طائل من ورائه. إن مقصد ابن فضلان هو إمتاع متلقيه بالعجيب والغريب والمفارق. لقد قضى في الطريق الرابطة بين مدينة السلام وخوار الري  وفي المدائن التي أناخ فيها سبعة وعشرين يوما بلياليها. ولم ير طيلة هذه المد ة ما هو جدير بالنقل والتدوين.

تتراجع عملية التكثيف والإيجاز ويأتي الوصف والإطناب في ذكر التفاصيل حالما يبدأ العجيب بالترائي. فيتوسع ابن فضلان في ذكر المناخ البارد القاسي ويمعن في رصد التفاصيل التي تضفي على الكلام بعدا تخييليا يسهل معه على المتلقي أن يتمثل حال المقول فيه. ثمة انتقال من الأليف إلى المتوحش. وثمة افتتان بهذا المتوحش. يعلن الافتتان عن نفسه في شكل توسع في رصف المشاهد والتصاوير المجسدة للحياة في توحشها وضراوتها سواء أعلن ذلك عن نفسه في الطبيعة أو في طبائع بني البشر وعاداتهم. من ذلك مثلا وصفه لضراوة الطبيعة:

<<بلغني أن رجلين ساقا اثني عشر جملا  ليحملا عليها حطبا  من بعض الغياض فنسيا أن يأخذا معهما قداحة وحراقة وأنهما باتا بغير نار فأصبحا والجمال موتى لشدة البرد. ولقد رأيت  لهواء  بردها بأن السوق  بها والشوارع لتخلو حتى يطوف الإنسان  أكثر  الشوارع  والأسواق  فلا يجد أحدا  ولا يستقبله إنسان , ولقد كنت أخرج من الحمّام فإذا دخلت إلى البيت نظرت إلى لحيتي وهي قطعة واحدة من الثلج حتى كنت أدنيها إلى النار(3).

لاشيء في رحلة ابن فضلان يسمح بالذهاب إلى أنه كان يقرن بين قسوة الطبيعة وتوح شها وضراوتها وغضب السماء على ناس تلك البقاع الذين لم يوسعوا للحقيقة المحمدية بينهم مكانا. لكن وصفه لناس تلك التخوم ووصفه لطباعهم وطرائق مقامهم على الأرض يمنح هذا التأويل بعضا من مبررات.

يعمد ابن فضلان إلى التنويه بخصال الشعوب والأمم التي حل  بين ظهرانيها. فيحد ث عن كرمهم وقرى الأضياف عندهم, ويحدث عن صونهم لأعراضهم وعقابهم للزناة والسراق. وهو بذلك يخطو خطوة واضحة باتجاه هذا الآخر المختلف. غير أن كلامه يطفح في العديد من المواضع باستبشاع فعالهم وصنائعهم تحت الشمس. فيذكر مثلا أن النساء والرجال كانوا يستحم ون في النهر عراة وهو ما لا ترضاه عقيدته وحضارته وعاداته. يكتب مثلا: <<وما زلت اجتهد أن يستتر النساء من الرجال في السباحة فما استوى لي ذلك.(4)

يختلط الافتتان في كلام ابن فضلان بالاستبشاع والاستفظاع آن وصفه للشعوب والأقوام التي رآها. يكتب في وصف الروس مثلا:

<<ورأيت  الروسية  وقد وافوا في تجارت هم ونزلوا على نهر إتل, فلم أر  أتم   أبدانا  منهم كأن  هم النخل  شقر  حمر  لا يلبسون القراطق ولا الخفاتين ولكن يلبس الرجل  منهم كساء  يشتمل به على أحد شق  يهوي خرج إحدى يديه منه ومع كل   واحد  منهم فأس  وسيف  وسكين  لا يفارقه جميع  ما ذكرنا.(5)

لكن هذا الافتتان سرعان ما ينفتح على استفظاع طباعهم وعاداتهم فهم يجمعون إلى وساخة الأبدان دنس الأرواح حتى صاروا <<كالحمير الضالة>>. ثمة هجمة للمتوحش مروعة. ثمة ملاحقة للتفاصيل تمد  الكلام ببعد تخييلي واضح إذ يقع التركيز على ما يجعل المتلقي يمثل في حضرة الطبيعة البشرية متوحشة عبر تصوير أقوام تكاد العتبة الفاصلة بينهم وبين البهيمة تمحى تماما. يكتب:

