الأسس النظرية لقصيدة النثر في الأدب العربي الحديث
(مرحلة التأسيس)

 

 حسن مخافي


1 - تقديم

1,1 - تحتل قصيدة النثر في أيامنا هذه موقعا هاما في المشهد الشعري العربي, من حيث الكم على الأقل. وعلى الرغم من وفرة الإنتاج على المستوى الإبداعي, إلا أن ذلك لم يسهم, بشكل حاسم في بلورة مفهوم لقصيدة النثر, على المستوى النقدي بصفة عامة,وعلى مستوى التنظير بصفة خاصة. فالكتابات النقدية العربية عن هذا النمط من الكتابة الشعرية, ما زالت تراوح مكانها, منذ أن بشرت حركة مجلة <<شعر>> بقصيدة النثر, بوصفها مخرجا لأزمة الحداثة الشعرية.

لقد مضت أربعون سنة على منح شهادة الميلاد لقصيدة النثر في الأدب العربي الحديث. وكان من المفروض أن يستقيم هذا الجنس الأدبي وفق <<قوانين خطاب>> تمنحه خصوصيته, وتزيل عنه <<عيوب>> البدايات. ولكن المتتبع للإنتاج الشعري العربي الحديث يمكن أن يلاحظ أن مفهوم قصيدة النثر, لم يزدد مع انصرام السنين إلا غموضا وضبابية. فمجمل الكتابات عن قصيدة النثر في النقد العربي, ليست فحسب عاجزة عن السير قدما بمجهودات حركة مجلة <<شعر>> في هذا المجال, ولكنها عاجزة أيضا عن استيعاب تلك المجهودات ومسايرتها, الشيء الذي نتج عنه نوع من الفوضى في الكتابات الشعرية التي انحازت إلى هذا النمط, خاصة لدى من يسمون الشعراء الشباب. ومن هذه الزاوية فإن قصيدة النثر أصبحت, في أغلب الكتابات <<حمار الشعراء>>, يمتطيها كل من يفتقر إلى توازن كي يصعد سلم الشعر الطويل والصعب. وقد أدى هذا إلى سطوع نجم شعراء <<حداثيين>> ضحلي الموهبة, فقراء في لغتهم وخيالهم.

وعوض أن ينبري النقد العربي إلى تقويم هذه الوضعية الشعرية, عبر تطوير المجهودات الأولى في التنظير لقصيدة النثر, فإنه ساير تلك الجوقة المتنافرة الأصوات. مرة تحت ذريعة النزعة الوصفية الفجة, وتارة عبر حشو المقاربة النقدية بمفاهيم غامضة, تقمع القارئ, وتفقده ثقته بنفسه, وتلوي عنق النص من خلال تأويلات بعيدة, همها الوحيد أن تصبغ مشروعية على نص شعري, ليس فيه من الشعر سوى الاسم.

  لا تروم هذه الدراسة - بهذا الكلام - إلى المس بمشروعية قصيدة النثر, باعتبارها وجها من أوجه الإبداع الخلاق في الشعر العربي الحديث. فقد انطلقت, بشكل واع, مع نهاية خمسينيات القرن الذي ودعناه, لتفتح أفقا شعريا جديدا, يضفي مرونة كبيرة على الخطاب الشعري, ويعيد الاعتبار لتجربة الشاعر, في حل عن الاكراهات العروضية واللغوية التي تضيق من مجال حركته. واستطاع رواد قصيدة النثر, من أمثال أنسي الحاج, ومحمد الماغوط, وأدونيس, وغيرهم أن يفرضوا هذا النمط من الكتابة الشعرية, بأعمال إبداعية لا تقل شعرية عن القصائد الموزونة, وبمجهودات نظرية فذة, عملت على صياغة مفهوم حديث للقصيدة العربية الحديثة عامة. كما حاولت تجنيس قصيدة النثر في الأدب العربي, على وجه خاص.

ولكن الوضعية التي في قصيدة النثر, والتي تمت الإشارة إلى بعض ملامحها الكبرى قبل حين, تتطلب من النقد العربي, تنظيرا وممارسة, مساهمة جذرية في هذا الميدان, استكمالا لمساهمة أولئك الرواد من أجل تأصيل قصيدة النثر في الأدب العربي, بما يجعل منها اختيارا شعريا واعيا بخصائصه الفنية, ومدركا لخلفياته التي ترمي من بين ما ترمي إليه, إلى إضفاء حركية جديدة على الكتابة الشعرية, وإلى نوع من التعددية داخل الخطاب الشعري, تمردا على كل ما هو رتيب وجامد فيه.

2.1 - وتقترح الدراسة الحالية مساءلة الأسس النظرية التي قامت عليها قصيدة النثر لدى حركة مجلة <<شعر>>, وذلك انطلاقا من من الاعتبارات والفروض الآتية:

1,2,1 - تفترض هذه الدراسة أن قصيدة النثر في الأدب العربي الحديث, قد عرفت انطلاقتها الأولى في رحاب حركة مجلة <<شعر>>, خلافا لما يذهب إليه بعض النقاد, الذين يبحثون عن بداياتها في التراث العربي القديم, أو في كتابات تعود إلى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. ويقوم هذا الافتراض على أن قصيدة النثر تختلف اختلافا جذريا عما كان يسمى <<الشعر المنثور>>, أو <<النثر الشعري>>, أو <<الشعر المرسل>>, وهي أنواع من الكتابات عرف بها نجيب الريحاني وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وغيرهم.

2.2.1- إن مجلة <<شعر>> هي التي منحت لقصيدة النثر في الأدب العربي اسمها الذي تعرف به الآن, في مقابل ما يعرف في الأدب الفرنسي ب: Le poème en prose الذي أرسى دعائمه بودلير. وإطلاق قصيدة النثر على الكتابة الشعرية التي لا تستجيب لقواعد العروض, هو تمييز لها عن الكتابات النثرية المشار إليها آنفا. ولا يقتصر هذا التمييز على الاسم, بل يتجاوزه إلى اختلاف في مكونا الخطاب في كل منهما, كما سيتضح فيما بعد.

3.2.1- إن اكتشاف قارة قصيدة النثر من لدن <<شعر>>في عالم الشعر العربي الحديث قد دفعتها إليه دفعا, رؤيتها إلى الحداثة الشعرية. وذلك وفق نسق نظري مبني, كان يهدف إلى صياغة جديدة لمفهوم القصيدة, في الشعر العربي الحديث. ولا يمكن استيعاب قصيدة النثر إلا في إطار هذا السياق العام, الذي تطمح هذه الدراسة إلى الكشف عنه.

4.2.1- إن اللجوء إلى قصيدة النثر قد صاحبه, لدى حركة مجلة <<شعر>>, وعي حاد بضرورة هذا النمط من الكتابة الشعرية. وهذا ما يفسر أن الحركة لم تكتف بتبنيها له على المستوى الإبداعي, بل أرفقت ذلك, وبصورة محايثة, بدراسات نظرية, سيتبين من خلال هذا البحث, أنها تكشف عن وعي متقدم بالحاجة إلى قصيدة النثر, بعيدا عن النزق التجريبي الذي نشهده لدى بعض الشعراء اليوم.

2 - الأشكال الشعرية بين القديم والحديث

لقد كانت حركة مجلة <<شعر>> تؤكد على أولوية <<المضمون>> في تحديدها لمفهوم الشعر. فقد كانت ترى أن مصدر الشعرية, تكمن في الشحنة الرؤيوية التي تفصح عنها القصيدة, وليس في طرائق التعبير. ومن الطريف أن الحركة كانت تعاصر ما كان يسمى النقد الجديد في الغرب, الموسوم بنزعته الشكلانية, دون أن تتأثر به, رغم أن الشعرية الغربية كانت تمثل بالنسبة لها أحد الإطارات المرجعية المعتمدة في التنظير الشعري للشعر الحديث.

  إلا أن التركيز على <<المضمون>> بوصفه المصدر الأساس لشعرية قصيدة ما, لا يلغي أهمية الأشكال التعبيرية التي يجب أن تصوغ هذا المضمون. وإذا كان هم الحركة قد انصب بالدرجة الأولى على محاولة إيجاد دور متميز للشعر, يضمن له خصوصيته كخطاب خاص, فإن <<شعر>> من جانب آخر سعت إلى البحث عن صياغات جديدة, من شأنها أن تستوعب تجربتها الشعرية, وان تكون شاهدا على شعر الرؤيا.

ولما كانت <<شعر>> تأخذ على التجارب الشعرية التي سبقتها أنها ما زالت مشدودة إلى التقليد في مضامينها, وأنها لم تنجح في تغيير <<جوهر>> الشعر العربي, وان الأغراض الشعرية التي عرفها العرب منذ القدم, مازالت تهيمن على الشاعر, عن وعي أو عن غير وعي, فإنها بالمقابل ذهبت إلى أن الخروج عن القالب العروضي القديم لم يحدث بدوره أي تغيير في جوهر الشعر العربي. فإذا كان نظام البحر قد نجح في التقعيد للشعر العربي, فإن نظام التفعيلة لا يعدو أن يكون تنويعا على هذا التقعيد. ومن هنا أصبح شعر التفعيلة عاجزا عن أن يكون تحولا في مسيرة الشعر العربي.

  إضافة إلى ذلك, فإن عالم الشعر الذي رسمت <<شعر>> خطوطه العريضة, هو عالم فالت من كل زمام, انه <<عالم بلا خرائط>> إذا صح أن نستعير عنوان رواية جبرا ومنيف للتعبير عنه. وبما انه كذلك فإن الشاعر يعتمد لاستكناهه على التجربة الشخصية التي هي منبع الرؤيا, الشيء الذي يجعله مشحونا بنزعة أنطلوجية ميتافزيقية. وهذا أدى على مستوى التعبير إلى أن شعار <<الحرية>> كمحتوى, قد انتقل إلى شعار في مكونات الخطاب الشعري نفسها.

 وإذا كانت الحرية التي تدعو إليها <<شعر>>, هي حرية فردية, فإنها نادت كذلك بضرورة الاعتراف بحرية الشاعر في ما يخص الأدوات التعبيرية, التي يجب أن تفصح بدورها عن هذه الحرية. ومن هنا سقطت كل المقاييس التي تعورف عليها لفرز ما هو شعر. عما ليس شعرا. وحلت محلها مقاربات خالية من اليقينية ومن الوثوقية, وكأننا أمام <<كتابة>> وليس أمام شعر. وكما سيتضح لاحقا فإن مجلة <<شعر>> كان يحركها هاجس النص الشامل, الذي من شأنه أن يتجاوز الحدود, التي وضعها منظرو الأجناس الأدبية.

ورغم أن <<شعر>> لم تستطع أن تحقق هذا الهدف كاملا, إلا أن منابر أخرى أتت من بعدها, وعلى رأسها مجلة <<مواقف>>, التي يمكن اعتبارها تطويرا لمشروع <<شعر>>, قد أسست لما يمكن أن نسميه كتابة عربية جديدة, وخاصة من خلال أدونيس الذي كان رائد المنظرين في <<شعر>>.

هكذا رأت حركة مجلة <<شعر>> أن أول شرط للشعر هو الحرية في بعدها المعنوي وفي بعدها الفني معا. وتجد هذه الحرية تجسيدها الملموس لدى الحركة في التركيز على نقطتين لا يمكن الفصل بينهما.

1.1.2- أما الأولى فتكمن في العلاقة الجدلية بين شكل العمل الشعري ومضمونه, رغم اقتناع <<شعر>> بتبعية الأول للثاني. وانطلاقا من هذه العلاقة فإن <<القالب هو جزء من بناء الفكرة, وتنميتها, وإعطاؤها كل مدى أبعادها وظلالها بقدر ما تبيحه طبيعة الفكرة, وما تحتويه من أبعاد وظلال. القالب الجديد للفكرة أو العاطفة, أو الإحساس الجديد. ينتج عن ممارسة لحياة جديدة, وإيمان أعلى في الحياة الجديدة. أما القالب العتيق فهو للفكرة العتيقة المنبثقة من ممارسة لحياة عتيقة أيضا>>(1). هكذا ترجع <<شعر>> تطور القالب الفني, مثله مثل المضمون, إلى ضرورة استجابته <<التعبير عن روح العصر>>. وبهذا المعنى ينتفي كل صراع بين القديم والحديث, مادام كل منهما يسعى إلى التعبير عن روح عصره: <<أنا لا أومن بالتفرقة بين الشعر القديم والشعر الحديث, فالشعر هو الشعر لا قديم فيه ولا جديد>>(2).

ولكن هذا لم يمنع مجلة <<شعر>> من توجيه نقد لاذع إلى الشعر العربي القديم, لأنه يولي أهمية قصوى للقالب ويكاد يهمل المضمون. ذلك أن الحياة العربية قد تعرضت لتحولات شتى. ولكن القالب الشعري الذي صاغ هذه الحياة بقي كما كان عليه منذ الجاهلية. مما يدفع إلى القول: إن الشعر العربي ظل يعتمد قوالب جاهزة موروثة ومحددة مسبقا. وهو ما أدى إلى كونه شعرا يتسم بالازدواجية. أما المفهوم الشعري الذي تدعو إليه <<شعر>>, فينظر إلى القصيدة <<بعكس مفهوم النقاد والشعراء العرب حتى أيامنا, كمخلوق عضوي لا ازدواجية فيه بين المعنى والمبنى, وهي تنمو بين يدي الشاعر في المبنى والمعنى معا>>(3).

لاشك أن قضية الشكل والمضمون في العمل الأدبي والشعري بصفة خاصة, هي مسألة تخص النقد اكثر مما تتعلق بالإبداع. رغم أن قوانين خطاب ما تفرض في أحيان كثيرة تكييف المضمون مع الشكل أو العكس. ومن هنا يمكن القول إن الذي يؤدي إلى الفصل بين المكونين إنما هو الناقد الذي يفتقر إلى الأدوات التي تبرهن على الروابط بينهما. ولكن الشاعر أيضا, كثيرا ما يخضع للتقنيات التي يضعها الناقد, فيسهل حينذاك الكشف عن مواطن الاختلال.

