|
|||||
|
ظهرت قصص الرؤيا في العراق بين عامي 1909- 1912(1), متخذة الاحلام (الرؤيا في المنام) أساسا في بنيتها, وقد كان الدافع الأساس لهذه الرؤى إحساس كتابها بتخلف مجتمعهم نسبة الى ما يشاهدونه من تطور كبير في المجتمعات الغربية وفي مختلف مجالات الحياة, كما انهم وعوا أسباب هذا التخلف, بالاقتران مع وجود المحتل الاجنبي: العثمانيين, ثم الانجليز اثناء الحرب العالمية الاولى وبعدها. وكان أهم هدف لهذا النوع من الكتابات الأدبية هو تنوير المجتمع وتثويره باتجاهات مغايرة للاحتلال. أما سبب استخدامهم الرؤيا بالذات في الكتابة القصصية; فيعود الى اعتقاد مترسخ في الذاكرة الجمعية الشعبية بأهمية الرؤيا في كشف المجهول والتنبؤ بالمستقبل(2), وايضا باعتبارها وسيلة للتخفي من بطش القوى المتحكمة بواقع المجتمع آنذاك(3), فهي إذن تقنية, تستخدم الخيال المقنن, ومفارقة الواقع المعيش لإنشاء واقع الرؤيا البديل الذي تكون فيه العلاقات بين الناس حميمة لا تناقض فيها ولا تحكمها الأنانية وحب الذات. وفي معظم قصص الرؤيا التي نشرت بداية القرن العشرين, تكون بداياتها من الواقع المعيش, بوصف حالة السارد- الذي يتحدث بضمير الأنا غالبا- مشيرا الى واقعه بأشكال مختلفة: كتحديد زمن الرؤيا بيوم أو شهر معين أو فصل من فصول السنة, وأيضا بالإشارة الى مجموعة من الشواخص الدالة على المكان (أبنية, حدائق, نهر..) بعد ذلك يدخل السارد الرؤيا بتصريح واضح دال على هذا الدخول: (بينما كنت مضطجعا على فراشي أردد في فكري محاسن صنع الله تبارك وتعالى (...) إذ اخذتني سنة الكرى فرأيت في منامي...) (4) أو (في ليلة الحادي والعشرين من رمضاننا المبارك بعدما صلينا التراويح وتوسدت الوسادة رأيت رؤيا تميل لبهجتها الجلاميد..).(5) ويستثمر القاص في هذه الرؤى تقنيات الحلم- بشكل جنيني- حين يلتقي ساردها مجموعة من شخوص خياليين او ممن وردت أسماؤهم في سجلات التاريخ, كما انه يتحرر من أسر المكان الواقعي ويسيح في أمكنة خيالية او تاريخية, ثم يعود الى عالمه الواقعي بعد نهاية الرحلة/ الحلم, ويمكن توصيف بنية الرؤيا بالنقاط التالية: 1 - السارد فيها يمتلك حرية التنقل في مكان الرؤيا (فيرى) عالما عجائبيا كالقصور الجميلة والحدائق الغناء والانهار الصافية والثمار من مختلف الأصناف, وفي بعضها يرى الصفات والمثل وقد تجسدت بأشخاص يمتلكون صفات جليلة وتصرفات مثالية (لاحظ رؤيا العربية, وسياحة في النوم). 2 - يلتقي ساردها بشخوص يساعدونه في تحقق الرؤيا واكتمالها كأدلاء او محاورين, وبالشكل الذي يهدف الى إصلاح او إشاعة فكرة إنسانية يعمل الكاتب على ترويجها والدعوة لها. 3 - في معظم قصص الرؤيا تتداخل الأزمان او تتوقف عن فعلها في الناس, وبذلك يحقق السارد لقاءات مختلفة مع شخوص عاشت في أزمان غابرة, ويتحدث معها, فينطقون بلغاتهم التي عرفوا بها: الحكيم بلغة الحكمة والفيلسوف بلغة الفلسفة ورجل الدين باللغة الدينية, والشيخ بلغة التجربة والمعرفة الطويلة, وبذلك يتحقق في هذه الرؤى مفهوم تعدد اللغات وبالشكل الذي وصفناه في مكان آخر من دراستنا وأطلقنا عليه تعدد الصوت السارد(6), ولكن بصور جنينية, بسيطة في هذه الرؤى. وهي تقنية محاكاة يتقنع فيها المؤلف الضمني بأصوات مختلفة ثم يعود الى شخصيته. 4 - حين يتحقق الحلم/ الرؤيا, يعود السارد الى واقعه, وهو يؤكد ان ما رآه كان حلما وليس واقعا, وهي تقنية استخدمها بعض الفلاسفة المسلمين الذين كتبوا قصصا رمزية توضح مفاهيمهم الفلسفية والدينية.(7) لقد نشرت هذه الاعمال الادبية تحت مصطلح (الرؤيا) ولم يشر كتابها الى علاقتها بفن القصة القصيرة, باستثناء القاص عطاء أمين الذي وضع هامشا في نهاية رؤياه (كيف يرتقي العراق? رؤيا صادقة) قال فيه: (كل ما في هذه القصة من الأخبار والاوصاف والصلوات حقيقة لا دخل فيها للخيال...) (8). وبذلك قرن رؤياه بفن القصة. وفي مجال النقد استخدم الناقد عبدالاله احمد مصطلح (قصص الرؤيا) للاشارة الى هذا النمط من الكتابة الأدبية, التي كان له الفضل في التعريف بها ونشر مجموعة منها في كتابه (نشأة القصة وتطورها في العراق). وعلى الرغم من ان الناقد عبدالاله احمد لم يضع توصيفا نظريا لهذا المصطلح او يصرح باشتقاقه وتحديد تعريف له, إلا انه كان أول ناقد عراقي يقرن هذا النتاج بفن القصة القصيرة, وقد اشار الى ذلك في أماكن مختلفة من كتابه المذكور (لاحظ الصفحتين 48, 49 بالتخصيص), كما انه اشار بشكل جلي الى ريادة القاص عطاء أمين لهذا النتاج الأدبي, وانه (اول من يرى في الرؤيا انها عمل قصصي) مما يعني انه كان يتعامل مع هذا المصطلح بوعي وادراك. وبعد صدور كتاب نشأة القصة وتطورها في العراق, اصبح هذا المصطلح شائعا يستخدمه النقاد للاشارة الى هذا النتاج الذي يرويه كاتبه (على لسان بطل حالم, لنقد الواقع المتخلف للوطن المحتل, وللتعبير عن صورة المستقبل التي يراها القاص ويرجوها...). (9) ولقد درجت الكتابات النقدية التي تناولت هذه القصص على توصيفها بأنها من القصص البدائية وانها (اقتربت من القصة مع مضي الزمن).