|
|||||
|
* ظل التفكير في الإعلام الدولي لفترة طويلة من الزمن, وفي العالم الثالث تحديدا , منحصرا في مجموعة من الأفكار والرؤى النظرية التي تكرس تفوق <<الآخر>> تقنيا ومهنيا وبالتالي كان موضوع الإعلام الدولي يطرح مرتبطا بقضايا التدفق الحر غير المتوازن للمعلومات والأخبار من الشمال إلى الجنوب, وقضايا التبعية الإعلامية والثقافية بعد التبعية السياسية والاقتصادية, وبناء الصور النمطية, السلبية عادة , عن ذلك الجنوب الأقل نموا وتطورا وحراكا . وليس أدل على ذلك من جهود منظمة دولية عريقة مثل اليونسكو التي أسست اتجاها بحثيا وعمليا يعنى بمناظرة <<توازن تدفق المعلومات>> منذ بداية عقد السبعينيات من القرن العشرين, بل أن خلافات المنظمة مع المؤسسات الرسمية في الغرب وتحديدا حكومتي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا, كانت بسبب إصرار البعض في المنظمة المضي قدما في تحقيق ذلك التوازن. لكن, وبمرور الوقت, تخلى المناضلون لتحقيق توازن تدفق المعلومات عن نضالهم, لتحقيق أو بناء إعلام <<وطني>> أو <<تنموي>> أو <<قومي>> أكثر فائدة أو فعالية من مزاحمة المتقدمين مهنيا وتقنيا . من الناحية النظرية, سيطر صراع الأيديولوجيات على ممارسات الإعلام الدولي, وبالتالي لم يكن مستغربا أن وسائل الإعلام العابرة للحدود برسائلها ومضامينها تمثل حجر الزاوية في الحرب الباردة. وضمن هذا التوظيف والاستغلال لوسائل الإعلام, تسابقت وسائل الإعلام الغربية لتقديم أدوارها في تلك الحرب, من بناء الصور النمطية عن الروس والصينيين والألمان الشرقيين والكوبيين ومن بعدهم العرب والمسلمين. وبالتالي أصبح الجميع متحفزا للشكوى من صورته النمطية <<السلبية>> التي ترسخها وسائل الإعلام الغربية. أما اليوم, فيتحدث بعض المتخصصين عن النظام العالمي الجديد والاستعمار الإليكتروني كأطر نظرية جديدة للإعلام الدولي. وكذلك أضيفت مظاهر ووسائل جديدة للإعلام الدولي, فبعد أن لعبت الوسائل التقليدية كل الأدوار, جاءت قنوات الموسيقى ووكالات الإعلان وشركات الإنتاج الإعلامي العملاقة لتمثل مظاهر جديدة في خارطة الإعلام الدولي. يطرح توماس ماكفيل Thomas L. Mcphail في كتابة الإعلام الدولي: النظريات, الاتجاهات, والمالكون: Global Communication: Theories, Stakeholders, and Trends. أهم التطورات النظرية والتطبيقية في مجال الإعلام الدولي, ونظرا لأهمية الأطر النظرية المساعدة في فهم التطورات الإعلامية الراهنة سوف أقدم في الجزء التالي ترجمة للجزء الأساسي من الفصل الأول من كتاب ماكفيل والذي يسلط الضوء على نظريتي النظام العالمي الجديد والاستعمار الإليكتروني. أما الكتاب بشكل عام, وحسب إشارة مؤلفه, على الإطار الدولي لعدد من العناصر والأجزاء الرئيسية التي تكوّن عادة الإعلام الدولي. ذلك أننا نعيش مرحلة أوضاع ثقافية جديدة تتسم أو توصف في الغالب بأنها تتبنى وتستوعب بسرعة كبيرة منتجات الثقافة الخارجية بشكل غير مسبوق, وبالتالي يبحث هذا الكتاب في بعض التفاصيل الخاصة بماهية تلك المنتجات الثقافية ومصادرها, إلى جانب بحث آثار تلك المنتجات على ثقافات وأفكار خارجية غير تلك التي نشأت فيها أصلا . يقول المدير الروسي لقناة أم تي في MTV, بوريس زوسيموف Boris Zosimov, معبرا عن المناخ الإعلامي في أعقاب الحرب الباردة <<كما هو الحال عند Beavis and Butthead>>, فقد تقبلهما الجمهور الروسي, بل وأحبهما كشخصيات فكاهية, وكذلك <<الوسائل الجديدة سوف ستنجح هنا أيضا , ذلك أن الروس يملكون روح الدعابة, والتي بدونها لم يكونوا ليتحملوا سبعين عاما من الاشتراكية.>>(2) يبدو أن طبيعة الإعلام الدولي وظروف عمله تغيرت بشكل سريع في السنوات الأخيرة, فبعد أن سيطرت عليه أحداث وظروف الحرب العالمية الثانية جاءت الحرب الباردة لتواصل فرض ظروفها هي الأخرى على الإعلام الدولي. حيث كانت أغلب الاهتمامات منصبة على أشكال سيطرة الحكومات على وسائل الإعلام وأثر الحكومات وغيرها من القوى الضاغطة على حرية التعبير, أو حرية التدفق الحر للمعلومات أو المعلومات العابرة للحدود الدولية. في الإطار العملي, كانت أغلب اهتمامات وسائل الإعلام على مستوى تغطية الأحداث الدولية تقدم مادتها في صورة التقابل بين الغرب والشرق, وبالتالي الشيوعية مقابل ضدي للرأسمالية. (على الرغم أن الشرق ليس كله اشتراكيا فهناك الإسلام وأفكار وأيديولوجيات أخرى). في تسعينيات القرن العشرين مع انهيار الاتحاد السوفييتي السابق وبالتالي انهيار الشيوعية كقوة أساسية, تغيرت العوامل التي تمثل دعامة أساسية للإعلام الدولي وبشكل دراماتيكي. وتبعا لذلك لم تعد الأزمات في كوبا, أو تشيلي, أو هاييتي, أو ألمانيا الشرقية مشكلة تخلق مواجهة بين القوتين العظمتين. زيادة على ذلك أدى ذلك الانهيار إلى القضاء على عدو حرية الصحافة والتدفق الحر للمعلومات. ومن وجهة نظر الكثير من المحررين والمنتجين للمادة الإعلامية أدى ذلك الانهيار إلى التقليل من أهمية تغطية الأخبار الخارجية أو الدولية. اليوم تقف الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في العالم. وفي الوقت الذي تتنافس فيه قوة وكينونات اقتصادية مثل الاتحاد الأوروبي وبعض دول آسيا في السوق العالمي, لا توجد قوة عسكرية تمثل تهديدا خارجيا للولايات المتحدة. ومما يدعو إلى التندر هنا, أن الحصيلة الثانوية لتجنب المواجهة العسكرية وزيادة الاهتمام بقضايا الاقتصاد العالمي أدت إلى انخفاض حجم الاهتمام بالقصص الإخبارية الخارجية في شبكات التليفزيون الأمريكية الرئيسية وغيرها من الأنظمة الإعلامية. وتبنت الصحف السياسة ذاتها, فمجلة مثل التايم وصحيفة نيويورك تايمز استبدلت مكاتبها الخارجية باهتمامات وأولويات محلية داخلية. ويتضح انخفاض الاهتمام بالقصص الإخبارية الخارجية في العقد الحالي مقارنة بالعقود المنصرمة كذلك في نشرات الأخبار التليفزيونية المسائية في الشبكات الأمريكية الأساسية. حيث يقدر البعض أن القصص الإخبارية الدولية في تلك النشرات لا تتعدى 20% مقارنة بأكثر من 50% في فترة الحرب الباردة(3). يشير مصطلح الإعلام الدولي إلى التحليل الثقافي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي والتقني للنماذج الاتصالية وآثارها بين الدول. ذلك أن الإعلام الدولي يركز بشكل أكبر على الجوانب العالمية لوسائل الإعلام والأنظمة الاتصالية والتكنولوجية أكثر من التركيز على القضايا المحلية أو حتى الوطنية. لكن ومنذ تسعينيات القرن العشرين انخفض مستوى حضور القضايا العالمية في الإعلام بشكل كبير وذلك بسبب حدثين أساسيين. الحدث الأول كان نهاية الحرب الباردة والتغيرات التي جاءت بعد تلك النهاية, أما الحدث الثاني فكان زيادة التبادل الاقتصادي بين الدول على المستوى العالمي من أجل تثنيت فكرة الاقتصاد العالمي. وعلاقة التبادل بين الدول لم تكن اقتصادية فقط بل كان لها بعد ثقافي أيضا . هذا البعد الثقافي, له أيضا سؤالان أساسيان: 1) ما هي نسبة المضمون الأجنبي المتضمن في عملية التبادل الدولي الثقافي قياسا إلى مستوى الثقافة المحلية, ومستويات استيعابها واستهلاكها?. 