غير أن حركة مجلة <<شعر>> ترمي من خلال دعوتها تلك, إلى إحداث ثورة في مفهوم الشعر, كما عرفه العرب إلى حدود منتصف هذا القرن. وهو ما يدخل في صميم أخذها بمبدأ <<التحديث>> الذي بشرت به, والذي يأخذ على عاتقه إعادة النظر في الموروث الشعري, واقتحام مجال الحضارة الإنسانية. وهي بهذا تكون منطقية مع نفسها: فإذا كانت وظيفة الشعر لديها تتمثل في الكشف عن عالم عائم, غير محدد, وميتافيزيقي, وإذا كان موضوع الشعر حكرا على القضايا الإنسانية ذات البعد الأنطلوجي, فإن القالب الشعري, الذي يستطيع استيعاب هذه الوظيفة, وذلك الموضوع, يجب أن يكون قالبا إنسانيا. فالفكرة في الشعر <<تفرض شكله التعبيري. وإن القصيدة الحديثة تعبير عن فكرة غيبية كبرى, حقيقة إنسانية شاملة, من خلال الجزئيات ولذلك نفترض وجود أسلوب تعبيري جديد. لا فرق أن يكون مرسلا أو موزونا. المهم هو البحث عن طريقة تستوعب أعماق الفكرة وتستهلكها. والقصيدة الحديثة من هذه الناحية, لم تكتمل بعد, فهي أبدا تبحث عن مركز تستند إليه>>(4).

ولما كانت <<الفكرة الغيبية الكبرى>> تنبع من التجربة الشخصية للشاعر كما ألمح البحث إلى ذلك آنفا, فإن الشكل الشعري بدوره يجب أن يصدر عن هذه التجربة. وبذلك تضرب عرض الحائط كل المقاييس المتعارف عليها في الشعر, وعلى رأسها الوزن. ويتمرد الشعر على كل التعريفات التي تحصره في نطاق معين. إذ ليس هناك <<وجود قائم بذاته, جوهر ثابت مطلق, نسميه الشعر, ونستمد منه المقاييس والقيم الشعرية الثابتة, المطلقة. ليس هناك بالتالي خصائص ثابتة مطلقة تحدد الشعر, ماهية وشكلا, تحديدا ثابتا مطلقا. الوجود الحقيقي هو الشاعر هو القصيدة>>(5). من هنا فإن أية قراءة للقصيدة هي قراءة لتجربة الشاعر, وليس للشعر نفسه, لأن الشعر يصبح جنسا متنوعا بتنوع تجارب الشعراء أنفسهم.

2,1,2 - أما النقطة الثانية فهي امتداد للنقطة الأولى وتكملة لها: فمادام الشاعر هو مصدر الشعر مضمونا وقالبا, فإن <<شعر>> ركزت على ضرورة إعطائه الحرية الكاملة في اختيار قالبه دون حاجة إلى النظر إلى الوراء إلا من أجل تجاوزه. وإذا اتضح أن الرؤيا الشعرية فردية, ومناقضة للمجتمع, فإن <<شعر>> ترد ثبات الشعر العربي في قالب واحد, إلى أخذه بالأحكام <<العامة والمسلمات الاجتماعية أو الدينية القائمة, دون إخضاعها لأي تأمل ذاتي نقدي من الشاعر>>(6). وقد نتج عن هذا أن <<تضاءلت التجربة الإنسانية الشاملة من الشعر العربي, وكادت تفقد التجربة الذاتية مظاهر القلق والصراع>>(7). وبعبارة أخرى, فإن ذاتية الشاعر قد ذابت في ذاتية الجماعة, الشيء الذي أدى إلى أن الشعر أصبح تجربة جماعية, ليس لذاتية الشاعر فيها مكان. وبما أن الخضوع للجماعة يتم تحت اتفاق عرفي, فإن الاتفاق قد جسد في قواعد الشعر المعروفة التي تتلخص في قول قدامة: <<الشعر كلام موزون مقفى يدل على معنى>>.

متى تم خروج الشاعر عن طوق الجماعة? عندما أدرك وجوده الميتافزيقي عبر فلسفات القرنين التاسع عشر والعشرين. وعندما وصل إلى حقيقة مفادها أن وجوده في حريته الفردية, حينئذ تمت عملية بعث الشاعر/النبي من جديد.

إن تركيز حركة مجلة <<شعر>> على الحرية الفردية, التي تصل إلى حد التقديس, قد أدى بها في بعض الأحيان, إلى التنظير للشاعر وليس للشعر نفسه. ذلك أنها ذهبت إلى تأكيد الطابع الفردي والشخصي للتجربة الشعرية. وبما أن التجربة الشخصية التي هي مصدر الشعر, تتفاوت بالتأكيد من شاعر إلى آخر, فإن القول بوجود قالب شعري مسبق, يلغي هذه التجربة. ومن ثم كانت دعوة <<شعر>> إلى <<التحرر في صياغة الشعر من جميع القوالب الفنية الموروثة, المفروضة على الشاعر خارج موهبته الفردية وذوقه الشخصي>>(8). وإلى <<إطلاق الشعر من كل قيد أو شرط. فلا قواعد عروضية مسبقة, ولا حدود تقف حائلا بين الشاعر والإبداع>>(9).

ويمكن للمرء أن يتساءل بعد هذا: ماذا بقي من الشعر للشعر, إذا تخلص من جميع الخصائص التي يعرف بها كخطاب, وقد تأكد فيما سبق أن <<شعر>> ترفض كل المقاييس التي تساعد على تحديد ما لمفهوم الشعر? إن الإجابة عن هذا السؤال تشكل قطب الرحى في هذه الدراسة. ورغم هذا فإن البحث يبادر الآن, إلى تسجيل أمرين يبدوان غاية في الأهمية بالنسبة لسؤالنا.

3.1.2- إن مجلة <<شعر>> كانت مدركة لضرورة البحث عن <<بديل شعري>> على المستوى النظري, وعلى المستوى الإبداعي أيضا. ويسود المجلة في مواقع كثيرة, إحساس بالحرج من جراء هذا الرفض المطلق لكل ما من شأنه أن يقنن للشعر. وتعبر خالدة سعيد عن هذا الإحساس فتقول: <<عناصر الشعر القديم الرئيسية هي الوزن والقافية. فهي الآنية التي تمسك بالمادة الشعرية. جاء بعض الشعراء الحديثين ليتخلوا عنها فكسروا الآنية واندلق الشعر حيا بين أيديهم. وبالطبع حاولوا أن يتوصلوا إلى أسلوب يمكنهم من الاحتفاظ بالشعر على الرغم مما فعلوا. السؤال الذي نواجه شعرهم به: ما هي المقومات التي اعتمدوها لتحل محل المقومات القديمة? إذ أن الشاعر الذي رفض العناصر الشكلية المادية البحت, عليه أن يتوجه إلى نفس القارئ على متن أشرعة جديدة>>(10).

4.1.2- إن هذا الإحساس بالحرج تجاه <<البديل>> الشعري, هو ما جعل <<شعر>> تحد من جموح الحرية التي نادت بها, تارة بالقول إن <<الحرية لا تعني الفوضى. فالشاعر الحق يضع لنفسه في حريته قواعد وحدودا, يستمدها من ذوقه الشعري السليم.>>(11) وتارة أخرى بالاعتراف بأن الحرية قد تؤدي إلى الفوضى. ولكنها <<الفوضى التحريرية العارفة>>(12) التي <<يجب ألا تخيفنا, بقدر ما يجب أن يخيفنا النظام القاصر العقيم. ضمن تلك الفوضى نخرج بحياة جديدة>>(13).

ويظهر أن حركة مجلة <<شعر>> في كل الأحوال, لم تستطع أن تحقق هذا المشروع الطافح بالطموح. أي أنها لم تصل إلى الشكل الشعري المفتوح إلا بصورة نسبية جدا. وهذا العجز لا يعوزه الدليل: فقد لاحظ كمال خير بك أن أعضاء <<شعر>> قد <<كتبوا أفضل أعمالهم الشعرية في أبيات موزونة مقفاة, لم تكن التعديلات الوزنية لتمنعها من الاحتفاظ بالنبرة الموسيقية النادرة للشعر العربي القديم>>(14). بل إن <<شعر>> في آخر مرحلتها الأولى أصبحت تشكو من أن الشكل الشعري الذي عملت على بلورته أصبح مستهلكا. وهو ما أكده يوسف الخال حين أعلن أن <<الشكل الجديد للشعر العربي المعاصر قد بلغ مرحلة الاستنفاذ>>(15).

2,2 - موقف مجلة <<شعر>> من أوزان الشعر القديم

لعل أبرز ما يميز موقف حركة مجلة <<شعر>> من قوانين الخطاب الشعري العربي القديم, هو تلك الازدواجية, التي تتمثل من ناحية, في الدعوة إلى <<حرية>> الشعر العربي الحديث, ومن ناحية ثانية في إصرارها على اعتبار نفسها امتدادا للتراث الشعري العربي. ويمكن أن نسجل الطابع <<الشكلي>> لهذا التناقض, إذا أدركنا أن <<شعر>> كانت تلوح بالانتماء إلى التراث تحت ضغط الحاجة إلى <<تغطية>> إيديولوجية تتيح لها فك العزلة التي ضربت عليها, في وقت كان فيه التراث يشكل الأرضية الأولى لما يسمى في الأدبيات القومية: <<الهوية العربية>>.

وقد تأكد انسلاخ <<شعر>> عن التراث في مفهومها للقصيدة/الرؤيا(16) التي استمدت إطارها المرجعي من التجارب الحداثية في الغرب. كما أنها أعلنت القطيعة مع التراث من خلال سعيها إلى لغة شعرية(17) لم تكن إلا صدى لدعوة بعض الشعراء الغربيين إلى ضرورة الاقتراب من لغة الخطاب اليومي.

  ولكن رفض حركة مجلة <<شعر>> للمضامين التي كانت سائدة في العالم العربي, ومحاولتها إعادة النظر في اللغة الشعرية, لا يمثلان في حقيقة الأمر سوى لبنتين في صرح مفهوم الشعر لديها. فقد كان طموحها يرمي إلى تحقيق حداثة تأسيسية, تبحث عن <<جوهر>> جديد للشعر العربي.

وهكذا فإنها لم تقنع بالإنجازات التي حققها رواد القصيدة الحديثة, لأنهم <<اقتصروا على التلاعب الجزئي والسطحي ببعض جوانب الشكل غير الأساسية, بينما ظلوا في العمق مغمورين في القديم>>(18). ولإشارة هنا إلى الشكل الوزني الذي يقوم على التفعيلة. ولذلك يمكن القول إن مبدأ الاختلاف الذي قامت عليه <<شعر>> من أجل تغيير جوهر الشعر العربي, يجد صياغته الأكثر عنفا في رفض الحركة للوزن, كمكون ثابت في العملية الشعرية. وهي بذلك تضرب مفهوم الشعر, كما تعارف عليه العرب لقرون طويلة, في الصميم.

ولا يمكن بحث علاقة الشعر بالوزن, كما رأتها <<شعر>> إلا بالارتباط بالحرية لديها,ولتأكيد أهمية هذا المفهوم فإنه نادرا ما تخلو افتتاحية من افتتاحيات المجلة, من الدعوة إلى << التحرر في صناعة الشعر من جميع القوالب الفنية الموروثة. المفروضة على الشاعر خارج موهبته الفردية وذوقه الشخصي >>(19).

ولكن هذه <<الحرية>> لا تنطلق من فراغ, وهذا ما يحد من جموحها, فسوف نرى أن <<شعر>> تبني قالبها الشعري انطلاقا من التحولات التي عرفها الشعر الغربي, واستنادا إلى نمط من الكتابة عرف به جبران خليل جبران, يتمثل فيما يسمى <<الشعر المنثور>> أو <<النثر الشعري>>, وهذان المصدران سيلعبان دورا كبيرا في بلورة مفهوم <<قصيدة النثر>> لدى حركة مجلة <<شعر>>. وعندما نتحدث عن <<قصيدة النثر>> فإننا نغدو مباشرة أمام مشكلة الوزن, هل هو ضروري في الشعر, أم تنويع جمالي زائد , يمكن الاستغناء عنه?

1.2.2- ترفض مجلة <<شعر>> أن يكون الوزن مقياسا لفرز الشعر عما هو غيره. ذلك أن <<تحديد الشعر بالوزن, تحديد خارجي سطحي, قد يتناقض مع الشعر. إنه تحديد للنظم لا للشعر. فليس كل كلام موزون شعرا بالضرورة, وليس كل نثر خاليا بالضرورة من الشعر. وبالمقابل فإن قصيدة نثرية يمكن ألا تكون شعرا.>>(20) ويشتد هذا الرفض إذا تعلق الأمر بالأوزان الخليلية, لأن <<تحديد الشعر بالأوزان الثمانية (...) غير شعري. فالشعر لمسة الشاعر للأشياء, لا خضوعه لها. إنه حضور داخلي, لا واقع خارجي. والأوزان الثمانية, وكل قانون شكلي محدد ومسبق, لا يقبله الشعر شرطا مسبقا>>(21).

  إن رفض كل تحديد للشعر خارج التجربة الشعرية, يتوافق مع ما سجله البحث آنفا من أن التجربة الشعرية التي هي مصدر القصيدة/الرؤيا, تتمرد على كل قانون خارجي, يمكن أن يضعها في إطار تعريف ما. هكذا رأت حركة مجلة <<شعر>> في الأوزان الخليلية مكونا منافيا لمفهوم الشعر ولوظيفته. فهي منافية لمفهوم الشعر, لأن في <<قوانين العروض الخليلي إلزامات كيفية, تقتل دفعة الخلق أو تعيقها أو تقسرها. فهي تجر الشاعر أحيانا أن يضحي بأعمق حدوسه الشعرية, في سبيل مواضعات وزنية كعدد التفعيلات أو القافية>>(22). وبما أن الشعر لدى الحركة يقوم على الحدس أو هو الحدس بعينه, لأن <<الرؤيا>> تتحدد في منطقة بين الحلم والواقع, فإن الشاعر الذي يسكب رؤياه في أوزان معقدة, يضيع منه الحدس, لأنه يخرج من الحلم إلى المنطق, ومن التجربة إلى العقل.

 وهي منافية لوظيفة الشعر, لأن الشعر  ضرب من المعرفة بخبايا الأشياء, وهذه المعرفة جوهرية إلى الحد الذي تعانق فيه عالم الإنسان. الشيء الذي لا تستطيعه الفلسفة أو العلم. ولأن <<الإيقاع الخليلي خاصة فيزيائية في الشعر العربي, فهي للطرب في الدرجة الأولى. وهي من هذه الناحية تقدم لذة للأذن, أكثر مما تقدم خدمة للفكر>>23 فإن تلك الأوزان تمنع الشعر من ممارسة وظيفته التبشيرية. وتجعله يخاطب في الإنسان حاسة واحدة, هي حاسة السمع. في حين أن الإنسان يجب أن يهتز ككيان للشعر, أي يجب أن يغيره الشعر.