(10) نستثني من ذلك الناقد ياسين النصير الذي وضع لها مواصفات خاصة, واقترح قراءتها قراءة خاصة لأنها (ليست بالمقامات ولا بالقصص الحديثة, وانما هي نمط له فنيته وخصائصه ومميزاته....).(11) وقصص الرؤيا هذه تمثل خطابا قصصيا خياليا, يبدأ من الواقع المعيش, ويتوغل في انشاء مرافق خيالية للمدينة او شاخص في مدينة ما بغرض التعبير عن وجهة نظر الكاتب إزاء مجتمعه المتخلف, وتعتمد هذه الرؤى على السياحة في النوم كتقنية تجنب كتابها المساءلة من قبل الحاكمين.. وهي غالبا ما تظهر في الازمات الاجتماعية والانعطافات السياسية (حرب, احتلال, اضطهاد...) الأمر الذي يجعل محاكاة الواقع المعيش ووصفه حاملا للمخاطر على حياة الكاتب وقلمه. وفي منتصف الستينيات من القرن العشرين, ظهر اتجاه في القصة العراقية القصيرة يوظف الاحلام, واحلام اليقظة والكوابيس لإنشاء عالم فنتازي, تحكمه الكوابيس والرؤى الخانقة, باستثمار واضح لمنجزات علم النفس التحليلي على وفق مفاهيم سيجموند فرويد وكشوفاته المختلفة لعالم اللاشعور... وقد درس الدكتور صالح هويدي نماذج من هذه القصص مع قصص أخرى كتبت بفترات لاحقة في كتابه الموسوم (بنية ووظيفة الرؤيا في القصة العراقية).(12) وقد لاحظ ان بعضا من هذه القصص وبالتخصيص تلك التي كتبت في منتصف الستينيات قد التقت (مع عالم الحلم <<الرؤيا>> في آليته وطبيعة تقنيته المتسمة بالغرائبية والتهويش والغموض وتداخل الأمكنة وامتزاج الأزمنة والهلوسة ومواجهات الحالم المخلوقات الغريبة).(13) كما لاحظ في دراسته ان هذا النوع من القصص قد امتد الى ما بعد منتصف الثمانينيات حيث وظف الواقع بصورة حلم وبالعكس. وفي مجال تقييمه للقصة الستينية اكد ان هذه القصص تمثل (مرحلة النضج الفني في حياة الفن القصصي العراقي الحديث (وهي المرحلة) الاكثر تمثيلا لهذا التنوع في استخدام الرؤيا والبحث عن ألوان من التوظيف الفني لم تشهدها القصة العراقية في المراحل السابقة عليها, فضلا عن كونها المنطلق الواضح لكثير من محاولات التطوير والبناء القصصي في المراحل اللاحقة لها...).(14) وعلى الرغم من ان كتاب الدكتور هويدي قد حفل بتطبيقات نقدية على مجموعة من القصص, التي تستثمر الرؤيا اساسا فنيا في بنيتها, إلا ان جهده هذا لم يثمر بتثبيت مصطلح لتوصيف هذا النوع من القصص, كما انه تجنب استخدام مصطلح <<قصة الرؤيا>> ليوصف القصص التي درسها.. مع انه استخدم هذا المصطلح للاشارة الى القصص التي نشرت في بدايات القرن العشرين, ملاحظا ان الرؤيا في هذه القصص قد جاءت كوسيلة للنقد الاجتماعي (لا بنية فنية تنبثق من طبيعة المعمار الفني, وتستمد وجودها ودلالاتها من واقع بنية النص..) (15). وعلى وفق استنتاجات الدكتور هويدي ينبغي ان تكون القصص التي درسها هي المؤهلة بمصطلح <<قصة الرؤيا>> بسبب ذلك التلازم بين الجزء الاول من هذا المصطلح <<قصة>> وجزئه الثاني <<رؤيا>>. اما الحذر من استخدام هذا المصطلح لأنه استخدم أصلا للتأشير الى ظاهرة فنية محددة في تاريخ القصة العراقية, فهو حذر لا مبرر له, خصوصا وان معظم المصطلحات الأدبية تطلق في البداية على انجاز أدبي في طور التكوين, ثم يترسخ هذا المصطلح وتتسع حدوده لتشمل انجازات أدبية لاحقة تحمل تطورا وفنية في مقوماتها.. ونضرب لذلك مثلا: مصطلح <<الواقعية>> الذي اطلق بداية على أنواع بسيطة من القصص والروايات, ولكنه اتسع بعد ذلك ليضم نتاجات قصصية وروائية عالمية وعربية ومحلية ظهرت ونضجت في أزمان مختلفة, وقد أضيف الى هذا المصطلح توصيف بسيط ليؤشر على النتاج الجديد مثل <<الواقعية الجديدة, الحديثة, المعاصرة ... الخ>>. لقد تجنب الدكتور صالح هويدي استخدام هذا المصطلح دون أن يشير الى سبب ذلك مكتفيا بملاحظة وظيفة الرؤيا في القصص التي درسها, ونحن نلاحظ ان قصص الستينيات والقصص الاخرى التي وردت في كتاب الدكتور صالح هويدي, لم تكن امتدادا لقصص الرؤيا العراقية التي اشرنا اليها.. بل انها نمط من القصص كانت قد تأثرت بشكل واضح بالنتاج الغربي والعربي الذي ظهر منتصف الستينيات وبعلاقة مباشرة مع صعود المفاهيم والمصطلحات الفلسفية والأدبية التي كرست خصوصية الذات, باعتبارها مركزا للعالم, متأثرة بالأفكار الوجودية والعبثية التي كانت احدى سمات النتاج الأدبي في تلك الفترة.. ولذا فان بنية هذه القصص قد تركزت على شخصية رئيسة تعيش واقعا كابوسيا, تحكمه وقائع ضاغطة وقوى شريرة متسلطة, وهي بذلك تكرس عالما من المخاوف والخسائر بدلا من تأسيس عالم بديل تزول فيه هذه المخاوف والضغوط, وينفتح على تأويل متفائل عن الحياة كما ورد في قصص الرؤيا في بدايات القرن العشرين. أما الفترة الجديدة التي ظهرت فيها قصص رؤيوية من نوع جديد, فتتحدد بعد نهاية الحرب العراقية- الايرانية (1988) حيث نشرت مجلة الأقلام العراقية عددا من القصص اهتمت بانشاء مدينة حلمية تأسست على عتبة الواقع المعيش