المشهد الشعري المحجوب في ليبيا..!
البدر المتواري تحت ذيل الغلس.!

 

فرج أبوالعشة


قبل نصف قرن نشر الناقد الليبي خليفة التليسي مقالا استفزازيا, متسائلا: <<هل لدينا شعر ?!>>

لم يكن الشاعر علي الرقيعي (1934- 1963) قد نشر قصائده بعد,ومعه رهط من شعراء <<قصيدة التفعيلة>> الذين أسسوا لحركة شعرية متفاعلة مع محيطها العربي(المشرقي تحديدا).

كان الشعر الليبي - قبل علي الرقيعي- يعيد إنتاج القصيدة العربية الكلاسيكية في قوالبها الموزونة المقفاة ومضامينها المستهلكة ولغتها الإبلاغية المباشرة , وبلاغتها العتيقة...!

ويمكن تحديد انطلاقة الشعر الليبي , في العصر الحديث , بصدور <<ديوان مصطفى بن زكري>> العام 1892 الذي يعد أول ديوان شعر ليبي ط بع في العصر الحديث, ومفتتحا لجيل من الشعراء الكلاسيكيين, مثل أحمد الشارف, أحمد قنابة, أحمد رفيق المهدوي, إبراهيم الاسطي عمر, وغيرهم كثيرين, وصولا إلى علي الرقيعي الذي تشكل تجربته الشعرية القصيرة انعطافة عن مسار قصيدة الآباء التقليدية, في اتجاه مسار حركة الشعر العربي الحديث,التي دشنتها نازك الملائكة و بدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي, وصولا إلى حركة مجلة شعر .

 كان شعراء القصيدة الكلاسيكية أبناء عصرهم (أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين) عصر توالي الانهيارات في أطراف الإمبراطورية العثمانية أمام تقدم الاستعمار الأوروبي الكاسح . وفي الوقت نفسه, هو عصر النهضة العربية وانبثاق حركات الإصلاح الإسلامي مثل الوهابية (في السعودية) والسنوسية (في ليبيا) وغيرهما من حركات إسلامية. شكلت (وقتها) ثورة تصحيحية لما علق بالإسلام من شعوذات وخرافات من جهة , ودافعا للمقاومة الجهادية ضد حملات الاستعمار الاوروبي الحديث, من جهة أخرى..!

 وبالتالى فقد غلب على مواضيع الشعر في تلك المرحلة الروح الوطنية على خلفية إسلامية عروبية جامعة , مفردات ورموزا . فنجد ابن زكري يمجد <<الخلافة>> على مشارف القرن العشرين الذي ينذر بانقراضها في الآستانة. بينما يظهر لنا أحمد الشارف في قصيدته <<صوت الكماليين>> وهو يتوهم في مصطفى اتاتورك, العلماني الصارم , الذي سيفكك , جذريا , بنية دولة الخلافة الإسلامية, بطلا إسلاميا , يصد عن الخلافة الغزاة اليونانيين (1921) :

حياة على الضيم بئس الحياة   ونعم الممات إذا لم نفز

وقد قام فينا كمال الصفـــات     بأوفر حظ وأكمـل عــز

كانت الحركة السنوسية, رغم رفضها للسيطرة العثمانية على ليبيا والتصادم معها عسكريا في بعض الأحيان, متمسكة بالدفاع عن مشروع الخلافة الإسلامية ومركزها في الآستانة التركية. وعلى الضد منها , كانت هناك حركة معارضة وطنية سياسية/ثقافية هدفها التحرر من حكم الأتراك وتكوين دولة وطنية مستقلة. وقد قامت ثورات مسلحة عديدة ضد حكم الأتراك وجبروتهم مثل ثورة عبد الجليل غيث سيف النصر وثورة غومة المحمودي.

في هذه الأجواء المشحونة بالتحولات التاريخية الكبرى كانت حركة الشعر تظهر في قصائد عابرة لشعراء عابرين, يتناقلها الرواة شفويا, أو موزعة هنا وهناك في الصحف والمجلات الوطنية (عرفت ليبيا المطبعة والصحافة منذ العام 1866.!)

ولكن لم يبرز في تلك المرحلة المضطربة شاعر جامع لشعره في ديوان مطبوع إلى ان ظهر أول ديوان شعري لمصطفى بن زكري العام 1897,كما أشرنا آنفا .

ولد ابن زكري  بطرابلس العام 1853في أسرة تنحدر من الأندلس , تثقف بالثقافتين العربية والتركية , عمل لفترة بالتدريس , ثم قام برحلة حج وتجارة إلى الحجاز العام 1891 ثم أقام في مصر لسنوات. فطبع فيها ديوانه الشعري, كما قام برحلة إلى أوروبا, واشترك في تحرير جريدة <<الترقي>> التي نشر فيها شعره وكتب في القضايا الليبية والتركية برؤية إصلاحية . وعندما عاد إلى ليبيا عمل مستشارا للولاية العثمانية. وكان بيته الأندلسي بطرابلس صالونا أدبيا وفكريا تلتقي فيه النخبة البارزة من رجال الأدب والفكر والسياسة, والتي اعتبرته رائدها, وأصبغت عليه لقب <<شاعر ليبيا الأول>>. وعندما غزت ايطاليا ليبيا العام 1911 انزوى بن زكري في بيته والتزم الصمت حتى وفاته العام 1917 .

شعره يمتح من روح القصيدة الأندلسية ومن تجاربه الحياتية الغنية وسفره في العالم.