2) كيف يتم نقل وتوزيع ذلك المضمون الثقافي الأجنبي (من خلال الكتب, أو السينما, أو الموسيقى, أو التليفزيون, أو الإعلانات, أو الإنترنت)?. من الناحية التاريخية, تنسب العديد من سياسات الإعلام الدولي وممارساته وأنشطته إلى حكومة الولايات المتحدة بل يقال أنها -الحكومة الأمريكية- عازف الأوركسترا الأساسي في هذا المجال. ففي خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين لعبت مؤسسات أمريكية أساسية مثل وزارة الخارجية, ووكالة الاستخبارات المركزية, ومجلس الأمن القومي, ووزارة الدفاع أدوارا مركزية من خلال بعض المنظمات الدولية تتناسب وأهداف الحرب الباردة. هذا السلوك الأمريكي كان واضحا من خلال بعض المؤتمرات الدولية لكنه أصبح أكثر وضوحا من خلال موقف الولايات المتحدة من النظام المعلوماتي والإعلامي الجديد. هذا الموقف الأمريكي العدائي أصبح واضحا عندما انسحبت الولايات المتحدة من المنظمة الأممية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) في ثمانينيات القرن العشرين, ولا تزال خارج هذه المنظمة إلى اليوم. عندما تفتت اتحاد الجمهوريات السوفييتية في تسعينيات القرن العشرين, تخلت السياسة الأمريكية الخارجية عن الكثير من نقاط الخلاف -السرية منها والمعلنة- مع الاتحاد السوفييتي السابق. فالعلاقات القديمة بين الطرفين -أثناء الحرب الباردة- كانت تعنى بالشيوعية والتهديد النووي وأهداف الأمن القومي وطرق حمايته وكلها قضايا لم تعد بتلك الأهمية بعد نهاية الحرب الباردة وفقدت بريقها في عصر الانفتاح والتعاون بين الجانبين. وتبدلت القضايا تبعا لذلك, فأصبحت قضية التبادل التجاري تحتل أهمية المبادرات والصراعات الإعلامية بين الطرفين, كما أصبح على الصحفيين السوفيتيين المتشددين إما التقاعد وترك المهنة أو إدعاء الولاء لتقاليد وممارسات الصحافة الحرة. في الفترة الراهنة يمكن القول أن الإعلام الدولي في حالة تغير مستمر, فالفراغ الذي خلفه سقوط الاتحاد السوفييتي تمت تعبئته بمناخ الحتمية الاقتصادية والمدعومة أصلا بحقيقة الاقتصاد العالمي. تلك الحتمية الاقتصادية والتي تضمنت الاندماجات الاقتصادية والتسارع باتجاه الأسواق الخارجية حولت النقاشات ومراكز القوة من واشنطن إلى وول ستريت ومن العوامل التي يمكن أن تؤثر على وزارة الدفاع الأمريكية إلى تلك التي يمكن أن تؤثر على أسواق المال. النظام العالمي الجديد للمعلومات والإعلام قدمت الأمثلة السابقة شواهد لتغي ر مناخات الإعلام الدولي في تشيلي والصين, كما برهنت على بعض القضايا الأساسية في الإعلام الدولي. في الماضي كانت مثل هذه القضايا تنتمي إلى مناظرة النظام العالمي الجديد للمعلومات والإعلام الذي يتضمن(1) عملية تقييم تبحث عن تدفق عادل ومنصف للمعلومات ولمضامينها أيضا ,(2) الحق في النزعة الاستقلالية لسياسات اتصال وطنية,(3) على المستوى الدولي تدفق معلوماتي في اتجاهين يعكسان أوضاع وأنشطة الدول الأقل تطورا وتنمية .(4) وعلى الرغم أن بعض الجهات في العالم تدافع عن مثل هذه التوجهات, إلا أن جهات عديدة في العالم أيضا تعتقد أن قضية النظام العالمي الجديد للمعلومات والإعلام لم تعد قضية عالمية, بل حتى اليونسكو تخلت عنها أو على أقل تقدير قللت من اهتمامها بها. لكن يظل من الضروري فهم مثل هذه المقدمات المنطقية لظهور قضية النظام العالمي الجديد للمعلومات والإعلام والقضايا التي قسمت دول العالم لتحقيق فهم كامل للإعلام الدولي. كان الهدف الأساسي للنظام العالمي الجديد إعادة بناء نظام إعلامي بأولويات جديدة تساعد الدول النامية على تحقيق أثر أكبر على أنظمتها الإعلامية, والمعلوماتية, والاقتصادية, والثقافية, والسياسية. حيث تنظر الدول النامية إلى النظام الإعلامي العالمي الراهن على أنه من مخلفات المرحلة الاستعمارية ولا يهتم إلا بالقيم التجارية وقيم السوق فقط. في المقابل رفضت الحكومات الغربية ومؤسسات الأخبار بقوة مثل هذه الخطط بدعوى أنها تساعد على زيادة التدخلات في شؤون الصحافة وبالتالي تخفيض أسهم السوق وحصص الفائدة. وفي بحثها عن تدفق متوازن للمعلومات, تبنت الدول النامية بعض الإجراءات والممارسات التي تتعارض وتتقاطع بشدة مع التقاليد والممارسات الصحفية الغربية. حيث نادت تلك الدول بمزيد من السيطرة الحكومية على وسائل الإعلام, وتقليص دخول الصحفيين إلى مناطق الأحداث والحصول على المعلومات, والمواثيق الأخلاقية, وتراخيص الصحفيين, وضرائب أطياف البث الإذاعي, وكلها أفكار يرفضها الصحفيون الغربيون وملاكو وسائل الإعلام وصناع القرار. وحتى الدعوة إلى <<توازن التدفق>> للمعلومات والتي أجازتها اليونسكو في سبعينيات القرن العشرين تنتقد بأنها تدخل في مكيانزمات التدفق الحر والسوق الحر أيضا . حيث تظل فكرة التدفق الحر للمعلومات الفكرة المتسقة مع حرية الصحافة بل أنها الفكرة التي تساعد في تحقيق تلك الحرية. إن خلاف الصحافة الغربية مع فكرة النظام العالمي الجديد للمعلومات والإعلام ليس خلافا نظريا وحسب, ذلك أن تلك الفكرة تضفي شرعية على تدخل الحكومات في بث وتلقي المعلومات وبالتالي فإن عددا من الدول لا يزال مستمرا في دعم وتطبيق سياسات هذا النظام. في أفريقيا, على سبيل المثال, وفي ليبيريا أصدرت وزارة الإعلام أمرا يمنع دخول الصحف إلى الإنترنت, ويحتاج الصحفيون إلى ترخيص حكومي للمعلومات التي يمكنهم الحصول عليها, ولأن الوزارة لم تمنح أي ترخيص لاستخدام الإنترنت تظل هذه الخدمة ممنوعة. ويشرح وزير الإعلام في الحكومة الليبيرية جو مولبه هذه الممارسات قائلا : في تناقض واضح وصارخ مع أخلاقيات الصحافة والبث الإذاعي التي تؤكد على أهمية صحة المعلومات ودقتها, تقوم بعض المحطات الإذاعية والصحف بنقل أخبار ومعلومات غير دقيقة ومقالات وأعمدة صحفية تأخذ مادتها من بعض الإشاعات في ليبيريا. بالإضافة إلى ذلك, وبشكل مناف للالتزامات والتعهدات المتفق عليها لم تعد محطات الإذاعة والتليفزيون تلتزم بتقديم خططها البرامجية لكل ثلاثة أشهر للجهات الرسمية.(5) ودول أفريقيا ليست الوحيدة في محاولاتها لتقنين الاتصال الإليكتروني أو التدخل في مادة الشبكة العالمية للمعلومات. في الشرق الأوسط. ويهاجم العديد من النقاد من الدول الأقل نموا , الصحافة الغربية وكأنها تعمل ضمن نظام محدد ومنطقي. حيث فشل أولئك النقاد في إدراك التعقيد والتشابك الذي يحكم عمليات اتخاذ القرارات في الصحف وشبكات الإذاعة والتليفزيون الغربية. ويشرح مورت روزنبلم Mort Rosenblum, هذه الفكرة قائلا : يلعب المراسلون دورا مهما في اختيار الحدث الذي يجب تغطيته ونقله للجمهور. لكن قرار الاختيار في النهاية يترك للمحررين الذين, هم بمثابة حراس البوابة. وعلى الرغم من اختلاف الأساليب والطرق التي تتبناها وسائل الإعلام والمراسلون فيها, إلا أن مبادئ الاختيار في النهاية واحدة. حيث تعرض الصيغة الأولى التي يكتبها المراسل عن الحدث على حارس البوابة الأول, وإذا ظهرت أي مشكلة في تلك الصيغة يتم عرضها على حارس آخر, وهكذا. ومع استمرار هذه العملية قد تختفي الصيغة الأولى التي كتبها المراسل عن الحدث, وتظهر المادة النهائية التي اشترك في وضعها وصياغتها العديد من حراس البوابة. وما يقوم به هؤلاء الحراس-المحررون- هو اختيار المعلومات التي يحب أن تصل إلى الجمهور أو تحجب عنه.