ونأت عنه الى مدن خيالية او تاريخية ضاربة في القدم. وهذه القصص تستخدم تقنيات الحلم أيضا دون الاشارة اليه, وتتمثل بشكل واضح الى الخيال الموظف وسوف نكرس الصفحات القادمة لتوصيف أبنيتها وانجازاتها الشكلية والدلالية معتمدين مصطلح <<قصة الرؤيا>> لتوصيف هذا النمط من القصص لأنها تتبنى آليات تحقق الحلم/ الرؤيا كما ورد بشكله البسيط في قصص الرؤيا المنشورة في بدايات القرن العشرين دون التأثر بها, لأن هذا النوع من القصص قد تخطى الواقع الحالي للقصة العراقية القصيرة ووضعها في مفترق طرق منذ نهاية الثمانينيات بما حققته من تقنيات واشكال جديدة غير مألوفة أثرت على النتاجات القصصية اللاحقة لها سواء بشكلها القصير او بشكلها الروائي. ان استخدامنا مصطلح <<قصة الرؤيا>> لتوصيف هذا الاتجاه الفني الجديد في الكتابة القصصية له ما يبرره فنيا واجرائيا, فمن الناحية الشكلية تبنى معظم هذه القصص بناء خياليا وتكاد ان تقطع صلتها بالواقع المعيش, وهي في منحاها الخيالي هذا تطمح الى تأسيس واقع مفترض تحكمه قوانين وأعراف فنية, كما ان البناء نفسه يحتكم الى تقنية الحلم, ذلك لأن (هدف قصاص الرؤيا ليس توفير أدلة اقناع بحدوث وقائع وسرد حياة شخصيات وانما هو اثبات حقيقة تشكل صورة مرئية من قرائن لا مرئية, بمنظورات البصر الطبيعي...) (16), كما يؤكد القاص محمد خضير وهو يعرض أسبابا لظهور هذا النوع من القصص في العالم يتحدد بأن انشاء عالم جديد وشجاع في الواقع (سيبقى حلما نائيا على أرض الواقع التاريخي, مجتمع خال من الاضطهاد والاستغلال...) وبذلك (يكتسب السفر العقلي الى مدينة الرؤيا أسبقية شرعية على الاقامة الواقعية الأرضية بين حدود وقيم مؤسسات لم تتزحزح إلا قليلا نسبة الى عمر الإنسان الطويل على الأرض...) ثم يضيف (وبسبب هذا التفاوت في سرعة التصور ينأى المثال اليوتوبي عن قرينه الواقعي التاريخي, مكتفيا بوجوده <<رؤيا>> أو <<فكرة>> لم يحن وقت تطبيقها...).(17) ان مصطلح <<قصة الرؤيا>> يبدو ملائما لتوصيف هذا النوع من القصص لأنها تعمل أساسا على اشاعة مفاهيمها عبر نسيج خيالي أساسه (السفر الزماني الحر الى أقاصي الحلم البشري بحثا عن السعادة والتطور), (18) وبهذا المعنى تلتحق قصص الرؤيا العراقية بمثيلاتها من القصص العربية والعالمية, عبر أشكال وبناءات اسلوبية وهيكلية خاصة بها توظف الموروث العراقي القديم والاسلامي. نشرت مجلة الاقلام العراقية في عددها الصادر بعد نهاية الحرب العراقية- الايرانية (العدد 11- 12 السنة 23 1988) 34 قصة عراقية قصيرة, اشترك في كتابتها معظم القصاصين العراقيين ممن دأبوا على تثبيت أسمائهم في خارطة القصة العراقية والعربية, ومن أجيال مختلفة. وقد حفلت تلك القصص باتجاهات المغايرة وتحطيم واضح للأطر التقليدية في السرد القصصي القصير, مما يستدعي إفراد بحث مستفيض بهذا العدد ي عنى بابراز الانجازات الشكلية التي حفلت بها قصص ذلك العدد اضافة الى دلالاتها المختلفة. وقد لفت انتباهي فيه ان عددا محدودا من هذه القصص قد اتخذ شكل <<قصة الرؤيا>>, وبميل واضح لتأسيس مدينة حلمية على عتبة مدينة الواقع المعيش اتخذت لها أسماء مختلفة: بصرياثا, ارانجا (الاسم القديم لكركوك), بابل, مملكة بيزنطة, ودومة الجندل, وقد اصبحت هذه القصص نواة لمجاميع قصصية (19) استجابت في معظمها الى نزوع يعنى بتحطيم الأطر التقليدية على وفق النظام الذي اتخذته قصة (رؤيا البرج) للقاص محمد خضير المنشورة في نفس العدد من مجلة الاقلام. ولقد اخترنا الاشارة الى هذه القصص في هذا المدخل لأنها أكثر القصص قربا مما درسناه واستنتجناه في دراستنا التطبيقية على مجموعة <<رؤيا خريف>> للقاص محمد خضير.(20) فهي تشترك مع هذه المجموعة في انجاز الشكل الجديد لقصة الرؤيا في تفاصيل شكلية واسلوبية متعددة كبناء السارد وبنية مكان وزمان الرؤيا, وهذا ما سنشير اليه بشكل عام في هذه النصوص القصصية مع حرصنا على عدم مصادرة انجازاتها التي تحتاج الى بحوث مستقلة انجز بعضها نقاد عراقيون سنشير اليهم, وبقي الجزء الكبير من ذلك قيد البحث والتنقيب. أما اشارتنا هذه فتتعلق أصلا بهاجس التجديد في هذه النصوص القصصية الذي ظهر فجأة ودون سابق تصميم او اتفاق بين كتابها الأمر الذي يدل على ان هذا الانجاز كان ضرورة فنية وهاجسا أصيلا لنزعة التجديد في القصة العراقية القصيرة. وقد اتضح ذلك في مواصلة هذا النهج من قبل هؤلاء القصاصين في المجاميع التي أصدروها بعد كتابة هذه القصص ونشرها بزمن طويل نسبيا. لقد أثارت قصة <<رؤيا البرج>> ومنذ ذلك الوقت المبكر- كانون الأول (يناير) 1988- تساؤلات ونقاشات خصبة في الوسط الأدبي العراقي, تتعلق معظمها بالجنس الأدبي وفي مدى احتمال جنس القصة القصيرة للتوظيفات واللغات المختلفة, التي حفلت بها تلك القصة, الأمر الذي وضعها في مقدمة القصص العراقية التي تميزت بالجرأة في تجريب شكل جديد لم تعهده القصة العراقية في الأقل, نقلت القصة من قصة واقعية بليغة الى