وكما تمردت حركة مجلة <<شعر>> على الوزن فإنها أعلنت رفضها للقافية, ولنفس الأسباب. إنها عنصر خارجي يعرقل تعبير الشاعر عن تجربته. فالقافية تجعل الشعر يفقد <<اختيار الكلمات, وبالتالي اختيار المعنى, والصورة والتناغم. فكثيرا ما تنحصر القافية في أداء مهمة إيقاعية دون أن يكون لها أي وظيفة في تكامل مضمون القصيدة. وربما جاءت القافية زائدة يمكن الاستغناء عنها, دون الإساءة إلى القصيدة. بل ربما اضطر الشاعر إلى وضع قافية غريبة عن القصيدة, ودفعتها الشعورية الصميمية. وهكذا تكثر في القصيدة الزوائد, وتمتلئ بالحشو>>(24)

 2,2,2 - والحق أن هذه المبررات التي صاغتها <<شعر>>, في رفضها للوزن والقافية, قد فطن إليها النقد العربي القديم ونبه إليها. حيث نص <<عمود الشعر>> كما سطره المروزقي في المقدمة التي كتبها على شرح <<حماسة أبي تمام>>(25) على بندين: يتعلق أولهما ب<<التحام أجزاء النظم والتئامها, على تخير من لذيذ الوزن>>. والآخر ب <<مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية>>.

  أما الالتحام مع الوزن, فيكون مع المعاني ومع الألفاظ. وقد حدد النقد العربي القديم طريقة وشروط تحقق هذا الالتحام. فمن جهة يجب أن <<تكون المعاني مستوفاة لم يضطر الوزن إلى نقصها عن الواجب, ولا إلى الزيادة فيها عليه, وان تكون المعاني مواجهة للغرض, لم تمتنع من ذلك, ولم تعدل عنه من أجل إقامة الوزن والطلب لصحته>>(26).

ومن جهة أخرى ينبغي أن تكون الأسماء والأفعال في الشعر, تامة مستقيمة, <<لم يضطر الوزن إلى تأخير ما يجب تقديمه, ولا إلى تقديم ما يجب تأخيره. ولا اضطر إلى إضافة لفظة أخرى يلتبس المعنى بها. بل يكون الموصوف مقدما والصفة مقبولة عليه>>(27) .

وأما اقتضاء اللفظ والمعنى للقافية, فإن <<عمود الشعر>> يشترط مساهمة القافية في إبراز المعنى, وتلاحمها مع ألفاظ البيت, حتى تكون كما قال أبو علي المرزوقي, <<كالموعد المنتظر يتشوفه المعنى بحقه, واللفظ بقسطه. وإلا كانت قلقة في مقرها>>(28). وقد تحدث قدامة بن جعفر عن ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت, فذكر من ذلك <<أن تكون القافية متعلقة بما تقدم من معنى البيت تعلق نظم له, وملائمة لما مر فيه>>(29). وعدد أنواع هذا الائتلاف وطرق تحققه.

ويتضح من خلال هذه الأمثلة وغيرها مما يحفل به النقد العربي القديم, أن مشاكل الوزن والقافية, كما تعرضت لها مجلة <<شعر>> كانت مثارة, مع فارق جوهري لابد من تسجيله: وهو أن النقد العربي كان يتحدث عن الوزن والقافية ويرسم لهما الصورة المثلى التي يجب أن يكونا عليها, وهو مقتنع بأنهما مكونان من مكونات الشعر, لا محيد عنهما. بينما كانت مجلة <<شعر>> تطرح عيوبهما من أجل رفضهما. ومن هنا نلاحظ أن <<شعر>> أرادت مناقشة الوزن والقافية, مدخلا لرفضهما, لأنهما لا يتلاءمان مع مفهوم الشعر ووظيفته كما أشير إلى ذلك قبل قليل.

ولا شك أن منطق الهدم الذي اتبعته <<شعر>> في الحكم على الوزن والقافية, ينطوي على تنكر للمجهودات الشعرية التي قدمها الشعر العربي, الذي استطاع أن يكيف دلالة ولغة هذين المكونين مع القصيدة. ومما سهل عليه هذه المهمة التجاوزات التي أبيح للشاعر أن يقوم بها, والتي تتلخص في الزحافات والعلل.

على أن الخليل نفسه لم يدع أن الأوزان الشعرية التي قعد لها, هي الشكل الموسيقي, الوحيد, الممكن في الشعر. إنها تشكل فقط ما توصل إليه من خلال عملية مسح لأشعار الجاهليين وبعض الإسلاميين. ولكن النزعة المحافظة التي طبعت الثقافة العربية هي التي كرست هذه الأوزان كقالب وحيد للشعر. فكان أن لاءمت الشعر العربي في وقت من الأوقات, وأصبحت دليلا على التكرار والثبات في وقت آخر.

من هنا يغدو قول الخال: إن <<القافية التقليدية ماتت على صخب الحياة وضجيجها. الوزن الخليلي الرتيب مات بفعل تشابك حياتنا وتشعبها وتغير سيرها>>(30), أقرب إلى واقع الشعر العربي, وأكثر انسجاما مع طرح <<شعر>>, الذي يلح على ضرورة استجابة الشعر لروح العصر, مضمونا وقالبا. فالشعر الحديث <<يحاول أشكالا جديدة تستطيع التعبير عن معطيات العصر الحديث لأن الأشكال الشعرية القديمة, لم تعد صالحة لاستيعاب هذه المعطيات>>(31). وكما <<أبدع الشاعر الجاهلي شكله الشعري للتعبير عن حياته, علينا نحن كذلك أن نبدع شكلنا الشعري للتعبير عن حياتنا التي تختلف عن حياته. من هنا كان شعراء هذا الجيل مدعوين إلى إبداع أشكال جديدة, مستمدة من عبقرية اللغة العربية, وتراثها الشعري. ومستفيدة إلى أقصى حد من تجارب الشعراء في العالم المحتضر>>(32).

  إن مجلة <<شعر>> وفق هذا التحليل لا تخرج الشعر الموزون المقفى من دائرة الشعر, بل تعتبره أحد الأشكال الممكنة, ضمن مجموعة لانهائية من الأشكال. فقد <<يستعمل الشاعر الأوزان التقليدية أو لا يستعملها لكتابة الشعر. وهو في الحالين يكتب الشعر. وقد نعيش هذه الصفة إلى الأبد, لكنها ليست إلزامية في الشعر, إنها فقط إحدى أدوات الشعر الممكنة>>(33).

وإذ تتحفظ <<شعر>> على الأوزان الخليلية, لأنها لا تستوعب تجربتها الشعرية, فإنها لا تطرد العنصر الموسيقي من العملية الشعرية, بل تدعو إلى حرية اختيار الشاعر لهذا العنصر, وملاءمته مع التجربة الشعرية الحديثة بصفة عامة.

3 - موسيقى الشعر

إن فيما سبق إقرارا من لدن <<شعر>> بأهمية موسيقى الشعر. فالشعر <<في نشأته, ذو صلة بالموسيقى. فقد كان تكرار الصوت في فواصل منتظمة, وتساوي اللحظة الموسيقية في الأبيات, أو توافقها يسهل الترانيم الشعرية القديمة>>(34).  ولابد للوقوف على وجهة نظر <<شعر>> في القضية من التمييز بين ثلاثة مصطلحات, كثيرا ما تستعمل مترادفات, ولكنها في الحقيقة ليست كذلك. وهي الموسيقى والإيقاع والوزن.

أما الموسيقى في الشعر فتحيل على وجود رنات متراتبة أو متنافرة داخل القصيدة, ولذلك فهي تشمل الوزن الذي يقوم على متواليات صوتية متوازنة, والإيقاع الذي هو نسق صوتي غير منظم. يمكن أن ينطوي عليه نظام الوزن, كما يمكن أن يجانبه. وقد يكون الإيقاع خارجيا تدل عليه مخارج الحروف كما قد يكون داخليا, تستطيع الأذن أن تتلمسه بسهولة, لأنه مرتبط بالدفعة الشعورية التي تقذف بها القصيدة. ومن ثم فإن من المتاح للقارئ أن يقعد الوزن أو أن يضع يده على الإيقاع الخارجي, ولكن من الصعب تحديد ملامح الإيقاع الداخلي لأنه يقتضي قراءه تأويليه للنص.

ولما كانت حركة مجلة <<شعر>> لا تميز سوى بين الوزن من جهة, والإيقاع من جهة ثانية, داخل موسيقى الشعر, فسيلاحظ أن الحركة كانت تفضل في غالب الأحيان استعمال مصطلح الإيقاع نظرا لما يتضمنه من غموض. ولما يتطلبه من تأويل. الشيء الذي يتيح لها أن تتنصل من مسؤولية التقيد بأي شكل من الأشكال. وبهذا المعنى لم تثر <<شعر>> على الأوزان الخليلية فقط, بل إنها عمدت أيضا إلى محاكمة شعر التفعيلة الذي لم يكن بالنسبة إليها سوى تنويع على تلك الأوزان. فليس <<من حطم وحدة البيت شاعرا حديثا, وليس هو بالشاعر الحديث من قضى على عمود الشعر العربي, بما في ذلك قافيته الواحدة أو المتعددة. هذا تحرر وتمرد على المألوف المتوارث, منه المزيف ومنه الصحيح. منه الأصيل ومنه المصطنع>>(35).

ولعل هذا يرجع بنا إلى مفهوم الحداثة الشعرية لدى <<شعر>> التي لا تقاس بتنويعات شكلية, على أهمية هذه التنويعات, وإنما تقاس بالرؤيا التي تحدد بملامح مضمونية. فالذي يفرض شكلا معينا في العمل الشعري, هو المضمون <<تماما كما لو شئت تعبئة كمية معينة من القمح في كيس. تأخذ الكمية وتبحث لها عن كيس يسعها. وأنت لا تفعل العكس. أو بمثل آخر, أنت لا تشتري القبعة أيا كان حجمها, وتفرض على رأسك أن يلائمها. وإنما تأخذ رأسك إلى بائع القبعات, وتشتري قبعة تلائمه. هكذا في الشعر, المضمون يأتي أولا, وأصالة المضمون, أي صدق معاناته وتجربته, يفرض شكلا أصيلا من حيث تلاؤمه مع هذا المضمون>>(36).

إن في هذه الأمثلة التي يقدمها الخال ما يكفي للدلالة على أن حركة مجلة <<شعر>> لم تكن تمتلك رؤية متقدمة لعلاقة الشكل بالمضمون في العمل الشعري, رغم أنها عاصرت مرحلة الحسم في هذه العلاقة في النقد الغربي, والنقد الجديد في فرنسا تحديدا. وبالتالي فإن جل مواقفها لم تكن تعكس سوى رد فعل رافض لما هو موجود. كما كانت تعبيرا عن <<إعجاب>> لا مرد له بالإنجازات الشعرية التي تحققت في الغرب. وهكذا تمردت الحركة -نظريا على الأقل- على كل شكل جاهز, لكي تطرح بدائل مفتوحة أدت بها في نهاية المطاف إلى <<قصيدة النثر>>.

1.3- والمتتبع للسياقات المتعددة التي استعملت فيها <<شعر>> مفهوم الشكل, يجد أن هذا المفهوم يكتسي عندها حمولات متفاوتة, حتى لدى الناقد الواحد. فتارة يستعمل للإشارة إلى المكونات الفنية للقصيدة, وتارة أخرى يوظف للدلالة على جانب فني واحد, كالجانب الموسيقي مثلا. ولما كان الوزن إحدى السمات البارزة للشكل الشعري منذ القديم, فإن مجلة <<شعر>> لم تكتف برفضه كدال مهيمن على شعرية الشعر -كما مر بنا- وإنما دعت إلى التمييز بين الوزن وبين الشكل.

ولابد من تسجيل مفارقة وقعت فيها <<شعر>> بصدد هذا التمييز: فهي عندما تناقش الشعر العربي القديم تركز على الوزن الذي يكاد يصبح -في هذا السياق- مرادفا للشكل. ولما تتعرض للشعر الحديث فإن الوزن لا يعدو أن يكون في هذه الحالة, مكونا من مكونات الشكل. فليس <<الشكل موسيقى, لكنه نوع من البناء, لهذا يبقى ككل نوع من البناء قابلا للتغير والتجدد>>(37).

  ومع ذلك فإن حركة مجلة <<شعر>> تقر بضرورة العنصر الموسيقي في الشعر. ولكن موسيقية الشعر الحديث كما تراها <<شعر>>, تختلف تمام الاختلاف عن موسيقى الشعر العربي القديم, بل إنها تختلف بالتأكيد على الفهم السائد لموسيقى الشعر, لأنها موسيقى تتعذر <<شكلنتها>>. مما يعني أن لكل شاعر موسيقاه. ولا يمكن إخضاع الشعر لقاعدة واحدة.

  فإذا كان الإيقاع ضرورة في الشعر, فضرورته لا تعني أن يكون تقليديا موروثا, أو مفروضا على الشاعر. فالشاعر له الحرية في إيجاد إيقاعه الخاص به. وهذا ما يميز المفهوم الحديث للشعر عن المفهوم القديم, الذي <<يصر على نوع من الوزن لا يكون الشعر إلا به>>(38).

  كيف يتحقق الإيقاع في القصيدة? للإجابة على هذا السؤال تربط <<شعر>> بين إيقاع الكلمات وإيقاع الدلالة. وتضافر هذين النوعين من الإيقاع هو الذي ينتج الطابع البنائي للشكل كما نص عليه أدونيس. لذلك فإنه لا يمكن صياغة تعريف للإيقاع, بل يمكن البحث على مصادره, التي تتجلى في نظام <<الجملة, وعلائق الأصوات, والمعاني, والصور وطاقة الكلام الإيحائية, والذيول التي تجرها الإيحاءات وراءها من الأصداء المتلونة المتعددة>>(39). هكذا, فإنه لا يكفي لإنتاج إيقاع في الشعر أن نحرص على تحقيق نوع من التجانس الصوتي, بين الكلمات والحروف, بل لابد أن يتبع ذلك إيقاع في المضمون. وتتضح الصبغة مضمونية الإيقاع لدى رينه حبشي الذي حصر وظيفته في <<أن ينبهنا لحركة الوجود, التي التقطتها القصيدة. على إيقاع القصيدة أن يحيي نبض الوجود, كما يحيي نبض الدم إيقاع القلب>>(40). من هنا يكتسي الإيقاع بعده الرؤيوي. ولذلك وجب تلمسه في المضمون الشعري. صحيح أن العلاقة بين الصوت والمعنى تتجاوز اعتباطيتها عندما نتجاوز الدليل المفرد, و <<ننتقل إلى النسق>>(41) كما يرى جان كوهن. ولكن مجلة <<شعر>> لا تنظر إلى هذه العلاقة نظرة بنيوية, بل انطلقت من إيلاء كامل الأهمية للمعنى, وجعلت من التفريعات الشكلية مكملة له, أو دالة عليه. وهكذا جاء حديثها عن الإيقاع, ودوره في العملية الشعرية, شبيها بحديثها عن الرؤيا. كلاهما يصعب تحديده, وهي التي كانت تحمل هم نص, خارج كل الأشكال المتعارف عليها. وإذا كان الوزن قيمة فنية من القيم التي تساعد على تمييز الشعر عن النثر, فماذا يبقى من الشعر وقد جردته <<شعر>> من هذه القيمة?

