كتاب <<البندقية وغصن الزيتون>> يكشف الخطوات
الايديولوجية والعملية لاستيلاء الصهاينة على فلسطين

 

لـ: ديفيد هيرست
قراءة: غاليـة فهر آل سعـيـد


بدأت الصهيونية نظرية ايديولوجية لمجموعة من المفكرين السياسيين يمثلون الفلسفات اليهودية الاوروبية المتنافرة, وكانت تسعى للتخلص من الصورة القديمة لليهودي الجبان السلبي وإحلال صورة المقاتل المتعطش لسفك الدماء المغامر من أجل الاهداف القومية الذي لا يتردد عند الحاجة في استخدام العنف من أجل تنفيذ الأهداف الصهيونية

 

على ضوء الأزمة المستمرة في فلسطين, والدماء المسفوكة وحجم المعاناة القاسية التي يتحملها أبناء الشعب, ظلت تراودني لفترة طويلة فكرة كتابة ما يعن في بالي اثناء قراءتي لكتاب <<البندقية وغصن الزيتون>> (1977) لمؤلفه ديفيد هيرست. وما هذه الكلمة الا مراجعة متواضعة لزيادة الوعي بما يتميز به هذا العمل الذي أخرجه هيرست من قيمة عظيمة. وبالنظر الى أنه ليس هناك الا القليل من المؤلفات التي لها مثل قيمته التثقيفية, فان من الصعب إغفال هذا المؤلف.

في مقدمة كتابه (هيرست, 1977 صفحة 12) يعرب الكاتب بنفسه عن الأسى لعدم توفر مطبوعات جيدة تتناول تاريخ العنف اليهودي العربي ضمن الإطار الإسرائيلي. ولما كان الامر كذلك, فانه حري بأن تفرض قراءة الكتاب في المدارس والجامعات العربية. فهو لا يقدم أدلة مقارنة وواقعية فحسب, بل ينهج الى الشفافية في البحث. وتظل الادلة التاريخية التي يسوقها ديفيد هيرست ذات أهمية جلية. فالمؤلف لم يأل جهدا في تحليل الانظمة الايديولوجية التي خرجت على شكل دعاية يواصل الصهاينة استخدامها ويظل الغرب يقبل بها دون تمحيص.

قد يقول قائل ان من الصعب التعليق على كتاب, مر  على صدوره أكثر من ثلاثين عاما, رغم انه مليء بالمعلومات المفيدة. غير أن غبار الزمن لم يحجب عن كتاب البندقية وغصن الزيتون جدته, فهو لا يزال حتى اليوم مصدرا حيويا لفهم الوضع المعاصر. ذلك الكتاب يحلل التعقيد الشديد في الصراع الاسرائيلي الفلسطيني ليخلص الى اصوله.

 كانت المرة الاولى التي وقع فيها الكتاب بين يدي بعد أن وصلت للدراسة في المملكة المتحدة.

مرت بضع سنوات, لأجد نفسي في الجامعة, كانت هناك توصية بقراءة كتاب هيرست. وهو ما قمت به بالفعل,  لكني من عجب لم اربط بين محتوياته والاحداث المعاصرة. (ولا بد من الاشارة الى المعلومات المتعلقة بالصراع الفلسطيني كانت متعاظمة لدرجة انه يمكن إعفاء الطالب من اللوم  أن أغفل التفصيلات لكي يضمن النجاح في الامتحانات.) غير أن الكتاب عاد يطل علي عندما بدأت كتابة أطروحتي للدكتوراة, وبدأ يتفتح أمامي ما يحتوي عليه من فلسفة تاريخية. فقد شرح الادعاءات والادعاءات المقابلة بجلاء ودقة وعلمانية. ولا أزال اشعر بالحيرة لماذا لم يقرر المسؤولون هذا الكتاب القيم على طلبة المدارس والجامعات العربية.

أشرت من قبل الى أنني اطلعت على الكتاب بتاريخ سابق. غير ان معرفتي باللغة الانجليزية كانت ضعيفة آنئذ, وعندما انتقلت الى مرحلة الدراسات العليا, حصلت على فسحة أفضل (وقدرات لغوية أفضل)  للتعمق في أفكار هيرست ولأربط بينها وبين الاحداث الواقعية التي يشهدها الشرق الاوسط. ومما يثير الاهتمام أن كتاب هيرست نشر قبل الاحداث التي غيرت كثيرا الخرائط السياسية والثقافية بالمنطقة. ذلك انه بعد عام من نشره وقعت معاهدة كامب ديفيد لعام 1978, قبل عامين من اتفاقات سلام كامب ديفيد. وكان شاه ايران لا يزال يتربع على عرشه الطاووسي, وبدا انه سيبقى هناك الى ما لا نهاية. ولم تشتعل بعد الحرب الرهيبة بين ايران والعراق, ولم تكن قبل هذا وذاك قد انطلقت الانتفاضة الفلسطينية.

ولا بد مع كل ما سبق ان ندرك بعد النظر الذي اتسم به هيرست. اذ كان له ان يرى بوضوح ذلك الغليان في القدر. حيث أنه حمل القضايا الرئيسية في هذا الصراع المركزي ليضعها في مكانها الصحيح. وكان هو (ومن بعده شومسكي في كتابه <<المثلث المصيري>>, 1983) من لفت الانتباه الى التحيز الكبير الذي بدا جليا في مفاهيم وسائل الاعلام والاساليب الاكاديمية. ركز هيرست على تقويم وتحدي الطبيعة الأحادية للمعلومات المتعلقة  بتاريخ الصراع في فلسطين. ولم يدخر جهدا في سبيل الحصول على مواد قيمة وذات علاقة  وفي تحدي القناعات التي مضت عليها قرون من الزمن. لم تكن أي محاولات قد بذلت في ذلك الوقت لعرض هذه الثروة من المعلومات. وبهذا العمل يكون قد نأى بنفسه عن قاعدة من التفاهم المشترك في استخدام اساليب خبيثة لعرض بعض الاحداث التاريخية. 

كانت احداث العقد الماضي اكثر الاحداث التي شهدتها فلسطين منذ عشرينيات القرن الماضي إثارة. ولعل مقتل الفتى محمد الدرة, الصبي الفلسطيني الذي اطلق الجنود الاسرائيليون النار عليه بينما كان يحاول الاحتماء خلف والده, كان أبرز مثال عليها. وهو ليس الا أكثر الاحداث شهرة في سلسلة من عمليات الإبادة وقوائم القتل المريعة والانتهاكات الاخرى التي ارتكبتها قوات الاحتلال.

وفي كل مرة تقع هذه الاحداث الهمجية, أجد نفسي أعود الى كتاب البندقية وغصن الزيتون. ورغم انه كتب في اواخر السبعينيات من القرن الماضي, فان ما يتسم به من عمق ومعلومات وتحليل للاوضاع في فلسطين وتعريته للايديولوجية الصهيونية, منحني الشجاعة لأضع هذه المراجعة. فقد وجدث أنني أجد انني استطيع ان أدرك ما يقوله هيرست عن الخرافات التي اوجدها الاسرائيليون وبصفة خاصة الدعاية الصهيونية. فهي اسباب مباشرة للمآسي التي يعاني منها حاليا العرب واليهود على حد سواء. وأكبر تلك الاساطير التي تظلل على كل ما بقي منها, القول بان اسرائيل كدولة تلقى الدعم السياسي من كل يهودي, وهو أبعد ما يكون عن الحقيقة.