قصة <<رؤيا>> تستفيد من التأمل الذهني, ومن التناصات مع الموروث الحكائي المجسد في البناءات الشهيرة التي شهدتها عصور عراقية ضاربة في القدم او من موروثنا اللغوي: الملحمي القديم والصوفي والفلسفي العربي الاسلامي. ومن أجل فحص ودراسة قصة <<رؤيا البرج>> والتعرف على بنائها المعقد وتتبع مرجعياتها وتناصاتها المختلفة الهيكلية واللغوية والفلسفية, احتكمنا الى نظام المخطوطة الذي يساعد على كشف الأبنية النصية وعلاقاتها التناصية المختلفة ودلالة ذلك, بافتراض وجود متن <<نواة>> - هي حكاية تأسيس البرج- تحيطه الشروح وشروح الشروح, وفي هذا النظام النقدي الافتراضي يمكننا توصيف نظام الكتابة القصصية في البحث والتنقيب عن مجموعة التناصات والاقتباسات والمحاكاة اللغوية(12) مع موروثنا اللغوي وكذلك البحث عن أشكال التناص مع الموروث الحكائي الرافديني القديم المتمثل ببرج بابل الشهير والمدونة المكتوبة عنه, حيث يكون الوصف فيها كما في القصة من الاسفل الى الأعلى وحيث يتحول الهيكل الى شاخص رمزي كنائي يمجد عظمة الانسانورؤاه التي تخترق حجب الحاضر والمستقبل. ان الاحتكام الى نظام المخطوطة كاجراء نقدي لفحص الخطابات القصصية من نوع قصة رؤيا البرج يمكن ان يصلح أيضا لفحص الخطابات القصصية التي أشرنا اليها. ويؤكد وجهة نظرنا اقتراح الناقد فاضل ثامر لدراسة قصة <<زو- العصفور الصاعقة>> للقاص محمود جنداري (بوصفها مخطوطة او مدونة او صحيفة او رقيما قام المؤلف او راويه وقناعه ببسطه وعرضه وبهذا تتكشف لنا بنية سردية هي بنية <<القصة/ المخطوطة...>> (22). كما ان الناقد عبدالله ابراهيم كان قد اشار أيضا الى مثل هذا الاقتراح في دراسته (توظيف الموروث البابلي في القصة العراقية القصيرة) قرأ فيها قصتي <<رؤيا البرج>> و<<زو- العصفور الصاعقة>> الى جانب قصتين احداهما للقاص جليل القيسي والاخرى للقاصة لطفية الدليمي, واشار الى ان التناص في هذه القصص هو (ضرب من <<التطريس>> الخلاق الذي لا يهدف الى الخداع والسرقة.. واضاف (ان نصا تتضاعف علاقاته بغيره, مع احتفاظه بماهيته الاصلية, تلك الماهية التي تتكون من أغلفة غير متناهية, كل واحد يطمر الآخر تحته, انما هو نص له قدرة الانفتاح على الماضي بالكيفية نفسها التي ينفتح بها على المستقبل..)..(23), وهو اقتراح قريب مما صاغه القاص محمد خضير لنظام المخطوطة في القصة.(24) لقد درس الناقدان فاضل ثامر وعبدالله ابراهيم بعض هذه النصوص التي أشرنا اليها واشادا بانجازاتها باعتبارها تمثل مرحلة جديدة في القصة العراقية القصيرة. فقد عد ها الناقد فاضل ثامر تمثل (ملامح أفق سردي جديد في الكتابة القصصية يلتقي مع تجارب عراقية وعربية منها تجربة القاص محمد خضير وعدد من القصاصين والروائيين العرب أمثال المسعدي وجمال الغيطاني, ورشيد بوجدرة واحمد المديني وغيرهم ويبشر بظهور تجارب ابداعية حداثية تستلهم الكثير من عناصر الموروث والتاريخ (وفق) رؤيا سردية حديثة..) (25). أما الناقد عبدالله ابراهيم الذي اختصت قراءته التي اشرنا اليها بمعظم القصص التي تناولناها هنا فقد احتفى هو الآخر بهذا النوع من الخطابات القصصية وقال (ان القصتين اللتين وقفنا عليهما- يقصد <<رؤيا البرج>> و<<الحكماء الثلاثة>> للقاص محمد خضير- تمثلان اتجاها جديدا في الادب القصصي لهذا الكاتب والأدب القصصي في العراق, وهذا الحكم يمكن ان ينسحب على محمود جنداري بالدرجة الاولى و قصص جليل القيسي بالدرجة الثانية...) (26) اما سبب هذا التمايز (درجة أولى, درجة ثانية) فيعود على وفق وجهة نظر الناقد الى ان قصتي القاصي جليل القيسي (أكثر اخلاصا لقواعد السرد التقليدي من قصص محمود جنداري والى حد ما محمد خضير فهما تلتزمان نسق التتابع في السرد).(27) وملاحظة الناقد هذه غير دقيقة لأن مقارنته كانت مع قصص محمد خضير التي تستجيب لقواعد السرد التقليدي كما اشار هو في حين يتفرد القاص محمود جنداري دون غيره بالمغايرة الكلية مع السرد التقليدي ورأينا هذا يتفق مع معظم الكتابات النقدية عن هذا الكاتب. اما بالنسبة للقاص جليل القيسي فنحن نرى انه دأب منذ نهاية الثمانينيات الى استثمار قواعد السرد التقليدي في بناء قصة <<الرؤيا>> التي تعتمد على توظيف مدروس للموروث الحكائي والهيكلي لوادي الرافدين, حيث تظهر في قصصه المدن والشواخص والهياكل المعروفة وشخصيات الآلهة في تاريخ العراق القديم, وهو بهذا السرد التتابعي يعمل على اضفاء قدر من الصدق على بناءاته الخيالية, التي تستفيد من دروس التاريخ, فيظهر المؤلف باسمه الشخصي وقد التقى بمجموعة من الآلهة والبشر من عصور ضاربة في القدم, يتحدثون ويمارسون شتى طقوس الألفة والمحبة, وبذلك ينشئ القاص مشهدا قصصيا جديدا تتغير فيه عناصر القصة كالشخوص والأمكنة والازمنة تغيرا جذريا مع الحفاظ على قواعد السرد التتابعي التي تعمل على اضفاء صفة الصدق والمعقولية على هذه البناءات المتخيلة. ان اختيارنا لقصص القصاصين محمود جنداري, جليل القيسي, جهاد