لغته محملة بأساليب البديع والجناس والمحسنات اللفظية, المحمولة على أصولها البلاغية الراسخة في فن القصيدة الأندلسية الموشحة,وبالذات في شعر الغزل الذي يشكل معظم قصائد ديوانه. غزل غنائي سلس وعذب في وقت لم يزل البكاء على الإطلال ينوح في الشعر العربي :

بأبي مـن زرانــي ملتثمــا   وجلا من رقباء الحــرس

فهو كالبــدر بدا مبتسمــا   يتوارى تحت ذيل الغلس

* ** *

قالوا : له خال بصفحة خده   وتفننوا في كنهه وصفاته

وأراه عبدا يسرق من جنــا    خـديه مغترا بفعل سناته

فرماه ناظره بسهم صائب   ونظر إلى دمه على وجناته

على العكس من بن زكري يبرز سليمان الباروني (1870ـ 1940) الشاعر/الفارس المتأصل في القضية الوطنية . فهو, أولا, أحد أبرز زعماء حركة المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الإيطالي كما انه من أبرز زعماء أمازيغ ليبيا. رحل صغيرا (11سنة) طالبا للعلم بجامع الزيتونة , ثم بجامع الأزهر , ودارسا للمذهب الأباضي (مذهب معظم الشعب الامازيغي) في الجزائر لأكثر من ثلاث سنوات , وكان قد تعرف أثناء دراسته في مصر على المصلح الإسلامي الكبير الشيخ محمد عبده وصادقه وتواصل معه فكريا. وعندما عاد إلى ليبيا بعد سنوات طويلة من الترحال وطلب العلم , كان قد أصبح شابا ناضجا , مشحونا بالروح الوطنية المعادية للاستبداد التركي في ليبيا.وفي سبيل ذلك سجن لثلاث سنوات , فاضطر إلى مفارقة الوطن في رحلة لجوء سياسي طويلة عبر تونس والجزائر وفرنسا ومالطا , حتى انتهت به إلى الاستقرار بمصر التي كانت تمثل وقتها ملجأ سياسيا وفكريا للمثقفين والسياسيين العرب والمسلمين الفارين من الاضطهاد العثماني.

أنشأ الباروني , في مصر , مطبعة , وأصدر صحيفة <<الأسد الإسلامي>> التي دعا من خلالها الى فكرة <<الجامعة الإسلامية>> وطبع ديوانه <<ديوان عبدالله الباروني>>والجزء الثالث من كتابه <<الأزهار الرياضية>>, وكان الجزء الأول من الكتاب المطبوع في ليبيا قد حرقته السلطات التركية. ثم رحل الى الآستانة بعد الإصلاحات السياسية الناجمة عن انقلاب حركة <<تركيا الفتاة>> العام 1908 حيث انتخب عضوا في <<مجلس المبعوثين>> العثماني عن ولاية طرابلس العام 1910. ولما احتلت إيطاليا ليبيا العام 1911 عاد فورا إلى بلاده وانضم إلى قيادة المقاومة. لكن تركيا سرعان ما خانت الليبيين إذ باعت ليبيا لإيطاليا وفقا لمعاهدة <<صلح أوشي>> التي سحبت بموجبها ما تبقى من ضباطها وجنودها الذين كانوا يدربون المجاهدين الليبيين ويحاربون معهم (كان مصطفى اتاتورك أحد هؤلاء الضباط!) رفض الباروني معاهدة الصلح وقاد جناح المقاومة الوطنية الامازيغية في جبال نفوسة وكان من مؤسسي الجمهورية الطرابلسية العام 1918 . وفي 1922 عندما تمكنت القوات الإيطالية من السيطرة على غرب ليبيا اضطر الى هجر البلاد. فجال في أوروبا والشرق العربي حتى استقر بعُمان 1935 حيث عمل مستشارا لسلطانها إلى ان مات بعد مرض عضال العام 1940.

شعره وطني سياسي بروح إسلامية إصلاحية. بسيط بياني . فروسي مباشر, لصيق بمواقفه السياسية المرتبطة بفكرة الجامعة الإسلامية والخلافة العثمانية . ثقافته الشخصية تجمع بين الثقافة الامازيغية والعربية الإسلامية إلى جانب إطلاعه على الثقافة الفرنسية . رؤيته السياسية تمثلت في الدعوة إلى الجامعة الإسلامية والمحافظة على الخلافة العثمانية من الاندثار حتى لقب بـ <<شاعر الخلافة>> رغم انه قد قاوم ممارسات استبدادها السياسي في ليبيا وسجن ونفي بسبب ذلك. وقد نذر نفسه منذ الغزو الايطالي للمقاومة في الداخل ومن الخارج ورمز الى ذلك بعدم حلاقة شعر رأسه ولحيته حتى يتحرر وطنه من الاستعمار الايطالي أو ان يموت قبل ذلك . فطال شعره حتى وصل إلى ركبتيه :

هذا هــو الشعر الـذي       شهد الحروب الهائلات

وعليه أمطــرت القنابل       كالصواعق نـازلات

آلـت أن يبقـى إلــى       أن يعبر الجند القنـاة

لنرى الغزاة على ضفاف        النيل تفتــك بالبغاة

ونرى طرابـلس العزيزة       في ليال باهــرات

تختال في بـرد الهنــا        بالانتصار على الطغاة

وتسود أعــلام الخليفة        في بـلاد الضائعات

* ** *

أو هكذا يبقــى إذا      لم ننتصر حتى الممات

النفي إذ لم يبق فـي سجن ممر للذباب..!