في أواخر القرن التاسع عشر استحوذت على جماعة صغيرة من المنظرين الملتزمين سياسيا فكرة اقامة دولة في فلسطين. ووفق نظريتهم المتطورة كان بالامكان اقامة تلك الدولة بسهولة في أي مكان مناسب وليس في فلسطين على وجه التحديد. ولكن ظلت انظارهم ترتد تدريجيا الى فلسطين في اوائل القرن العشرين (يشجعهم في ذلك الدعم البريطاني) ولم يكن مرد ذلك لأي سبب ديني او عرقي عميق, وانما للسياسة الواقعية.

عندما انشئت اسرائيل عام 1948 بقرار من الامم المتحدة, لم يمض وقت طويل امام الذين اشتد ساعدهم وأمسكوا بزمام السلطة في الدولة الجديدة حتى رموا سهامهم في وجه راعيهم. ومع مرور الزمن ازداد عدم تجاوب اسرائيل لقرارات الامم المتحدة. ونتيجة لذلك اصبحت اسرائيل تمثل التناقض السياسي الفاضح, فهي دولة تدين بوجودها لمنظمة أصبحت في نظرها عائقا سياسيا.

هناك نقطة اخرى, قلما يثيرها المعلقون في الشرق الاوسط, وهي النفاق الغربي في دعم دولة ينظر اليها على انها ذات قيمة استراتيجية وانها واحة ودودة ايديولوجيا في منطقة محاطة بالاعداء. هذه الواجهة من التعاطف اتسعت نطاقا خلال السنوات العشر الماضية , وان كان هناك الان عدد قليل ممن يحاولون رفع الغطاء عن تلك الاسطورة ويوجهون اسئلة مباشرة <<هل اقامة دولة مثل اسرائيل يستحق كل هذا الظلم الذي يعاني منه الاهالي المحليون الذين يواصلون مقاومة هذا الغزو? وهل يستحق هذا العمل السياسي كل هذه الجرائم من اجل تحقيق حلم مجموعة صغيرة متطرفة ايديولوجيا تعود جذورها الى عالم عفا عليه الزمن? وهل هذا الحلم اليهودي القادم من اواسط اوروبا, وفق التراث العبري, له علاقة حقيقية بالشرق الاوسط في القرن الحادي والعشرين?>> (هيرست 1977, ص2).

يصعب وصف دولة اسرائيل الحالية بأنها آمنة. فالوضع في حقيقة الامر فيها يكتنفه الضباب, بينما تبدو اعداد الذين فقدوا ارواحهم من الجانبين مذهلة, حتى انها لتدعو أي مراقب للتعجب من نفسية دولة عاشت منذ بدايتها في حالة حصار وخوف دائم. هل يمكن لأي كيان سياسي ان يعيش في هذه الظروف دون ان يشوبه الفساد? يعرض هيرست صورة رائعة لهذا الخوف (الخوف الذي طغى على السطح مؤخرا برفض اعداد غير قليلة من الاسرائيليين القتال ضمن <<قوات الدفاع>>).

... أثارت الحرب (العربية الاسرائيلية عام 1967) قلقا عميقا بل متواصلا دون ريب, حول مستقبل الصهاينة والدولة العبرية ككل. وكان الشبان, خاصة الجنود العائدون, هم الذين أعربوا علنا بصفة رئيسية عن نذر الشر التي تعتمل في نفوسهم. فقد تساءلوا عما اذا كان لهذه الدولة من مستقبل حقا? وهل فرض علينا أن تكون اسرائيل خيارنا الوحيد? كان من المفروض أن تؤمن الصهيونية للشعب اليهودي موطنا يسكن اليه. ولكن ألا يعتبر وجود اليهودي في اسرائيل قولا وعملا معرض لمخاطر أكبر منه في أي مكان آخر من العالم? (هيرست, 1977, ص260)

هذا الشعور بعدم الأمان يكشفه ما نقله هيرست من رسالة أحد الجنود إلى صحيفة هآريتز الاسرائيلية:

احتفلت بعيد ميلادي في صحراء سيناء وحيدا تحت الأرض.. فكرت بأبنائي الثلاثة الذين أسعى في سبيل تربيتهم - من أجل حروب المستقبل - وبزوجتي التي يعصف بها القلق وبمكتبي الفارغ .. وتدور في رأسي أسوأ الأفكار. أولها متى سينتهي هذا الحال? وثانيها لماذا? لماذا حدث كل هذا? وثالثها ألم تكن هناك وسيلة لدرئه, بأي ثمن? أحاول أن أسبر غور أفكار الذين يقومون بالدعاية, اولئك المتشائمين الذين لا يرون ببلادة ذهن مؤسفة بديلا عن قوة السلاح. لم لا يحاول هؤلاء قراءة أفكار العدو? لم لا يستطيعون إدراك أنه دفع الى المعركة, الى المذبحة, لان ذلك كان الطريق الوحيد السهل للخروج من محنته, لأنه لم يكن لديه أي خيار آخر (هآريتز 11/11/1973, ص270-261 في كتاب هيرست)

ليس هناك إلا القليل من الكلمات التي يمكنها أن تعبر عن الوضع في اسرائيل أفضل من مشاعر هذا الجندي. ومثل هذه المقولات المقتبسة هي التي تعفي تحليل هيرست من أن ينظر اليه على أنه متحيز. إنها تساؤلات تدور حول وجود دولة لم تحصل بعد على ردود جادة في الولايات المتحدة أو بين النخبة من الاسرائيليين.

بل إن القول بأن الله اختار هذه الارض لاسرائيل لا يلقى القبول الاجماعي بين المتدينين اليهود الذين يرون أن العودة الى أرض اسرائيل يجب ألا يقودها سياسيون وإنما يجب أن يقودها المسيح المنتظر. لقد نأى كثير من المتدينين اليهود بأنفسهم عن الصهيونية, وحذروا من غزو الأراضي المحتلة. لكن الصهاينة لم يعيروا التفاتا لمخاوفهم, وكانت عواقب هذا الاندفاع ثمنا غاليا تحمله الاسرائيليون المعاصرون. ويكشف كاتب يهودي آخر هو بنيامين بيت هلاهمي (1992) بالتفصيل رفض بعض المتدينين اليهود لشرعية الدولة العبرية.

هناك مجموعة صغيرة في القدس تواصل التمسك بأسلوب حياة الشتات, وتحافظ على التقاليد الأصيلة بدقة متناهية مثل متحف حي. وقد انشئت حركة نيتوري كارتا لمواجهة التوسع الصهيوني في جزء من أغودات إسرائيل منذ 1984. ولا يستخدم أعضاء هذه الجالية بطاقات الهوية الحكومية كما لا يستخدمون النقد الاسرائيلي أو طوابع البريد الاسرائيلية ولا يقبلون أي مساعدة من الدولة. وتمثل نيتوري كارتا اليوم رد الفعل الديني الكلاسيكي على الصهيونية, وتعتبرها شيئا بغيضا وهرطقة وتجديفا ضد اليهودية التاريخية (هالاهمي, ص 135).