مجيد, ولطفية الدليمي التي أشرنا اليها ونشرت في نفس العدد من مجلة الأقلام العراقية دون غيرها من القصص, يدخل ضمن اهتمامنا بمتابعة القصص التي تنحو الى بناء مدينة الرؤيا في القصة العراقية القصيرة على وجه الحصر, بعد ان اتخذنا من مجموعة <<رؤيا خريف>> القصصية للقاص محمد خضير أنموذجا تطبيقيا عاما ومن قصته <<رؤيا البرج>> أنموذجا تطبيقيا تفصيليا, ولكي نؤكد أيضا ان قصة <<رؤيا البرج>> لا تنفرد بالتقنيات الجديدة والتوظيفات المختلفة التي استنتجناها, بل ان هذه القصص تشترك معها في الكثير من هذه التوظيفات والتقنيات, وسوف نشير الى بعض منها لتوضيح ما ذهبنا اليه. بداية نلاحظ ان معظم هذه القصص لا تقطع صلتها بالواقع المعيش, بل تبدأ منه بتوظيف اسم مدينة او شاخص او نهر, أو بالاشارات المختلفة المبثوثة في تفاصيل القصة, بعد ذلك ينحرف السرد باتجاه تأسيس مدينة رؤيوية على انقاض مدينة الواقع, ويكون هذا التأسيس تفصيليا في قصتي <<رؤيا البرج>> و<<مملكة الانعكاسات الضوئية>>.(28) حيث يتم في الاولى اكمال بناء البرج ومرافق المدينة الاخرى, وفي الثانية يجري وصف دقيق لاحتفالات الايكيتو السنوية في بابل, بإحياء مواطنيها وآلهتها, وتكتمل هاتان القصتان بمجموعة المشاهد او البناءات المختلفة في القصص التي نشرت في مجموعتي <<رؤيا خريف>> للقاص محمد خضير و<<مملكة الانعكاسات الضوئية>> للقاص جليل القيسي.. اما في قصة <<دومة الجندل>> للقاص جهاد مجيد فيجري بعث الحياة في هذه المدينة العجيبة, التي عانى مواطنوها أنواعا من العسف والتنكيل قبل ان يتأسس فيها نظام من العدل والانصاف, وتكتمل صورة <<دومة الجندل>> بالقصص المنشورة في مجلة الأقلام, وفيها تتضح تفاصيل العسف والتنكيل ونزيف الدم التي فرضها حكامها على مواطنيها.(29) وفي قصة <<زو- العصفور الصاعقة>> للقاص محمود جنداري, تبدو حوادث التاريخ وظهور المدن كأحداث اعتباطية لا يحكمها منطق او قانون, فالعصور تتداخل مع بعضها والتاريخ محض حوادث لا معنى لها, وفي نهاية القصة تظهر مدينة (ارابخا) لوحا من ألواح الحكمة يتألق في منقار الآلهة زو.. (نهض مذعورا , فوجد الآلهة تنظر إليه من خصاص القصب وتذك ر ان الألواح والنواقيس المقدسة, ما تزال خلف أسوار اوروك, بينما انقض الآلهة زو واختطف لوح أرابخا وطار به نشوان من جبل الى جبل.. القصة ص79).(30) وفي قصة <<موسيقى صوفية>> للقاصة لطفية الدليمي, تعمل سامية النعمان على تقويض مملكة بيزنطة, مملكة الرجل في رحلة معاكسة الى الواقع المعيش لتأسيس مدينة الأنثى التي تطمح للتخلص من عبودية الرجل. ان تأسيس المدينة الرؤيوية أو تقويضها يرتبط بجملة من التغييرات الاسلوبية والشكلية في اللغة القصصية وبنية مكان وزمان الرؤيا, وبالشكل الذي يلائم هذا البناء ويناسبه, اما أهم هذه الانحرافات في البنية السردية فيتعلق بالسارد ووظيفته في هذه القصص, حيث يبنى هنا بناء خاصا: فهو مفارق للابنية السابقة كالسارد العليم ومجموعة الساردين بالضمائر المختلفة, ويلاحظ في هذا السارد تجسده او امتداده بعدد من الساردين يمثلون صوتا مونولوجيا واحدا, يعمل على اكمال رحلة السارد باتجاه بناء مدينة الرؤيا, حيث يتعمق هذا البناء ويغتني بعدد من اللغات, وبظهور اسماء وشواخص من ازمان مختلفة, وقد لاحظنا امتداد صوت المؤلف الضمني في قصة <<رؤيا البرج>>, في الشبيه او القرين او الصاحب لتجسيد سارد الرؤيا الذي اصطلحنا عليه (السارد الرائي), اما في هذه القصص فنلاحظ ظهوره بذلك التبادل المستمر في حركة الضمائر بالتناوب في السرد بين ضمير وآخر, ويمكن تأشير ذلك في هذه القصص أيضا. في قصة <<مملكة الانعكاسات الضوئية>>, يقوم المؤلف باسمه الصريح بانشاء المشهد الواقعي, وبعد لقائه بالعملاقين - الاله آنكي- إله الفطنة والذكاء والماء العذب, والاله مردوخ- كبير الآلهة, يكتسب قوة تؤهله اختراق الحقب الزمنية نزولا الى ايام بابل (فيرى) المدينة وهي تحتفل بأعياد رأس السنة البابلية- احتفالات الايكيتو- فيلتحق بتلك المواكب الغفيرة التي تغني لبابل في عيدها السنوي, ويشارك مواطني المدينة احتفالاتهم ورقصهم, ثم يدخل في حوارات مع فتيات المدينة وآلهتها, متحدثا عن عالمه الأرضي الذي تحكمه قوانين وأعراف غريبة, نسبة الى ما يراه ويعيش تفاصيله. ان هذا الانحراف في وظيفة السارد, وقدرته على اختراق الحقب والامكنة التي تؤهله للالتحاق ببدايات الحضارة الانسانية, يمثل من وجهة نظرنا انتقالا في وظيفة السارد, بالاتجاه الذي اطلقنا عليه (السارد الرائي) الذي يحتل موقعه في مجموعة القاص جليل القيسي <<مملكة الانعكاسات الضوئية>>, وبالشكل الذي لم تألفه القصة العراقية الواقعية, وهو انجاز متقدم في أدب هذا القاص, الذي استخدم سارد قصصه الوثيقة التاريخية بشكل فني, وتماهى مع شخصيات التاريخ كي تبعث بابل او مدن عراقية اخرى من جديد, فتظهر أمامنا المدن التاريخية وهي تعيش واقعا غرائبيا غير مألوف لنا, تأسس من خلال موقع هذا السارد