 استمر الاستعمار الإيطالي لليبيا من 1911 إلى 1945 عندما تحررت البلاد على يد قوات الحلفاء التي كانت تضم داخلها قوات الجيش السنوسي الحر الذي بلغ تعداده أكثر من خمسة عشرة ألف جندي ..!

 خلال سنوات الاستعمار الإيطالي الفاشي الاستيطاني, خاض الشعب الليبي مقاومة أسطورية بمعنى الكلمة تحت زعامة قائد أسطوري بمعنى الكلمة وهو شيخ المجاهدين , أسد الصحراء عمر المختار, والذي كان رغم سنواته الثمانين, يحشو بندفيته بالبارود وآيات القرآن. كان قائدا من صلب الشعب. فقيرا مثل أبناء الشعب . لم يكن يملك إلا بندقيته وقرآنه ونظارته الطبية وفرسه البيضاء وأشعاره العامية ..!

دامت مقاومته ,بشعبه, للإيطاليين , عشرين سنة متواصلة , حتى شنق في 16 سبتمبر 1931 . دفع الليبيون خلالها مئات ألوف الشهداء , قتلا , وإبادة جماعية, وتجويعا, في معسكرات الاعتقال الفاشية ..!

كانت حركة الشعراء والكتاب الليبيين , على محدوديتها , زمن الاستعمار, تدرك جيدا الخطاب الفاشسيتي الاستيطاني لليبيا . فمبكرا نجد , في مجلة <<الرابطة الشرقية>> العام 1922 , بيانا وطنيا يكشف في مقدمته عن الروح الصليبية العنصرية للمشروع الاستعماري الإيطالي من خلال ترجمة النشيد الفاشيستي, الذي يقول في أحد مقاطعه :

<<يا أماه أتمي صلاتك ولا تبكي , بل اضحكي وتأملي

ألا تعلمين أن إيطاليا تدعوني

و أنا ذاهب إلى طرابلس فرحا مسرورا

لأبذل دمي لسحق الأمة الملعونة

ولأحارب الديانة الإسلامية التي تجيز البنات الأبكار للحاكم

سأقاتل بكل قوتي لأمحو القرآن ..>>

ويعلق كاتب البيان على النشيد الفاشيستي قائلا في لغة تحريضية:<<اقرأوا هذه الأنشودة أيها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها , واقرأوها ألف مرة , بل اقرأوها حتى ترسخ في أذهانكم وتنتقش في أدمغتكم انتقاشا لا تمحوه عوادي الأيام, ولا تزيله كوارث الأعوام , نعم احفظوها حفظا قويا, حتى إذا لاقيتم ربكم نطقت بها ألسنتكم بين يديه, وحوسبتم على غفلتكم وتغاضيكم عما أصاب دينكم من إهانة وتشنيع ..>>

لم يكن الشعر الليبي أثناء الاحتلال خارجا عن روح هذه اللغة البيانية التحريضية التي تمزج الوطن بالدين والأرض بالعرض. وكان من أبرز شعراء تلك المرحلة , الى جانب سليمان الباروني , محمد السني (شاعر الحركة السنوسية) وأحمد قنابة وأحمد الفقيه حسن وإبراهيم الاسطي عمر... وأحمد الشارف (1872 ـ 1959)  الشاعر / المقاتل, الذي وقع في أسر الإيطاليين. وبعد إطلاق سراحه , العام1922, اشتغل قاضيا في المحكمة الشرعية العليا. فتحول إلى مهادنة سلطة الاحتلال التي كرمته  ونظمت له عدة زيارات إلى إيطاليا , وهو بدوره مدحها في شعره:

لو كان منذ صباي أدبني أبي    ما كنت أجهل منطق الغزلان

 (و<<منطق الغزلان>> صفة معروفة للغة الإيطالية)

 أو وهو يهنئ إيطاليا على أعمارها لبلاده:

هنئوهـا بكثـرة العمـران    واذكروهـا مدى الأزمــان

واستديروا حديثكم في هواها    فحديث الهــوى سلافة حان

وادرســوا كــثرة المآثر كي لا     تفقدوها من  عالم الأذهان

وعندما اندحرت إيطاليا العام 1943 وجاء عهد الإنجليز , عينته إدارة الانتداب رئيسا للمحكمة الشرعية العليا , فعاد ينظم الشعر في حب الوطن :

وطن توفـــر حظـــه   في السر منك وفي العلن

أنت ابنه حقا ولســــت     بقائل أنت ابــــن من

تقاعد الشارف العام 1948 بعدما فقد بصره وضعف سمعه وانهارت صحته . فاعتزل في بيته , حتى وفاته العام 1950.

 أما <<شاعر الوطن>> أحمد رفيق المهدوي(1898ـ 1961) فهو يصل بين شعر مقاومة الاحتلال والاحتفاء بالاستقلال ..!