2.1.3- منذ ظهور البشائر الأولى للقصيدة الحديثة, والناقد العربي يحاول أن يوجد لها إطار يصنفها داخله. ورغم أن مجلة <<شعر>> كانت سباقة إلى البحث عن هذا الإطار -إذا استثنينا بعض المحاولات التي تبنتها <<الآداب>> البيروتية, فإن المكتبة العربية شهدت في ستينات هذا القرن تراكما كميا يوحي بالاهتمام المتزايد بهذا الوليد الجديد.

  وقد كانت قضية الوزن في الشعر الحديث القضية الأولى ضمن هذه المجهودات, مع أن هناك تفاوتا ملحوظا في الرؤية النقدية لهذا الشعر. ويمكن أن نشير بسرعة إلى أن النقاشات حول مسألة الوزن في الشعر, قد أفرزت ثلاثة اتجاهات رئيسية, تمثل <<شعر>> واحدا منها.

1.2.1.3 يرى الاتجاه الأول أن الوزن عنصر حاسم للتمييز بين الشعر والنثر. بل إنه حاول أن ينظر للقصيدة بالارتباط مع الإرث الشعري العربي. ومن ثم عد التطور الذي عرفه الوزن في القصيدة الحديثة استمرارا للعروض الخليلي. ولذلك يجب أن تتقيد بقواعده. وقد دافعت نازك الملائكة في <<قضايا الشعر المعاصر>> على هذا الاتجاه بحرارة نادرة.

  ويأتي اهتمام الملائكة بالوزن انطلاقا من قناعة تقول: <<إن الشعر الحر ظاهرة عروضية قبل كل شيء>>(42). وإذا كان الأمر كذلك فإن القصيدة الحديثة تجد مكانها في العروض الخليلي, وليست خروجا عنه. فحركة الشعر الحديث <<بصورتها الصافية, ليست دعوة لنبذ شعر الشطرين نبذا تاما, ولا هي تهدف إلى أن تقضي على أوزان الخليل, وتحل محلها, وإنما كان كل ما ترمي إليه أن تبدع أسلوبا جديدا توقفه إلى جوار الأسلوب القديم, وتستعين به على بعض موضوعات العصر المعقدة>>(43). هكذا يغدو الشعر الحديث لدى الملائكة مجرد تنويع على الشعر القديم وقوانينه. ولذلك ينبغي <<أن يجري تمام الجريان على تلك القوانين, خاضعا لكل ما يرد من صور الزحاف والعلل والضروب والمجزوء, والمشطور. وإن أية قصيدة حرة لا تقبل التقطيع الكامل على أساس العروض القديم, الذي لا عروض سواه لشعرنا العربي, لهي ركيكة الموسيقى, مختلة الوزن. ولسوف ترفضها الفطرة العربية السليمة, ولو لم تعرف العروض>>(44).

  لابد من الإشارة أولا إلى نازك الملائكة قد نشرت بعض أعمالها الشعرية على صفحات مجلة <<شعر>>(45), كما ساهمت بدراسة نقدية عن <<ملامح عامة في شعر إيليا أبي ماضي>>(46),  ظهرت على نفس المنبر. ولم تنقطع عن النشر في <<شعر>> فيما يرجح, إلا بعد ظهور كتابها عن <<قضايا الشعر المعاصر>> في بداية الستينيات. وقد ناقشته المجلة في ركن <<أخبار وقضايا>> وردت عليه ردا عنيفا كرس القطيعة بين <<شعر>> وبين نازك الملائكة. ثم خصص له يوسف الخال دراسة(47) رفض فيها جل آراء الشاعرة, وخاصة ما تعلق منها بمسألة الوزن في الشعر. وإن ما يفسر رد الفعل العنيف الذي خلفه <<قضايا الشعر المعاصر>> لدى <<شعر>> هو أن الحركة أحست أن البنيان الذي حاولت أن تشيده منذ انطلاقها عام 1957, بدأ ينهار. وزاد في تعميق هذا الإحساس أن الملائكة كانت تحسب على <<شعر>> مثلها في ذلك مثل السياب.

  ليس هذا مكان التعرض لمفهوم <<الشعر الحر>>(48) لدى نازك الملائكة ويكتفي البحث بالإشارة إلى أن الملائكة كانت تعمل على إضفاء الشرعية على الشعر, الحديث الذي كانت أحد رواده, فسقطت في شباك السلفية. مما أدى بها إلى تجريد هذا الشعر من شخصيته كتجربة حاولت أن تستجيب لوضعية اجتماعية/ ثقافية عرفها العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية. لذلك أكدت على وحدة الشكل في الشعر العربي القديم والحديث على السواء. وهي بهذا تقف في الطرف الآخر مما دعت إليه حركة مجلة <<شعر>> ومارسته شعريا.

2.2.1.3- أما الاتجاه الثاني, فإنه يرى -عكس نازك الملائكة- أن الوزن في الشعر الحديث الذي استقر في شكل النظام التفعيلي, إنما يمر بمرحلة تمهيدية سوف تقوده إلى ابتكار أشكال موسيقية أكثر جذرية وبعدا عن التراث الشعري العربي. ويعبر عن هذا الاتجاه محمد النويهي.

  ومع أن صاحب <<قضية الشعر الجديد>> يصر على اعتبار الوزن مكونا ضروريا من مكونات الشعر, لأن الوزن <<ليس شيئا زائدا يمكن الاستغناء عنه>>(49), فإنه لم يكن مقتنعا بأن شعر التفعيلة قد حقق تحولا في مسار الشعر العربي. فما دام الشعر <<مرتبطا بالتفاعيل القديمة, فإن هذه التفاعيل نفسها قائمة على نظام إيقاعي, هو بطبيعته حاد, بارز, مسرف في الرتوب, لأنه يعتمد على عدد لا يتغير من الحروف, مرتبة بترتيب لا يتغير من الحركة والسكون. تنتج عنه مقاطع تترتب بحسب قصرها وطولها>>(50).

  من هنا فإن  نظام التفعيلة لا يشكل سوى مرحلة يجب تجاوزها. وهو رغم هذا مرحلة ضرورية <<حتى تألف آذاننا الإيقاع الخافت المنوع, في تدرج>>(51). ويقترح محمد النويهي نظاما إيقاعيا يتمثل في النظام النبري, الذي <<لا يخالف طبيعة اللغة العربية وإن خالف الأساس التقليدي المعروف في شعرها. بل سيكون إغناء للغة العربية, باستكشاف نظام إيقاعي أصيل فيها, أهمله الشعراء القدامى, فأهمله العروضيون, الذين استقرأوا قوانينهم بطبيعة الحال مما نظمه الشعراء الذين سبقوهم>>(52).

لم تكن دعوة النويهي إلى اعتماد النظام النبري في الشعر العربي الدعوة الوحيدة. ومع ذلك يمكن القول: إن هذه الدعوة لم يستجب لها, لا على مستوى النقد الشعري ولا على مستوى الإبداع نفسه, إلا في حدود ضيقة جدا. ولعل مرد ذلك إلى عدم ملاءمة هذا النظام للغة العربية, وتقاليدها الشعرية. ذلك أن الأمر في العمق يتجاوز هذا النظام كتقنية, ويطرح على بساط البحث مشكلة الشعر الحرVers libres , ومدى إقبال الشاعر العربي عليه. وبمعنى آخر فإن اقتراح محمد النويهي إنما يعبر في جوهره على صراع الأشكال الشعرية الغربية في العالم العربي: فإذا كانت نازك الملائكة تمتح من التراث في إلحاحها على احترام قوانين العروض الخليلي, فإن الشعر الحر بمفهومه الغربي, الذي روج له النويهي يفصح عن حضور المدرسة الإنجليزية في الشعر, بينما تنتصب <<قصيدة النثر>>, لتكشف عن نفسها كشاهد على المدرسة الفرنسية.

1.2.3- لقد حرص البحث على الإشارة إلى وجهتي نظر نازك الملائكة ومحمد النويهي, لأن الشكلين الشعريين الذين دعيا إليهما, كل واحد على حده, كانا يمثلان في نهاية الأمر اختيارين شعريين داخل حركة مجلة <<شعر>>, بالإضافة إلى اختيار قصيدة النثر. فالقصائد التي نشرتها <<شعر>> تؤكد هذا التنافس الذي كان قائما بين شعر التفعيلة الذي يبقى في كل الأحوال على علاقة مع التراث الشعري العربي, وبين الشعر الحر ذي الانتماء الإنجليزي, وبين قصيدة النثر ذات الأصل الفرنسي. ولكن هذا التنافس بين هذه الأشكال الشعرية, اكتسى صفة التعايش داخل <<شعر>>, إذ كان معترفا بها جميعا, ولا أدل على ذلك من أن <<شعر>> تصنف الشعر في الأدب العربي المعاصر, إلى ثلاثة أنواع عامة من الشعر(53):

  - شعر الوزن: وقد يدخل فيه تنويع التفعيلات.

  - الشعر الحر: وهو الخالي من الوزن والقافية, والمحافظ على نسق البيت.

  - قصيدة النثر.

  وقد ذهب سامي مهدي(54) إلى أن وجود الشعر الحر إلى جانب قصيدة النثر يعكس صراعا بين الثقافة الأنجلو/سكسونية وبين الثقافة الفرنسية. ومع أن بعض الشعراء داخل الحركة, قد تخصص في كتابة الشعر الحر(جبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ وإبراهيم شكر الله) وبعضهم تخصص في كتابة قصيدة النثر (انسي الحاج ومحمد الماغوط وأدونيس, وشوقي أبي شقرا), فإن هذا الاختلاف لا يعدو ان يكون تجسيدا لنزعة تجريبية رافقت <<شعر>> إلى نهايتها, ولا يرقى إلى مستوى الصراع الثقافي.

على أن هناك ظاهرة تسترعي الانتباه, وهي أن <<شعر>> قد خصصت بعض الدراسات النظرية لقصيدة النثر, ولم تكتب ولو مقالة واحدة تعرف بالشعر الحر, ويرجع ذلك إلى أحد سببين: الأول أن الذين كانوا متحمسين للشعر الحر, داخل الحركة لم يكن لهم باع في التنظير الشعري, ولذلك اكتفوا بممارسة كتابة الشعر الحر إبداعيا. والثاني أن قضية الشعر الحر هي بالدرجة الأولى قضية شكل. ولما كانت مجلة <<شعر>> لا تحفل كثيرا بالشكل, وبالجانب الموسيقي فيه خصوصا, فإنها لم تنجز دراسات عن هذا النوع من الشعر, بل إن مصطلح الشعر الحر نفسه لم يرد في المجلة إلا لمرات معدودة. بينما حظيت قصيدة النثر باهتمام كبير في مجال التنظير الشعري, لدى مجلة <<شعر>>. ولما كان مجهود هذا البحث يرتكز أساسا على هذا التنظير, فإنه سيخصص حيزا لطرح وجهة نظر <<شعر>> في قصيدة النثر.

2.2.3- إن تعايش الأنماط الشعرية الثلاثة, المشار إليها قبل قليل, يؤكد أن حركة مجلة <<شعر>> لم تنطلق منذ تأسيسها من رؤية محددة لما يجب أن يكون عليه الشكل الشعري. بل إنها لم تنطلق من مفهوم جاهز للشعر, وإنما توصلت إلى <<اكتشاف>> تلك الأنماط انطلاقا من شعار التجريب, في أفق حداثة شعرية, لا تؤمن بقالب شعري قار وثابت. ومن هنا فإنه لا يمكن النظر إلى قصيدة النثر بمعزل عن نزعة التجريب التي رافقت مسيرة <<شعر>> من أول عدد منها إلى آخر عدد. يقول أسعد رزوق: <<الشعر العربي الحديث يمر الآن بمرحلة تجريبية, تتناول الشكل كما تتناول المضمون. وكل النتاج الشعري الذي يصدر عن هذه الحركة, لا يعدو كونه محاولة وتجربة جديدة. فلا يوجد شاعر عربي معاصر يصح أو يجوز اعتباره خالق مدرسة جديدة في الشعر, وصاحب مذهب مستقل وخاص به>>(55).

واعتماد مبدأ التجريب الشعري هو الذي أوصل الحركة إلى قصيدة النثر على مستوى الإبداع. وهو الذي جعلها ترفض الانصياع لشكل معين. وعندما أعوزتها الوسائل الذاتية والموضوعية من أجل الخروج من قصيدة النثر وتطويرها, فإنها أعلنت توقفها. ولذلك لا يمكن فهم <<جدار اللغة>> الذي ساقه الخال لتبرير موت الحركة, إلا في عجزها عن تطوير الأشكال التي توصلت إليها. وفي مقدمتها قصيدة النثر. فحين << كتب يوسف الخال افتتاحية العدد (31) من مجلة <<شعر>> معلنا الاصطدام بجدار اللغة, كان يشير إلى أزمة المشروع الشعري. مأزق جدار اللغة هو مأزق مادة الشعر الأساسية, أي مأزق كل شيء>>(56).