<<وهم أقذر  خلق  الله لا يستنجون من غائط  ولا بول  ولا يغتسلون من جنابة  ولا يغسلون أيديهم من الطعام , بل هم كالحمير  الضالة  ... ويجتمع في البيت  الواحد  العشرة  والعشرون والأقل   والأكثر  ولكل   واحد  سرير  يجلس عليه ومعهم الجواري الروقة للتجار  فينكح  الواحد  جاريته ورفيقه ينظر إليه, ورب  ما اجتمعت الجماعة  منهم على هذه الحال  بعض هم بحذاء  بعض , ورب  ما يدخل التاجر  عليهم ليشتري من بعضهم  جارية  فيصادفه ينكحها فلا يزول عنها حتى يقضي أربه.  ولا بد   لهم في كل يوم  من غسل  وجوههم ورؤوسهم بأقذر  ماء  يكون وأطفسه, وذلك أن   الجارية  توافي كل   يوم  بالغداة  ومعها قصعة  كبيرة  فيها ماء  فتدفعها إلى مولاها فيغسل فيها يديه ووجهه وشعر  رأسه  فيغسله ويسرحه بالمشط  في القصعة, ثم يمتخط  ويبصق  فيها ولا يدع شيئا  من القذر  إلا فعله في ذلك الماء, فإذا فرغ  مما يحتاج إليه حملت الجارية  القصعة  إلى الذي إلى جانبه ففعل  مثل  فعل  صاحبه, ولا تزال ترفعها من واحد  إلى واحد  حتى تديرها على جميع  من في البيت , وكل   واحد  منهم يمتخط  ويبصق  فيها ويغسل وجهه وشعره فيها>>.

وعلى هذا الاستفظاع أيضا جريان كلام ابن فضلان عن بعض الأقوام من الترك يقول في وصف بعضهم: <<وهم يحلقون لحاهم ويأكلون القمل يتتبع الواحد منهم درز قرقطه فيقرض القمل بأسنانه>>.(1) ويقول عن بعضهم الآخر:

<<أفضينا إلى قبيلة من الأتراك يعرفون بالغزية وإذا هم بادية لهم بيوت شعر يحلون ويرتحلون... وهم مع ذلك كالحمير الضالة... لا يستنجون من غائط ولا بول ولا يغتسلون من جنابة ولا غير ذلك, وليس بينهم وبين الماء عمل خاصة في الشتاء, ولا تستتر نساؤهم من رجالهم ولا من غيرهم, كذلك لا تستر المرأة شيئا  من بدنها عن أحد  من الناس>>. (8)

هكذا يستدرج ابن فضلان متلقيه المفترض إلى استفظاع طباع أقوام لم يخرجوا من الدياجير إلى نور الحقيقة التي حملها بين جنبيه من مدينة السلام. وهو يركز على ما يجعل المتلقي يشعر بالقرف فيتوسع في ذكر الوساخة والعفن (مخاط/ غائط/ بول/ ازدراد القمل) ويعمد في الآن نفسه إلى ذكر بعض الفعال التي تسو ي بين البهيمة والناس الذين يصفهم. إذ يعمد إلى توشية كلامه بذكر ما يدل  على أن أولئك الأقوام لا يقيمون للجسد أي وزن حتى أن لا حياء عندهم ولا خجل. فهم يتناكحون قدام بعضهم البعض. حتى أن المرأة منهم قد تأتي قدام الغرباء فعالا لا يمكن للمسلم إلا أن يستعيذ بالله من شرها. يكتب <<نزلنا يوما  على رجل منهم فجلسنا وامرأة الرجل معنا فبينا هي تحدثنا إذ كشفت فرجها وحكته, ونحن ننظر إليها فسترنا وجوهنا وقلنا: أستغفر الله.(9)

ثمة تشبيه سيظل  ابن فضلان يردده ويلجأ إليه كل ما مثل في حضرة المتوحش. وهو قوله إنهم <<كالحمير الضال ة.>> حين يصف طباع الأقوام الذين لم تشملهم الحقيقة التي حملها معه من مدينة السلام برعايتها. ولهذا التشبيه دلالته على تصور ابن فضلان للإنسان. إن الإنسان في نظره صانع قيم. فإن هو عدمها خرج من دائرة البشري إلى الوحشي وضل . ثمة في البشري جانب ألوهي إن عدمه المرء بطل أن يكون إنسانا. هذه هي الحقيقة التي يضمنها ابن فضلان كلامه من قبيل الإيماء. وهاهنا بالضبط ينكشف البعد الجهادي المقاوم في رحلته. ثمة إلحاح على أن الحقيقة السماوية التي يدين بها هي التي توقي المرء من النزول إلى مستوى <<الحمير الضال ة>>.