تعلم أحمد رفيق في المدارس التركية في ليبيا ومصر , التي ظل فيها حتى العام 0291 , ثم عاد إلى مدينته بنغازي الأسيرة في قبضة الفاشيست الذين سرعان ما طردوه من عمله كسكرتير في بلدية المدينة بسبب قصائده الوطنية , فالجأ الى تركيا العام 4291 ليعود إلى بنغازي بعد عشر سنوات ليتركها من جديد لاجئا بعد سنتين , ودائما بسبب قصائده الوطنية اللاذعة :

كنا نقاسي تحت مر الصبر أنواع العذاب

النفي إذ لم يبق في سجن ممر للذباب

والسيف في الهامات يفري والمشانق في الرقاب

صفة <<شاعر الوطن>> التي اختص به أحمد رفيق المهدوي لا تعود فقط إلى شعره الوطني الفصيح وسيرته النضالية كشاعر للمقاومة الوطنية وانما في الأساس الى روحه الشعرية الشعبية حتى ان شعره المؤلف باللغة الدارجة يتفوق في كثير من الأحيان على شعره الفصيح .

وفي منفاه الأخير في تركيا تنقل الشاعر في وظائف كثيرة حتى شغل منصب عميد بلدية أدنة العام 1941 . وعندما عادـ مرة جديدةـ إلى ليبيا العام 1946 وقد اندحر الطليان استقبل استقبالا وطنيا حافلا وعين بعد الاستقلال عضوا في مجلس الشيوخ العام 1951 إلى ان توفى العام 1961..!

شعره من طينة الشعر العربي في تلك المرحلة , لغة وتراكيب و مخيالا , ومكانته في الثقافة الليبية تعود , بالدرجة الأولى , إلى شعره الوطني الأقرب إلى الأناشيد الغنائية منه إلى القصيدة التقليدية الفصيحة المسبوكة. فلغته تلتقط جل مفرداتها من اليومي. وكان على شيء من البرم من قيود الخليل , لكنه لم يتجرأ على تحطيمه إذ ظلت محض رغبة :

أما آن للشعر أن يستقــل    ويخلص من ربقة القافية

فقد طال والله تقييـــده     بتقليدنا العصــور الخالية

ورغم ان الصحافة في ليبيا قد ظهرت منذ منتصف القرن التاسع عشر, وعبرها ظهرت حركة أدبية تطورت مع الوقت بما يتوازى مع تعداد سكان ليبيا البسيط        ووضعهم التعليمي المحدود, نجد عبد الرحمن بدوي , كما كتب في مذاكرته , أثناء عمله في الجامعة الليبية , ما بين 1973ـ 1976, يصف ليبيا بانها :<<عقم تام في العلم والأدب>> ومن الواضح ان انطباعات بدوي انفعالية تنضح بحقد فظيع على ليبيا وأهلها بسبب ما تعرض له من طرف السلطة من معاملة سيئة سحبها على كل ما هو ليبي . فيعبر عن موقفه من أحمد رفيق المهدوي وقصائده بلغة نفس موتورة, تتوسل السخرية و إلقاء الشتائم تنفيسا عن أحقادها المتخثرة, فيقول: <<..قصائده ركيكة , مبتذلة العبارة , تافهة المعاني . إنه شاعر في الطبقة الدنيا من الشعر . فواعجباه كيف أشادوا به ومجدوه حتى كان بعضهم يقول عنه إنه <<أحمد شوقي ليبيا>> وهذا امتهان لاسم أحمد شوقي لم يعرف مثله في أي  مكان ..>> ثم يسحب غضبه شاملا بقية الشعراء الليبيين, التقليديين منهم والمحدثين . فشعرهم , في نظره, بالمطلق: <<ابتذال وتفاهة وإسفاف>> هكذا بجرة قلم ينز غرورا وحقدا وشوفينية مصرية... وفي الحقيقة لم يعتبر الليبيون أحمد رفيق <<شوقي ليبيا>> ولم يرفعوه إلى منزلة العبقرية الشعرية وانما أطلق عليه تسمية <<شاعر الوطن>> بسبب كثرة شعره الفصيح والعامي في حب الوطن:

رحيلي عنــك عز علــي جدا       وداعا أيها الوطن المفــدى

وداع مفارق بالرغم شــاءت          له الأقدار نيــل العيش كدا

وخير من رفاه العيش كــــد        إذا أنا عشت حـــرا مستبـدا

سأرحل عنك يا وطني وإني       لأعلم أننـــي قد جئــــت إدا

ولكني أطعـــت إبـــاء نفـس     أبت لمرادها في الكون حــدا

زيت مصباح آلاف الليالي الآتية..!

يمثل علي صدقي عبدالقادر (1924 ـ    ) المعروف بـ<<شاعر الشباب>> حلقة تواصل وانقطاع , في الوقت نفسه , تواصل مع الشعراء الرواد في قصيدتهم التقليدية كما بحركتهم الوطنية في مقاومة الاحتلال في مرحلة ما عرف بـ <<معركة استقلال ليبيا>> , ويمثل حلقة انقطاع عن القصيدة التقليدية دخولا في قصيدة<<شعر التفعيلة>> ثم ذهابا بعيدا في قصيدة النثر في آفاقها السريالية. فهو, يقارب الثمانين من عمره,اليوم, يعده الشعراء الشباب واحدا منهم, يكتب قصيدتهم ويشارك في أمسياتهم ومناقشاتهم ويغمرهم بمحبة طفولية لا نظير لها. أنه بحق طفل في الثمانين. وقف في شجاعة نادرة محاميا عن ثلة كبيرة من الأدباء الشباب أدينوا بالخروج عن النص الايديولوجي المرسوم !  