  هكذا فإن ما كان يدفع مجلة <<شعر>> إلى التطرف, لم يكن سوى محاولة لكتابة قصيدة متملصة من جميع قوانين الخطاب الشعري. وليس مهما أن تكون هذه القوانين تقليدية أو جديدة. ولكن المهم هو التمرد على كل شكل من شأنه أن يحد من حرية الشاعر. وهي في تمردها على الأشكال القائمة لا تهدف إلى فرض قوانين وأشكال بديلة, إلا لتعمل على تجاوزها. فالقصيدة الحديثة لا تستقر على <<شكل, وهي جاهدة أبدا في الهرب من كل أنواع الانحباس في أوزان وإيقاعات محددة. بحيث يتيح لها أن توحي بشكل أشمل الإحساس بجوهر متموج, لا يدركه إدراكا كليا ونهائيا. ألا وهو جوهر عصرنا الحاضر. لم يعد الشكل مجرد جمال. ففكرة الجمال بمعناها القديم, فكرة باخت, وربما ماتت. إن للفعالية الشعرية غايات تتجاوز مثل هذا الجمال>>(57).

وكما أن الرؤيا الشعرية التي دافعت عنها <<شعر>>, والتي تلخص مضمون العمل الشعري لديها, زئبقية, لا يمكن القبض عليها بدقة, فان <<شعر>> ارتفعت بشكل القصيدة إلى مستوى شمولي, إلى الحد الذي يصعب معه تحديد ملامحه. يعرف أحد أعضاء <<شعر>> القصيدة بالنفي, فيقول: إنها <<ليست حنية بيضاء. ليست فكرة مشروحة. ليست قصة رمزية. ليست نغما. ليست تفجيرا للكلمات. ليست تركيبا هندسيا. ليست الشيء الجميل. إنها التي توجه اهتمامنا إلى الشيء في ذاته, لا إلى طريقة التعبير. الشعر يبدأ عندما يكف المبدع والمتلقي على السواء عن رؤية الواسطة. هذه الواسطة يجب ألا تفسر, بل يجب أن ترافق التحريض من الداخل. أن تكون على مستوى البكارة, دائما في تجاوزها المستمر لمفاتيحها من الداخل والخارج معا>>(58).

ليس الأسلوب الإنشائي الذي صيغ به هذا <<التعريف>> وحده المسؤول عن ضبابية مفهوم القصيدة الذي لا يقتصر على عصام محفوظ وحده, وإنما يمتد إلى باقي أعضاء <<شعر>>. لكن الحركة كانت تهدف إلى إقامة نص شعري بدون حدود, ولذلك فإنها لا تتحدث عن شروط الشعر أو قوانينه, بل تفضل الحديث عن خصائص القصيدة. وهذا الفرق بين القصيدة وبين الشعر, وإن بدا بسيطا من أول وهلة, إلا أنه يكتسي لدى حركة مجلة <<شعر>> أهمية قصوى. يتضح ذلك إذا تم التذكير بان مصدر التجربة الشعرية هو فردية الشاعر وشخصيته المستقلة. ولما كانت القصيدة هي التعبير عن تلك التجربة, فإن مجلة <<شعر>> تركز على القصيدة/الشاعر, وتستبعد من تنظيرها الشعر/المجتمع.

بهذا المعنى يمكن القول إن القصيدة تنتصب كنقيض للشعر باعتباره خطابا تحده مجموعة من القوانين, تماما كما تستبعد المجتمع لصالح الشاعر الفرد. والنتيجة أنه يمكن البحث عن قوانين للقصيدة, وبالمقابل فإن القول بقوانين الخطاب الشعري هو إلغاء للقصيدة نفسها. فما دام <<صنيع الشاعر خاضعا أبدا لتجربة الشاعر الداخلية, فمن المستحيل الاعتقاد بأن شروطا ما أو قوانين ما, أو حتى أسسا شكلية ما, هي شروط وقوانين وأسس خالدة مهما كان نصيبها من الرحابة والجمال>>(59).

3,2,3 -  هكذا أدى تقويض قوانين الشعر العربي من لدن حركة مجلة <<شعر>>, إلى قصيدة النثر. وأقدم إشارة إلى هذا النوع الجديد من الشعر, وردت في العدد الرابع من المجلة حيث نشرت في ركن <<أخبار وقضايا>> ما يأتي: <<ولأنسي الحاج نتاج شعري من نوع جديد, نشر نموذجا له في عدد <<الأديب>> الأخير, وفي صفحة <<النهار>> الأدبية التي يتولى تحريرها, وهو ينوي محاولة هذا اللون الأدبي الذي يجد راحة في التعبير به عن خلجات نفسه وفكره>>. ويلاحظ أن المجلة لم تجد اسما بعد, تطلقه على قصيدة النثر, ومع ذلك فإنها اعتبرتها شعرا, الشيء الذي يؤكد أن <<شعر>> مارست قصيدة النثر إبداعيا, قبل أن تجد لها إطارا نظريا يحدد سماتها. ولن تتمكن من إيجاد هذا الإطار إلا سنة 1960, حين كتب أدونيس دراسة تحت عنوان: <<في قصيدة النثر>>(60). وفي نفس السنة صدرت لأنسي الحاج مجموعة <<لن>>(61), التي قدم لها بمقدمة تصب في نفس الاتجاه, وتكاد المحاولتان تشكلان كل رصيد <<شعر>> من التنظير الشعري, لهذا النوع من الشعر.

لقد دأب النقاد المعاصرون الذين تناولوا بالدراسة قصيدة النثر, على اعتبار هذا المولود الجديد مجرد بضاعة مستوردة من الغرب. وعلى الرغم من أن أحدا لا يمكن أن ينكر التأثير الذي مارسه الشعر والنقد الغربيان على حركة مجلة <<شعر>> في تبنيها لهذا النوع من الشعر, كما سيحاول البحث أن يبين في ما بعد, إلا أن هذا التأثير لم يكن ليمارس مفعوله لولا انه وجد الطريق ممهدا. والرجوع إلى محاضرة يوسف الخال التي ألقاها في <<الندوة اللبنانية>> منذ 1956, والتي مثلت الأرضية النظرية الأولى التي جمعت شعراء ونقاد مجلة <<شعر>>, يوضح أن الحركة كانت مستعدة للذهاب بعيدا في تجاوز الأشكال الشعرية التي كانت سائدة, ومنها شكل التفعيلة. مما يعني أن <<شعر>> كانت تهيئ نفسها منذ الأول لاحتضان قصيدة النثر. وعندما حصل لديها التراكم اللازم للقيام بهذه المهمة, فإنها لم تتأخر في إعلان تبنيها لها, فكانت بذلك أول من بشر بقصيدة نثر عربية.

4.2.3- <<هل يمكن أن يخرج من النثر قصيدة ?>>(62) لقد ظل هذا السؤال يشكل لدى <<شعر>> هاجسا يقض مضجعها. فهي التي رفضت أن يكون الوزن شرطا ضروريا في الشعر, لابد أن تعمل على إيجاد تمايز بين الشعر والنثر, بعيدا عن عنصر الوزن الذي كان حاسما في التفرقة بينهما. ومن هنا كانت جهودها النظرية في الموضوع, تنصب على إيجاد جواب مقنع لهذا التجاور الضدي بين القصيدة والنثر. وقد عثرت على ذلك التمايز في الموضوعات والأشكال والأهداف معا.

فمن حيث الموضوعات فإن النثر يتناول تلك التي لها علاقة مباشرة بالحياة اليومية, ولذلك فإنه لا يمكن أن يكون إلا واقعيا بالمعنى المبتذل للكلمة. إنه <<يتوجه إلى شيء, يخاطب, وكل سلاح خطابي قابل له>>(63) أما الشعر فليس له موضوع, أو ليس له موضوع محدد, لأنه يطمح <<لأن ينقل شعورا أو تجربة روحية>>(64) ولذلك فإنه يرتفع عن المباشرة لأنه لا رسالة له. ومن أجل هذا ارتبط النثر بالزمن, بمعناه الفيزيائي, بينما ارتبط الشعر بالزمن النفسي الذي يفصح عن التجربة.

ومن ناحية الأشكال فإن طبيعة الموضوعات التي يطرقها النثر تقتضي أن يعتمد أساليب الإقناع, ومن هنا يقيم علاقته مع القارئ على جسور <<المباشرة والتوسع والاستطراد والشرح, والدوران, والاجتهاد الواعي بمعناه العريض. ويلجأ إلى كل وسيلة في الكتابة للإقناع>>(65). أما الشعر فهو توتر و<<اقتصاد في جميع وسائل التعبير>>(66) ومن ثم اعتماده على لغة إشارية مختزلة في مقابل النثر الذي يستخدم لغة عادية, مهمتها الإخبار والبرهان.

أما من حيث الهدف, فإن النثر يرمي إلى تبليغ رسالة محددة للقارئ, قوامها <<الوعظ والإخبار والحجة والبرهان>>(67). أما الشعر فإنه ينقل رؤيا وتجربة, ولذلك فهو أغور عمقا في النفس, وهذا ما جعله يتسم بالغموض في مقابل النثر الذي يبتغي الوضوح.

  ويلخص أدونيس التمايز بين الشعر والنثر في مقالة كتبها سنة 1959, تشم فيها رائحة قصيدة النثر, ولو لم ينص عليها مباشرة, فيقول: <<تبقى هناك فروق أساسية بين الشعر والنثر: أول هذه الفروق هو أن النثر اطراد وتتابع للأفكار. في حين أن هذا الاطراد ليس ضروريا في الشعر. وثانيهما هو أن النثر يطمح لان ينقل فكرة محددة, ولذلك يطمح أن يكون واضحا, أما الشعر فيطمح لان ينقل شعورا أو تجربة روحية ولذلك فان أسلوبه غامض بطبيعته. والشعور هنا فكرة, إلا أنها لا تكون منفصلة عن الأسلوب كما في النثر, بل متحدة معه. ثالث هذه الفروق هو أن النثر وصفي تقريري ذو غاية خارجية, معينة محددة, بينما غاية الشعر هي نفسه. فمعناه يتحدد دائما حسب السحر الذي فيه وحسب قارئه>>(68).

  واضح من خلال هذه التحديدات أن مجلة <<شعر>> تقتصر في تعريفها للنثر على نوع معين منه, وهو النثر الخطابي. وهذا هو ما يبرر عدم إشارتها إلى بعض أنواع النثر التي تقترب في لغتها وموضوعها ومضمونها من الشعر. ويمكن أن نتساءل: أين نضع الرواية والخاطرة وغيرهما من الأشكال الأدبية التي تحتوي على نفس شعري? وإذا كانت الحركة لا تتحدث عن هذه الفنون, فلأنها لا تعرف أين تضعها بالضبط. في دائرة النثر أم في دائرة الشعر. مما يؤكد أن المبررات التي ساقتها <<شعر>> للتفريق بين الشعر والنثر كان يحكمها منطق المفاضلة, على غرار بعض الكتابات العربية القديمة التي تضع حدودا فاصلة وحاسمة بين هذين الفنين من فنون القول. والحق أن هناك تداخلا بين الشعر والنثر أصلته النظرة الجديدة للأدب عامة, التي ثارت على التصنيفات الكلاسيكية. وهذا ما حصل في الآداب الغربية.

  ويبدو أن مجلة <<شعر>> كانت واعية بهذا التطور, ولكن هدفها كان ينصب على الدفاع على استقلالية قصيدة النثر, كما سنوضح بعد قليل. الشيء الذي جعلها تعتمد التبرير أكثر مما تتوخى التحليل. ومثل هذا الوعي بتداخل الأجناس الأدبية نجده في مقالة ردت بها مجلة <<شعر>> على نازك الملائكة. وهي مقالة غير موقعة. فقد كانت تدرك <<أن التقدم الذي حصل في اللغات الحية, والآداب العظيمة في العالم, ينبغي له أن يحصل في أدبنا ولغتنا, وإلا فكيف يحق لنا أن ندعي الانتساب إلى الحضارة? في الآداب الحية, هدموا الحواجز المصطنعة بين الشعر والنثر, وتنبهوا إلى أن النظم الكلاسيكي ليس وحده الشعر, كما انه ليس الشعر بالضرورة>>(69). ويظهر هذا الطرح الأخير في إنهاء الحدود بين الشعر والنثر, أكثر إقناعا مما حاولته <<شعر>> في التفرقة بينهما على أسس تبقى أقرب إلى التصنيفات الأكاديمية, وأبعد عن روح الاجتهاد التي طبعت تنظيرها للشعر.

  ولكن <<شعر>> التي كانت ترمي من وراء هذه الفروقات إلى تمييز قصيدة النثر عن النثر قد سقطت في التصنيفات الجاهزة التي تدعم دفاعها على شعرية قصيدة النثر.

4 - العوامل الممهدة لقصيدة النثر

1.4- إن حركة مجلة <<شعر>>, وقد كانت تعمل جاهدة على استنبات قصيدة النثر في الأدب العربي الحديث, ما كان يمكنها أن تدعو إلى تأصيل هذا النمط من الكتابة الشعرية, دون أن تمهد لدعوتها تلك, بتفسير العوامل الموضوعية, التي تجعل منها نتيجة من نتائج التطور الطبيعي, الذي عرفته القصيدة العربية الحديثة. ويمكن حصر تلك العوامل في أربعة رئيسية:

1.1.4- إن ثبات الشعر العربي في قالب واحد, ولمدة طويلة جعله يكرر نفسه باستمرار. وأمام عالم متغير يفرض أشكالا تعبيرية أكثر مرونة وملاءمة, فإن الشاعر العربي, وانطلاقا من نزعة تجريبية واضحة, راح يبحث عن شكل شعري, يستوعبه. فوجد في قصيدة النثر مبتغاه, نظرا لما تتميز به من خصائص تتيح له حرية التحرك. وهكذا وجدت  <<شعر>> في <<ضعف الشعر التقليدي والخطابة>>(70) عنصرا ممهدا لقصيدة النثر.

2.1.4- ومن العوامل الممهدة لقصيدة النثر, تحرر اللغة العربية من الصرامة التي كانت تميزها قبل ظهور القصيدة الحديثة. ذلك أن أغلب الشعراء الرواد قد تأثروا بدعوة الغربيين إلى تبني لغة الخطاب اليومي. مما أدى إلى تكسير الحواجز بين لغة الشعر ولغة النثر. ومن هنا يمكن اعتبار قصيدة النثر من <<ردود الفعل ضد القواعد الصارمة النهائية>>(71) . التي اتسم بها الشعر العربي القديم.

3.1.4- ترجمة الشعر العربي. والجدير بالملاحظة أن  <<شعر>> قد أخذت على عاتقها نقل كم هائل من الشعر الفرنسي والإنجليزي خاصة, إلى العربية. وكان النوع الذي ينتمي إلى قصيدة النثر يمثل حصة الأسد في ما نقلته. ويذكر أدونيس أن <<الناس يتقبلون هذه الترجمات, ويعتبرونها شعرا, رغم أنها بدون قافية ولا وزان. وهذا يدل على أن في موضوع القصيدة المترجمة, والغنائية التي تزخر فيها, وصورها, ووحدة الانفعال والنغم فيها, عناصر قادرة على توليد الصدمة الشعرية. دون حاجة إلى القافية أو إلى الوزن>>(72).