كنت أجد هوى في نفسي بمثل هذه الأمانة في التعبير ممن يؤمنون بضرورة إزالة اللثام عن المعلومات غير الصادقة فيما يتعلق باسرائيل وتاريخها. لقد قام هيرست بتحدي الأساطير الموروثة بشأن الصراع الفلسطيني اليهودي, وهي قناعات كان ولا يزال الغرب وبخاصة الولايات المتحدة يستسيغ قبولها. فقد استقرت كميات هائلة من المعلومات الخادعة في عقول الغربيين منذ 1948. والمعلومات الاسرائيلية الخادعة لقيت ما يساندها في بقايا قصص النازية. ولا يزال الأمر يحتاج الى قدر كبير من الجهود العلمية والتصميم الشخصي للكشف عن الحقائق التاريخية التي تنقض كل هذه <<الحقائق>> التي تتقبلها الأغلبية. فالجهود الهائلة التي تبذلها الاوساط الدعائية اليهودية في أوروبا والولايات المتحدة, منحت هذه القناعات فترة بقاء أطول مما كان متوقعا, أو مرغوبا فيه. 

ولإدراك الأحداث التي وقعت قبل 1948 وبعدها لا بد من تحليل فلسفة تأسيس دولة اسرائيل والحركة الصهيونية واولئك الذين كانت ولا تزال هذه هي فلسفتهم. ويحاول هيرست أن يطلق سلسلة واضحة من صور تطور الايديولوجية الصهيونية, وهو ما يطبع بدوره صورة أكثر وضوحا.     

ليس هناك شيء يذكر على نطاق واسع فيما يتعلق بالمعلومات عن مؤسسي الصهيونية والمبادئ الأساسية وراء تأسيسها, أو عن التباين بين الصهيونية واليهودية. إنهما أمران مختلفان تماما, أُدمجا كما لو أنهما فكرة واحدة. وقد صيغت هذه النظرة في أغلب الاحيان عن قصد أولا بوساطة آلة الدعاية للحركة الصهيونية, اذ أنها تناسب أهداف الصهاينة للربط بين عقيدة دينية أرهقتها معاناة الماضي (بتشابه قوي مع المسيحية) وبين تأسيس دولة معاصرة. وهكذا استخدمت اليهودية لاضفاء صفة شرعية كبيرة على الصهيونية.

وليس هناك ما يستحق الذكر عن الجذور التاريخية او الدينية العميقة للصهيونية. فهي ليست الا نظرة فلسفية من أفكار مؤسسها اللاجئ اليهودي  في وسط أوروبا بين كثيرين من أقرانه هو ثيودور هيرتزل (1)

ولعل مما يلفت النظر انه يصعب وصف التزام هيرتزل تجاه اليهودية بانه التزام ديني, فقد كان على استعداد لاعتناق المسيحية للهروب من السياسة العنصرية التي واجهها في أوروبا. <<]في فيتنام في اواخر القرن التاسع عشر[ أن تكون يهوديا كان عقبة كبيرة في وجه شاب طموح وذكي مثل هيرتزل. ولو أنه لم يكن يعتبر الأمر تحقيرا لوالده لاعتنق المسيحية عن طيب خاطر>> (هيرست, ص 15-16). ومن الجلي أن دوافع  هيرتزل لم تكن حماسا وطنيا, حيث أنها نبعت من الانتماءات السياسية والايديولوجيات العنصرية, وليس المشاعر الدينية.

هذا الحماس السياسي أوجد أجواء لا يحتاج فيها الأمر الى أكثر من قفزة بسيطة من الصهيونية الى الدولة التي لا توجد أرض مناسبة ليقيم فيها اليهود الا فلسطين. كان هيرتزل على استعداد في بادئ الأمر للقبول بالاستيطان في أي مكان: الارجنتين, بل حتى أوغندا. فلم يكن هناك شيء ذو أهمية بالنسبة لليهود سوى وطن. وتولد الشعور بحتمية المكان نتيجة جهود الصهاينة في الرغبة المستمرة بفلسطين وحدها مكانا لإقامة دولة اسرائيل. وما أن استقر الرأي على فلسطين عام 1897 في بازل حتى انتفى تماما الاهتمام بمصير أهالي البلاد. وبعد عقدين تماما أصبح وعد بلفور هو إنجيل الصهاينة. فقد كان بيانا سياسيا من الحكومة البريطانية. <<تفرع وعد بلفور عن سايكس بيكو, ولكنه كان أوقع منه من حيث الأهمية(2) . ولا ريب في أنه يصعب على الذاكرة أن تعي مستندا تسبب في تغيير مجرى التاريخ بصورة عشوائية مثل هذا الوعد>> (هيرست, ص 37-38).

كتب وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور وعد بلفور في 11/11/1917 وأرسله إلى لورد روتشيلد الذي كان يقوم بالفعل بشراء اراض فلسطينية لقاء مبالغ زهيدة بالنيابة عن المستوطنين اليهود من أصحاب الأملاك الغائبين (ويصعب القول بعدم صحة ما قيل من أن روتشيلد كان يستغل أموال المجهود الحربي البريطاني في ذلك الوقت).

عزيزي لورد روتشيلد.. يسعدني أن انقل اليكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة بيان التعاطف التالي مع التطلعات الصهيونية التي عرضت على مجلس الوزراء ووافق عليها.

<<ان حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين الاهتمام لاقامة وطن للشعب اليهودي في فلسطين, وستبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذا الغرض, على أن من المفهوم تماما أن لا يتخذ أي شيء يمكن أن يلحق الأذى بالحقوق المدنية والدينية للجاليات الحالية غير اليهودية في فلسطين او بالحقوق والوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي دولة أخرى>>.

أرجو أن تنقل فحوى هذا البيان الى الاتحاد الصهيوني.

                        المخلص آرثر بلفور

                        (هيرست 1977, ص 38)    

كانت هناك دوافع أخرى وراء الترحيب البريطاني في اختيار فلسطين وطنا لليهود. اذ كانت الخشية من تزايد هجرة اليهود الى أرض الأجداد بالمملكة المتحدة, بعد أن بدأت تسبب مشاكل محلية جمة, كانت دون ريب محركا سياسيا أساسيا. ويقول هيرست في هذا <<يصعب القول إن المحبة تجاه اليهود هي التي أثمرت العمل الخيري بعيدا عن الوطن>> (هيرست, ص 38). والواقع أنه في الوقت الذي كتب فيه بلفور البيان, كان روتشيلد والصهاينة وراء إصداره (جيفريز, 1939).

.. رأى الصهاينة الذين صاغوا البيان أن فيه ميثاق الدولة العبرية المستقبلية وأنهم بالاشارة الى حقوق الجاليات غير اليهودية في فلسطين, فانهم كانوا يضعون قاعدة قانونية باستخدام بارع لكلمات <<مدنية>>, <<دينية>>, <<سياسية>> لحرمان هذه الجاليات من تلك الحقوق. (هيرست, ص39)

فما هي الصهيونية اذن? هل هي ايديولوجية سياسية أم دينية? أين اشتدت جذورها?  بدأت الصهيونية نظرية ايديولوجية لمجموعة من المفكرين السياسيين يمثلون الفلسفات اليهودية الاوروبية المتنافرة, وكانت تسعى للتخلص من الصورة القديمة لليهودي الجبان السلبي وإحلال صورة المقاتل المتعطش لسفك الدماء المغامر من أجل الاهداف القومية الذي لا يتردد عند الحاجة في استخدام العنف من أجل تنفيذ الأهداف الصهيونية.