هذا البعد المقاوم الذي يتراءى في تلاوين الكلام على سبيل اللمح ويتوسل استدراج المتلقي بواسطة الوصف والتخييل كثيرا ما يتخذ طابعا أكثر تسترا ويتحول إلى مشاهد غير قابلة للتصديق أصلا. والراجح أن المسافة الفاصلة بين التوهم والإخبار عن الوقائع تم حي أو تكاد في ذهن ابن فضلان آن تدوينه لرحلته. فيطفح الكلام بما يدل  على أننا في حضرة تكثيف استيهامات فردية. وسواء كانت هذه الاستيهامات راجعة إلى استسلام المؤلف لفتنة السرد أو كان مرد ها حرصه على دفع التعجيب إلى الذرى التي تجتذب خيال المتلقي إلى النهايات والأقاصي التي يغدو معها التمثل مستحيلا فإن المشاهد التي يبتنيها في هذه المواضع تظل  تشير إلى أن الكتابة تتوسل طريقها إلى العجيب بتحويل النص إلى فضاء للتخيل والتوهم. ثمة تباعد عن الممكن والمحتمل. وثمة تلاعب بالمتلقي قصد وضعه في حضرة المهيب والمفارق. نقرأ مثلا:

<<رأيت  قبل مغيب  الشمس  بساعة  قياسية  أفق  السماء , وقد احمرت احمرارا  شديدا , وسمعت  في الجو أصواتا  شديدة وهمهمة عالية, فرفعت  رأسي, فإذا غيم  أحمر  مثل  النار  قريب  مني, وإذا تلك الهمهمة  والأصوات  منه, وإذا فيه أمثال  الناس  والدواب  , وإذا في أيدي الأشباح  التي فيه تشبه الناس  رماح  وسيوف  أتبينها وأتخيلها, وإذا قطعة  أخرى مثل ها أرى فيها أيضا  رجالا  ودواب وسلاحا , فأقبلت  هذه القطعة  تحمل على هذه كما تحمل الكتيبة على الكتيبة, ففزعنا من ذلك, وأقبلنا على التضرع والدعاء , وهم يضحكون منا ويتعجبون من فعلنا. قال: وكنا ننظر إلى القطعة  تحمل  على القطعة , فتختلطان جميعا  ساعة  ثم تفترقان, فما زال الأمر  كذلك ساعة من الليل ثم غابتا, فسألنا الملك  عن ذلك فزعم أن  أجداده كانوا يقولون: إن  هؤلاء من مؤمني الجن وكفار هم وهم يقتتلون في كل عشية  وإنهم ما عدموا هذا مذ  كانوا في كل ليلة>>.(10)

للجان في المتخيل الإسلامي مكانة ومنزلة. وهم في التصور الإسلامي كبني البشر بالضبط بعضهم آمن وبعضهم الآخر اختار دروب الضلال ولم يبال بالدعوة المحمّدية(11). وابن فضلان في ابتنائه لهذه المشاهد التي يجاهر فيها بأنه لم يعد يدري هل كان <<يتبي نها>> أم كان <<يتخي لها>> حتى ضاعت المسافة الفاصلة بين المشاهدة والتوهم, إنما يستند إلى التشخيصات والرموز التي ابتدعها المتخيّل الإسلامي في رحلة بحثه عن المعنى. ثمّة في هذا المشهد هجمة للجمال مرعبة. وابن فضلان إنما ينشد إقناع المتلقي بمصداقيّة رحلته ورسالته. والإقناع, في مثل هذه المواضع أيضا, لا يمكن أن يكون عقليا بل نفسيّا. وذلك عن طريق ابتناء الجميل والمهيب. لذلك لا يبتني الكلام مشهدا خارقا فحسب, بل يبتني الجميل الآسر, والفاتن المدهش, والمهيب المخيف. ثمّة في كلام ابن فضلان هجمة للمهيب في هيئة غير المحتمل وما لا يقبل به العقل أصلا. بل إن هذا المشهد عبارة عن هجمة للجمال مروّعة لأنها تشوّش الحواس  وتجتذب الإدراك إلى النهايات والأقاصي. إن المهيب هو ما يحرص النصّ على ابتنائه حتى يخرج بالمتلقي من دوره السلبي ويدرجه في الحكاية ويزج  به في أحداثها ووقائها.

ثمّة تلاعب بالمتلقّي. شدّ وجذب. عنف وتوتّر. انتقال من العادي  إلى الخارق. وثمّة في كل هذا تسلّل للمتخيّلات الدينية المقاومة. ففي البدء حين كان فردوس البداية الذي صنعه الرب  إسعادا لآدم كانت الحيّة التي هي إبليس عدوّة للإنسان وذر يته. ولآدم معها قصّة انتهت بتشرّده هو وزوجه في براري الفناء. ليس في نص  ابن فضلان ما يدل  جهارا على أنه يسو ي بين الأقوام الذين عاين ضلالهم وتوح شهم والحيّة التي هي إبليس زعيم الأشرار وكبيرهم بلا منازع. لكن إلحاحه في بعض المواضع على أن الحيّات في الأرض التي زارها كانت تتعايش مع بني البشر وتتحنّن عليهم دون أن تهجس بإيذائهم أبدا يسمح بهذا التأويل. وسواء كان ابن فضلان على وعي بأنه يصدر عن التشخيصات والرموز التي حفل بها المتخيل الديني أو كان غافلا عن ذلك فإن طريقته في ابتناء بعض مشاهده تكشف ما لهذه المتخيلات من مقدرة على تلوين التوهمات والاستيهامات الفردية. يكتب ابن فضلان واصفا التعايش العجيب بين ابن الإنسان والحيّة التي هي إبليس:

ورأيت  الحيّات  عندهم كثيرة  حتّى إن الغصن من الشجرة  لتلتف   عليه العشر منها والأكثر  ولا يقتلونها ولا تؤذيهم, حتى لقد رأيت  في بعض  المواضع  شجرة  طويلة  يكون طول ها أكثر  من مائة  ذراع , وقد سقطت  وإذا بدن ها عظيم  جدا  فوقفت أنظر إليه إذ  تحرك فراعني ذلك وتأملته فإذا عليه حيّة  قريبة  منه في الغلظ والطول فلمّا رأتني سقطت  عنه وغابت >>.(12)

تبلغ ظاهرة تسلّل المتخيلات المقاومة إلى كتب الرحلة ذراها في صنف آخر من الرحلات لم يكن مداره الترحال في المكان بل في السفر في الزمان بحثا في المستقبل عما كان في الماضي. هذا الصنف من الرحلات يجسّده مثلا كتاب التوهم للمحاسبي. فهو عبارة عن رحلة متخيّلة من الأرض إلى السماء, ومن اللحظة الحاضرة إلى ما سيكون في نهايات الزمان حيث يسترد  المؤمن أمنه وغبطته ويرفل منع ما في الفردوس لا يكدّر صفوه شيء. وفي هذا الصنف من الرحلات المتوهّمة يتم  التعويل أيضا على قانون التعجيب لإبهار المتلقي واستدراجه إلى نوع من المشاركة الوجدانية يدرجه في وقائع الحكاية.

إن كتاب التوهم عبارة عن رحلة خياليّة مذهلة في عالم ما بعد الموت. وهو خطاب رجل دين يتوجّه بالكلام إلى قارئه المفترض ويحرص على جعله يعيش على سبيل التوهم والتخيّل نوعا من السفر الليلي  المروّع من الدنيا إلى الآخرة, حيث تنتظره دار النعيم بما فيها من غبطة وسعادة تعاش ولا توصف, أو تتلقفه جهنم بزفيرها وويلاتها التي تفوق ما يمكن أن يتحمله البشر.

يبدأ الكتاب بتصوير لحظة النزع عندما يتراءى ملك الموت مقرا العزم على خطب عظيم. ويشرع في انتزاع الروح من الجسد. ويحرص المحاسبي على مخاطبة متلقيه في نبرة تقريرية إخبارية قائلا:

<<فتوهّم نفسك وقد صرعت للموت صرعة لا تقوم منها إلا  إلى الحشر إلى ربّك, فتوهّم نفسك في نزع الموت وكربه وغصصه وسكراته وغمّه وقلقه, وقد بدأ الملك يجذب روحك من قدمك, فوجدت ألم  جذبه من أسفل قدميك, ثم تدارك الجذب واستحث  النزع وجذبت الروح من جميع بدنك, فنشطت من أسفلك متصاعدة إلى أعلاك, حتى إذا بلغ منك الكرب منتهاه, وعمت آلام الموت جميع جسمك, وقلبك وجل محزون>>.

غير أن الكلام يتمك ن رغم اعتماده على التقرير والمباشرة من تخييل لحظة الاحتضار. ثم  يتوسّع في الإخبار عن سؤال الملكين في القبر. ويتفن ن في إيراد التفاصيل التي تدفع إلى تخيّل ما يجري في القبر من عذاب. يقول: <<فتوهّم أصواتهما حين يناديانك لتجلس لسؤالهما إيّاك ليوقفاك على مساءلتهما, فتوهّم جلستك في ضيق لحدك, وقد سقطت أكفانك على حقويك, والقطنة من عينيك عند قدميك>>.(14)

إن الكتاب لا يكتفي بتصوير الإنسان وحيدا مرتعبا مروّعا فحسب, بل يعوّل على قانون التعجيب ويتوسّع في رسم مشاهد تخلع القلوب. وتكشف طرائق المتخيّل العربي في إنتاج الصور والتشخيصات التي تسمح للجميل أن يعلن عن نفسه في هيئة المروّع والمخيف والمهيب. إننا في حضرة رحلة تتم  من الهنا إلى الهناك, من المرئي إلى اللامرئي.