(6) وهذه نقطة مهمة, فما يعرفه الأفراد في المجتمعات الغربية عن الدول والمجتمعات الأقل نموا ضئيل للغاية بسبب ممارسات العديد من حراس البوابة. لكن هذا التناقص في المعلومات عن الدول الأقل نموا يبدو متناقضا وغريبا من الناحيتين النظرية والعملية حيث تتوفر الكثير من المعلومات اليوم عن كل أنحاء العالم. ذلك أن وسائل الاتصال الجديدة مثل الإنترنت والقنوات الفضائية وأجهزة الفاكس والكمبيوترات المحمولة وغيرها من الوسائل الحديثة قضت على بطء ومحدودية الوسائل التقليدية. لكن ومن الناحية العملية تبدو القصة مختلفة نوعا ما. فالصحف الدولية وذات التوزيع المرتفع في الغرب تقدم اليوم أخبارا دولية أقل مما كانت تقدم منذ سنوات قليلة ماضية. ويرتبط ذلك بالعديد من الأسباب. السبب الأول والرئيسي يرتبط بالتكلفة العالية للتقارير والأخبار الدولية. حيث تصل التكلفة اللازمة لتعيين مراسل واحد وتوفير الأجهزة والمعدات اللازمة له في سنة واحدة قرابة 250000 دولار. هذا الأمر أدى إلى تقليص قوي لعدد المراسلين الذين يمكن أن تعتمد عليهم وكالات الأنباء أو شبكات التليفزيون أو الصحف. ويرتبط السبب الثاني بالعوائق التي توضع عادة في مواجهة أولئك المراسلين والتي تنقسم إلى عوائق بيروقراطية وإدارية مثل الرقابة والحظر وتعطيل إجراء بعض المقابلات, وعوائق مباشرة وشخصية أبرزها التعذيب الجسدي والسجن والموت في بعض الأحيان. ثالثا , قاوم بعض المحررين صرف الأموال والأوقات لتوسيع التغطيات الصحفية الخارجية بعد أن تزايد عدد المراسلين الأجانب وبدأوا في تشكيل مجموعات عمل مشتركة. رابعا , التوجه ناحية <<صحافة البراشوت>>, وتعني تواجد عدد كبير من الصحفيين والمراسلين الدوليين الذين ينقضون على منطقة الحدث ويختصرون نقل الأحداث ووضعها في سياق طبيعي في شريط مسجل قد لا تصل مدته ثلاثين ثانية فقط. أخيرا , ساعد عدم اهتمام الجمهور بالأخبار الخارجية والتوجه إلى الصحافة والأخبار الخفيفة على تضاءل اهتمام المحررين في توفير تغطية إخبارية مستمرة وعميقة للقضايا والأحداث الخارجية. لقد قل صت الصحف وشبكات التليفزيون نسبة الأخبار الدولية فيها. وكان السبب وراء ذلك التقليص على مستوى الصحف, على سبيل المثال, يرتبط بالمشاكل المادية في المقام الأول ثم تناقص أرقام التوزيع, بالإضافة إلى التوجه ناحية الصحافة المحلية. ويمكن القول كذلك أن خبراء التسويق اليوم هم من يسيطر على سياسات وسائل الإعلام فتصبح خياراتها بالتالي انعكاسا لسيطرة مجموعة من المجموعات وليست خيارات المحررين. وأصبح من الجائز لنا القول, أنه بدون الحرب الباردة لا يوجد تركيز على الأخبار الدولية, وفي غياب المواجهات الدرامية بين الشرق والغرب ستغيب الأحداث والصور الدولية التي يمكن أن تجذب اهتمام الجمهور. ويتضح أن الأحداث الاستثنائية وغير العادية لا تزال تسيطر على التقارير الإخبارية الدولية, وتحضر بشكل قليل ونادر أخبار بعض النجاحات والتطورات في التربية والصحة وغيرها من المجالات. وفي حديثه عن <<الأنظمة>> يشير روزينبلم إلى: يظهر المراسلون الأجانب في الكثير من الأحيان وكأنهم مجانين, ينتظرون بعض المصادر الإخبارية لساعات طويلة تحت المطر حتى يكتبوا بعض الأخبار التي قد تصل إلى طاولة التحرير في المؤسسة التي يعمل بها. ويظهر المحررون وكأنهم أكثر جنونا , وهم ينتظرون التأكد أن مراسلهم وصل إلى المدينة النائية البعيدة في الوقت المحدد ويرسل لهم الأخبار والقصص التي يجمعها. لكن تجميع جهود الطرفين- المراسلين والمحررين- وتقديمها إلى القراء صبيحة كل يوم في أنحاء الولايات المتحدة عادة ما تظهر وكأنها متكبرة وتغوص في الوحل. هذا النظام يهتم في الأساس بتحويل اهتمام الجمهور إلى اللهو بدلا من المعلومات ويتجاوب بشكل غير ملائم عندما يطلب منه فجأة تفسير بعض الأحداث والقضايا. ويبدو أن المواطن الأمريكي وحده المستهدف بالتجاهل من دون كل مواطني العالم. وبسبب النظام, فقد غالبية الأمريكيين العلاقة بالأحداث التي تؤثر مباشرة على حياتهم. فعندما تظهر الأزمات لا يتم تحذيرهم, وعندما يبدأ الهجوم لا يتم إعلامهم. ويعرفون القليل من المعلومات فقط عن كيفية اتخاذ القرارات بالنيابة عنهم والتي قد تقلص رواتبهم وتحصر حرياتهم وتهدد أمنهم.(7) لماذا هذه الحالة? ما هي آثارها? وفي هذا العصر الذي تتوفر فيه المعلومات بكثرة, لماذا يوجد القليل المفيد منها? لقد حذرت الصحف الغربية أن هذه الحالة ستصبح أسوأ في ظل النظام العالمي الجديد للمعلومات والإعلام. وتبدو فكرة تحديد تراخيص معينة للمراسلين الأجانب خطوة أولى ضمن العديد من الخطط التي سوف تؤدي إلى تحديد عدد قليل من المراسلين المقبولين للعمل في الدول الأقل نموا والسماح بمرور عدد أقل من القصص الإخبارية عن تلك الدول وخاصة تلك التي تدعم توجهات الحكومات. ويصبح السؤال بالتالي, ما إذا كانت هذه الأخبار ستتطور في الدقة والكمية والنوعية أو سيتم تجاهلها من قبل حراس البوابة أو تحظر أو تتم مراقبتها بشكل مكثف. هذا الأمر يفسر لنا كيف أن الاهتمام بقضايا ومواقف وسائل الإعلام الدولية يساعدنا في فهم الإعلام الدولي. ومن أجل فهم وتقييم الأحداث والتيارات والملاك الأساسيين في مجال الإعلام الدولي, سأعتمد على إطارين نظريين: الاستعمار الإليكتروني والنظام العالمي. ومن خلال عمل وسائل الإعلام الدولية, سأطرح بعض الأمثلة التي تساعد في فهم هذين الإطارين النظريين. نظرية الاستعمار الإليكتروني Electronic Colonialism Theory (ECT) اعتاد الباحثون الإعلاميون, تقليديا , اختيار بعض القضايا الدقيقة مثل ترتيب الأولويات, أو الملكية, أو العنف, وتحديدا في وسيلة إعلام واحدة. لكن وفي حالات خاصة ومناسباتية يركز الباحثون على جوانب وقضايا عامة في نظام إعلامي بعينه. ومن رموز هذه المدرسة من الباحثين, أذكر: Harold Innis, Marshall McLuhan, Armand Mattelart, Jacques Ellul, and Gerige Barnett. ويوفر النظام العالمي الجديد للمعلومات والإعلام إطارا عاما جديدا لدراسة الأنظمة الإعلامية. أما نظرية الاستعمار الإليكتروني, فتعكس الكثير من الاهتمامات المعاصرة. على مدار التاريخ, نجحت بعض التيارات الأساسية فقط في بناء الإمبراطوريات. تميز العهد الأول من الإمبراطوريات بالسيطرة العسكرية, واتضح ذلك في فترة الإغريق والرمان, حيث توسعت الإمبراطورية الرمانية لتشمل ما يسمى اليوم بأوروبا وشمال أفريقيا. وسميت هذه المرحلة بمرحلة الاستعمار العسكري. أما العهد الثاني فكان يمثله, المقاتل المسيحي في الحملات الصليبية في القرون الوسطى والذي كان يهدف إلى السيطرة على الأراضي الممتدة من أوروبا إلى الشرق الأوسط. وبداية من 1095م, انطلقت العديد من الحملات الصليبية وعلى مدار مائتي عام أدت إلى التوسع الشرقي وتأسيس المستعمرات الأوروبية الجديدة في الشرق الأوسط. وصودرت الأراضي من المسلمين عندما أصبحت الحضارة الغربية القوة الدولية المسيطرة. ويسمى هذا العهد بعهد الاستعمار المسيحي. وبدأ العهد الثالث من القرن السابع عشر ممتدا إلى منتصف القرن العشرين. ولأن هذا العهد تأثر بتحقيق العديد من الاختراعات الميكانيكية, فقد أطلق عليه عهد الاستعمار التجاري. حيث أدت الثورة الصناعية إلى استعمار تجاري يعتمد على حركة البضائع والمنتجات. وأصبحت قارات آسيا وأفريقيا والكاريبي والأمريكتان أهدافا للقوى الأوروبية الصاعدة. وسعت فرنسا وبريطانيا وأسبانيا والبرتغال وهولندا وبلجيكا وإيطاليا ودول شمال أوروبا إلى توسيع تأثيرها التجاري