درس في المدارس العربية والتركية والإيطالية . انضم الى حركة المقاومة المدنية في <<معركة استقلال ليبيا>> . شارك في اللجنة القانونية التي صاغت القوانين الليبية في عهد الاستقلال. نال وسام تقدير من جلالة الملك الراحل ادريس السنوسي . أصدر علي صدقي دواوين عديدة خلال مسيرته الشعرية الطويلة. وإذ لا مجال هنا لتحليل تطور قصيدته, شعريتها ولغتها و أسلوبيتها, نقدم  مقاطع من قصائده الأخيرة علها تعطي انطباعا لو عابرا عن عالمه الشعري  :

(1)

متجاوزا برتقالتين, وأربع قارات

والخامسة فرت إلى حضن أمي.

ونجمة آخر الليل,التي تتفرج,

كانت امرأة تغزل المطر والحب

لابد  أن تكون هي من أحببت

لأن عيد طفولتي,مذاقه الآن في فمي.

 

(2)

منعوني من دخول السوق

حتى خلعوا رأسي

خلعوه علقوه بالمشجب

نظر رأسي إلي معاتبا

رأيت بالسوق جزارا

يذبح الكلمات وهي تصرخ

رأيت من يلعب الكرة بالرؤوس المخلوعة

رأيت الحمير تركب الباعة

وتختم الذهب الكاذب

احتجيت قالوا:اسكت خلعنا رأسك,فكر بحذائك

أخذ الحذاء يخفق : طق طق طق .

على الرقيعي (1934 ـ 1966) وأشواقه الصغيرة.!

كان يمكن ان يكون شاعر القصيدة الليبية الحديثة بلا منازع لو لم يقض نحبه شابا في حادث سيارة مأساوي, وتقضي معه موهبته قبل ان تبلغ مداها . أنه أول شعراء ليبيا الحديثة الطالعين من بؤس العيش , كما كان أولهم في الانتماء السياسي إلى حركة اليسار والالتزام الأدبي بقضية الحرية والعدالة الاجتماعية . يتناص شعره مع شعراء<<قصيدة التفعيلة>> في العالم العربي . فيه من أصداء البياتي و نزار قباني وناظم حكمت , لكن على روح ليبية محلية ذات طعم خاص. ديوانه الأول <<الحنين الظامئ>> تغلب عليه القصيدة الكلاسيكية في مناخ رومانسي مأساوي,أم ديوانه الثاني <<أشواق صغيرة>> فهو يضم قصائد حرة , هي أشواق غنائية رومانسية محمولة على الرمز , مهمومة بالوطن والحرية والحب و الحرف , كما في قصيدته المهداة إلى الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت :

(1)

ص رت  أفهم

روعة الحرف الذي يصنع للإنسان سلم

صرت أعلم

كيف يا أبي تقحم

قلبك الخفاق قضبان المنافي وتكلم

 

(2)

وعلى صورته وسدت  رأسي

وتمسحت  بخديه وقبلت  عيونه

وتضرعت  طويلا للسماء

كي تصونه

إنه يا أصدقائي الطيبين

زيت مصباحي لآلاف الليالي الآتية

إنه في خاطري يروق أشهى أغنية

غسلت قلبي بأفراح الحياة

 

(3)

أحبك حتى ليخضر   تحت خطاى الثرى

وحتى كأن الذرى

تطيح على كتفي لآل

وأنت  إذا لم تهز ي كياني ذات زوال

تدفأ بالقلق الحلو ملء وجودي وسال

علي  كرب  حنون تخطى السماء واستحال

مخدة حب,

وصرة خبز,

وجرة آل.

تراني ماذا أنا......ماذا أصير

وهل ما أزال

أذرذر للشعر عمري وأعبد فيك الجمال

ويقفل حركة <<قصيدة التفعيلة>> الشاعر محمد الشلطامي الذي قارن الكاتب الليبي المعروف الصادق النيهوم قصائده بأشعار نزار قباني قائلا <<إنني أقارن قصائده بأشعار قصائد نزار وأرى بوضوح انه (الشلطامي) يفتقر إلى لمساته (لمسات نزار) العميقة الصاعقة الجمال وانه لا يجيد الصياغة مثله ولا يجثو على ركبتيه ويبحث عن كلماته بالملقاط ولا يستطيع أن يكتب شعرا ساحرا يدفع المرء إلى أن يهتز طربا ويرقص بهز خصره ولا تخص الطرب والكلمات المسحورة.المشكلة تخص <<الحق>> وحده ومنهج الشلطامي كله حق..>>:

(1)

قل ما تشاء

وأكتب بخط التاج ما نحت

 الشقاء

فينا,وقل متخاذلون,

جبناء,ماتت في عروق

قلوبهم همم الرجال

أنا قد هربت, وتركت خلف الجسر صوت

إذاعة الشرق القتيل

(2)

لا تقل بعدما رمانا

العشق في الحانة أشباحا هزيلة

نحن لا نملك أن نختار

في دنيا بخيلة

غير شكل الموت ملفوفا

بأوراق الصحف

وعلى أبواب الجمرك أحلاما

نبيلة.

(3)

افترض أن الذي يمشي على

السكين في الليل

كمن يمشي على الحبل وأن

المعجزة

سقطة في النص والأشياء لا

تحمل إلا سطحها

فل م  ينتابك الإحساس بالفقد إذن?

إطلالة على قصيدة النثـر.!