في القصة. أما السارد في قصة القاص محمود جنداري <<زو- العصفور الصاعقة>> في مجموعته عصر المدن, فهو سارد من نوع خاص يحتل موقعا في السرد يؤهله لإنشاء مشهد يتشكل فيه العالم أمام ناظريه: الأرض والسماء, النور والظلمة (انهمر المطر طيلة اربعين يوما ولم يتوقف, مطر غزير واصل سقوطه في الليل والنهار (...) والليل لا يزال مع النار في رداء واحد, لم يفصل بعد, والعالم على الأغلب فراغات بيضاء, بين الضوء والماء... القصة ص48). وهذا السارد, اذ يرى تكون السماء والأرض والنور والظلمة وانبثاق الفجر لأول مرة, فهو يشارك بنفس الوقت في هذا الخلق: (لبس خفين من جلد خنزير مدهونين بزيت معجون بدم وفحم. وانحدرت خطواته تزيح الأرض من جبل هندرين الى بحر العرب, خطوة خطوة, وعند كل خطوة تنهض مدينة/ وينهض بحر/ رأى سفنا تمخر العباب... القصة ص153). وفي منظور هذا السارد يختلط العجائبي بالواقعي, فهو يرى الآلهة ويشاركهم حياتهم وبنفس الوقت يعيش ضمن عالم مخلوق, فيه الحيوان والنبات والناس, ويتجلى ظهوره بضمائر مختلفة, فهو غائب وحاضر في السرد بالتماهي مع ساردين في مواقع مختلفة وازمان غابرة وحاضرة. والقاص يستفيد من اسطورة العصفور زو, الذي انقذ تراث الانسان العراقي القديم, المتمثل بالألواح والرقم الطينية من الطوفان, ولهذا فان سارده ينظر بعين طائر حيث يحيط بمساحات شاسعة من المكان وأحداث التاريخ, فهو سارد مهيمن, لغته تتناص مع لغة الملحمة, التي تسرد بها الحكاية وتنتظم في كل جسد الخطاب القصصي ضمن مفرداتها. ولا يتوقف التناص مع لغة الملحمة, بل انه يشمل علامات الترقيم, فالقاص يعمد الى استخدام الخط المائل (/) بدلا من علامات الترقيم المألوفة, وهي طريقة مميزة في ترقيم أبيات شعر الملحمة.(31) ان سارد هذه القصة يمثل اشكالية تحتاج الى كثير من الفحص والبحث للتعرف على مظاهر تكونه, وظهوره او اختفائه بين ثنايا السرد الملحمي, وقد لاحظ الناقد فاضل ثامر صعوبة توصيف السارد في هذه القصة حين قال انه (أكثر اشكالية واثارة للبس (...) ويظل العصفور في قصة محمود جنداري, لغزا عسيرا لا يمكن فك شفرته بالاحالة الى وظيفته في ملحمة <<جلجامش>> ) (32). كما انه على وفق وجهة نظر الناقد عواد علي هو (السارد المجهول الذي يضطلع بوظيفة التصوير والمرافقة بضمير الغائب (و) يقف على حافة (حاضر) خاص به مجهول بالنسبة لنا, يشكل نهاية لزمن الأحداث الاصلية وبداية لزمن السرد) (33). وفي مكان آخر يطلق عليه اسم (السارد الخيالي). أما وجهة نظرنا فتتمسك باستنتاجاتنا السابقة التي تؤكد ان هذا النوع من الساردين يدخل ضمن مصطلح (السارد الرائي), فهو (يرينا أفعالا عديدة متزامنة في أماكن مختلفة (شطآن, صحارى, جبال, أوروك, سواحل) كما يشير الناقد عبدالله ابراهيم.(34) أما السارد في قصة <<دومة الجندل>> للقاص جهاد مجيد فهو امتداد لجده (الرائي) الذي (امتلك معارف الأولين والآخرين والذي كان يستخرج اراداته ورغباته تلك بعد نبش الكتب القديمة والجديدة, وهو يكب على مطالعتها عند جذع نخلة في بستان ابيه الكبير).(35) وبذلك استطاع ان (يرى) دومة الجندل: (معمورة مأهولة شامخة, المباني, واسعة الطرق, بيوتها جميلة الطراز, اسواقها مكتظة بناسها, مليئة بالبضائع من كل صنف, يسودها الأمان والاطمئنان والناس فيها انقياء...).(36) والسارد في هذه القصة يقتفي آثار جده الرائي (اخرج كما كان يفعل الى مداخل المدينة, وارابط فيها كما يرابط فيها اياما وليالي).(37) وفي قصة <<دومة الجندل>> يتناوب السرد مجموعة ساردين, ينظم ظهورهم واختفاءهم السارد الحفيد, الذي امتلك الكثير من صفات جده, ومجموعة الساردين في القصة يظهرون ويختفون من خلال سرد الحكايات المروية, التي نسجتها مخيلة السارد الحفيد, الذي اكتسب رؤيا جده وتشبع بأفكاره, وبذلك استطاع ان يرى الازمان وهي تتداخل, عبر أحداث الحكايات الكثيرة والأماكن المتباعدة وهي تتقارب, وبهذا المعنى فان السارد في هذه القصة ينشئ نظاما مجازيا يعتمد الحكايات البليغة اساسا له, وتنحو لغة السرد فيه الى التنوع, فالسارد الرئيسي يسرد الأحداث بضمير الأنا وبلغة مهجنة تتردد فيها لغات مختلفة: كلغة الخبر والحكمة وابيات من الشعر وآيات من القرآن الكريم ومقتبسات من ملحمة جلجامش, وبانشاءات تتناص مع هذه اللغات وتحاكي اسلوب تأليفها. وقصة <<دومة الجندل>> تستفيد من سجلات التاريخ, فيرد في ثناياها اسماء ملوك وفرسان, طغاة وجلادين, وشعراء يظهرون ويختفون عبر حكايات يسرد فيها أنواع العذاب والعنف والتعذيب الذي تعرض له مواطنوها الأبرياء, لتصل بعد ذلك الى نهاية المطاف فتصبح جنة (يسودها الامان والاطمئنان والناس فيها أنقياء, يقيمون الوزن بالقسط ولا يبخسون الميزان, يحدون الحد على الآثمين...).