4,1,4 - النثر الشعري أو الشعر المنثور, الذي عرف به بعض كتاب العربية من أمثال جبران خليل جبران. ويحرص أدونيس على التمييز بينه وبين قصيدة النثر, إذ <<ليس للنثر الشعري شكل. هو استرسال, واستسلام للشعور, دون قاعدة فنية, أو منهج شكلي بنائي, وسير في خط مستقيم ليس له نهاية. لذلك هو روائي أو وصفي, يتجه غالبا إلى التأمل الخلاق أو المناجاة الغنائية, أو السرد الانفعالي ولذلك يمتلئ بالاستطرادات والتفاصيل, ويتفسخ فيه التناغم والانسجام. أما قصيدة النثر فذات شكل قبل أي شيء آخر>>(73). ونظرا للسمات المذكورة التي حددها أدونيس للنثر الشعري فإنه جعله من الناحية الشكلية في <<الدرجة الأخيرة في السلم الذي أوصل الشعراء إلى قصيدة النثر>>(74).

إن هذه العوامل التي ساقتها <<شعر>> لتسويغ قصيدة النثر, إنما ترمى في الحقيقة إلى تأصيلها في الأدب العربي, حتى تظهر وكأنها نتيجة تطور طبيعي لهذا الأدب. ولذلك بدا الوهن جليا عليها. فهي تفتقر إلى الانتظام في نسق متكامل. الشيء الذي جعلها تظهر وكأنها عناصر متفرقة التقطت من هنا وهناك, تحت وطأة الإحساس بأنها تنتمي إلي أرضية ثقافية غير الأرضية العربية.

 وعلى الرغم من أن أدونيس يشير في دراسته المذكورة إلى دور الرواة والتراث العربي القديم, في مصر وبلدان الهلال الخصيب على الأخص, في ظهور قصيدة النثر العربية, إلا أن هذه الإشارة يعوزها الدليل, فزيادة على عموميتها, فليس في التراث العربي ما ينص على أن الشعر يمكن أن يقوم دون وزن ولا قافية. ومن هنا فان تلك الإشارة ليست سوى مظهر من مظاهر الإسقاط الثقافي, الذي مارسته <<شعر>> على التراث العربي. ولا أدل على ذلك من أن الحركة عندما حاولت رسم ملامح قصيدة النثر, من خلال ضبط خصائصها, لم تلتفت إلى التراث الشعري العربي, وإنما كان إطارها المرجعي في ذلك, النقد الغربي.

5 - خصائص قصيدة النث-ر

لقد جاء تبني حركة مجلة <<شعر>> لقصيدة النثر تأكيدا لمقولة ترددت كثيرا في ثنايا المجلة, ونعني بها التمرد على الأشكال الشعرية السائدة. لذلك رأت في قصيدة النثر تجسيدا مطلقا لهذا التمرد, واعتبرتها قصيدة الخلاص. فعصر <<المواضعات والتقاليد. والنهائية والمحدودية, هو العصر الذي يسود الفكر والحياة في العالم العربي. لابد لهذا العالم إذن من الرفض الذي يهزه. لابد من قصيدة النثر, كتمرد أعلى في نطاق الشكل الشعري. وللآخرين في المجالات الفنية والأدبية والفكرية الأخرى أن يختاروا رفضهم وأشكاله>>(75).

  إن هذا التأرجح بين الفوضى والتقنين عبر عن نفسه - فيما يتعلق بقصيدة النثر- بموقفين متفاوتين أحدهما لأنسي الحاج, والآخر لأدونيس.

لقد كان أنسي الحاج طيلة المدة التي عاشتها المجلة ناطقا باسم الاتجاه الأكثر تطرفا. فهو يرفض أن يكون لقصيدة النثر قالب, لان في ذلك سقوطا في التقليد الذي تحاربه مجلة <<شعر>>: <<لا نهرب من القوالب الجاهزة لنجهز قوالب أخرى, ولا ننعي التصنيف الجامد لنقع بدورنا فيه>>(76). والنتيجة التي توصل إليها الحاج هي أن <<ليس لقصيدة النثر قانون أبدي>>(77), لأنها صنيع الشاعر الذي يخضع لتجربته الداخلية.

أما أدونيس فيبدو أكثر رزانة, فهو يميز بين التمرد والفوضى, لان التمرد يؤدي إلى اللاشكل. ولما كانت قصيدة النثر وليدة التمرد, فان <<كل تمرد ضد القوانين القائمة مجبر ببداهة -إذا أراد أن يبدع أثرا يبقى- أن يعوض عن تلك القوانين بقوانين أخرى, كي لا يصل إلى اللاعضوية واللاشكل. فمن خصائص الشعر أن يعرض في شكل ما, أن ينظم العالم إذ يعبر عنه.>>(78)

  والفرق بين الموقفين ليس بسيطا, ففيما يتحدث أنسي الحاج عن <<الشروط>> يفضل أدونيس استعمال <<القوانين>>. ومع ذلك فان هذا التباين بينهما سيذوب عند الدخول في التفاصيل, أي عند تحديد خصائص قصيدة النثر. والسبب في هذا انهما اعتمدا مرجعا واحدا استقيا منه هذه الخصائص وهو كتاب سوزان برنار):  Suzanne BERNARD (قصيدة النثر, من بودلير إلى أيامنا>>(79).

لقد حرصت حركة مجلة <<شعر>> وهي تتلمس الخصائص الفنية لقصيدة النثر, على أن تجعل من هذا الفن فنا قائم الذات يتمتع باستقلاله كنوع أدبي, مثله في ذلك مثل الشعر الموزون, أو القصة أو الرواية أو المسرحية. وعلى الرغم من أن قصيدة النثر يمكن أن تستفيد من هذه الفنون جميعا, إلا أن ذلك لا يسلبها شخصيتها الفنية. وهكذا فان كل قصيدة نثر هي علامة على عملية مزدوجة: الهدم والبناء, إنها تجمع <<بين الفوضوية لجهة, والتنظيم الفني لجهة أخرى. من الوحدة بين النقيضين تنفجر ديناميكية قصيدة النثر الخاصة>>(80). وبعبارة أخرى, فإنها وليدة <<رفض النظام المطلق المجرد في سبيل نظام حي لاحتمية فيه>>(81). وهذا النظام هو الذي يحفظ لها تمييزها واستقلالها, ويجعل منها بناء فنيا قائما بذاته. فليست قصيدة النثر <<رواية, ولا قصة, ولا بحثا, مهما كانت هذه الأنواع شعرية. قصيدة النثر لا غاية لها خارج ذاتها, سواء كانت هذه الغاية روائية أو أخلاقية, أو فلسفية, أو برهانية. وإذا هي استخدمت عناصر الرواية أو الوصف أو غيرها, فذلك مشروط بان تتسامى وتعلو بها لغاية شعرية خالصة. فهناك مجانية في القصيدة. ويمكن تحديد المجانية بفكرة اللازمنية. إذ أن القصيدة لا تتقدم نحو غاية أو هدف, كالقصة أو الرواية المسرحية أو المقالة, ولا تبسط مجموعة من الأفكار, أو الأفعال, بل تعرض نفسها كشيء, ككتلة لا زمنية>>(82).

  لابد من التذكير قبل كل شيء, بأن المجانية هي علامة بارزة في الشعر عامة لدى مجلة <<شعر>>, ولا تقتصر على قصيدة النثر وحدها. وتكشف تلك المجانية عن نفسها بالتناقض الذي تقيمه الحركة بين الشعر والواقع وبين الشعر والمجتمع. وعليه, فان المجانية ليست ميزة بين هذا النوع الشعري وبين النثر, مما دفع <<شعر>> إلى البحث عن خصائص أخري تضمن التمايز لقصيدة النثر عن النثر من جهة, وعن الشعر الموزون من ناحية أخري,. ويمكن إجمال تلك الخصائص فيما يأتي:

2.4- إذا كان الوزن خاصية لازمت الشعر العربي عبر العصور, حتى أصبح المقياس الأول في التفريق بين الشعر والنثر. وإذا كانت قصيدة النثر قبل كل شيء ثورة على الوزن. فان مجلة <<شعر>> تؤمن بضرورة العنصر الموسيقي في قصيدة النثر. ولكنها تعتمد في حضور هذا العنصر الإيقاع بدل الوزن. وقد ألمح البحث قبل قليل إلى <<شعر>> اختارت الإيقاع لأنه مصطلح غامض. يتيح لها القول بوجود موسيقى شعرية حتى في الأشكال الأكثر نثرية. فكيف يتحقق الايقاع في قصيدة النثر?

  يجب التأكيد على أن موسيقى الشعر بالنسبة لحركة مجلة <<شعر>> لا يجب أن تقتصر على الموسيقى الخارجية التي تتجسد في الأوزان, لأنها <<مهما أمعنت في التعمق تبقى متصفة بهذه الصفة. إنها قالب صالح لشاعر, كان يصلح لها, وكان في عالم يناسبها وتناسبه>>(83). وقد يكون في هذا تكرار لما سبق للبحث أن سجله عندما عرض لموقف <<شعر>> من الوزن, إلا أن هذا التذكير يقودنا إلى طرح سؤال عن مصدر موسيقي الشعر خارج الوزن. والجواب: انه <<لا تنبع الموسيقى في الشعر الحديث من تناغم بين أجزاء خارجية, واقعية, شكلية. بل تنبع من تناغم داخلي حركي هو أكثر من أن يكون قياسا. وراء التناغم الشكلي الحسابي, تناغم حركي, داخلي, هو جوهر الموسيقى في الشعر>>(84).

  استطرادا, فان القول بهذا الجوهر الموسيقي الذي أورده أدونيس ضمن <<محاولة في تعريف الشعر الحديث>>, يثبت ما أشار إليه البحث من قبل, من أن التنظير لقصيدة النثر لم يبدأ عند <<شعر>> بدراستي أدونيس والحاج المذكورتين, وإنما بدأت مؤشراته تتضح بعد تأسيس مجلة <<شعر>>. ولا أدل على ذلك من أن أدونيس نفسه سوف يعود في دراسته عن قصيدة النثر إلى نفس التعريف الآنف الذكر ليسحبه على هذا النوع من القصائد. فإذا كان جوهر الموسيقى الشعرية هو الإيقاع وليس الوزن, فان في قصيدة النثر <<إيقاعا جديدا, لا يعتمد على أصول الإيقاع في قصيدة الوزن. وهو إيقاع متنوع يتجلى في التوازي والتكرار والنبرة, والصوت, وحروف المد, وتزاوج الحروف وغيرها>>(85). ويستنتج من ذلك أن في قصيدة النثر موسيقى, ولكنها <<ليست موسيقى الخضوع للإيقاعات القديمة المقننة, بل هي موسيقى الاستجابة لإيقاع تجاربنا المتموجة وحياتنا الجديدة. وهو إيقاع يتجدد كل لحظة>>(86).

  هكذا بدا الإيقاع في قصيدة النثر وكأنه تعويض عن الوزن والقافية. وليس الإيقاع فقط هو ما يعوض عنهما, بل إلى جانبه هناك انعدام الموسيقى إلى حد الصمت. وكلاهما يقوم <<بالغوص حتى نواة الموسيقى وأغوارها السفلى, حيث براءة اللحن ممكنة وعريه مستطاع, وحركته عضوية وغير ملوية>>(87). ولما كان القبض على هذا الجانب الأخير غير ممكن, فإن <<عالم الموسيقى في قصيدة النثر عالم شخصي خاص>>(88).

  إذا حاولنا أن نقلب المسألة على وجه آخر, فهل يمكن اعتبار موسيقى قصيدة النثر, كما حددها أدونيس موسيقى شعرية حقا? إن الإمكانيات التي يتيحها الإيقاع بذلك المعنى يمكن أن يتضمنه النثر, مادام غير منتظم وفق نسق معين, وإنما يأتي استجابة لتجربة الشاعر. وهو ما أكسبه صفته الشخصية الخاصة كما مر بنا. وبتعبير آخر, فان المسألة تتعلق هنا بإيقاع القصيدة وليس بإيقاع الوزن. فمادام الإيقاع متجردا من الضوابط التي تجعل منه قانونا عاما فإنه لا يمكن الكلام عن إيقاع لقصيدة النثر, وإنما نصبح أمام قصائد لكل واحدة منها إيقاعها الخاص. ولذلك يمكن القول -مع سامي مهدي- إنه <<لا يصح أن نسمي الأصوات الناجمة عن علائق الكلمات والأصوات والمعاني, والصور, في قصيدة النثر إيقاعا, لأنها لا تكون كذلك (...) إلا إذا جرت وفق سياق, يتحقق فيه الانتظام والتناسب. أي وفق نظام. وعند ذلك لا تعود قصيدة النثر قصيدة نثر بل قصيدة موزونة>>(89). ولاشك أن في هذا القول تشكيكا في وجود قصيدة النثر كشكل متميز, ولكن الحكم عليها لا يتم انطلاقا من المكون الإيقاعي وحده, إذ هناك خصائص اخرى.

3.4- إن وحدة القصيدة هي علامة بارزة على حداثتها إلى الحد الذي جعلت منها <<شعر>> مقياسا رئيسيا لفرز ما هو حديث عما هو تقليدي من الشعر, فمقابل <<القصيدة العربية القديمة التي ما تزال مستمرة بشكل أو آخر, حتى اليوم, تنهض القصيدة الحديثة. وإذا أردنا أن نقارن بينهما نجد الأولى, إذ تقوم على وحدة البيت المتكرر المستقل. وعلى القافية التي تنظم هذه الوحدة المتكررة. وإذ نلتمس جماليتها بالتالي في جمالية البيت المفرد, فان القصيدة الحديثة وحدة متماسكة حية متنوعة>>(90).

  هكذا فان المعيار الأول للحكم على شعرية قصيدة, ما هو إلا وحدتها العضوية. والحق أن هذا المفهوم يضمر غموضا كبيرا, ليس لدى مجلة <<شعر>> فقط بل في النقد العربي المعاصر عموما. فقد ألفنا أن نقرأ عن أنواع من الوحدة. منها إلى جانب الوحدة العضوية, الوحدة الفنية, والوحدة الموضوعية. وهذه المقولات ليست في نهاية الأمر إلا مقولات نقدية, أكثر مما هي أدوات واضحة الملامح يأخذها الشاعر بعين الاعتبار. فالذي يبين عن الوحدة إنما هو الناقد انطلاقا من نوع القراءة التي يمارسها على القصيدة, والمنهجية التي تحكم تلك القراءة.