السؤال الاستفزازي: <<هل لدينا شعر?!>> الذي طرحه الناقد الكلاسيكي قبل نصف قرن, عاد لي طرح من جديد, في نهايات القرن العشرين, ولكن من قبل بعض شعراء قصيدة النثر الشباب. كان سؤال الناقد الكلاسيكي يدور في نطاق إيمانه بشكل القصيدة (الكلاسيكية) الموزونة المقفاة على ما رسمه الخليل بن احمد من قوانين مستخلصة من تركة الشعر في عصره, فصبها في قوالب بحوره, لتصبح صنما معبودا مضافا إلى بقية الأصنام القطعية الثبوت..!

أما شعراء قصيدة النثر الليبية, الذين أعادوا طرح السؤال في عصرهم, فقد كانوا يقاربون سؤالا إشكاليا من طبيعة إبداعية/فكرية مختلفة, ترتبط بأزمة قصيدة النثر العربية بشكل عام, من حيث انقطاعها عن محيط عامة القراء, وانغلاقها على قراء مخصوصين, معظمهم هم شعراء قصيدة النثر أنفسهم, وهواتها المبتدئون في كتابتها,والنقاد(إن وجدوا.!) وبعض الفضوليين.!

ويعود ذلك إلى غياب القارئ/المثقف من ناحية, وهيمنة الغموض العشوائي على أسلوبية كتابة قصيدة النثر, وهو الغموض الذي أصبح تعلة للمتشاعرين,الفارغين من الموهبة والثقافة والرؤية الشعرية. وباسم الغموض است س هلت  كتابة قصيدة النثر, فأصبحت أسرع وصفة لكيف تصير شاعرا, تنشر الصحف قصائدك وتستضيفك الأمسيات الشعرية.!

يحدث ذلك, رغم ان كتابة قصيدة النثر الأصيلة تعتبر عملا إبداعيا من الصعوبة بمكان,حتى لتبدو معه كتابة قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية ضربا من الهواية الدارجة.!

فإبداع قصيدة النثر الأصيلة مشروط بتوفر معطيات إبداعية حقيقية: موهبة الخيال الخلاق, واستيعاب خلاصة التراث الشعري لتجاوزه (احفظ ألف بيت وأنساه ـ حسب وصفة أبي نواس لشاعر ناشئ!!) وتجربة حياتية ملموسة,وحساسية عالية إزاء اللغة الشعرية,وتفتح خلاقا  على ثقافات الآخر/الغير.

إن قصيدة النثر الأصيلة انتخاب شعري لل غة الإبداعية في أرقي وظائفها, وغموضها, الذي هو,في جوهره الإبداعي الأصيل, غموض بنا ء, خلاق. وبمعنى آخر هو غموض الواضح ووضوح الغامض.!

إذن سؤال شعراء قصيدة النثر الليبية هو نفسه سؤال بقية شعرائها في بقية تراكين العرب. أنه سؤال الكيف في خضم الكم الإسهالي الطوفاني من الكلام المنثور على عواهنه,مع إن نثر الكلام على عواهنه أحد أكثر ألعاب الشعر إبداعا لكنه لعب مشروط بحسابات خيال خلاق ممسوس حقا بالموهبة والمعرفة والحساسية الشعرية والثقافة الحداثانية.!

سؤال شعراء وشاعرات قصيدة النثر الليبية في نهايات القرن الفائت كان في العمق يدور حول ذلك:هل كون لدينا عشرات الشعراء والشاعرات, من كتا ب قصيدة النثر, يعني ان لدينا شعرا  أصيلا ?!

لم يكن أحد, من الشعراء الشباب الذين طرحوا السؤال, ليستطيع أو قل ليجرؤ على تحديد العطب في قصائد بعينها عند شعراء بعينهم. فالسؤال الاستفزازي, هو في نهاية المطاف, صادر عنهم , والشعراء, كما هم في كل مكان وزمان, هم الشعراء النرجسيون أنفسهم, وأسئلتهم, كما هي في الأغلب , لا تخلو من الإدعاء.!

القصد ان قصيدة النثر العربية بفروعها الوارفة من الربع الخالي إلى وادي الذهب هي بنت البذرة الملعونة نفسها التي بذرها انسي الحاج وسم دها يوسف الخال الذي سي جها إقطاعية له بحسبانه بطريرك الحداثة المطلق, واتى بأدونيس للتنظير لها. ثم تسرب إليها محمد الماغوط عابثا, بتلقائيته الفائقة, بأرستقراطية التنظيرات المتفاخمة, مثلما كان يعبث بالثلاجة ملتهما مخزونها من الطعام بينما الحواريون المحيطون بالبطريرك في بيته يتحدثون عن جحيم رامبو, وأرض  ت.س. اليوت اليباب.!           

انبثقت قصيدة النثر في ليبيا مع بداية سبعينيات القرن الفائت, ومع الوقت تصدرت المشهد الشعري (الملاحق الصحفية والمجلات الأدبية والأمسيات الشعرية). كان وراء انطلاقتها مجموعة من الشعراء الشباب الذين نشطوا ضمن حركة أدبية شابة تضم قصاصين ومسرحيين ورسامين ونقادا, اتخذوا من صحيفة <<الأسبوع الثقافي>> منبرا لنشر إبداعاتهم وأفكارهم, وقد جرى فيما بعد (العام 1979) اعتقالهم جماعيا (نحو عشرين مبدعا) بسبب آرائهم الفكرية, بعدما ل فقت لهم تهمة تأسيس حزب, وصدرت ضدهم أحكام بالإعدام, لكنها خففت إلى السجن المؤبد. ثم أطلق سراحهم بعد نحو عشر سنوات.!