والسياسي على أنحاء مختلفة من العالم. كانت هذه الإمبراطوريات الأوروبية تبحث عن أسواق ومواد خام وسلع غير متوفرة لديها. وفي المقابل, قدمت إدارات استعمارية, ومهاجرين, ولغة, وأنظمة تعليم, ودين, وفلسفة, وثقافة عالية, وقوانين, وأساليب حياة لم تكن أبدا للتوائم من أنماط حياة الدول التي قامت باستعمارها. لكن ذلك لم يشغل بال المستعمرين المنتصرين, بل أن بعضهم -المستعمرين - كالبريطانيين كان يعتقد أنه يخدم تلك المستعمرات أكثر من الضرر بها. وفي مرحلة متأخرة من العهد الثالث-العهد التجاري- سعت الدول الصناعية إلى توسيع درجة تأثيرها من خلال المؤسسات العابرة للحدود أو المتعددة الجنسيات. لكن ظل البحث عن الامتيازات الاقتصادية -المواد الخام, والعمالة الرخيصة, وتوسع الأسواق-هو العنصر المشترك والهام في كل مراحل هذا العهد. ويضم الاستعمار التجاري بعض الضرورات التجارية الملحة مثل الإعلانات والتنظيم الحكومي والقوانين وحقوق الملكية والتعاقد, والتي تساعد إذا ما وضعت بشكل جيد في إظهار قوة الدول الصناعية قياسا بمستعمراتها الخارجية الضعيفة. لقد كان اختراع المطبعة على يد الألماني يوحنا جوتنبرغ أحد العناصر الأساسية للاستعمار التجاري. في منتصف القرن الخامس عشر قدم جوتنبرغ مائتي نسخة من إنجيل جوتنبرغ, وعلى الرغم من ثمنه المرتفع, إلا أنه نفذ بسرعة معلنا بداية عهد إعلامي جديد. نعم مات جوتنبرغ وهو رجل مفلس وفقير, لكن اختراعه كان وسيلة لثراء الآخرين وسلطتهم. لقد استخدمت المطابع في البداية لنشر المواد الدينية, ثم ظهرت في مرحلة لاحقة الصحافة الشعبية, التي كانت تباع بأسعار متواضعة. وبمرور الوقت خضعت المطابع لسيطرة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية وتسلط بعض الملكيات. وفي تلك الفترة أيضا , تزايدت المطالبات بضرورة وجود طبقة مثقفة تستطيع التعامل مع التكنولوجيا المعقدة لمصانع الإنتاج. كما بدأت المجتمعات الجماهيرية في التشكل, حيث كانت تضم أعدادا كبيرة من القادرين على القراءة والكتابة وظهرت معها بعض اتجاهات التصنيع التي كانت تشجع على شراء الصحف وتذاكر الأفلام والاستماع للمذياع واستخدام البرقيات. لقد حددت الحربان العالميتان الأولى والثانية نهاية التوسع العسكري, ومكنت الدول الصناعية في الغرب من التحكم في المؤسسات والمنظمات الدولية وطرق التجارة الدولية والممارسات التجاري الدولية. وفي خمسينيات القرن العشرين, أدى المناخ الاقتصادي والتجاري إلى تشجيع الشركات المتعددة الجنسيات للعمل على زيادة وتوحيد الأسواق الداخلية والدولية على قاعدة إنتاج السلع والبضائع العامة. وفي فترة الثورة الصناعية, وتحديدا في نهاية عقد الخمسينيات وبداية عقد الستينيات من القرن العشرين, ظهر تغيران أساسيان مهدا الساحة لظهور التوسع الإمبراطوري أو العهد الرابع. أما التغيران المعنيان هنا فكانا, ظهور القومية وخاصة في الدول النامية, إلى جانب التحول ناحية خدمات أو اقتصاد المعلومات في الغرب. أما اقتصاد المعلومات فقد اعتمد على وسائل الاتصال عن بعد وتكنولوجيا الحاسوب لنقل المعلومات. هذا الاتجاه الجديد كان يمثل تحديا للحدود الوطنية التقليدية والعوائق التكنولوجية التي تعوق عملية الاتصال. هذه الحقيقة كان لها تأثيرات مهمة على المجتمعات الصناعية وغير الصناعية, فالاستعمار الإليكتروني اليوم وغدا حل محل أشكال الاستعمار القديمة; العسكري والديني والتجاري. ويمثل الاستعمار الإليكتروني علاقة الاستقلال التي ارادتها الدول الأقل نموا بالغرب, حيث بنيت تلك العلاقة على استيراد برامج وأدوات الاتصال جنبا إلى جنب مع استقدام المهندسين والفنيين والبروتوكولات اللازمة. هذا النوع من الاستيراد أدى إلى ظهور قيم وعادات وثقافات وتوقعات جديدة, تتعارض إلى درجات كبيرة مع قيم الثقافات المحلية وعاداتها. لقد تخوفت الدول الأقل نموا من الاستعمار الإليكتروني أكثر بكثير من تخوفها من الاستعمار التجاري. ذلك أن الأخير كان يبحث عن العمالة الرخيصة بينما كان الاستعمار الإليكتروني -ولازال- يبحث عن التأثير في العقول. فالهدف الأساسي للاستعمار الإليكتروني هو التأثير على الاتجاهات والرغبات والاعتقادات وأنماط الحياة والاستهلاك. ذلك أنه كلما تزايدت النظرة إلى سكان الدول الأقل نموا من المنظور الاستهلاكي فقط, تصبح السيطرة على قيم وأنماط سلوكهم مطلبا مهما للشركات متعددة الجنسيات.(8) فعندما يشاهد الجمهور مسلسلا مثل Baywatch, فإنهم يتعلمون أكثر عن عادات المجتمع الغربي وأنماط حياته. هذا المسلسل, الذي بدأ عرضه في 1989, وصل إلى قمة الحضور والمشاهدة في منتصف تسعينيات القرن العشرين عندما وصل عدد مشاهديه قرابة بليون شخص في الأسبوع الواحد وفي حوالي 150 دولة حول العالم. ومن خلال مسلسلات مثل هذا المسلسل أو مسلسل أخر مثل Dallas, بدأ المشاهدون في تكوين تصورات عقلية وانطباعات عن الولايات المتحدة. ويعتبر مسلسل The Simpsons , مثال آخر على مسلسلات الكرتون متعددة الحلقات, حيث تجاوز المسلسل 250 حلقة, وهو يحقق انتشارا واسعا ومستمرا . وقد نجح المسلسل وشخصياته في تصوير الجوانب الكريهة والسيئة للحياة والثقافة الأمريكية. لكن نجاح المسلسل لم يكن فقط في قدرته على الاستمرار, بل في تمك نه من إفراز مسلسل أسبوعي كرتوني آخر يسمى South Park . وتعتمد نظرية الاستعمار الإليكتروني على النتائج بعيدة المدى لآثار هذه الصور والرسائل التي تطلقها من أجل توسيع الأسواق والقوة والتأثير الغربي. وهنا لا نستغرب أبدا , ظهور العديد من حركات القومية في مناطق مختلفة من العالم, لمواجهة الآثار الاستعمارية لسوق المنتجات الثقافية الغربية. وتنامي هذه الحركات غالبا لدول حديثة كانت في الأساس مستعمرات قديمة لبعض القوى الأوروبية. حيث تهدف هذه الحركات إلى فرض سيطرتها على أطرها السياسية والاقتصادية والثقافية الخاصة بتاريخها وسيادتها الوطنية. وهذه هي القضايا التي يهتم بها عادة طلاب الإعلام والدراسات الثقافية. وعلى سبيل المثال, هناك اهتمام متزايد بالقضايا التي تهم الدول النامية والغرب, وخاصة القضايا التي تتخذ مواقف متضادة, مثل دور وكالات الأنباء الدولية وشبكات التليفزيون الدولي ووكالات الإعلان والإنترنت.