لذلك يبتني النص واقعا متخيّلا انطلاقا من الغياب, أي انطلاقا مما لا يمكن أن يدرك بالحواس . فتتحوّل المفاهيم إلى صور ومشاهد. من ذلك مثلا مفهوم القيامة وعبور الصِراط والنّعيم والعذاب. وتصبح تلك المشاهد نفسها منطقة معبرة للحدود التي لا يقرها العقل. إذ تمحى المسافة الفاصلة بين التخيل وموضوع التخيل. وبذلك يتمك ن النص من إبطال احتمال عدم التصديق لأنه إنما يرسم عالما متحرّرا من كل  مرجعيّة. إنه عالم غريب يثير الافتتان والهلع في الآن نفسه. وهو عالم يدفع إلى اختراق الحدود. فتبدو الكتابة كما لو أنها تحرّرت من الغاية الوعظيّة التي من أجلها نهضت. وتقع فريسة لفتنة العالم الذي ما فتئت تبتنيه. من ذلك مثلا مشهد النشور:

<<فبينا أنت فزع للصوت إذ سمعت بانفراج الأرض عن رأسك, فوثبت مغبرّا من قرنك إلى قدمك بغبار قبرك, قائما على قدميك, شاخصا ببصرك نحو النداء وقد ثار الخلائق كل هم معك ثورة واحدة وهم مغبرّون من غبار الأرض التي طال فيها بلاؤهم. فتوهّم ثورتهم بأجمعهم بالرعب والفزع منك ومنهم. فتوهّم نفسك بعريك ومذل تك وانفرادك بخوفك وأحزانك وغمومك وهمومك في زحمة الخلائق, عراة حفاة, وهم صموت أجمعون بالذلّة والمسكنة والمخافة والرهبة فلا تسمع إلا همس أقدامهم والصوت لمدّة المنادي, والخلائق مقبلون نحوه, وأنت فيهم مقبل نحو الصوت ساع بالخشوع والذلّة. حتى إذا وافيت الموقف ازدحمت أمم كلها من الجن والإنس عراة حفاة, قد نزع الملك من ملوك الأرض ولزمتهم الذلّة والصغار فهم أذل  أهل الجمع وأصغرهم خلقة وقدرا بعد عتو هم وتجب رهم على عباد الله عزوجل في أرضه. ثم أقبلت الوحوش من البراري وذرى الجبال, منكّسة رؤوسها, لذل  يوم القيامة بعد توحشها وانفرادها من الخلائق, ذليلة ليوم النشور لغير بلية نابتها ولا خطية أصابتها... وأقبلت السباع بعد ضراوتها وشهامتها, منكسة رؤوسها ذليلة ليوم القيامة حتى وقفت وراء الخلائق بالذل  والمسكنة والانكسار للملك الجبّار. وأقبلت الشياطين بعد عتو ها وتمردها خاشعة لذل العرض على الله سبحانه.(15)

ينهض كتاب التوهم, من جهة ابتنائه لصوره ومشاهده, على استلهام واقعين: واقع نصّي (القرآن والحديث) وواقع عيني مدرك. لذلك تكشف طريقته في التعامل مع هذين الواقعين حركة المتخيّل في توليده لتشخيصاته وابتنائه للغرائبي. فهو يستدعي قول النبي : <<لله ملك  ما بين مواقي عينيه إلى آخر شفره مسيرة مائة عام>>.(16) لكنه لا يعيد إنتاجه ولا يكتفي بإعادة صياغته, بل يتصرف فيه تصرفا يضعنا في حضرة الخيال مأخوذا بالنهايات والأقاصي, وفي حضرة المتخيّل وهو يتفنن في ابتداع تشخيصاته التي تجعل الجمال يظهر في هيئة غير المتوقع وفي هيئة المفارق والخارق.

إنه الجميل الذي يثير الفتنة والخوف في الآن نفسه. لم يعد الجميل مقترنا بالنافع, وعطل القانون الذي أرجع إليه المنظرون القدامى جريان شعرية الكلام وأدبيته. إن الجميل فاتن ومروع, ساحر ومخيف. وهو يوحي بالعدم,  من جهة كون العدم هو الذي يمد  الوجود بالمعنى, ويحيل إلى اللا نهاية حيث كل  شيء ممكن بما في ذلك وجود ملائكة تنزل من السماء وتهبط من السُحب. هكذا يتوسع المحاسبي في قول النبي  فيكون المشهد التالي:

<<فبينا ملائكة السماء الدنيا على حافتها إذ انحدروا محشورين إلى الأرض للعرض والحساب, وانحدروا من حافتيها بعظم أجسامهم وأخطارهم وعلو  أصواتهم بتقديس الملك الأعلى الذي أنزلهم محشورين إلى الأرض بالذلة والمسكنة للعرض عليه والسؤال بين يديه. فتوهّم تحدرهم من السحاب بعظيم أخطارهم وكبير أجسامهم وهول أصواتهم وشدّة فرقهم, منك سين لذل  العرض على الله عز وجل... فتوه مهم, وقد تسربلوا بأجنحتهم>>.(17)