لقد تأثر شعراء جماعة <<الأسبوع الثقافي>> بشعراء قصيدة النثر في مصر, وعلى الخصوص, محمد عفيفي مطر وعلي قنديل.. أما تأثيرات مجلة شعر (أدونيس,أنسي الحاج, محمد الماغوط..) والشعراء الفلسطينيون (على الخصوص, محمود درويش في قصائده النثرية) فقد ظهرت عند جيل الثمانينيات الذين ملأوا الفراغ الذي خلفه اعتقال جماعة الأسبوع الثقافي. ويعتبر جيل التسعينيات امتدادا لهم. وكون أن قصيدة النثر الليبية تأثرت بالتيارات الشعرية الوافدة من المشرق العربي تحديدا, لم يمنع من تمييزها بخصوصية محلية واضحة بقوة في حساسيتها وصورها ومواضيعها الشعرية.وهي وإن لخ صت أكثر من ثلاثة عقود لاح فيها المشهد الشعري ضاجا   بأصوات متنوعة, مأخوذا بالتجريب واستشراف المستقبل والحرية (في معناها الاجتماعي والسياسي) في مواجهة المطاردة الجدانوفية من قبل البوليس الثقافي لقصيدة النثر بحسبانها <<مؤامرة إمبريالية>> على اللغة والتراث العربيين.. وبالطبع لم تنقرض, تماما, قصيدة التفعيلة أو القصيدة العمودية من المشهد الشعري أمام الانتشار الكاسح للقصيدة النثر, وإن انسحبت قصيدة التفعيلة الكلاسيكية من المشهد الشعري, وانزوت في هامش ضيق, محافظة على جمودية لغتها وصنعتها ومضامينها القديمة التي تطغى عليها الغنائية المباشرة المنبرية, فإن <<قصيدة التفعيلة>> ظلت تزاحم قصيدة النثر وتجاورها, مسجلة نقاط تقدم عليها, من جهة سهولة تواصلها مع عامة القراء, لأن الغموض لم يستغرقها ولأن إيقاع التفعيلة ورنين القافية يشكلان مصدر قوتها,ثم ان شعراءها المجيدين ذهبوا بها إلى فتوحات شاسعة, كما عند محمود درويش وأدونيس وسعدي يوسف ونزار قباني وأمل دنقل وحسب الشيخ جعفر ومحمد علي شمس الدين...وكثيرون هم غيرهم.

وفي مشهد الشعر الليبي تحضر قصيدة التفعيلة في أصوات متميزة وإن كانت قليلة (وهناك من يزاوج في الكتابة بين قصيدة النثر, وقصيدة التفعيلة, التي انطلقت من حيث انتهى الشاعر الرائد علي الرقيعي, مرورا بالشاعر الوطني محمد الشلطامي, وصولا إلى الشاعر/الضحية سعيد سيفاو, صوت الثقافة الامازيغية في ليبيا الذي زاوج بين اللغة العربية والامازيغية في كتابة قصائده, وقد تعرض للاضطهاد بسبب مقاومته للشوفينية القومجية, فكاد ان يقتل في حادث سير مدبر نجا منه بأعجوبة, لكنه تركه مشلولا طريح الفراش لعشر سنوات إلى ان مات, ليبقى شعره حي ا في صوته المائز, المازج بين ثقافتين متضافرتين (الامازيغية/ العربية). ونثبت هنا واحدة من قصائده البارزة:

لعله..عساه

لا أدري

لم ?حينما

أجبتني بـ(لا)

فهمت ها:

(نعم)!

لا أدري,هل

هو الصمم?

أم أنه التطير الذي...

ينتابني

من الأجوبة اللائية?

لا أدري

لم ?...ولا

حين أمرتني

بالنوم...

فهمته النهوض,

والوقوف!

هل هو محض خوف??

أم أنه

اختلاف المفردات في...

يقظتي النومي ة??

تذكر حينما وصفتني

بأن ني:

ـ جبان?!

سمعت مدحا

أن ني:

ـ من أفرس الفرسان!

هل

هي

عادة اللغات في الأزمنة الخوفي ة??

لعله الزمان

أودى بما تخزنه ذاكرتي

لعله الملاك,أو

لعله الشيطان

وسوس لي الكلام بالمقلوب

ربما<<باسم الله>>

خيل لي أعلاه

جميع ما

فهمته أدناه...

لعله الموت الذي

قد ذاب في كياني مثلما

يذوب موج الماء في المياه!

....

....

لعل ه..المكتوب

لعله المقروء,والمشطوب

....

لعل ه..

عساه!

ويبقى أفضل ما يقدم الشعر وهو الشعر نفسه. وهنا مختارات شعرية لبعض من شعراء وشاعرات قصيدة النثر,الذين يمثلون مراحل ومستويات مختلفة ويكتبون بأساليب متنوعة,لعلها تعطي للقارئ العربي صورة عامة عن مشهد الشعر الليبي غير المعروف,تقريبا,خارج ليبيا.

بورتريه

            محمد الفقيه صالح

ليس كنزا

وإن كان فيه نفحة من خفاء

ولا فيضانا

وإن ع د   فيوضيا ضليعا

هو الغر   ـ المحن  ك

والعابث ـ الرصين

لا ينفرد بأمر

حتى وإن كان وحيدا

ولا يطعن إلا في نزال.

وليس من شيمته أن يستكين

إلا إذا كان في الأمر شرك

أو شريك حميم.