(9) نظرية النظام العالمي World-System Theory (WST) توفر نظرية النظام العالمي المفاهيم والأفكار واللغة اللازمة لبناء الإعلام الدولي, وقد طو ر هذه النظرية ايمانويل ووليرستين Immanuel Wallerstein (10) وترتبط النظرية كذلك بنظرية الاستقلال(11), التي تتشابه مع المدرسة النقدية الإعلامية في أطروحاتها وخطاباتها. وقد اعتمد بعض الباحثين نظرية النظام العالمي لدراسة مجالات محددة, مثل ثوماس كلايتون Thomas Clayton في التربية المقارنة, أو جورج بارنت George Barnett لدراسة الاتصال عن بعد(12). يعرض هذا الفصل من الكتاب نظرية النظام العالمي ويطورها لاستخدامها في الإعلام الدولي. أما نظرية الاستعمار الإليكتروني التي تم تطويرها سابقا , فقد تم اعتمادها لفهم أفعال وردود أفعال الدول شبه المركزية والدول الهامشية. تشير نظرية النظام العالمي أن التوسع الاقتصادي بدأ ينطلق من مجموعة صغيرة من الدول المركزية إلى الدول شبه المركزية والدول الهامشية. هذه الفئات الثلاث من دول العالم-المركزية, شبه المركزية, والهامشية- تتفاوت في درجات التفاعل الاقتصادي والسياسي والثقافي والإعلامي والتقني والرأسمالي والاجتماعي. وتبع البناء العالمي المعاصر منطق الحتمية الاقتصادية حيث تحكم قوى السوق وتحدد الرابح والخاسر سواء كانوا أفرادا أو شركات أو دولا (13). ويبدو أن العلاقات الاقتصادية التي تربط بين دول الفئات الثلاث من دول العالم غير متساوية, حيث تسيطر الدول المركزية على الأطر الاقتصادية. ويمثل قطاع الدول المركزية بالدول الغربية الصناعية الأساسية. أما الدول الهامشية وشبه الهامشية فهي في المواقع التابعة أو الثانوية في التعامل مع الدول المركزية. وتمارس الدول المركزية سيطرتها على طبيعة ومدى تفاعلها مع الدول الهامشية وشبه الهامشية. كما تدافع الدول المركزية كذلك عن علاقاتها بالدول الهامشية وشبه الهامشية. وتوفر الدول المركزية التكنولوجيا والبرمجيات ورأس المال والمعارف والسلع والبضائع الجاهزة والخدمات الأخرى للدول الهامشية وشبه الهامشية, التي ينظر إليها كمستهلكين وأسواق. وتوفر الدول الهامشية وشبه الهامشية للدول المركزية العمالة الرخيصة, المواد الخام, الأسواق, وغيرها من الضرورات اللازمة للتصنيع في الدول المركزية. وتعرض تكنولوجيا الاتصال الجماهيري السلع الجاهزة والخدمات التي تدعم العلاقات بين فئات الدول الثلاث في العالم. ويمكن توظيف نظرية النظام العالمي لفهم ودراسة الصناعات الثقافية وأنظمة الاتصال الجماهيري والتحول التكنولوجي, وأنشطة كبار ملا ك الأسهم والحصص العالميين. ويصف ثوماس شانون Thomas Shannon حركة الاقتصاد والعمال والتكنولوجيا وغيرها من العناصر بين فئات الدول الثلاث (ما هي هذه الفئات). ويرتبط تعلم القيم الاقتصادية المناسبة لتسهيل انتشار المدنية وتحقيق التطور بعلاقة مركزية مع هذه العلاقات. وتنقل بعض هذه القيم بواسطة الإعلانات ومن خلال بعض البرامج الجماهيرية التي يتم إنتاجها في الغرب وتصديرها إلى دول العالم الأخرى. ويرتبط بهذه العلاقات أيضا , نظام الاتصال الجماهيري الذي يسمح بنقل المواد الإعلامية لخلق أو تشكيل ثقافة جماهيرية في الخارج للسوق العام أو للجمهور, أو لخلق خيارات ثقافية في سوق كبير يسمح باستيراد بعض المنتجات والخدمات الإعلامية المختارة. وتبقى المسألة الأهم هنا, وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة إلى نظرية المدنية وأهدافها, أن الدول الهامشية تحتاج إلى تعل م بعض القيم والمرور ببعض التجارب وتبني بعض الفلسفات حتى تستطيع الانتقال إلى الفئة الثانية من دول العالم, اي الدول شبه الهامشية. أما الدول شبه الهامشية فقد شغلت بممارسات اقتصادية تنتمي إلى الدول المركزية والدول الهامشية على حد سواء. وكان عليها أن تؤكد على قيم الدول المركزية حتى تستطيع الانتقال إلى الفئة الأولى من دول العالم, الدول المركزية. وتضم فئة الدول المركزية في العالم الولايات المتحدة, دول الاتحاد الأوروبي -خمس عشرة دولة عضو واثني عشرة دولة تنتظر الانضمام- كندا, إسرائيل, استراليا, نيوزيلندا, واليابان. أما فئة الدول شبه الهامشية فتضم النمسا والبرازيل والصين والدانمارك وفنلندا والمجر وبولندا وروسيا والسويد وسويسرا وسنغافورا وكوريا الجنوبية ومصر والهند والأرجنتين والمكسيك وتشيلي ومالطا وسلوفينيا وفنزويلا, وغيرها من الدول. وتضم فئة الدول الهامشية في العالم, الدول الأقل نموا أو التي تسمى بدول العالم الثالث. وينتمي إلى هذه الفئة أغلب دول أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية والجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفييتي السابق. وتملك هذه الدول أضعف مستوى تجاري واقتصادي وتنشر عنها القليل من القصص الإخبارية إلى جانب أضعف وأسوأ تشبيك للإنترنت على مستوى العالم كله. أما الأخبار التي تظهر عادة عن الدول فهي سلبية في الغالب الأعم عن أحداث الانقلابات أو الكوارث الطبيعية. ولم تحقق هذه الدول نجاحات ملموسة في مجال التصنيع بعد والذي هو الركن الأساس للرأسمالية والرأسماليين. ولا تزال الأمية منتشرة في هذه الفئة من دول العالم الأمر الذي قد يحول - في المقال الأول- دون قراءة الكتب والصحف والمجلات. وتفتقد هذه الدول إلى القوة اللازمة لتحديد علاقاتها بالغرب, باستثناء قدرتها على حظر استيراد المنتجات الإعلامية الأجنبية كما في حالة العراق وإيران. وتفسر نظرية النظام العالمي بشكل جيد التوسعات التي تحققت في الإعلام الدولي, حيث لعبت وسائل الاتصال الجماهيرية ومن ضمنها التليفزيون والسينما وغيرها من الوسائل دور الوسيط والمثقف (بكسر القاف) للدول الهامشية وشبه الهامشية. وتم تضمين الأيديولوجيا الرأسمالية المهيمنة في البناء التحولي الجديد وفي خطط التسوق وفي الخطط الاستراتيجية للصناعات الثقافية. ومن الدول المركزية وتحديدا الولايات المتحدة وأوروبا ظهرت شركات الإعلام المتعددة الجنسيات, التي كانت تبحث عن توسيع نطاق تأثيرها وبيع منتجاتها الثقافية المختلفة إلى دول العالم الأخرى من أجل تحقيق الفوائد والأرباح. وسيطرت صناعات واستثمارات الدول المركزية على برامج التشغيل والبرمجيات اللازمة للإعلام العابر للقارات, حيث تباع مثل تلك المنتجات بشكل مباشر أو غير مباشر للدول الهامشية وغير الهامشية طالما توفرت الأسواق التي تستوعب هذه المنتجات وتستطيع توفير تكاليفها. وكما تفسر نظرية النظام العالمي أهمية الأيديولوجيات الرأسمالية لعمل الاقتصاد العالمي وتوسعه, ترى أن شركات الإعلام متعددة الجنسيات تلعب دورا موازيا في الأهمية عندما تعرض تلك الأيديولوجيات بشكل جيد داخليا وخارجيا, وعندما تروّج قيم وأساليب عمل الرأسماليات المركزية في الدول الهامشية وشبه الهامشية. يصف جيم كولنس Jim Collins, (14) على سبيل المثال, والت ديزني Walt Disney كرجل يملك رؤية خيالية مكنته من توظيف منتجات شركته <<لتحديد شكل المجتمع وقيمه الخاصة>>. ويواصل كولنس <<لقد تربى الأطفال من إسرائيل إلى البرازيل, ومن السويد إلى استراليا, وهم يتابعون توجيهات والت ديزني التي كانت في ذات الوقت تحدد صورهم وخيالاتهم عن العالم الخارجي>>. يمكن القول هنا أن هذا المثال, قد يمثل صورة كلاسيكية لنظرية الاستعمار الإليكتروني. ويبحث كبار رجال الأعمال في الشركات متعددة الجنسيات عن تغيير اتجاهات المستهلك العالمي والتأثير عليها من خلال عرض أحدث المنتجات التي يجب أن تستهلك بسرعة واستمرار. لابد من المجادلة هنا, أن رفض القيم الثقافية والاقتصادية والاجتماعية للدول المركزية في الدول الهامشية وشبه الهامشية سيؤدي مباشرة -إذا وجد فعلا - إلى عدم الإقبال على المنتجات الثقافية مثل الأقراص المضغوطة وأفلام السينما وأفلام الفيديو والكتب وغيرها, والقادمة من الدول المركزية بل إلى عدم تطويرها في الأساس. وتحتاج الصناعات والأيديولوجيات الثقافية في الدول المركزية إلى نجاحات كبيرة في مبيعات السلع والخدمات المركزية في الدول الهامشية وشبه الهامشية من أجل زيادة أسهم السوق والانضمام أو الاندماج مع الصناعات المركزية الأخرى مثل صناعة السيارات, والوجبات السريعة, والمعدات, والطائرات, وأجهزة الحاسوب, وغيرها من الصناعات للاستفادة من توسع الاقتصاد العالمي. وتشير زيادة الحملات الإعلانية عن المنتجات الثقافية في دول العالم المختلفة إلى حضور وتأثير