إن الكتابة لا تحاكي الواقع النصّي (الحديث) ولا تسايره, بل تفتتح مجراها بعيدا عنه, لتضعنا في حضرة غير الإنساني  فينا. أعني تلك الطاقة التي تسمح للكائن باختراق الحدود وتحطيم الأنظمة التي يقر ها العقل, وتشخيص ما يتعذّر تشخيصه أو تصويره, أي الغريب الذي يثير الافتتان والهلع في الآن نفسه. فالملائكة مقترنة في الذهن بالرحمة والبهاء والنورانيّة. لكنّها تحاط في النصّ بما يجعل منها كائنات فاتنة مروّعة في الوقت ذاته. والنص  إنما يضعنا بذلك في حضرة عالم الموجودات فيه والكائنات ملتبسة على نحو يربك الحواس.

وعلى هذا النحو أيضا يتصرف النص  في الآيات القرآنية ويتوسع فيها. فيوهم بأنه يتخذ من الآيات مرجعا ينوّع عليه فيما هو يتحرّر من كل  مرجعيّة ويتنامى محو لا المفاهيم إلى مشاهد وصور وتشخيصات. من ذلك مثلا ما يقوم به عند استقدامه لمفهوم الصِراط وتشخيصه لمشهد عبور الصِراط. نقرأ:

<<فتوهّم ما حل  من الوجل بفؤادك حين رفعت طرفك فنظرت إليه مضروبا على جهنّم بدقته ودحوضه, وجهنّم تخفق بأمواجها من تحته, فيا له من منظر ما أفظعه وأهوله, وقد علمت أنك راكب فوقه, وأنت تنظر إلى سواد جهنّم من تحته, وتسمع قصيف أمواجها وجلبة ثورانها من أسفلها, والملائكة تنادي: ربّنا من تريد أن تجيزه على هذا, وتنادي: ربّنا ربّنا سلم سلم. فبينا أنت تنظر إليه بفظاعة منظره إذ نودي مروا الساهرة, فلم تشعر إلا وقد رفعت الأرض من تحتك وتحت الخلائق لأن تبدّل, ثم بدّلت بأرض من فضّة, فإذا الخلائق منثورون على أرض من فضّة بيضاء, ثم قيل لك وأنت تنظر إلى الجسر بفظاظته, وقيل للخلق معك: اركبوا الجسر... فتوهّم صعودك بضعفك عليه, وقد نظرت إلى الزالّين والزالاّت من بين يديك ومن خلفك, وقد تنكّست هاماتهم, وارتفعت على الصراط أرجلهم, وأخذت الملائك بلحى الرجال وذوائب النساء الموح دين, إذ الأغلال في أعناقهم, وثارت النار بطلبته وفارت وشهقت على هاماتهم, ورمتهم الملائكة بالكلاليب فجذبتهم, وثارت إليهم النار بطلبتها وحريقها, وزفرت وشهقت على هاماتهم, وبادرت شرر النار إلى هاماتهم فتناولتها ثم جذبت هاماتهم إلى جوفها, وهم ينادون ويصرخون وقد أيسوا من أنفسهم, وهم لاجتذاب النار لهاماتهم فيها ينحدرون وهم بالويل ينادون, وأنت تنظر إليهم مرعوبا خائفا أن تتبعهم, فتزل  قدمك فتهوي من الجسر وتنكسر قامتك وترتفع على الصراط رجلاك.(18)

إن رحلة المحاسبي لا تلغي الواقع ولا تتخطاه, بل تستحضره وتعول عليه في ابتناء تشخيصاتها وصورها. لكنّها تقوم, فيما هي تستقدم منه بعض المدركات, ببعثرتها وإعادة صياغتها وفق نسق يمد  النص  ومشاهده وما يجري فيه من أهوال وأحداث متخيّلة بما يجعلها قابلة للتمثّل والإدراك. ذلك أن التمثّل هو الذي يوقظ في نفس المتلقي شعورين متضادّين. شعور بسلطة العدم وسطوة الفناء وعظمتهما. أما الشعور الثاني فإنه يحفّز الحواس ويعمّق الوعي بالجسد. فما يجري في الجحيم مثلا من إتلاف للجسد, ومشهد الجسد الذي تتوالى الويلات على أعضائه هو الذي يسمح للمتلقي بالت ماهي مع الشبيه والهلع عند تمثّل عذابه. لذلك يتفنّن النص في ذكر العذاب والويل:

<<فتوهّم نفسك وقد طال فيها مكثك وألح  العذاب, فبلغت غاية الكرب, واشتد  بك العطش, فذكرت الشراب في الدنيا, ففزعت إلى الجحيم, فتناولت الإناء من يد الخازن الموكّل بعذابك, فلما أخذته نشبت كفّك فيه, وتفسّخت لحرارته ووهيج حريقه, ثم قرّبته من فيك فشوى وجهك, ثم  تجر عته فسلخ حلقك, ثم وصل إلى جوفك فقطّع أمعاءك, فناديت بالويل والثبور وذكرت شراب الدنيا وبرده ولذ ته. ثم أقلعت عن الحريق, فبادرت إلى حياض الحميم لتبترد منها كما تعوّدت في الدنيا الاغتسال والانغماس في الماء إذا اشتد  عليك الحر , فلما انغمست في الحميم تسلخت من قرنك إلى قدمك, فبادرت إلى النار رجاء أن تكون هي أهون عليك, ثم اشتد  عليك حريق النار فرجعت إلى الحميم وأنت تطوف بينها وبين حميم آن , وهو الذي قد انتهى حرّه, وتطلب الروح فلا روح بين الحميم وبين النار, تطلب الروح فلا روح أبدا.(19)

إن أغلب المشاهد الواردة في رحلة المحاسبي المتوهّمة تشير, ولو إيماء, إلى أننا في حضرة مؤمن ورع يمن ي النفس برؤية أعدائه وأعداء الله, نسل العار وأتباع الشيطان, يصلون نارا وعذابا وويلا. لذلك كثيرا ما تطفح بنزعة سادية تتفنّن في إنجاز ثاراتها. لكن  تلك النزعة ذاتها هي التي تفتح الكتابة على غير الإنساني  في صميم الكائن. وهي التي تمكّن النص  من ابتناء الجميل والمروّع, وتحوّله إلى خطاب مقاوم وفعل جهادي.

إن المحاسبي إمام ورع زاهد.(20) والتوحيدي يعتبره قطبا من أقطاب الصوفيّة.(21) وقد <<عرف بالمحاسبي لكثرة محاسبته نفسه.>>(22) وهذا يعني أنه كان حريصا على تكريس فعل المقاومة في رحلته المتوهّمة هذه. إن رحلة المحاسبي لا تخرج من دائرة الوعظ. لكن الوعظ هنا يتوسّل مقاصده بواسطة التخييل والحكي, وبواسطة السفر من المرئي إلى اللامرئي. والسفر إنما يتم  انطلاقا من الغياب ووصولا إليه, من فردوس البداية المفقود في الواقع إلى فردوس متوهّم مستعاد في النص  على سبيل التوهم ومن قبيل التخيّل.

 إن رحلة المحاسبي لا تختلف إلا  في الظاهر عن رحلات الرحّالة الذين جابوا البلدان والأمصار. فحركة المسافر واحدة أو تكاد. وطاقة الخيال التي تدير الخطاب واحدة هي الأخرى أو تكاد والكل  يعو لون في إنتاج خطاباتهم على قانون التعجيب بغية القبض على الآسر والفاتن والمهيب الذي يثير الخوف والمتعة.

هكذا هي كتب الرحالة العرب في رأيي. إنها خطاب مقاومة. وهي فعل جهادي بالتمام والكلّية. وسواء كان الرحالة ممن يجوبون البلدان والأمصار بحثا عن الغريب والفريد ودرءا للضجر أو كان من رجال الدين والوعّاظ أو من القصّاص البارعين في حبك الحكايات أو من كتّاب السير فإنه لا يكتب للتسلية بقدر ما ينتج نصه معبّرا عن رغبة في توسيع دائرة المعنى. بالحلم وفي الحلم يتم  ابتناء المعنى. وبالحلم وفي الحلم تتم  عمليّة توسيع دائرة المعنى. وكتب الرحالة العرب تحتوي على العديد من الأحداث والوقائع التي تسمح بتوسيع دائرة الحلم وتخط ي العقل إلى ما وراءه. وبذلك تصبح الرحلة, نتيجة ما تحتوي عليه من إغراب وتعجيب, بمثابة سفر باتجاه الأقاصي والنهايات.

الهوامش

1- رحلة ابن فضلان إلى بلاد الترك والروس والصقالبة, حررها وقدم لها شاكر لعيبي, أبو ظبي/بيروت: دار السويدي للنشر والتوزيع/المؤسسة العربية للدراسات والنشر, 2003, ص 37-42.

2- نفسه, ص 43-44.

3- رحلة ابن فضلان, ص 52-53.

4- رحلة ابن فضلان, ص 89.

5-  نفسه, ص 100-102.

6- رحلة ابن فضلان, ص100-103.

7-  رحلة ابن فضلان, ص 73.

8- رحلة ابن فضلان, ص 62.

9- رحلة ابن فضلان, ص 26.

01 رحلة ابن فضلان, ص 82.