كآبـــــــــــــة

           عاشور الطيبي

بعد أن أكلت , وشربت , ودخلت  الحمام

جلست  قرب النافذة المطوية,

قرب الديك المعتوه,

قرب الصورة الباهتة,

قرب الحيطان العارية,

قرب نشرة الأخبار الصامتة,

قرب يدي ورأسي.

التماعة

                      أحمد بلو

يليق بجرحك الآن النزيف

وبالتباريح القديمة والجديدة هذه الشهب

المضرجة الحروف.

يا بلادا أغو  ت القلب المكبل بالأسى...

ومضت تعد   القبر مهدا....

للذي أفضى بسر شغافه للغيمة الحبلى...

وأحلام العصافير الصغيرة....

وارتطامات الندى عند الهطول...

فأر قته الأغنية.

ورمى بأول ثغرة في البال صورتها

فلا عادت ولا عاد الذي همت به عند الحلول.

قادما من بلاد بعيدة

                جيلاني طريبشان

لا النخل نخلي

ولا البلاد بلادي

تركت القبائل في زمن البحث عن حائط للبكاء!

فتشت في كل منعطف,

عل  أهل القتيلة

يبنون لي خيمة فأنام

وها أنذا عائد للزمان القديم

وللذكريات الأليمة

لا أحمل اليوم,غير اسمي وزوادتي وجنوني.

لا خيمتي انتصبت

لا الأهل جاءوا....وكل الذين التقيت

..... ما عرفوني?!

مهمـــــــــات

           فاطمة محمود  

كنت  سأرى ما يمكن أن ي دحض,

لحظة أن نترك,

أو نمس.

لكن مهمات تنتظرني;

علي   أن أكون هناك,

في الضفة الأخرى

من ظلي ....

علي   أن أقوض تماسكه

علي   أن أ فسخه

أو

أنجز أمثولة أخرى

أمحضها ولائي

وأنفخها في وده أضدادي.

حين توشك أن تنال مني  ,

أغرز,في زهوها,

مثقاب شكي.

وأنفذ,

خفيفة

متسرعة,

بلا قرينة

أو دليل.

الليلة لك

            فرج العربي

العالم يحال إليك هذه الليلة

لتكوني ملكة

تستقبلين الرعاة وهم يعبرون

الوهاد لأجلك

هذه الليلة مشتقة من غفوتك

الغفوة التي ارتأت,

أن تكون ملكة للغيب

الغيب الحسود

الذي يقتفي أثرك

هل قلت شيئا مفيدا

نعم

هذه الليلة لك

احتفال (مقطع)

            مفتاح العماري

تعب الكلام/

ردني أيها الموت إلي 

لأرى صورتي في الضوء

وحبيبتي في المكان الشهي

ردني/قبل أن تجفل الأحلام عن وسادتي

والعصافير عن يدي

وقل أيها الماثل كالبداهة

لماذا تضوي الصباحات ليلها/وتضيق الغرف

التي اشتهيت

وترتد بندقيتي علي  ?

أنا الجواد الخاسر إذن.

كلام يونس! (مقطع)

                     فرج أبوالعشة

ألقيت  بكل قدرة على الخيال,هنالك,

في الزرقة الهائجة زبدا قانيا, دوائر

حول أنثى قريش تعانق آخر الشعراء...

عصفت ريحا هولا,أحدثت نتوءا  عظيما

جاء الملاحون إلي   ـ أتراهم عرفوا?! ـ

صاح كل في وجهي:

في م ن تجدف?! إلى أين سنجذ  ف?!

أفعل شيئا بربك.!

طرحوا الأمتعة إلى البحر

طرحوا الأغلال والعبيد

الذهب والجاه,طرحوا

ما خبروا.....وما علموا

كذا الإسطرلاب والرجاء

وبقي النوء العظيم ضاربا في كل شيء,

إذ نسوا أن يطرحونني...!

هبطت إلى القعر, استلقيت, لا ألوي على شيء,

عارفا نهاية ما بدأ.........! 

مرثية النفط (مقطع) 

         عمر الكدي

فاجأنا النفط

فانحدرنا وتجاوزنا الروابي

نمضغ كعك المدن

بلعاب البوادي

وخلفنا وضعت الحقول أسمالها

وكشف الريح عريها

في قيلولة النفط

كوم الزيتون ظله

وألقم أعضاءه الهرمة لمواقد الذاكرة

وأغمض عيونه السود

حين سقطت أهدابه الناعسة

والبحر يلقي إلينا

بالقناني والمباني

بالأحلام والأغاني

واللحوم المجمدة

..............

قصائد

             خديجة بسيكري

نهار

يحترق

ورجل إطفاء ملتهب

يمسح دموعه

بدموع الآخرين

إطفئيني..!

احترقت الأبجدية

مثقل عاد الليل

بالأرصفة المقرورة

يبحث عن دفء

ووسادة

    (2)

الحديقة:

لأرملة النهار

الصباح:

لصبي من هواء القبو

البهو:

لسماء عاقر

والبحر:

تخبئين فيه ما بقي منك

وعـــــــــــــــد

        أسماء الطرابلسي

كالعبد...

كنت للوعد...

فلماذا تصر  على قيد يدمي يديك?

ويقيد قدميك?

ويطوق قلبك... فيخنقه...

حتى كدت تحبه...

حب المتسول... لعاهته!!

***

آن لك ... أن تثور علي

وعلى ظلمي...

آن لك ... أن تتحرر من وعدك القديم...

لتحرر...

و...

لتحررني!!


تصميم الحاسب الشامل