الحركة الرأسمالية في العالم. ويمثل الإعلان بحد ذاته <<حالة دراسة>> فرعية في نظرية النظام العالمي, وسيتم الحديث عنه في فصل مستقل من هذا الكتاب. دون الدخول في تفصيلات, لابد من الإشارة هنا إلى أن أغلب وسائل الإعلام الجديدة في العالم هي وسائل تجارية في المقام الأول وتعتمد على الإعلان في تحقيق الدخل والفوائد المطلوبة. هذا الأمر, يعطي للإعلان تأثيرا قويا ودورا مركزيا في نجاح المغامرات الإعلامية الجديدة. وتوصف الوكالات الإعلانية في غلب الأحيان بأنها شركات متعددة الجنسيات تنتمي إلى الدول المركزية. وتجلب هذه الوكالات الإعلانية معها كل شيء تقريبا , من ممارسات المحاسبة إلى البحوث إلى التصميمات الجرافيكية إلى الاستراتيجيات الإعلامية جزء من عقد خدمات كامل. وتحمل نظرية النظام العالمي اعتقادا بأن الرخاء الاقتصادي سيتحقق للدول الهامشية وشبه الهامشية, كلما أصبحت هذه الأخيرة تدعم الرأسمالية وتتوسع في أسواقها لتشكل الدول المركزية. لكن جزءا من مشكلة عدم رخاء الدول الهامشية وشبه الهامشية اقتصاديا يرتبط بتوسع الدول المركزية في نشر وتوزيع منتجاتها الثقافية, ويؤدي هذا التوسع في العادة إلى نتيجتين مهمتين. الأولى, توسع الأسواق وزيادة المنتجات الثقافية في الدول المركزية يحتاج إلى مستهلكين وأسواق خارجية وفوائد تعود إلى شركات الإعلام متعددة الجنسيات التي تتمركز خاصة في أوروبا والولايات المتحدة. الثانية, أن المنتجات الإعلامية للدول المركزية تحل في العادة محل المنتجات الإعلامية المحلية في الدول الهامشية وشبه الهامشية. ويصبح على المنتجات الثقافية المحلية في هذه الدول من أفلام وموسيقى وكتب, منافسة وكالات الإعلان والترويج التي تقدم المنتجات الثقافية للدول المركزية, الأمر الذي لا تستطيع الشركات المحلية النجاح فيه. إذا عند مناقشة الرخاء الاقتصادي, علينا أن نسأل الرخاء لمن? ومن يكافأ عليه? الشخص المحلي أو الأجنبي? مع توسع المشاريع التجارية للدول المركزية في الدول الهامشية وشبه الهامشية, يمكننا القول أن الشركات متعددة الجنسيات هي من يحقق الرخاء الاقتصادي بغض النظر عن الآثار أو المساعدات التي تقدمها. لكن هناك مجادلة واحدة تشير إلى أن عدم التوازن في التأثير بهذا الشكل, قد م فائدة أساسية لبعض قطاعات العمل في الدول الهامشية وشبه الهامشية. فعلى سبيل المثال, عندما تنتج بعض البرامج التليفزيونية والأفلام السينمائية في الدول الهامشية وشبه الهامشية, تستفيد بعض الفئات والأفراد مثل سائقي سيارات الأجرة, والمطاعم المحلية وكل المحلات التجارية, وكذلك عندما تباع الصحف والكتب وأشرطة التسجيل وأفلام الفيديو يحقق البائع أو الموزع المحلي نسبة من الأرباح. وهناك العديد من الأمثلة الأخرى التي تثبت تحقيق الدول الهامشية وشبه الهامشية لبعض الأرباح والفوائد من اشتراكها في اقتصاد الدول المركزية. بل أن بعض الدول المركزية تتعامل مع شركات إعلام لدول مركزية مثلها للقيام ببعض الأعمال. ويوضح المثال التالي والمرتبط بصناعة الأفلام وعلاقة الولايات المتحدة وكندا, هذا النوع من العلاقة التي تربط دولتين صناعيتين مركزيتين. لقد انتقد الكنديون الوطنيون مرارا وبشكل دائم التأثير الثقافي لوسائل الإعلام الأمريكية. ومنذ دخول المذياع في كندا كان هناك تخوف مستمر من انتشار وسائل الإعلام الأمريكية ودخولها إلى البيوت الكندية. لكن عندما أصبحت شركات الإعلام هي مركز الاهتمام الأكبر لتحقيق الفوائد وتوسيع الأسواق هي الهدف الأساسي, رحبت كندا بصناعة هوليوود الفيلمية وبشبكات التليفزيون الأمريكية. وأصبحت مدن تورنتو ومونتريال وفانكيوفر مواقع أساسية لشركات إنتاج الأفلام الأمريكية والمسلسلات التليفزيونية. وخلقت هذه الأعمال المنتجة آلاف الأعمال سنويا وساهمت بالبلايين في الاقتصاد الكندي. وكان على كندا, كدولة مركزية قريبة من الولايات المتحدة قائدة الدول المركزية, بتنامي الدور الأمريكي وخاصة ذلك الذي تلعبه أفلام هوليوود في الاقتصاد والعمالة والثقافة الكندية. ومع تصاعد التكاليف الإعلامية وارتفاعها, نشرت مجلة ماكليين الكندية الأسبوعية تقريرا بعنوان <<الواجهة الشمالية>> لخصت فيه الموقف قائلة : يبحث النجوم عن أدور جيدة, وتبحث الاستوديوهات عن توفير المال وإنتاج التسلية الجيدة. ويمكنهم تحقيق كل ذلك إذا أنتجوا أفلامهم في الشمال الأبيض العظيم.(15) أخيرا , وعلى الرغم من قلة البحوث الإمبريقية الإعلامية(16) التي تركز على نظرية النظام العالمي, إلا أنه تجدر الإشارة إلى دراسة استثنائية قدمها كيانجمو كيم Kyungmo Kim وجورج بارنت George Barnett. ويعتبر المقال الذي نشراه بعنوان <<محددات التدفق العالمي للأخبار: تحليل الشبكة>>(17) مثالا جيدا لتطبيق نظرية النظام العالمي. حيث طب ق الباحثون نظريتي النظام العالمي والاستقلال. وبعد بحث مفصل للتدفق الدولي للأخبار في 123 دولة حول العالم, توصل الباحثون إلى أن <<نتائج هذا البحث تؤكد عدم التوازن في تدفق الأخبار بين الدول المركزية والدول الهامشية وشبه الهامشية. وتحتل الدول الغربية المكانة المركزية في السيطرة على تدفق الأخبار الدولية(18). واعتمادا على تحليلهم للبيانات المتوفرة لديهم, ختم الباحثي ن الدراسة بـ:<<يفرز هذا البناء المركزي للتدفق الدولي للأخبار نتيجتين تؤثران على استقلالية الإعلام. الأولى, تقف الدول الصناعية الغربية في موقف المنتج والبائع للأخبار الدولية. وفي المقابل تقف الدول الهامشية في موقف المستهلك الذي يعتمد على المعلومات وأخبار التي تنتج في الدول المركزية.(19) ويشير الباحثون إلى قلة الدراسات الدولية عن التدفق العالمي للأخبار وذلك للعديد من الأسباب, لذلك فإن دراستهما تصبح استثنائية ومهمة بالفعل. العلاقة بين نظريتي الاستعمار الإليكتروني والنظام العالمي: The Connection: Electronic Colonialism and World System Theories هناك علاقة ورابط جوهري بين نظريتي الاستعمار الإليكتروني والنظام العالمي. فنظرية الاستعمار الإليكتروني تؤكد أن تصدير برامج وسائل الإعلام ينقل عددا متنوعا من القيم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفي بعض الأحيان ينقل قيما سياسية ودينية. وتذهب نظرية النظام العالمي إلى أبعد من ذلك وتتوسع في أطروحاتها عن نظرية الاستعمار الإليكتروني عندما تقسم دول العالم إلى ثلاث فئات هي: الدول المركزية, والدول شبه الهامشية, والدول الهامشية. وتهتم بعض الدول المركزية بآثار الاستعمار الإليكتروني, بل أن بعض الدول المركزية الأساسية مثل كندا وفرنسا وبريطانيا واستراليا في قلق مستمر من <<أمركة>> صناعاتها الثقافية. أما الدول الهامشية وشبه الهامشية فلديها العديد من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية حتى تتخوف أكثر من آثار الاستعمار الإليكتروني. وتعتبر نظرية الاستقلال عندما تستخدم كمرجعية لقياس تغي ر الاتجاهات في التعامل مع الممارسات التي تطلقها الدول المركزية, مثالا على نظرية الاستعمار الإليكتروني. على سبيل المثال, ومنذ ثمانينيات القرن العشرين, كان هناك كم هائل من الدراسات والبحوث في أمريكا اللاتينية عن الآثار البنائية السلبية في العلاقة مع الدول المركزية وتحديدا الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الاستعمارية