11- الشيخ العلاّمة المحدّث القاضي بدر الدين أبو عبدالله عمر بن عبدالله الشبلي الحنفي, أكام المرجان في عجائب وغرائب الجان, بيروت: المكتبة العصرية, 1988, الباب الثامن: <<في بيان مساكن الجن>>, ص 36>>. يكتب:  (قال أبو محمد) عبدالله بن محمد بن جعفر بن حبان الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ في الجزء الثاني من كتاب <<العظمة>> وذكر بابا في الجن  وخلقهم حدثنا محمد بن أحمد بن معدان حدثنا ابراهيم الجوهري حدثنا عبدالله بن كثير حدثنا كثير ابن عبدالله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جدّه عن بلال بن الحارث قال: نزلنا مع رسول الله في بعض أسفاره فخرج لحاجته وكان إذا خرج لحاجته يبعد فأتيته بأداوة من ماء فانطلق فسمعت عنده خصومة رجال ولغطا ما سمعت أحد  من ألسنتهم. قال: اختصم الجن  المسلمون والجن  المشركون فسألوني أن أسكنهم فأسكنت الجن  المسلمين الجلس وأسكنت الجن  المشركين الغور. قال الراوي عبدالله بن كثير قلت لكثير: ما الجلس وما الغور? قال: الجلس القرى والجبال, والغور ما بين الجبال والبحار>>. فإذا كان الجان المشركون يقيمون في البرّية هكذا, فكم بالحري  إبليس نفسه. ويعب ر الوزير السراج عن هذا التصوّر في الحلل السندسي ة في الأخبار التونسيّة فيكتب في معرض حديثه عن الشيخ إبراهيم الجمني الذي توفي سنة 1134/1722: <<ومن عجيب ما حدّثني به بعض الطلبة أن الشيخ الفاضل الجلي , العالم, المكاشف, الولي , سيدي أبا الحسن علي الفرجاني, وكان تلميذ الشيخ إبراهيم الجمني قال: إن شيخنا إبراهيم تتلمذ له علماء الجان فكان رحمه الله ي قرئ الفريقين>>. الجزء الثالث, ص3/302. وتحفل المتون القديمة بحكايات عن الشياطين والجان وانتسابهم إلى أعراق وأجناس مثل البشر بالضبط فمنهم العربي  ومنهم الهندي . نقرأ مثلا: <<ومر  أبو علقمة ببعض الطرق فهاجت به مرة فوثب عليه قوم فأقبلوا يعض ون إبهامه ويؤذنون في أذنه. فأفلت من أيديهم وقال: ما لكم تتكأكؤون علي  كما تتكأكؤون على ذي جنة? افرنقعوا عنّي! فقال رجل منهم: دعوه فإن شيطانه هندي  يتكلّم بالهنديّة>>. انظر الشيخ إبراهيم بن محمد البيهقي, المساوئ والمحاسن, قدّم له وحقّقه الشيخ محمد سويد, بيروت: دار إحياء العلوم, 1988, ص494.

12- رحلة ابن فضلان, ص 85.

13- المحاسبي, كتاب التوهم, القاهرة: مكتبة دار التراث, طبعة جديدة مزيّدة, (د.ت), ص11-12.

14- المحاسبي, كتاب التوهم, ص13.

15- نفسه, ص15-16.

16- المحاسبي, كتاب التوهم, ص17.

17-  المحاسبي, كتاب التوهم, ص16-17.

18- نفسه, ص35-37.

19- المحاسبي, كتاب التوهم, ص38-39.

20- يقول عنه الغزالي في إحياء علوم الدين: <<المحاسبي خير الأمّة في علم المعاملة, وله السبق على جميع الباحثين عن عيوب النفس, وآفات الأعمال>>.  إحياء علوم الدين, الورّاق: موقع المجمع الثقافي (أبو ظبي) على الإنترنت.

21- يذكر التوحيدي أنه حين حدّث الوزير عن الصوفيّة وأخبارهم تعجب الوزير من أمرهم وقال له: <<كنت أرى أن الصوفيّة لا يرجعون إلى ركن من العلم, ونصيب من الحكمة, وأنهم إنما يهذون بما لا يعلمون, وأن بناء أمرهم على اللعب واللهو والمجون>>. فقال له التوحيدي مصححا: <<لو جمع كلام أئمتهم وأعلامهم لزاد على عشرة آلاف ورقة عمّن نقف عليه في هذه البقاع المتقاربة, سوى ما عند قوم آخرين لا نسمع بهم, ولا يبلغنا خبرهم. فقال الوزير: <<فاذكر لي جماعة منهم. فقلت: الجنيد بن محمد الصوفي البغدادي العالم, والحارث بن أسد المحاسبي, ورويم, وأبو سعيد الخرّاز, وعمرو بن عثمان المكي, وأبو يزيد البسطامي, والفتح الموصلي.>> التوحيدي, كتاب الإمتاع والمؤانسة, صححه وضبطه وشرح غريبه أحمد أمين وأحمد الزين, بيروت: المكتبة العصرية، 1953، ج3، ص97.


تصميم الحاسب الشامل