نريد رجالا على استعداد للقيام بأي عمل.. علينا أن ننشئ جيلا من الرجال الذين لا مصالح لهم ولا عادات لديهم.. سواعد من حديد, لديهم المرونة ولكن من حديد. من معدن يمكن تطويعه لأي شكل تدعو اليه الحاجة في الآلة القومية.. دولاب دوار? أنا دولاب دوار. اذا كانت هناك حاجة لمسمار او عجلة, فاستخدموني. هل هناك حاجة لحفر الأرض? أنا أحفرها. هل هناك حاجة لاطلاق النار, لأن أكون جنديا? فأنا جندي. إنني المثال الكامل للخدمة وعلى استعداد لأي شيء.

لو أن غوغلز و دويستوفسكي والكتاب الروس الاخرين يمكنهم أن يشاهدوا هؤلاء الشبان الشجعان المصممين, فان تصويرهم لأمثالهم من اليهود سيختلف تماما. أربعون شابا شجاعا واجهوا في مراكزهم غير مرتاعين سيلا من الثوار (العرب) (ايلول 1972, ص 143 , هيرست ص 35-36)

كان الصهاينة يريدون اقناع العالم أنه يجب ألا ينظر الى اليهود بعد الآن أنهم ضحايا تلقائيون, وأن يقنعوا اليهود الآخرين  أن فلسطين أرض فضاء وأن العودة إليها يعتبر نعمة إلهية. وخلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين, تسبب وصول المهاجرين اليهود بأعداد كبيرة في تغيير التوازن السكاني مما أدى الى توترات لم يكن بالامكان تجنبها.  أنجبت الصهيونية <<بندقية صهيونية>> قوية وعدوانية. وتأثرت بقوة بالايديولوجيات الفاشية المنتشرة في وسط أوروبا. وقد اتخذ هذا العدوان في الفترة التي سبقت انتهاء الانتداب البريطاني مباشرة صفة ملازمة على مدى السنوات الخمسين اللاحقة (وكان موجها ضد القوات البريطانية رغم أن بريطانيا كانت قد أعلنت عن انسحابها من فلسطين).

في الثاني من ابريل/نيسان 1947 طلب سير اليكساندر كادوغان, المندوب البريطاني لدى الامم المتحدة, عرض القضية الفلسطينية على الجمعية العامة في ذلك العام. وجاء الطلب البريطاني <<لتقديم توصيات .. فيما يتعلق بالحكومة الفلسطينية المستقبلية>>. وفي التاسع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني قررت الجمعية العامة تقسيم فلسطين وإقامة دولة يهودية في أحد قسميها, وبعدها أعلنت بريطانيا أنها ستنهي انتدابها في الخامس عشر من مايو/أيار 1949, وأن تسحب جميع قواتها بحلول ذلك الموعد من فلسطين.

طردت <<البندقية الصهيونية>> البريطانيين. ولم يكن لدى بيغن أي شك في ذلك, فقد كانت عملية شنق اثنين من ضباط الصف البريطانيين, هما بيس ومارتن في احدى المزارع قرب نتانيا هو القشة الأخيرة. أما الجانب النفسي من القضية فيعززه قول مأثور تاريخيا يمثل ما كان يعتمل في أعماق بيغن: <<عندما تصحو أمة من غفوتها من جديد, يكون أفضل أبنائها على استعداد للتضحية بأرواحهم من أجل تحريرها. وعندما يتهدد الفناء الامبراطوريات, فإنها تكون على استعداد للتضحية بمن هم في رتبة ضباط صف من أبنائها>> (بيغن 1951, ص 220). لقد طردت <<البندقية الصهيونية>> البريطانيين, ولكن بقي العرب في البلاد (هيرست, ص 123)

لم يمض وقت طويل حتى تحول هذا العدوان مباشرة ضد الفلسطينيين لدفعهم إلى الخروج سريعا مثل البريطانيين.

تعتبر كفار شاؤول ضاحية بعيدة من ضواحي القدس الجديدة, لكنها لا تبعد كثيرا عن الطريق السريع الذي ينحدر نحو تل أبيب والسهل الساحلي, وفيها المستشفى الحكومي للأمراض النفسية. وفيما عدا ذلك فانه ليس فيها ما يلفت الانتباه, اللهم الا أن مظهرها تغير تماما. اذ كانت عام 1948 ضاحية عربية وليس يهودية, تتصل بالنتوء الصخري. كان عدد سكانها أربعمائة شخص يمارسون أسلوبا معينا في الحياة, حيث أنهم كانوا يعملون في أحد المحاجر القريبة. وفيما عدا ذلك كانت مثالا للقرية العربية الفلسطينية ببيوتها ذات الحجارةالعسلية اللون, مثلما أصبحت كفار شاؤول فيما بعد مثالا لفلسطين اليهودية اليوم. وحكاية انسلاخها من جلدها الأصلي هي حكاية <<البندقية الصهيونية>> في أسوأ صورها.. فقد انمحت القرية العربية ولم يعد لها وجود على الخريطة. لكن ذكراها تظل محفورة في اعماق أفئدة مئات الملايين من العرب  باعتبارها الشعار الصارخ لنضال لم ينته بعد.. واسمها <<دير ياسين>> (هيرست, 123-124)

تكمن أهمية كتاب البندقية وغصن الزيتون في الاسلوب الجلي والدقيق الذي يعدد الخطوات الايديولوجية والعملية التي أدت الى استيلاء الصهاينة على فلسطين. فقوة الصهاينة في اسرائيل لا تقتصر على مدى قدرتها العسكرية, وإنما على الطريقة التي يحيط بها الاسرائيليون أنفسهم مستخدمين أساليب فكرية تفرعت مباشرة عن التناقض الظاهري للصهيونية.

كل ما ينشأ بأساليب عنيفة وغير طبيعية لا يمكن أن يحظى بالبقاء والانتعاش بغير الأساليب العنيفة وغير الطبيعية. فالأمة التي تنشأ بالسيف لا بد أن تعيش به. لقد ولد الوطن القومي باعتباره وليد معاداة السامية والأقلية اليهودية الغيتو, لكنه جاء أقرب كثيرا لغيتو مسلح هائل منه الى دولة اسرائيل الحصينة التي كان يصعب تصور وجودها. أما الان (بعد 1948) فقد اتخذ تنفيذ منطق الصهيونية العنيد الذي حجبه الانتداب بصورة جزئية, اطارا متكاملا خاصا به. فليس هناك طرف ثالث, اللهم الا اذا اراد أحدنا أن يحسب حسابا لإرادة المجتمع الدولي الهزيلة وغير الفاعلة, للامساك بزمام الامر. فاذا كان العرب قد رفضوا اسرائيل الأصغر حجما, حسب قرارات الأمم المتحدة, بأغلبيتها الفلسطينية وضماناتها الدستورية الثابتة, فانهم ينظرون بتعاطف أقل مع اسرائيل الأكبر حجما التي طردت معظم الفلسطينيين وشطبت اجزاء لم ترق لها من ميثاق تأسيسها.. فباسم الأمن وجدوا تبريرا للاعتداءات العسكرية التي زادت من الكراهية المحيطة, الكراهية التي تسوق الى مزيد من تلك الاعتداءات وتجعل من الضروري الحصول على مزيد ومزيد من الاسلحة لتنفيذها (هيرست, ص175) .