(38) وتبنى قصة <<موسيقى صوفية>> للقاصة لطفية الدليمي على قواعد السرد التقليدي ويهيمن على السرد فيها سارد عليم يسرد الأحداث بمنظور السيدة (سامية النعمان) مرة, وبمنظور زوجها (فخري توركلي) مرة أخرى, ومن خلال هذا التناوب في السرد تتضح وجهتا نظرهما المتقاطعتين والمتناقضتين, فتتكشف على مجموعة من المجازات اللغوية, والاشارات والرموز والايقاعات التي تتحكم بهذا الصراع وتؤججه, باتجاه القطيعة النهائية بين ذات رجل مهموم باعادة انشاء مدينة الأسلاف <<مملكة بيزنطة>> وبين وجهة نظر زوجته سامية النعمان التي تتوق الى الانعتاق من اسر هذه الامبراطورية ورموزها المتحجرة, والانفتاح على عالم الطبيعة والواقع المعيش الذي ترى فيه الحياة والحركة والتجدد. ويلاحظ ان سارد المشهد الاول من القصة- سامية النعمان- يسرد الاحداث بعد ان تقوضت مملكة الرجل بيزنطة, وتحطمت رموزها المتمثلة بالمرايا ذات الاشكال المختلفة, وتماثيل الاباطرة والفلاسفة والمفكرين الذين اسهموا في ميلادها, ولم يبق سوى الذكرى وتلك الموسيقى (موسيقى مستبدة, رتيبة, تغمر البيت مثل مد بحري يرتفع دونما ميقات, لا تؤثر فيه دورة القمر, او انهيال الشهب..).(39) وفي هذا المشهد تهدأ الموسيقى وتتراجع عن استبدادها بعد أحد عشر شهرا من الحداد (الموسيقى خفتت اليوم, وتراجعت, وركد الحزن).(40) حين ايقنت سامية النعمان ان كل ذلك لم يكن وهما, فموت زوجها كان حقيقة, والحرائق التي أتت على كل رموز الاستبداد كانت حقيقة أيضا (وقد بدأت اليوم تلمح اشارات وامضة, لغة نيران كتلك التي تتخاطب بها القبائل البدائية مع قرع الطبول, وعندما ظهرت الاشارات خفتت الموسيقى وغابت).(41), وبذلك يتم انتقال السارد في هذه القصة من سارد عليم يدير السرد على وفق وجهتي نظر المرأة مرة والرجل مرة أخرى, الى سارد (يرى) مظاهر الازمة المستحكمة في عمق الذات الانثوية, بذلك التناقض الانتحاري بين عالمين متناقضين, ويكون هذا الانتقال معززا بقوى غامضة تنتمي الى مظاهر طبيعية, مصحوبة بايقاعات طبول بدائية كي تؤكد هذا الانتماء الانثوي. فالاشارات الوامضة تدنو منها وتطوقها (مثل اسلاك ساخنة, تطوق صدغها وتضرب صدغيها) وظهور الاشارات الوامضة يقترن بانحسار هيمنة الموسيقى الصوفية التي ترمز لسيطرة الرجل وجبروته وظهور حلم المرأة مجسدا في الرجل/ الحلم (تألق وجه رجل- الحلم, رسمت في الصمت المطري صوته ووجدته يحط على يديها مثل طائر الفردوس.. القصة ص115). ان تجلي رجل- الحلم امام ناظري سامية النعمان بفعل هيمنة الاشارات الوامضة, يعني ان القاصة, تعمل على كسر الاطار التقليدي للسارد في هذه القصة واعطائه ملامح خاصة تكون قادرة على رؤية التبدلات الخفية والايقاعات الضاجة في أعماق المرأة المعذبة, ومن ثم العمل على الخلاص من هيمنة الرجل عبر تدمير رموزه المتمثلة أمامها والتي كانت تحيل الى مملكة بيزنطة المتقوضة. ان ظهور وتجلي السارد الجديد الذي اصطلحنا عليه ب-(السارد الرائي) في قصة رؤيا البرج وفي القصص التي اشرنا اليها في هذا المدخل وبمواصفات قريبة مما وجدناه في تلك القصة, يعني ان هذا السارد قد اشغل وظيفة جديدة تعمل على انشاء خطاب قصصي- معرفي جديد, يتداخل فيه الواقعي بالغرائبي, وينحو الى بناء الزمن بناء خاصا يتداخل فيه الحاضر بالماضي والمستقبل, كما يعمد هذا السارد الى اعادة بناء تلك المدن والشواخص المنقرضة لتصبح فراديس متألقة بالاستفادة من سجلات التاريخ, وبميل واضح الى تهجين اللغة عند كل منعطف يرويه راو موكول بإكمال سرد هذه الرؤيا بما أسميناه تعدد الصوت السارد وبأسلوب المونتاج الكتابي في قصص <<رؤيا البرج>> و <<زو- العصفور الصاعقة>> و<<دومة الجندل>>, في حين يستعاض عن هذا الاسلوب بالمشاهد الوصفية الآخاذة للكرنفالات والحوارات الدالة في قصة <<مملكة الانعكاسات الضوئية>> وبالرموز والكنايات والاشكال والصور الموحية في قصة <<موسيقى صوفية>>. لقد دأب القاص العراقي منذ نشأة القصة العراقية ولغاية اليوم على التجريب والتجديد في اشكاله الفنية, بالعلاقة مع الانعطافات المهمة في الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية. وقد لاحظ معظم الباحثين والنقاد هذه النزعة واشادوا بها, ومن أهم الانعطافات في السرد القصصي القصير ما سمي وقتها بالقصة الواقعية الخمسينية, التي استثمرت واستوعبت تقنيات جديدة من حقل علم النفس باستثمار (اللاشعور) وتوظيفه في القصة تحت مصطلح تيار الوعي, وفي منتصف الستينيات, دخلت القصة القصيرة حقل التجريب والتجديد في أشكالها, بالاستفادة من الأحلام والكوابيس والحقول الفنية المجاورة كالرسم والسينما, وقد اثر ذلك في مسيرة السرد القصصي القصير, ووضع القصة القصيرة على عتبة التجديد والتجاوز كنزعة اصيلة فيها. ومن أهم الانعطافات التجريبية في السرد القصصي القصير هذه الانعطافة التي اطلقنا عليها مصطلح <<قصص الرؤيا>> وتناولناها في هذا المدخل باختصار وتكثيف. وهذه الانعطافة - خصوصا في شكلها الأخير- الذي تمثل بمجموعات قصصية أشرنا اليها وبتجارب قصصية نشرت في بداية التسعينات قد أسهمت في إغناء الشكل ونقلته نقلة نوعية, من قصة تحاكي الواقع وتحاور امكاناته, الى قصة <<رؤيا>> تتسع وتستوعب اشكال التناص المختلفة مع لغات أدبية وغير أدبية, واستثمار امكانات التقطيع والمنتجة والكولاج, لإنشاء خطاب فني- معرفي يعمل على توسيع امكانات القصة القصيرة, ويمدها بنسغ يطورها وينوع مادتها وشكلها. الهوامش 1 - انظر كتاب <<نشأة القصة العراقية وتطورها في العراق 1908- 1939>>- عبدالاله احمد- مطبعة شفيق- بغداد- 1969- الباب الاول- المحاولات البدائية. 