القديمة وخاصة أسبانيا. وتعتمد نظريتا الاستعمار الإليكتروني والنظام العالمي في مختلف أنحاء العالم بأشكال وأهداف مختلفة, ويصبح من المفيد للدراسات المستقبلية في الإعلام الدولي اعتماد بعض الجوانب المناسبة لهاتين النظريتين. ومن المهم هنا أيضا , الإشارة إلى فائدة تطبيق نظريتي الاستعمار الإليكتروني والنظام العالمي في دراسة الممارسات والأنشطة العالمية الخاصة بالصناعات الثقافية متعددة الجنسيات. القوى الإعلامية بين الدول Communication Forces Among Nations يمكن القول أن الإعلام الدولي كقطاع تجاري يمكن أن يصبح حالة دراسية مثالية لتطبيقات نظرية النظام العالمي. وتتمركز شركات الإعلام متعددة الجنسيات ووكالات الإعلان الدولية في الدول المركزية, وعندما تعمل في الدول المركزية أو غيرها من دول العالم, تعمل وفق استراتيجية محددة وقائمة أولويات واضحة تأخذ مرجعيتها من النظام الاقتصادي الرأسمالي. وينظر للدول الهامشية وشبه الهامشية في هذا الإطار كأسواق مستهدفة للشركات متعددة الجنسيات, التي تحدد بدورها طبيعة العلاقات مع هذه الدول. كما تهدف هذه الشركات بما تقدمه من منتجات إلى التأثير على قيم واتجاهات المستهلك كما وضحت سابقا نظرية الاستعمار الإليكتروني. ولا تعتمد هذه الشركات على القوة العسكرية, كما كان الوضع سابقا في الاستعمار العسكري, بل على استراتيجيات السوق والبحوث والإعلانات التي تمك ن هذه الشركات من التأثير على سلوك المستهلك بخلق تفكير وتصور عقلي عالمي واحد تجاه المنتجات والخدمات الثقافية. ومن أجل فهم بيئة ومناخ الإعلام الدولي بعد الحرب الباردة, لا بد من فهم وجهتي نظر الدول الصناعية المركزية, والدول الأقل نموا والتي لا تزال تقبع في فئة الدول الهامشية بعد عقود زمنية وجهود متواصلة لتحقيق التطور والمدنية. بل أن بعض الدول الهامشية تعتبر اليوم في وضع أسوأ مما كانت عليه في عهد المستعمر القديم. بالإضافة إلى ذلك, فإن أوضاعها, في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة والتكنولوجيا, تزداد سوءا وفسادا بمرور الوقت. ومن أجل فهم هذا التخلف والانقسام, لابد من توضيح الدور الذي لعبته اليونسكو كمؤسسة دولية في تحديد وجهات نظر ملا ك الأسهم والحصص المالية واتخاذ المواقف وتأسيس مواقف واهتمامات متباينة عن الإعلام الدولي. وخلال عقد التسعينيات من القرن العشرين, شهدت حركات تحرير رأس المال والتخصيص سيطرة العديد من الدول على وسائل الإعلام وملكيتها الاحتكارية لها. لكن تلك السيطرة والملكية الاحتكارية تم محاصرتها بواسطة قوتين إعلاميتين جديدتين: (1) أنظمة الاتصال والبث السلكي والفضائي, و(2) الانتشار الواسع للبرامج التليفزيونية الغربية, والأمريكية تحديدا . وتمكنت هاتان القوتان من تغيير المناخ الإعلامي بشكل سريع في عدد كبير من الدول المركزية والدول شبه الهامشية في الفترة من 1980 إلى اليوم. وفي الوقت الذي كان فيه الجمهور يحتفي بظهور قناة تليفزيونية واحدة أو اثنتين في العام الواحد, وفجأة أصبح أمام الجمهور عشرات القنوات والخيارات من البرامج. وكان الأثر الأساسي المطلوب تحقيقه, خلق مشاهدين وجمهور مستعمرين (بفتح الميم) إليكترونيا يتابعون البرامج الأمريكية وهم من أجيال المشاهدين الجدد حول العالم. لقد عملت أنظمة البث العامة أو الحكومية, وخاصة في أوروبا لسنوات طويلة على تنوير وإعلام الجمهور, لكن مع ظهور القنوات الجديدة, ظهرت معها فرص جديدة أيضا لعرض التسلية والترفيه والإعلان وقوى السوق. وسعت القنوات التجارية إلى تقديم برامج جماهيرية عامة على شاكلة: Big Brother, Millionaire, Weakest Link, Survivor, Soap Operas, Bay watch. وبزيادة هذه القنوات التجارية وتوسع تأثيرها على الجمهور, خلفت ورائها مجموعة صغيرة من الجمهور للقنوات العامة, التي أصبحت تحت رحمة متزايدة من السياسيين وسلطات التقنين لفعل شيء ما بخصوص جمهورها الذي يتقلص باستمرار. وفي ذات الوقت كانت العديد من القنوات التجارية تبحث في زيادة إيراداتها من المصادر العامة. وكانت كل قناة تجارية جديدة تظهر, تخطف جزء من جمهور القنوات العامة التي أصبحت تخضع لتحديات ثلاث قوى أساسية هي: المال, و التكنولوجيا, والتقنين. عرض المشكلة Breadth of the Problem يتضح لنا أن مستوى عرض ممارسات وأنشطة الإعلام الدولي واسع جدا , بل يتوسع باستمرار. ففي طرف منه هناك المجموعة الكبيرة من الدول النامية أو الهامشية التي تهتم بالبنى الأساسية للاتصال مثل الراديو أو خدمات الهاتف. وفي الطرف الأخر هناك الدول المركزية, التي أصبح بعضها صناعيا منذ ما يقرب من قرن, حيث تهتم هذه الدول ببقائها في عصر المعلومات. وهذه الدول لا ترغب في أن تصبح مستعمرات معلوماتية لدول أخرى. وبالتالي أصبحت القضايا الإعلامية المتعلقة بالإندماجات الاقتصادية والتدفق الدولي للمعلومات والحاسوب والرقابة والخصوصية والعمالة في الصناعات الثقافية, قضايا واهتمامات مركزية لازمة لبقاء الدول الصناعية. وبشكل واضح, تتخوف بعض الدول المركزية مثل كندا وفرنسا واستراليا من فكرة تحولها إلى مستعمرات إليكترونية لدول مركزية أخرى مما يدفعها باستمرار إلى إعادة النظر في فلسفاتها الإعلامية الخاصة. وتطرح قضايا السيادة الوطنية والاستعمار الإليكتروني مرة أخرى, أسئلة عن مدى مناسبة تدخل الدولة والدعم المالي والصناعات الثقافية وملكية وسائل الإعلام وتقنينها. وكان ظهور الصحافة الإليكترونية وقنوات الكابل والإنترنت والبث الفضائي المباشر قد أثار أسئلة أخرى عن أهمية تقنين وسائل الإعلام ومفهوم الحدود الوطنية. ومن القضايا الأخرى التي تمثل أهمية للدول الصناعية, تلك التي ترتبط بتزايد الصراع بين الاقتصاد وضرورات الأمن القومي. ومن البداية كانت المنافسات والضغوط التجارية قد أثرت على تدفق المعلومات عندما كانت وسائل الإعلام تحاول إسكات أصوات منافسيها. واليوم فإن الداعم الأساسي لفلسفة التدفق الحر هي الحكومات التي استجابت لمصالح وضغوط الشركات متعددة الجنسيات التي كانت -ومازالت- تبحث عن مصالحها وأرباحها المادية وليس عن المصالح القومية الأمريكية. فما هو جيد لشركة أي بي أم IBM حتى تبيع أنظمة حاسوب لدول مثل إيران والصين وروسيا ليس بالضرورة جيد ومفيد للمصلحة الأمريكية أو الأمن القومي والدولي الأمريكي. ذلك أن هذه الشركات ووكالاتها الإعلانية تعتمد على الحدود والأسواق المفتوحة حتى تتنافس بشكل فع ال في الاقتصاد العالمي. أخيرا , لابد من الإشارة إلى أن نسبة كبيرة من الضغوط والدعم لصالح فلسلفة التدفق الحر تأتي أساسا من الوسائل المطبوعة وخاصة الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية. لقد كان الدور الذي لعبته المطبوعات في هذا المجال خطير بالفعل, لكن التكنولوجيا الحديثة نقلت هذه الوسائل بسرعة إلى مرحلة جديدة تميزت بتدخل الحكومة في اختيار رسائلها. وعلى الرغم من أن والوسائل المطبوعة والإليكترونية تمضي في مساقات مختلفة من الناحيتين القانونية والتنظيمية إلا أن طرقهما قد تتوحد مع تزايد اعتماد المطبوعات على الوسائل الإليكترونية مثل الإنترنت في نقل رسائلها إلى المستهلكين. وفي الوقت الذي خضعت فيه المطبوعات دائما لمستويات متفاوتة من التقنين(20), ستجد هذه الوسائل نفسها أمام عوائق تشريعية وقانونية متزايدة وقرارات محاكم تتعارض جميعها مع روح التعديد الأول للدستور الأمريكي. ويبقى المهم هنا, الإشارة إلى أن الإعلام الدولي لم يعد يهتم فقط بدور الوسائل المطبوعة أو يركز على عادات وممارسات جمع الأخبار في وكالات الأنباء الدولية. لقد تطور موضوع الإعلام الدولي ليشمل عددا متنوعا من القضايا التي أفرزها البث الإذاعي العالمي والإعلان العالمي والاقتصاد العالمي. وستدخل موضوعات مثل فساد الدول الأقل نموا , وتأثير البرامج التليفزيونية الفضائية, وقدرة الإنترنت على تحدي وسائل السيطرة التقليدية, في مناظرة المناخ المناسب للإعلام الدولي ودور الحكومات في تحديد سياسات هذا الإعلام. هذا الدور لم يعد مسؤولية الحكومات الوطنية وحدها بل تحو ل إلى المنظمات الدولية, وتحديدا مؤسسات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.