لقد ساعد ما نشأ داخل فلسطين من زخم ايديولوجي في استمرار القبول باسرائيل على المسرح الدولي. فالصهيونية في نظر الكثير من الاوروبيين ليست الا الترياق (المقبول, المنطقي, الملطف) لما خلفه الرعب النازي وهول المحرقة.

أخذ الغرب يراقب اسرائيل بهدوء, إن لم نقل بإعجاب, وهي تختار الحرب ومن ثم تشعلها دون هوادة. ولم يكن مرد ذلك مجرد الحقيقة من أن القوة العسكرية وحدها أصبحت كالرياضة والبراعة الفائقة المبرر الذي تنحو اليه, وإن كان له دور كبير في ذلك. والى جانب ما كان لهتلر والمحرقة من دور مساعد, فان الصهيونية ظلت تحظى باهتمام ودعم الدول الكبرى التي ساعدت على وجود اسرائيل قبل كل شيء آخر. لقد استفادت اسرائيل من ذلك النوع  من الإجحاف الثقافي والتاريخي ضد العرب تعززه الخبرة الاستعمارية الاوروبية (هيرست, ص 176).

وقد لقيت الصهيونية دعما في خصوصيتها من حيث أنها لم تخضع لما أصبح المراقبون الغربيون يعتبرونه عملا شريرا.

تدل الظواهر العلمية على ان المفاهيم الغربية للمجتمع العسكري لا تنطبق على اسرائيل, بل على العكس من ذلك لم يكن هناك ما يمكن أن يجعلها مجتمعا أقل عسكرية من مظهر جيشها المؤلف من مواطنين مرحين غير مبالين يذهبون الى ساحة الحرب بسيارات أجرة وعربات آيس كريم بشعرهم الطويل وملابسهم الغريبة. وفوق ذلك, لعل الاسرائيليين وجدوا أن من السهولة بمكان اقناع الغرب المأخوذ بالفرق الخادع من حيث الحجم, بأن ما يجري كان نضالا حاسما بين ضعيف وقوي, يحصل فيه الاسرائيلي داود دوما على فوز يثلج القلب ضد العربي جُليات. كان عام 1947 هو الذي رسم الطريق. ففي تلك الحرب كان الصهاينة دون ريب المعتدين الحقيقيين, ومع ذلك نجحوا نجاحا باهرا في إظهار العرب بتلك الصورة. أما وقد رسخوا هذه القاعدة التاريخية الزائفة على اساس من التزوير الكبير في الاسباب والاثار, فقد بدأوا البناء عليها (هيرست, ص176).

كان أكبر ما يمكن للصهاينة ان يفيدوا منه تكريس استخدام الرموز الانجيلية بصورة مباشرة, الأمر الذي لقي هوى في قلوب الساسة الغربيين. رموز يمكن تكرار استخدامها مرة بعد أخرى لمزيد من التأثير, بل وأفضل من ذلك كانت رموزا تدغدغ النفس وترضيها.

ورغم أن الصهيونية ولدت قبل المحرقة, فقد أصبحت المحرقة بطاقة ايديولوجية رابحة لدعم تلك الفكرة. ولم تكن لدى الفلسطينيين منذ 1948 أي وسيلة لمواجهة الدعاية الاسرائيلية. ويعود ذلك في جزء منه الى عدم خبرة العرب بأساليب استغلال المعلومات (وهو ما أتقنه الصهاينة في وقت مبكر), كما يعود في جزء آخر منه لأن الفلسطينيين الذين ووجهوا بما يبدو أنه حتمية حاسمة وأكيدة كان عليهم دوما الدفاع لاقناع الرأي المسيطر الغربي بالظلم الأساسي الذي عانوا منه.

لقد ساعد العرب ] الاسرائيليين في تشويه الحقائق[ .. ليس فقط لانهم كانوا عاجزين في ميدان الدعاية مثلما كانوا في ساحة الحرب, ولكن نظرا لأنهم الخاسرون. فقد كان عليهم اتخاذ المبادرة لتغيير الأمر الواقع الذي حققه الصهاينة على حسابهم. فكل ما كان على الاسرائيليين أن يفعلوه هو أن يظلوا في مكانهم دون حراك <<والتمسك بما اكتسبوه>>. انهم يطلقون على جيشهم اسم <<قوات الدفاع>>, وعلى كل أفعالهم بانها دفاعية بحتة في طبيعتها.. <<فحروبها الصغيرة>> كانت للعقاب والردع و<<حروبها الكبيرة>> كانت <<حروب بقاء>> (هيرست, ص 176)

كانت المصاعب التي واجهت الفلسطينيين والعرب بوجه عام هي أنه لم تكن لهم علاقات تذكر مع الغرب والولايات المتحدة. أما الصهاينة فقد جاءوا من أوروبا والولايات المتحدة, وحافظوا على علاقاتهم بعناية شديدة. وقد تكدست المحاباة ضد الفلسطينيين. فرواياتهم لم تظهر كاملة او بصورة ايجابية. وقلما يشار الى أن انشاء اسرائيل أسهم في تشريد أكثر من مليوني فلسطيني, أما حقهم في العودة فيجابه بادعاءات صهيونية بان الاراضي التي احتلوها كانت خالية من الاهالي, وانه ليس هناك شعب يطلق عليه اسم فلسطينيين, وهو ما شاع على لسان رئيسة وزراء اسرائيل غولدا مائير:

شدد بعض القادة الاسرائيليين انه لم يكن للفلسطينيين وجود قط. ورددت ذلك رئيسة الوزراء غولدا مائير عام 1969 حين قالت <<ليس الأمر كما لو أنه كان هناك شعب فلسطيني في فلسطين ويعتبرون أنفسهم فلسطينيين وأننا جئنا وطردناهم واستولينا على بلادهم. اذ لم يكن لهم وجود>> (صحيفة صنداي تايمز, 16/6/1969).. هذه البيانات تعكس حاجة الصهاينة الملازمة لاعادة كتابة التاريخ (هيرست, ص 264-265)

لم يقف الادعاء بعدم وجود أهالي محليين يقيمون في فلسطين عند هذا الحد. فقد قتل قليل منهم والقليل ممن فروا لقوا التشجيع على الفرار من قادتهم ومن العرب الاخرين. وقد شرح هيرست بوضوح أن الفلسطينيين لم يغادروا بلادهم بمحض ارادتهم, وانهم بدلا من ذلك قاوموا للبقاء في مساكنهم ومنهم من قتل خلال تلك المقاومة. ويجب أن ينظر الى كل فرد فلسطيني في الخارج على انه يعيش في الشتات, لكن قوة الايديولوجية الصهيونية ظلت تخفي تلك الحقيقة.

انها الايديولوجية التي غيرت الحقيقة بما يتلاءم والانحياز الراسخ في عقول الغرب. وفي الوقت الذي يقال فيه عن اسرائيل إنها مجتمع ديمقراطي, يغض النظر عن الحقيقة الواقعة من أن دولة اسرائيل ليست في أي دراسة متعمقة الا كيانا يتمثل في نفوذ وقوة جيشه.