2 - نشأة القصة العراقية- مصدر سابق- ص37- 38. 3 - المصدر نفسه- ص37- 38. 4 - المصدر نفسه- رؤيا سياحة في النوم- ص336. 5 - المصدر نفسه- رؤيا العربية- ص327. 6 - انظر: مخطوطة البرج- مجلة الموقف الثقافي العراقية- العدد27- ايار (مايو)/ حزيران (يونيو)- ص73. 7 - انظر: مخطوطة البرج- مجلة الموقف الثقافي العراقية- المصدر السابق- ص74. 8 - نشأة القصة العراقية- مصدر سابق- هامش ص345. 9 - بنية الرؤيا ووظيفتها في القصة العراقية القصيرة- د. صالح هويدي- الموسوعة الصغيرة- وزارة الثقافة والاعلام- دار الشؤون الثقافية العامة- 1993- ص21- 22. 10 - نشأة القصة العراقية- مصدر سابق- ص55. 11 - القاص والواقع - ياسين النصير- منشورات وزارة الاعلام- الجمهورية العراقية- سلسلة الكتب الحديثة- 1975- ص18. وانظر: ص17 من الكتاب وفيها توصيف لخصائص ومميزات قصص الرؤيا في العراق. 12 - بنية الرؤيا - مصدر سابق- ص24. 13 - بنية الرؤيا- مصدر سابق- ص25. 14 - بنية الرؤيا - مصدر سابق – ص24. 15 - بنية الرؤيا - مصدر سابق – ص23. الحكاية الجديدة- مصدر سابق – ص72. 16 - الحكاية الجديدة, نقد أدبي- محمد خضير- مؤسسة عبدالحميد شومان- دار أزمنة للنشر والتوزيع- عمّان- 1995- ص72. 17 - الحكاية الجديدة- مصدر سابق- ص72. 18 - الحكاية الجديدة- مصدر سابق- ص82. 19 - القصص التي نعنيها هي: رؤيا البرج للقاص محمد خضير وقد اصبحت نواة لمجموعته القصصية <<رؤيا خريف>> وقصة <<زو- العصفور الصاعقة>> للقاص محمود جنداري وهي بؤرة مجموعته القصصية <<عصر المدن>> وقصة <<مملكة الانعكاسات الضوئية>> للقاص جليل القيسي وقد صدرت مجموعة للقاص باسم هذه القصة في حين لم ينشر القاص جهاد مجيد مجموعة تضم قصته <<دومة الجندل>>, ولكنه نشر قصصا متفرقة في مجلة الاقلام كانت <<دومة الجندل>> بؤرتها المكانية وسنشير اليها لاحقا, اما قصة القاصة لطفية الدليمي <<موسيقى صوفية>> فقد انتضمت في مجموعة باسمها. 20 - بناء مدينة الرؤيا- جميل الشبيبي- مجلة نزوى- العدد العشرون- اكتوبر 1999. 21 - نلاحظ ان التناقص في معظم هذه القصص باستثناء قصتي (جليل القيسي ولطفية الدليمي) يأخذ شكل المحاكاة في صياغة اللغة القصصية, لتكوين لغة مشابهة لهذه اللغات في مفرداتها وصياغاتها المعروفة. 22 - مجلة الأديب المعاصر - العدد 34- صيف 1994- بنية الواقعي والملحمي في السرد القصصي- فاضل ثامر- ص10. 23 - مجلة الاديب المعاصر- العدد 45- صيف 1993- توظيف الموروث البابلي في القصة العراقية القصيرة- عبدالله ابراهيم- ص28. 24 - يعرف القاص محمد خضير نظام المخطوطة بانه (مظهر من مظاهر الصراع غير المرئي للحيازة الخاصة (...) وفي هذا التسلسل يتعاقب المؤلفون, فيطمس الأخير منهم أثر السابق له حتى تضيع خطواتهم في بحار هوامشهم)- الحكاية الجديدة- مصدر سابق, ص52. 25 - مجلة الاديب المعاصر- العدد 34- مصدر سابق- ص10. 26 - مجلة الأديب المعاصر- العدد54- مصدر سابق- ص43. 27 - المصدر نفسه- ص43. 28 - مملكة الانعكاسات الضوئية- مجموعة قصصية- جليل القيسي- دار الشؤون الثقافية العامة- بغداد- 1996- ص25. 29 - القصص هي: * الصرح - مجلة الاقلام- العدد الاول- كانون الثاني (يناير)- 1990- السنة الخامسة والعشرون. * المطبق- مجلة الاقلام- العدد السادس- حزيران- 1990- السنة الخامسة والعشرون. * الكيساني- مجلة الاقلام- العدد 5-6 - السنة السابعة والعشرون- مارس - حزيران (يونيو) 1991. 30 - عصر المدن- مجموعة قصص- محمود جنداري- وزارة الثقافة والاعلام- دار الشؤون الثقافية العامة- بغداد- 1994. 31 - الخليقة البابلية- تأليف الكسندر هايدل- ترجمة ثامر مهدي محمد- إصدار بيت الحكمة- بغداد- 2001- ص20. 23 - مجلة الأديب المعاصر- العدد34- مصدر سابق- ص11. 33 - مجلة الاديب المعاصر- العدد 34- صيف 1994- تقنيات الزمن في السرد القصصي- عواد على- ص28. 34 - مجلة الاديب المعاصر- العدد45- مصدر سابق- ص43. 35 - مجلة الاقلام - العدد 11- 21 - السنة الثالثة والعشرون- 1988- ص23. 36 - مجلة الاقلام - العدد 11- 12 - مصدر سابق- ص24. 37 - مجلة الاقلام- العدد 11- 12 - مصدر سابق- ص23. 38 - مجلة الاقلام- العدد 11- 12 - مصدر سابق- ص24. 39 - موسيقى صوفية - لطفية الدليمي- وزارة الثقافة والاعلام- دار الشؤون الثقافية العامة- بغداد - 1994- ص26. 40 - المصدر السابق – ص72. 41 - المصدر السابق – ص27. * هذه الدراسة هي جزء من كتاب باسم (بناء مدينة الرؤيا في القصة العراقية القصيرة) لم ينشر بعد. |
|||||
|
|||||