  ولقد وجدت حركة مجلة  <<شعر>> في الوحدة العضوية سمة بارزة في قصيدة النثر. وإذا تتبعنا استعمال المفهوم كما وظفته الحركة, لا نجده يقتصر على قصيدة النثر فقط. بل إن <<شعر>> جعلت منه أساسا لشعرية القصيدة الحديثة بصفة عامة. ذلك أن <<شكل القصيدة هو وحدتها العضوية, هو واقعيتها الفردية, التي لا يمكن تفكيكها, قبل أن يكون إيقاعا أو وزنا. هذه الوحدة العضوية لا تقيم بشكل تجريدي لأننا حين نفصلها عن القصيدة تصبح طيفا. ليس لهيكل القصيدة الحديثة واقعية جمالية, إلا في حياة القصيدة, في حضورها كوحدة وكل>>(91).

هذا المضمون للوحدة العضوية هو نفسه الذي سوف يركز عليه أدونيس وهو ينظر لقصيدة النثر. ويسجل البحث هنا تباينا بين أدونيس وأنسي الحاج فيما يخص هذه النقطة: فالأول يشترط في قصيدة النثر أن <<تكون صادرة عن إرادة بناء وتقطيع واعية>>(92). في حين يرى الثاني أنها نابعة من الجنون>>(93). وهذا الفرق في مصدر قصيدة النثر أدى إلى فرق في كيفية تحقق الوحدة العضوية. فإذا كان أدونيس ينطلق في تجسيد وحدة القصيدة العضوية من معطيات شكلية, بدءا بالجملة وانتهاء بالنص, إذ يعتبر <<الجملة في قصيدة النثر أشبه بعالم صغير. هي خلية منظمة تشكل جزءا من كل أوسع ذي بناء مماثل>>(94), فإن الحاج يتلمس تلك الوحدة في مجانية قصيدة النثر التي هي <<عالم بلا مقابل>>(95).

  وكما أن الإيقاع ليس خاصية مقتصرة على قصيدة النثر وحدها, فإن الوحدة العضوية ليست مقياسا موضوعيا لفرز هذه القصيدة عن غيرها من الأنواع الأدبية, لأن هذا المكون لا يمتنع تحقيقه في القصائد الموزونة من جهة, ولأنه من جهة ثانية لا يمكن تبسيطه على مستوى القراءة بطريقة واحدة. ولا أدل على ذلك من الاختلاف المشار إليه بين أدونيس والحاج, رغم انهما استمدا المفهوم من مصدر واحد هو كتاب سوزان برنار الآنف الذكر.

4,4 - آخر الخصائص التي تميز قصيدة النثر هي الكثافة. وهذه الخاصية تقف حدا بينها وبين النثر, فعلى قصيدة النثر <<أن تتجنب الاستطرادات والإيضاح والشرح, وكل ما يقودها إلى الأنواع النثرية الأخرى. فقوتها الشعرية كامنة في تركيبها الاشراقي, لا في استطراداتها, ذلك أن قصيدة النثر ليست وصفا. هي تأليف من عناصر الواقع المادي والفكري>>(96). وهذه الصفة هي التي تجعل منها قصيدة. ولذلك اشترط أنسي الحاج <<أن تكون قصيدة النثر قصيرة لتوفر عنصر الإشراق>>(97).

  إن هذه الخصائص التي رسمتها <<شعر>> لقصيدة النثر, لا يمكن بأي حال أن تغطي شعرية هذه القصيدة ككل. ومؤكد أن المجلة إنما أبرزت الخصائص السابقة لأنها كانت تعتقد أنها تمثل إضافات إلى شعرية النص الشعري العربي. هذه الإضافات التي بإمكانها أن تجعل من قصيدة النثر نوعا مستقلا. فهي تحتفظ بطاقة الشعر الحديث, ماعدا الوزن, ولذلك فإنها <<قصيدة شعرية ألحقت بها كلمة نثر لتبيان نشأتها, وسميت قصيدة للإشارة إلى أن النثر يمكن أن يصير شعرا, دون نظمه بالأوزان التقليدية, أو بأي أوزان محددة>>(98).

وهكذا فإن هم مجلة <<شعر>> وهي تنظر لقصيدة النثر, قد انصب أساسا على ما يميزها عن القصيدة الموزونة من جهة, وعن النثر من جهة ثانية. إلى أي حد نجح هذا التنظير في تحقيق ذلك التمايز? وهل استطاعت <<شعر>> أن تؤصل قصيدة النثر, نظريا?

  إن قراءة في رصيد <<شعر>> النظري عن قصيدة النثر, تفصح عن أن هذا النوع من الشعر يعطي الانطباع بأنه جاء نتيجة ولادة قسرية في الأدب العربي, ولذلك حرصت مجلة <<شعر>> في دعوتها الحماسية إلى قصيدة النثر على تغييب تاريخ الأدب العربي, عدا بعض الإشارات العامة التي يعوزها التحليل. وفي غياب هذا التاريخ بدا التنظير لقصيدة النثر غريبا عن الأدب العربي. ومما زاد غربته أن مجلة <<شعر>> استقت أكثر معلوماتها من كتاب ظهر سنة 1959 في باريس: <<قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا>>. وقد قام سامي مهدي(99) برصد للأماكن التي أخذ منها كل من أدونيس والحاج من الكتاب. ولما كان البحث يرى من باب التكرار الرجوع إلى علاقة <<شعر>> بالكتاب المذكور,  فإنه يكتفي بالإحالة على دراسة سامي مهدي. على أن البحث يحرص على تسجيل خلاف في وجهة النظر بينه وبين سامي مهدي, الذي  استنتج من خلال تبيان العلاقة بين <<شعر>> وبين كتاب سوزان برنار, أن المجلة اكتشفت قصيدة النثر بعد اطلاعها على الكتاب. بينما يرى البحث, أن مجلة <<شعر>> كانت تهيئ نفسها لاحتضان قصيدة النثر منذ تأسيسها. وبالتالي فإن عمل سوزان برنار إنما كان عاملا من عوامل أخرى ساعدت على بلورة تلك القصيدة, وتعميق الوعي بها. وبهذا فإن التنظير لقصيدة النثر لدى <<شعر>> لم يبدأ في الحقيقة مع ظهور <<قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا>> وإنما شرع فيه قبل ذلك.

  ومهما يكن من أمر, فإن اعتماد ذلك الكتاب كمصدر وحيد من أجل صياغة نظرية لقصيدة النثر, هو في حد ذاته مؤشر على أن هذا الفن لم ينبثق من تطور طبيعي للشعر العربي. فقد كان للشعر الغربي الدور الكبير في الإعلان عنه. وهذا ما يفسر الرفض الحاد الذي لاقاه من طرف النقد العربي المعاصر, آنذاك.

5 - موقف النقد العربي من قصيدة النثر

لقد اتجه رد فعل النقد العربي المعاصر, على قصيدة النثر, عند ظهورها, إلى جانبين رئيسيين: يتعلق الجانب الأول بعلاقتها بالتراث العربي من ناحية, وبالشعر الغربي من ناحية ثانية. ويميل الجانب الثاني إلى محاكمة قصيدة النثر انطلاقا من خصائصها الفنية بالنظر إلى الشعر, باعتبارهما فنين لا تصالح بينهما. ولا ننسى أننا تتحدث هنا عن بداية الستينيات حيث كانت الحدود فاصلة وحاسمة بين الأجناس الأدبية.

1.5- ولعل من المفارقات الغريبة أن يأتي رفض قصيدة النثر من قبل شعراء كانوا يحسبون لمدة من الزمن على حركة, مجلة <<شعر>>. فخليل حاوي كان عضوا مؤسسا للحركة. ونازك الملائكة نشرت مجموعة من القصائد على صفحات المجلة, ومحمد الماغوط مارس كتابة قصيدة النثر, عندما كان عضوا في <<شعر>>. بل إن الحركة كانت تتعامل معه كرائد لهذا الفن.

هكذا حاكم خليل حاوي مجلة <<شعر>> في تبنيها لقصيدة النثر عبر توجه المجلة العام الذي يمجد كل ما هو غربي, ويبخس ماله علاقة بالتراث العربي. فشعراء مجلة <<شعر>>, <<باستثناء القلة منهم, يكتبون بلغة لا يحفلون بها, ولشعب انفصلوا بهمومهم عن همومه. ويلتصقون من الخارج بحضارته التي يجهلونها. وهم في الوقت نفسه يذوبون صبوة إلى الحضارة الغربية, التي يزيد جهلهم بها, عن جهلهم بالحضارة العربية. إنها صبوة البسيط الساذج لكل مبهم معقد بعيد. ولا عجب أن يلتقطوا الثقافة في مجلات الأدب الغربي, ويأخذون بأحدث زي يظهر فيها, ظنا منهم أن في ذلك غاية السبق والتجديد>>(100). ولما كان التجديد بدون أصالة ذاتية, تقليدا أعمى, فان النتاج الشعري لشعراء مجلة <<شعر>> لا يخرج من رحم شاعر غربي إلا ليدخل في رحم شاعر آخر. وعليه ففي هذا النتاج دليل على <<أن الشعر في لبنان ما يزال منفعلا, متسكعا وراء الشعر الغربي. وما دام النتاج في غالبيته على هذا الهزال, فقد انتفى معنى الفارق في الشكل, سواء كان الشكل قصيدة نثرية أم شعرا مقفى موزونا>>(101). إن خليل حاوي يناقش مجلة <<شعر>> من الخارج. ومن المعروف أن خلافا سرعان ما شب بين حاوي وباقي أعضاء <<شعر>> بلغ حجم الخصومة. وكان جوهر الخلاف يتمثل في عدة قضايا هي في آخر الأمر إيديولوجية حول القومية والتراث, وهذا ما يفسر انسحابه من المجلة من وقت مبكر.

  أما موقف محمد الماغوط فيظهر أكثر غرابة, إذ يعتبر من المؤسسين الأوائل لقصيدة النثر, فما الذي دعاه إلى التنكر إليها بعد انسحابه من <<شعر>>? لقد جاء هذا الموقف  ليؤكد هشاشة الصرح الإيديولوجي الذي عملت <<شعر>> على بنائه طيلة مدة نشاطها. وعندما يعلن الماغوط مباشرة بعد انسحابه من الحركة انه لم يكن سوى <<كاتب قطع نثرية بسيطة, سميت شاعرا وشاعرا حديثا على غرارهم دون إرادتي>>(102). وعندما نعرف انه نشر هذا الموقف على صفحات مجلة <<الآداب>>, الخصم الأول لمجلة <<شعر>>, فان ذلك يعني أن قصيدة النثر, تلقت ضربة قاسية, زادت من التشكيك في مشروعيتها. ولكنه يؤكد من جهة ثانية أن مجلة <<شعر>> كانت تشهد في الخفاء صراعات إيديولوجية حادة, لم يكشف عنها إلا بعد الانسحابات التي عرفتها مع بداية الستينيات.

  وإذا كان خليل حاوي ومحمد الماغوط يسائلان قصيدة النثر في علاقتها بالأدب العربي, وافتقارها إلى الامتداد التراثي, فان نازك الملائكة حرصت على ربط رفضها لقصيدة النثر بنظرتها إلى الشعر الحديث عامة, التي تجعل منه ظاهرة عروضية قبل كل شيء, وبهذا, فان الوزن يشكل لديها سمة ثابتة في أي عمل شعري, هي التي تميزه عن النثر. ومن ثم فإنها ترى أن <<للنثر قيمته الذاتية, التي تتميز عن قيمة الشعر, ولا يغني نثر عن شعر ولا نثر عن نثر. لكل حقيقته ومعناه ومكانه, فلماذا جاء التأثر المعاصر ليزدري النثر ويحاول رفعه بتسميته شعرا>>(103). لذلك فإنها لا تتردد في وصف قصيدة النثر بأنها بدعة غريبة: <<شاعت في الجو الأدبي في لبنان, بدعة غريبة في السنوات العشر الماضية, فأصبحت بعض المطابع تصدر كتبا تضم بين دقاتها نثرا طبيعيا مثل أي نثر آخر, غير أنها تكتب على أغلفتها كلمة (شعر>>)(104).

  وعلى الرغم من أن الملائكة اهتمت في الظاهر بالفروقات الشكلية بين الشعر والنثر لتنفي عن قصيدة النثر شعريتها, إلا أنها تلتقي مع خليل حاوي ومحمد الماغوط في أن هذا الفن يفتقر إلى الأصالة العربية. ولا يمكن الكشف عن الخلفيات التي انطلقت منها الملائكة في موقفها من قصيدة النثر, إلا إذا وضعنا هذا الموقف في سياقه العام من كتاب <<قضايا الشعر المعاصر>>, الذي أجمع جل النقاد على حضور النفس السلفي فيه, لأن نازك الملائكة حاولت أن تؤكد أن العلاقة بين الشعر العربي القديم والقصيدة الحديثة هي علاقة استمرارية وليست علاقة تجاوز وتخطى, كما ذهبت إلى ذلك <<شعر>>. ومن هنا فإنها لا تلتقي مع حاوي والماغوط في حكمهما على قصيدة النثر فقط, بل تبدو أكثر تشددا منهما.

5,2 - بعد ردود الأفعال الأولية, المشار إلى بعضها من خلال حاوي والماغوط والملائكة, انبرى النقد العربي إلى إعلان موقفه منها. ولكن في الإطار الذي حدده الشعراء الثلاثة. ويمكن إجمال تلك المواقف في رأيين متعارضين, يرى الأول أن قصيدة النثر نوع أدبي عرفه العرب منذ القدم, ويقف الثاني في الطرف الآخر, فيذهب إلى أنها تسربت إلى الأدب العربي, عبر التأثر بالشعر الغربي.

نمثل للموقف الأول بخليل أحمد خليل, الذي سجل حضور قصيدة النثر لدى الحضارات العربية القديمة, وعنده <<أن هذا الشكل كان معروفا في الشرق, خاصة في سوريا وفلسطين. ولو عدنا إلى الكتاب المقدس لوجدنا أدلة كثيرة على هذا النوع من الكتابة. وأنا اذهب إلى أن سفر أيوب كعمل شعري خالص وكأجمل قصيدة عالمية -هو من عمل أيوب الذي دلت الأبحاث على انه من اصل عربي>>(105).