قد لا تكون اسرائيل من وجهة النظر السطحية مجتمعا عسكريا, غير أن أي تعمق في كيانها يؤكد أنها دولة عسكرية. قد لا تكون نظاما ديكتاتوريا, لكن الأغلبية الساحقة من شعبها تنصاع لأفكار وافعال الحكومة في تصرفاتها تجاه العالم العربي وبقية دول العالم. (هيرست, ص 176-177)

يصعب كثيرا تشتيت أسطورة بهذا الحجم والتعقيد وتحدي بيانات تخرج من مصدر قوي مثل هذا المصدر. كما يصعب حقا اجراء دراسة منطقية وعقلانية ودقيقة لأي حدث عندما تضيع الحقائق الاساسية نظرا لانها تبدو متناقضة.. وما أن تضيع حتى تعصى على السماع. غير انه يسهل سماع صوت اسرائيل, فهو ينتشر على نطاق واسع ويلقى في معظم الاحيان قبولا أكثر من الصوت الفلسطيني.

ليس للصهيونية من ركائز دون تلك الافعال التي تفصلها عن الايديولوجيات السياسية الاخرى. ويمكن ايجاز تلك الافعال بالاستيلاء على فلسطين والخداع الذي يقيم اجواء سياسية واجتماعية مناسبة تماما لذلك الغزو العرقي. وقلما نجد تفسيرا أفضل مما أورده هيرست للطريقة التي أحرز بها الصهاينة تقدما داخل الاراضي الفلسطينية رغم مقاومة الاهالي المحليين. فهو يفضح تماما زيف أكذوبة أن فلسطين كانت قبل وصول اليهود خالية تماما <<أرض بلا شعب تنتظر شعبا بلا أرض>> (اسرائيل زنانغويل, من كتاب هيرست, ص 19). ولو كان الامر كذلك فما الذي كان يدعو الهاجانا للقيام بأعمال عنف في سبيل التطهير العرقي. تلك المذبحة التي ارتكبت عشية قيام الدولة الإسرائيلية في قرية دير ياسين وغيرها من اعمال عنف مماثلة في المدن والقرى الفلسطينية التي طواها النسيان في هدوء.

في العاشر من ابريل/نيسان 1948 في الرابعة والنصف صباحا, هبطت قوة مشتركة من الارغون وشتيرن (3) قوامها مائة واثنان وثلاثون مسلحا على القرية المستغرقة في النوم. وما أن حل ظهر ذلك اليوم حتى كان هؤلاء المسلحون قد ذبحوا ثلثي الأهالي (هيرست, ص 124).

وكانت عصابة أرغون قد قامت بهذه العملية وبعملية نسف فندق الملك داود بالتعاون مع منظمة الهاجاناه (4)  والقيادة اليهودية الرسمية (هيرست, ص 124)

كانت الفكرة المفضلة المسيطرة هي أن الفلسطينيين رحبوا باليهود وغادروا البلاد طواعية.غير أن هيرست يزيل الغمة عن القارئ ببلاغة وبلا مراوغة.

ساعد نوردو (أحد تلامذة هيرتزل) في تطوير رافدين من روافد الأفكار الصهيونية: الحاجة الى القوة الفعلية والنفاق. وقد كان هيرتزل أول من ابتدعهما.. فقد دعا الى <<يهودية قوية>> من ذلك النوع الذي فقد على مدى ثمانية عشر قرنا من النفي والترحال..

ومثلما فعل هيرتزل حاول نوردو تطمين الأهالي الفلسطينيين في الوقت الذي كان يدعي فيه الفضل لنفسه في الازدواجية المتواصلة التي تعنيها هذه السياسة (هيرست, ص 19)

ومع تسارع عجلة الاستيطان والعمل بقوة وسرعة أكبر أصبح من الضروري دعوة جميع اليهود للتوجه الى فلسطين. لكن تحقيق ذلك لم يكن عملا سهلا, خاصة وان اليهود المقيمين في العالم العربي استقرت بهم الحال هناك لأجيال دون صعوبات. فقد عاش يهود الشرق الأوسط بسلام في مختلف أنحاء العالم العربي, ولم تكن لدى معظمهم الرغبة في التخلي عن أعمالهم وجذورهم, اذ كانوا يدركون أنهم سيخسرون كثيرا إن هم هاجروا. لذلك فانه عندما لم يلق نداء العودة ردودا ملائمة, بوشر باستخدام الحيل القذرة ضد رغبات اليهود المقيمين في الدول العربية.

لم يكن بامكان اليهود العراقيين ولا حكومة دولة كانت تعتبر بالمقاييس الغربية متخلفة, مقاومة ذلك النوع من الضغوط الصهيونية عليهم.

بدأ عملاء الصهيونية يظهرون في بغداد بين الشبان يتحدثون عن مشاعر قلق عام ويلمحون الى أن اليهود الامريكيين يصبون أموالا كثيرة من أجل نقلهم الى اسرائيل حيث كل شيء جاهز لمصلحتهم. وبدأت هجرة الابناء تثير الشكوك حول ولاء العائلات. الصحافة الامريكية اتهمت الحكومة العراقية بأنها تحتجز اليهود ضد رغباتهم.. ولو حاولت الحكومة اتخاذ اجراءات قاسية ضد عمليات الاثارة الصهيونية للتعجيل في هجرة يهود العراق, فانها كانت ستتهم بالعنصرية (بيرغر, كما في كتاب هيرست, ص 163).

عندما وصل هؤلاء اليهود الى الدولة الجديدة اسرائيل, وجدوا أنها لم تعوضهم عن الخسارة الكبيرة التي لحقت بهم. والواقع أنهم في معظم الاحيان لم يتمكنوا من استعادة مواقعهم الاجتماعية والسياسية التي كانوا يتمتعون بها في مواطنهم السابقة.

        ماذا فعلت يا بن غوريون?

        لقد نقلتنا جميعا متسللين

        وتخلينا عن جنسيتنا السابقة

        وجئنا الى اسرائيل.

        هل جئنا نقود حميرا

        ولما نصل بعد.

        انها لساعة سوداء

        لعن الله الطائرة التي أقلتنا الى هنا

        (أغنية يهودية عراقية من فيلم النمر الاسود,1972, من كتاب هيرست,ص 164)

كان على المخططين الصهاينة الاسرائيليين أن يخلقوا اسرائيل الكبرى أو إيريتز سياسيا حتى قبل العمليات الفعلية عام 1967 وعام 1973. فقد كان وجود يهود في الدول العربية (خاصة الدول العربية المجاورة) يمثل مصدر قلق متواصل حيث أنه كان تحديا لفكرة الوطن نفسها في اسرائيل. فاذا أمكن لليهود أن يعيشوا دون مصاعب مع العرب في مصر او سوريا او العراق, فلم لا في دولة فلسطين?  ولا بد أن هذا الاحتمال أثار أعصاب الكثير من الصهاينة. لذلك تحولت استراتيجيتهم الى أعمال ارهابية عنيفة لزعزعة استقرار نظام عبدالناصر الجديد في مصر وإزالة الاتفاق بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ومصر.