(21) الهوامش والمراجع 1- جزء من الفصل الأول من كتاب مترجم بعنوان الإعلام الدولي: النظريات-الاتجاهات-الملكية. (Global Communication: Theories, Stakeholders, and Trends. Thomas L. Mcphail) ترجمة حسني نصر وعبد الله الكندي. دار الكتاب الجامعي (2003). 2- ew York Times, 1 November 1998, sec. AR, p. 35. 3- USA Today, 13 November 1998, sec A, P. 1, كتبت تقول أن نسبة الأخبار الأجنبية في نشرات الأخبار المسائية في شبكات التليفزيون الأمريكية وتحديدا في ABC, CBS, and NBC , انخفضت بنسبة تزيد على 50% في الفترة من 1990 إلى 1998. 4- هناك تصنيفات وتقسيمات عديدة لدول العالم. فهناك تصنيف الشمال -الجنوب, الشرق-الغرب, الدول النامية والدول المتقدمة, والرأسمالية والاشتراكية, والدول الصناعية ودول العالم الثالث, وهناك أيضا تصنيف الدول المركزية والهامشية وشبه الهامشية. أما هذا الكتاب فسوف يستخدم مصطلح الدول الغربية للإشارة إلى الدول الصناعية التي تضم حسب البنك الدولي: استراليا, بريطانيا, كندا, فنلندا, فرنسا, إيطاليا, اليابان, هولندا, السويد, سويسرا, أمريكا, وألمانيا. وأغلب هذه الدول تقع في الشمال وهي دول مركزية. أما الدول الأقل تطورا فتقع في أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. ويجب الانتباه إلى أن جميع دول العالم تتحرك بين هذه التصنيفات والفئات لأنها تسعى باستمرار لتحقيق مزيد من الاستقلال وإحداث بعض التطورات السياسية والاقتصادية. ومن أمثلة هذه الدول روسيا وأندونسيا وإيران والمكسيك والبرازيل ويوغسلافيا وفنزويلا وبولندا. وبالتالي لا يمكن الاعتماد على تصنيف واحد لدول العالم يصلح لفترة زمنية ممتدة. ومن هنا فإن الكتاب يستخدم تصنيف العالم إلى <<الغرب>> و<<الدول الأقل نموا >> لأنه الأكثر إقناعا وشمولا لأطراف مناظرة النظام العالمي الجديد للمعلومات والإعلام. وسوف يستخدم هذا التصنيف في الحديث عن نظريات الاستعمار الإليكتروني والنظام العالمي في جزء لاحق من هذا الفصل. 5- لجنة حماية الصحفيين, نيويورك, 28 أكتوبر 1998: http:/www.cpj.org/. pg.1. 6- Morton Rosenblum, Coups and Earthquakes (New York: Harper & Ro, 1979) pp.1-2 . 7- Rosenblum, Coups and Earthquakes, pp.1-2. 8- يعتقد منظرو الإنتاج الثقافي أن وسائل الإعلام الدولية تعمل على خلق مناخ اجتماعي وثقافي لدى الطلاب والدارسين في الدول الهامشية فيما يخص أنظمة المعرفة التي تجعل أولئك الطلاب في حالة تنافسية مع نماذج الحياة الغربية وقيم الاستهلاك فيها. 9- سوف يتم تفصيل الحديث عن أهم مالكي الأسهم في كل هذه القطاعات في فصول لاحقة من الكتاب. قد يرغب بعض القراء بالعودة إلى هذه الفصول الآن. 10- Immanuel Wallerstein The Modern World-System (New York: Academic Press 1979) The Modern World-System III (San Diego: Academic Press 1989) and ((National Development and the World System at the End of the Cold War)) in Comparing Nations and Cultures: Readings in a Cross-disciplinary Perspective ed. A. Inkeles and M. Sasaki (Englewood Cliffs: Prentice-Hall 1996) pp.484-497. 11-يمكن الإطلاع على تعريف نظرية النظام العالمي إلى جانب مراجعة جيدة لكل التيارات البحثية في هذا المجال في: Thomas Halls ((The World-System Perspective: A Small Sample from a Long Universe)) Sociology Inquiry 66 (4) (November 1996) pp. 440-454. Andre Frank. Capitalism and Underdevelopment in Latin America (New York: Monthly Review Press 1969): Barnett Singer and John Langdon ((France s Imperial Legacy)) Contemporary Review 272 (May 1998) pp. 231-238: Alvin So. Social Change and Development: Modernization Dependency and World-System Theory (Newbury Park: Sage 1990) . 12- Thomas Clayton ((Beyond Mystification: Reconnecting World-System Theory for Comparative Education)) Comparative Education Review 42 (November 1998) pp.479-494: George Barnett and Young Choi ((Physical Distance and Language as Determinants of the International Telecommunications Network)) International Political Review 16 (3) (1995) pp. 249-265. 13- أو مجموعات الدول التي يربطها اتحاد أو رابطة واحدة مثل دول الاتحاد الأوروبي أو دول الآسيان وغيرها من المجموعات. 14-Jim Collins ((Shaping Society)) USA Today 23 September 1999 p.19A 15- ((Northern Exposure)) Macleans 11 October 1999 p.71. 16- John Corner Philip Schlesinger and Roger Silverstone eds. International News Media Research: A Critical Survey (London Routledge 1997). 17- Kyungmo Kim and George Barnett ((The Determinants of International News Flow: A Network Analysis)) Communication Research 23 (June 1996) pp.323-352. 18- Kim and Barnett, p. 344. 19- Kim and Barnett, p. 346. 20- يعود ذلك إلى الحدود التي توضع دائما أمام العمل الصحفي. وعلى الرغم من إجماع العديد من المهتمين بضرورة إزالة كل أنواع الحدود أمان نتائج التحقيقات الصحفية السياسية والاقتصادية والاجتماعية, لكل يظل هناك العديد من الحدود القانونية. 21- المنظمة الأخرى المعنية بهذا المجال تسمى <<الشبكة الدولية للسياسات الثقافية>> وهي اتحاد يضم ستا وأربعين دولة, بدأت اجتماعاتها في كندا عام 1998, وتلي ذلك اجتماعات في المكسيك واليونان وسويسرا وأفريقيا. وتركز هذه الاجتماعات على الهوية الثقافية والسياسات الثقافية وتأثيرات العولمة الثقافية. وهناك اهتمام متزايد في العديد من دول العالم بمعالجة قضايا الصناعة الثقافية عن طريق منظمة التجارة العالمية, وخاصة تلك المرتبطة بالتليفزيون والسينما والمجلات. وتعتقد الشبكة الدولية للسياسات الثقافية, التي لا تضم الولايات المتحدة, أن منظمة التجارة العالمية تتحيز لفكرة التدفق في اتجاه واحد يدعم انتشار أفلام هوليوود ومنتجات نيويورك إلى كل أنحاء العالم. وحاولت هذه المنظمة تقديم أحد الحلول لمواجهة هذه المشكلة تمثل في اقتراح بإبعاد المنتجات والسلع الثقافية من اتفاقيات منظمة التجارة العالمية. أخيرا , عرضت كندا نفسها كقائدة لهذه المجموعة لسبب واضح وبسيط, يتمثل في اقترابها بقوة من أن تصبح مستعمرة إليكترونية أمريكية. |
|||||
|
|||||