  ونمثل للموقف الثاني بصبري حافظ الذي وجد في قصيدة النثر دخيلا على الشعر العربي. وليس لها <<أي جذور تاريخية في تاريخ الكلمة العربية, كما أنها مبثوثة الصلة بحركة الشعر الحديث التي شقت طريقها بفضل المحاولات الرائدة للسياب ونازك الملائكة>>(106) وغيرهم. ولذلك فانه يدعو إلى خنق اتجاه قصيدة النثر, و<<عدم السماح له بالتسرب -بكل ما فيه من سموم- إلى القارئ العربي. خاصة بعد أن تأكد عجزه الفني عن أن يكون شعرا... ولا حتى نثرا>>(107).

  إن الموقفين معا يلتقيان رقم تعارضها في انهما يبحثان عن جذور قصيدة النثر خارج الحداثة الشعرية العربية وخاصة لدى مجلة <<شعر>>. ولذلك فانهما يتسمان بالعمومية, الشيء الذي جعلهما يفتقران إلى الرصانة, وينقادان إلى الانفعال. فالبحث عن قصيدة النثر في الكتاب المقدس أو في غيره من الكتابات القديمة إنما يلغي الشروط الموضوعية التي أفرزت قصيدة النثر, كشكل تعبيري, أريد له أن يلبي حاجات مجتمع للتواصل ولقيم جمالية معينة. أما التعامل مع قصيدة النثر كفن في القول مستورد, فإنه يلغي بدوره البعد التاريخي للظاهرة الأدبية, ويتعامل معها كسلعة جاهزة. وكما سبق للبحث أن سجل قبل قليل, فان قصيدة النثر لو لم تجد استجابة في العالم العربي لكانت أقبرت في المهد.

  ومع ذلك لابد من التأكيد على أنها ما زالت تعيش مشكلة التأصيل. وإذا كان التأصيل في أحد وجوهه, يكمن في العودة إلى التراث والاستفادة منه فان هناك دعوة إلى الربط بين قصيدة النثر والتراث على غرار الرواية والمسرحية. فأدونيس الذي أدار ظهره للتراث في دراسته التأسيسية عن قصيدة النثر, سوف يعود بعد حوالي عشرين عاما ليعلن <<أن كتابة قصيدة نثر عربية أصيلة, يفترض, بل يحتم الانطلاق من فهم التراث العربي الكتابي, واستيعابه بشكل عميق وشامل. ويحتم من ثم تجديد النظرة إليه, وتأصيله في أعماق خبرتنا الكتابية - اللغوية وفي ثقافتنا الحاضرة>>(108).

3.5- وبعيدا عن الجدل الذي أثارته قصيدة النثر من حيث مشروعيتها أو عدمها, فان هناك خلافا حول تسميتها. ويبدو أن بعض النقاد العرب المعاصرين لم يستسيغوا هذا الخلط بين القصيدة التي تحيل على الشعر, وبين النثر الذي ينتمي لطبيعة أخرى. ومن ثم بدا لبعضهم أن <<تسمية هذا النوع من الشعر بقصيدة النثر, خطأ لعدة اعتبارات, منها أن إطلاق وصف النثرية على هذا الشكل الشعري الجديد يقيم حالة من التضاد, يجعل التناقض من حولها أكثر حدة ووضوحا, فالنثر نثر والشعر شعر, ولا يلتقيان>>(109). وعليه فان عبد العزيز المقالح يقترح تسمية <<القصيدة الأجد>> بدل <<قصيدة النثر>>.

  أما غالي شكري فيعتقد أن <<إطلاق قصيدة النثر, آخر رواسب الحس الكلاسيكي في حركة التجديد (...). فإذا قلنا اليوم >>قصيدة النثر<< ضمن إطار حركة الشعر الحديث فإنما نعود القهقرى إلى منطق الخانات التي تحاصر الفنان بمجموعة ثابتة من القواعد. أي أننا بعبارة أخرى نعود إلى منطق المحافظين>>(110). ولذلك اقترح غالي شكري بدوره اسما بديلا هو شعر <<التجاوز والتخطي>>(111).

  إن مشكلة التسمية -انطلاقا من المثالين السابقين- ليس شكليا كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن لأول وهلة. إنه يدخل في عمق قصيدة النثر من حيث مكوناتها وطبيعتها. فرغم أن المقالح وشكري يسلمان بقصيدة النثر كنوع قائم الذات, إلا أن كل واحد منهما يقيم اقتراحه البديل على أسس مختلفة عن الآخر. فعبد العزيز المقالح بنى <<القصيدة الأجد>> على تصنيف مسبق يضع الشعر في خانة والنثر في خانة أخرى, بينما يقوم  شعر <<التجاوز والتخطي>> لدى غالي شكري على رفض هذه التصنيفات. وفضلا عن ذلك, فان التسميتين معا تحيلان على نوع من المفاضلة: فعندما أطلق المقالح <<القصيدة الأجد>> فانه كان ينظر إليها بموازاة مع <<القصيدة الجديدة>> التي هي قصيدة التفعيلة. وعندما قال شكري بشعر <<التجاوز والتخطي>> فان الأمر يتعلق بتجاوز قصيدة التفعيلة وتخطيها إلى نوع شعري لا يقوم على الوزن, ويتخطى نفسه باستمرار.

الهوامش

1- نهاد خياطة: رأي في قصيدة النثر. <<شعر>> العدد 25. السنة السابعة. شتاء 1963. ص97.

2- رفيق معلوف: ركن أخبار وقضايا. <<شعر>>. العدد 3. السنة الأولى. صيف 7591. ص110.

3- يوسف الخال>> ركن أخبار وقضايا. <<شعر>> العدد 72. السنة السابعة. صيف 3691. ص711.

4 - فؤاد رفقة: ركن أخبار وقضايا. شعر. العدد 13. السنة الرابعة. شتاء 1960. ص 411.

5 - أدونيس: خواطر تجربتي الشعرية. مجلة <<الآداب>> (لبنان). العدد 3. السنة الرابعة عشرة. مارس 1966. ص 2.

6 - غازي بركس: القديم والجديد في الشعر العربي عامة. شعر. العدد 21. السنة الثالثة خريف 1959. ص 101.

7 - غازي بركس المصدر نفسه, والصفحة نفسها.

8 - يوسف الخال: من رئيس التحرير (افتتاحية) <<شعر>>. العدد 12 السنة الثالثة. خريف 1959. ص3.

9 - يوسف الخال: من رئيس التحرير (افتتاحية) <<شعر>> العدد 10. السنة الثالثة. ربيع 1959. ص 5.

10 - خزامي صبري: حزن في ضوء القمر, لمحمد الماغوط. <<شعر>>  العدد 11. السنة الثالثة صيف 1959. ص 94.

11 - يوسف الخال: من رئيس التحرير (افتتاحية) <<شعر>>. العدد 10 السنة الثالثة. ربيع. 1959. ص 3.

12 يوسف الخال: من رئيس التحرير. (افتتاحية) <<شعر>> العدد 12. السنة الثالثة. خريف 1959.ص 5.

13 - يوسف الخال: من رئيس التحرير (افتتاحية) <<شعر>>. العدد 12. السنة الثالثة. خريف 1959. ص 5.

14 - كمال خير بك: حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر (مرجع سابق) ص 17.

15 - يوسف الخال: نحو شكل جديد لشعر عربي جديد. شعر. العدد 31/32 السنة الثامنة. صيف/ خريف 1964. ص 126.

16 من أجل مزيد من التوضيح لمفهوم القصيدة/الرؤيا تراجع دراسة للكاتب عن <<الحساسية الميتافيزيقية في الشعر الحديث>> في مجلة <<جسور>> التي يصدرها من أمريكا الأستاذ منير العكش, العدد الثاني.

17 تراجع دراسة الكاتب عن اللغة الشعرية لدى حركة مجلة <<شعر>>, المنشورة تحت عنوان <<الوقوف على جدار اللغة>>, وذلك بمجلة <<نزوى>> العمانية. العدد التاسع.

18 - يوسف الخال: أخبار وقضايا. شعر. العدد 27. السنة السابعة. صيف 1963. ص 117

19- يوسف الخال: من رئيس التحرير (افتتاحية). <<شعر>> العدد12. السنة الثالثة. خريف 1959. ص5

20- أدونيس: محاولة في تعريف الشعر الجديد. <<شعر>> العدد 11. السنة الثالثة. صيف 1959. ص84. وقد نشرت الدراسة مرة ثانية في كتاب أدونيس: زمن الشعر.

21- بدون توقيع: الرد على نازك الملائكة. <<شعر>> العدد 22. السنة السادسة. ربيع 1962. ص 129.

22- أدونيس: في قصيدة النثر. <<شعر>> العدد 41. السنة الرابعة. ربيع 1960. ص 76. يراجع أيضا كتاب أدونيس: زمن الشعر.

23- أدونيس: المصدر نفسه. ص75

24- أدونيس: المصدر نفسه. ص 76.

25- تراجع مقدمة شرح الحماسة لأبي تمام. تحقيق أحمد أمين وعبد السلام هارون. الطبعة الأولى. (دون ذكر دار النشر) القاهرة 1951.

26- قدامة بن جعفر: نقد الشعر. تحقيق: كمال مصطفى. (دون ذكر دار النشر ولا رقم الطبعة) القاهرة 1963. ص19

27- قدامة بن جعفر: المرجع نفسه. ص 179.

28- المرزوقي: شرح ديوان الحماسة. (مرجع سابق) ج1. ص 14

29- قدامة بن جعفر: نقد الشعر. (مرجع سابق) ص191.

30- يوسف الخال: ركن أخبار وقضايا. <<شعر>> العدد3. السنة الأولى. صيف 1957. ص 144.

31-نذير العظمة: أخبار وقضايا. <<شعر>> العدد 4. السنة الأولى. خريف 1957. ص 132.

32يوسف الخال: ركن أخبار وقضايا. <<شعر>> العدد 3. السنة الأولى. صيف 19571.

33- دون توقيع: أخبار وقضايا. <<شعر>> العدد 41. السنة السادسة. ربيع 1962921.

34- أدونيس: في قصيدة النثر (مصدر سابق) ص 77

35- يوسف الخال: أخبار وقضايا. <<شعر>> العدد 13. السنة الرابعة. شتاء 1960. ص 116.

36- يوسف الخال: المصدر نفسه والصفحة نفسها.

37- أدونيس: محاولة في تعريف الشعر الحديث (مصدر سابق) ص 89.

38- يوسف الخال: الحداثة في الشعر. دار الطليعة. الطبعة الأولى. بيروت 1978. ص 92.

39- أدونيس: في قصيدة النثر (مصدر سابق) ص 77.

40- رينه حبشي: الشعر في معركة الوجود. <<شعر>>. العدد 1. السنة الأولى. شتاء 1957. ص 92.

41- جون كوهن: بنية اللغة الشعرية. ترجمة محمد الوالي ومحمد العمري. دار توبقال. الطبعة الأولى. الدار البيضاء 1986. ص 75.

42- نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر. دار العلم للملايين. الطبعة السادسة. بيروت 1981. 69.

43- نازك الملائكة: المرجع نفسه. ص 64.

44- نازك الملائكة: المرجع نفسه. ص 92.

45- نشرت نازك الملائكة بعض أعمالها في الأعداد 1 و 3 و 17 من مجلة <<شعر>>

46- مجلة <<شعر>>. العدد 6. ص98 وما بعدها.

47-مجلة <<شعر>> العدد 24. السنة السادسة. خريف 1962. ص 138.

48- تفضل نازك الملائكة تسمية <<الشعر الحر>> بدل الشعر الحديث. وقد رفض أغلب النقاد العرب هذه التسمية لأن من شأنها أن تحدث لبسا بين الشعر الغربي الحديث وبين نوع من الشعر الغربي يعرف في الفرنسية ب: Vers libres 

49- محمد النويهي: قضية الشعر الجديد. دار الفكر. الطبعة الثانية. القاهرة 1971. ص38.

50- محمد النويهي: المرجع نفسه. ص 132.

51- محمد النويهي: المرجع نفسه. ص 246.

52- محمد النويهي: المرجع نفسه. ص 328.

53- بدون توقيع: الرد على نازك الملائكة. <<شعر>> العدد 22. السنة السادسة. ربيع 1962. ص 132

54- سامي مهدي: مجلة <<شعر>> اللبنانية: مدخل إلى دراسة تقويمية. مجلة <<الأقلام>> العدد 9. يوليو 1987. ص58.

55- أسعد رزوق: اللحم والسنابل, لنذير العظمة. <<شعر>> العدد 6. السنة الثانية. ربيع 1958. ص 135.

56- إلياس خوري: الذاكرة المفقودة. مؤسسة الأبحاث العربية. الطبعة الأولى. بيروت 1982. ص41.

57- أدونيس: محاولة في تعريف الشعر الحديث. (مصدر سابق) ص 83

58عصام محفوظ: أخبار وقضايا. <<شعر>> العدد 72. السنة السابعة. صيف 1963. ص 118.

59- أنسي الحاج: لن (المقدمة). المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. الطبعة الثانية. بيروت 1982. ص 19.

60- أدونيس>> في قصيدة النثر. (مصدر سابق) ص ص 75- 83. وقد أعيد نشر الدراسة في <<زمن الشعر>>.

61- صدرت الطبعة الأولى من <<لن>> سنة 1960. ويشير أنسي الحاج في مقدمتها إلى دراسة أدونيس السالفة الذكر, مما يعني أن أدونيس هو أول من خاض مجال التنظير لقصيدة النثر في العالم العربي.

62- أنسي الحاج: لن (مرجع سابق) ص 9.

63- أنسي الحاج: المرجع نفسه والصفحة نفسها.

64- أدونيس: محاولة في تعريف الشعر الحديث. (مصدر سابق) ص85.

65- أنسي الحاج: لن (مرجع سابق) ص 9.

66- أنسي الحاج: المرجع نفسه والصفحة نفسها.

67- أنسي الحاج: المرجع نفسه والصفحة نفسها.

68- أدونيس: محاولة في تعريف الشعر الحديث. (مرجع سابق) ص85.

69- بدون توقيع) (أخبار وقضايا.)<<شعر>> العدد 22. السنة الخامسة. ربيع 1962. ص129.

70- أنسي الحاج: لن. (مرجع سابق) ص ص 15-16.

71- أدونيس: في قصيدة النثر. (مصدر سابق) ص 77.

72- أدونيس: المصدر نفسه والصفحة نفسها.