كانت سعادة ورفاهية اليهود الشرقيين في مختلف أوطانهم.. آخر ما تهتم به اسرائيل. وفي يوليو/تموز 1954 كانت لديها اهتمامات اخرى. اذ بدأت تشعر بالعزلة وعدم الاستقرار. وكان اصدقاؤها في الغرب, إن لم نقل في بقية دول العالم, يشعرون بالاستياء بسبب أعمالها العدوانية. وقد نصحها مساعد وزير الخارجية الامريكي <<بالتخلي عن مظاهر الفاتح المنتصر>> (لاف, كينيت, 1969, ص71). وكان مما يزيد من قلقها التقارب الذي كان يحث الخطى بين مصر من جهة والولايات المتحدة وبريطانيا من جهة اخرى. فقد دعا الرئيس ايزنهاور بريطانيا الى التخلي عن قاعدتها العسكرية الضخمة في منطقة قناة السويس. وفشل بن غوريون في اقناعها بعكس ذلك. فكانت عملية التخريب لهذا التقارب عندما أمر رئيس المخابرات الاسرائيلية الكولونيل بنيامين جيفلي عملاءه في مصر للقيام بالعملية التخريبية (هيرست, ص 166).

لم تقابل <<مكرمة>> الصهاينة في تشجيع اليهود على الهجرة بمثلها تجاه الفلسطينيين. فقد توجس الفلسطينيون في أوائل القرن العشرين خيفة من الهجرة اليهودية: وواقع الأمر أن مشاعر القلق الفلسطيني تحولت الى قضية سياسية على مستوى عال بالنسبة لقادتهم وللصهاينة.  فالمعلومات الخاطئة التي تم تداولها في الخارج كانت تقول إن الفلسطينيين غادروا بلادهم إما عن طيب خاطر او بتشجيع مستتر من القادة العرب المشاركين في القتال. ورغم أن احداثا رويت مثل مذبحة دير ياسين توضح ان الفلسطينيين رغم قلة العدد والعدة قاوموا حيثما أمكنهم ذلك, الا ان القتال الذي اشترك فيه المواطنون العرب المحليون أصبح ببساطة جزءا من حملة دعاية واسعة, وفيما بعد جزءا لا يتجزأ من صورة اسرائيل كديمقراطية وحيدة في منطقة غير ديمقراطية. ولم تتناول وسائل الاعلام والدوائر السياسية الغربية بالبحث ما اقترفته هذه <<الديمقراطية>> من جرائم. كما لم تكن قط المساواة بين العرب واليهود جزءا من هذه الديمقراطية المثالية الجديدة.

كان العقاب الشامل لمن خرجوا من البلاد هو ابقاؤهم في الخارج, بينما كان الاحتفاظ بمن بقوا يحمل معه العقاب والاستهداف. فالفلسطينيون الذين لم يخرجوا من بلادهم لم يشكلوا مجرد مشاكل أمنية فحسب, بل إن وجودهم بحد ذاته كان حجر عثرة أمام المهمة التاريخية الصهيونية.

 

خضعت الاقلية العربية في اسرائيل للحكم العسكري, ولم تكن أعمال العنف المسلحة المباشرة هي الأسلوب الذي يميزه وإن لم يكن غائبا عن الساحة. فقد كانت القوة والاضطهاد كافية. ومع ذلك كانت هناك صعوبات جمة. فاسرائيل تصف نفسها بأنها المركز الأمامي <<للعالم الحر>> الذي تعتمد عليه اعتمادا كبيرا, و<<قلعة الديمقراطية>> في منطقة ليس هناك من تنعم بمثلها. دولة تفتخر بأنها أنشئت على أسس من القانون والعدالة والإنسانية. وأنه ليس في الدولة العبرية اضطهاد ديني أو عرقي, وهو الكأس المر الذي شرب منه اليهود طويلا. وقد تعهدت في بيان الاستقلال <<بالمساواة التامة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع مواطنيها, دون أي تفرقة بسبب العقيدة أو العرق أو الجنس>>. هكذا تبدو الدولة العبرية على السطح. أما في الواقع فان كفة ميزان المساواة ترجح لصالح بعض المواطنين على غيرهم. لم تظهر كلمتا عرب ويهود إطلاقا في كتب القانون, غير أن جزءا يسيرا من اساليب تطبيق القانون يحتوي على أسس لنوع معين من الاسرائيليين وأخرى لغيرهم. غير أن هناك من تعمقوا الى ما تحت السطح, ثم كشفوا عما شاهدوا من <<ازدواجية في التعبير>> و<<ازدواجية في التفكير>> وهو ما دعاه أحد دعاة الحقوق المدنية الاسرائيليين <<ضريبة أورويل(مؤلف كتاب مزرعة الحيوان) التي تدفعها اسرائيل لمفهوم الديمقراطية>> (بن يوسا, اميتاي, 1971)(هيرست, ص 184).

لا بد أن يكون واضحا أن الصراع الاسرائيلي الفلسطيني صراع يكتنفه الخداع الاعلامي في أسوأ أشكاله. حيث يمكن للمرء أن يرى أمام عينيه أحداثا أسيء تفسيرها باستمرار, بل إن بعضها لا يجد الآن من المثقفين  وطلبة التاريخ والسياسة من يناقشها. هذه اللامبالاة تمتد الى خارج حدود الدول الغربية, بل إنها تجد من يعتنقها في الدول العربية التي يفترض أن تكون على دراية أفضل بتاريخها.

لا يتورع هيرست في بذل جهود غير عادية لمواجهة كل أسطورة مؤيدة للصهيونية بالحقائق الثابتة. وقد لفتت انتباهي الاشارة الى الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي تعبر قصائده الشعرية الوطنية اللاهبة عن الأسى الذي يعتمل في صدر أمة تندب وطنها القومي, أمة عانت مما حدث ولا تزال تعاني منه. ويستسمح درويش الولوج في أعماق التاريخ لأن ذلك حسب قوله هو الوسيلة الوحيدة للعثور على دليل قاطع حازم فيما يتعلق بملكية الأرض. وبمثل تلك الجهود يبحث الكاتب هيرست عن تلك الأدلة ويضعها بوفرة أمام الملأ. وهكذا يلتقي الاثنان ليكمل أحدهما الآخر.

ليس هناك من شك في أن الدولة الجديدة استولت على حوالي مليون دونم من الأراضي التي خلفها من غادروا بلادهم بل على أراضي آخرين لم يغادروها (صبري, 1968). وربما كان خمسة في المائة من الأراضي التي كانت تخضع لسيطرة اسرائيل عام 1948 ملكا لمواطنين عرب. وبحلول عام 1967 واشتعال الحرب التي وضعت العشرين في المائة الباقية من فلسطين تحت سيطرة اسرائيل, هبطت تلك النسبة الى واحد في المائة (قطان, 1969). وربما أظهر الصهاينة بهذا الاسلوب المنظم في مضايقة البقية الضئيلة التي لا حول لها من أصل مجتمع قاموا بتدميره وتفريقه, إلى أي مدى يمكنهم أن تتحجر قلوبهم ضد الاخرين في سبيل خدمة شعبهم (هيرست, ص 188).

استخدم القانون في عمليات مصادرة الاراضي للتعمية متذرعة بأثر رجعي لأنظمة مناسبة لإجبار العرب على مغادرة أراضيهم. وقد أطلق على العرب الذين كانوا لسبب أو لآخر داخل اسرائيل ولكن ليس في أراضيهم الخاصة بهم, أطلق عليهم اسم <<الحاضرون الغائبون>>.

يظل العدد الصحيح لتلك الكائنات الاورويليه (الحاضرون الغائبون) سرا عسكريا مكتوما تماما, لكنهم يعدون بعشرات الآلاف (بن يوسا, أميتاي, ص 1) فقد كان من السهل على الحارس القضائي أن يعتبر شخصا ما <<حاضرا غائبا>> ببساطة. ذلك أنه بموجب القانون الجديد يعتبر غائبا كل من غادر مكان اقامته العادي بين 29/11/47  و 1/9/1948 إلى أي مكان خارج فلسطين أو أي مكان داخل فلسطين ولكن خارج السيطرة اليهودية, ولا يعتد بوجوده بالفعل مواطنا بكامل أهليته في <<قلعة الديمقراطية>>. فالقروي البسيط من أبناء الجليل لم يمنح الفرصة للتنبؤ بالمستقبل, ولم يدرك تماما أنه بسبب هذه <<المخالفة>> التي ارتكبها قبل عامين قبل أن تسن تلك الصيغة, أن كل ممتلكاته الدنيوية من منزل وحقل يمكن مصادرتها ومنحها لشخص آخر غريب تماما عن الأرض جاء اليها من وراء البحار (هيرست, ص 188-189)

على أنه لا يصعب أن نقارن بين ما حدث في فلسطين وما جرى في جنوب افريقيا خلال فترة حكم البيض. وما نشأ كان دولة ذات جنسيتين متباينتين, إحداهما يهودية والأخرى عربية. وكان القانون يطبق لصالح الفئة الأولى خاصة فيما يتعلق بالاستيلاء على الأرض.

أيا كانت الظنون حول الدوافع الأساسية للعنصرية اليهودية, فإنها أكدت بنفسها على أنها عنصرية قاسية لا تختلف عن عنصرية جنوب افريقيا. وعليه فإن ما يدعو الى العجب أنه في الوقت الذي ندد فيه الرأي المتنور الغربي بالتفرقة في مكان ما فإنه ظل يقبل به او حتى يمتدحه اذا وقع في مكان آخر. ومن الأسباب الرئيسية بطبيعة الحال الشعور الداخلي غير العادي الذي حصلت عليه الحركة الصهيونية طوال الوقت. وسبب آخر هو أنه في الوقت الذي كانت عنصرية جنوب افريقيا مكشوفة للعيان بل ومتغطرسة, كانت في اسرائيل خفية غير ظاهرة. أضف الى ذلك ان إضفاء صفة السرية على العنصرية الاسرائيلية كان أكثر سهولة, لأن المواطنين الذين كانت تضطهدهم كانوا يمثلون أقلية صغيرة وليسوا أغلبية. ومرد ذلك أنه في عام 1948 وما بعده كان المقاتلون العرب هم ببساطة الذين شجعوا عرب فلسطين على مغادرة بلادهم. ومن سخرية القدر, أن التطرف في أعمال العنف الشاملة هي التي ساعدت اسرائيل بالتالي على أن تبدو أقل تطرفا (هيرست, ص 193).

يكشف هيرست الأدلة الموثقة عن الأعمال الوحشية الإسرائيلية. وبعمله هذا يوبخ التقصير في الدراسات الاكاديمية العربية. فهناك حاجة شديدة لفضح تفاصيل الاستيلاء على الأراضي والأعمال القمعية وأساليب نظام التمييز العنصري التي أنشئت عام 1948 (ولا تزال قائمة حتى اليوم) من أجل إدراك كنه الانتفاضة الحالية. لقد ظل العالم يتقبل صورة اسرائيل التي رسمتها الصهيونية لفترة طويلة باعتبار أنها دولة معرضة للخطر في وجه أعداء أشداء- داود يقابل جُليات الرهيب.

أما أصوات الاحتجاج التي خرجت من فلسطين فلم تلق أذنا صاغية على الاطلاق في الغرب, اللهم الا من دعاة حقوق الإنسان. ويكاد لا يجد المرء أي إشارة الى أن اسرائيل بعد تأسيسها ليست إلا دولة توسعية. فقد ابتلعت اسرائيل بعد قرار التقسيم للعام 1948 مناطق واسعة من الأراضي العربية وبدأت في ضم أراض من مصر وسوريا وبقية فلسطين بل وجنوب لبنان. ويعدد هيرست الأحداث التي أدت الى هذه الخطوات التوسعية.

خاضت اسرائيل <<حربين كبيرتين>> من أجل النمو, مستعينة بأعمال العنف الواسعة <<المقصودة>> لكنها ظلت تعلن أنها حروب من أجل البقاء أو حروب من أجل السلام. وحازت مرتين على نصر عسكري مؤزر. غير أن الحرب الأولى - ضد مصر عام 1956 - لم تؤت إلا أرباحا بسيطة على المدى البعيد. اذ اضطرت الى التخلي عن كل الاراضي التي احتلتها. غير أن مكاسب المدى البعيد جاء مع <<الحرب الكبيرة>> التالية التي شنتها اسرائيل - في يونيو/حزيران 1976- فقد حملت ما يعوضها بما أحرزته من نصر عسكري.  كانت الظروف الدبلوماسية مثالية بأفضل مما كانت عليه في أي وقت مضى. إذ أن اسرائيل انتظرت اللحظة المناسبة. اما الرأي العام الغربي فقد رحب بقوة بالضربة التي قامت بها اسرائيل منفردة ضد مصر وسوريا والاردن. ولم تخف الحكومة الامريكية ارتياحها (هيرست, ص 196-197).

كانت تلك مرحلة أخرى من مراحل نشوء الصهيونية - مرحلة شهدت بزوغ شمس امبراطورية تحل محل الوطن القومي. وكانت أيضا عملية بناء امبراطورية اكتسبت تعاطف الغرب معها.

<<نصر الحضارة>> - هكذا وصفت إحدى الصحف الغربية الرئيسية النصر الاسرائيلي (عام 7691). والحقيقة أنه كان هزيمة عسكرية نكراء. فقد دمرت اسرائيل ثلاثة جيوش عربية واحتلت خلال ستة ايام أراض تبلغ مساحتها عدة أضعاف مساحة اسرائيل نفسها. إلا أن من المحتمل أن يسجل التاريخ أن النصر في العلاقات العامة كان أكبر من النصر العسكري. فهؤلاء قوم احتلوا اراضي  الغير وطردوا سكانها منها, وقد اكتسبت موافقة دولية كبيرة للقيام باحتلال المزيد وطرد المزيد.

هذه المشاعر الودية الدولية تجاه اسرائيل كانت ذات قيمة كبيرة. فهي تمثل رصيدا مفتوحا واسعا لتسحب منه بينما هي تتوجه الى المرحلة القادمة من المشروع الصهيوني الكبير. فمن الناحية التاريخية كان ذلك ثالث انجاز واسع.. فقد عادت الروح الى الصهيونية من جديد. أما إحباطات ما قبل الحرب فقد تركت الى غير رجعة, واعاد الاسرائيليون الجدد بين ليلة وضحاها اكتشاف شيء من الحماس والرؤيا اللتين كانتا تنيران الطريق أمام الرواد الاوائل. وقد تدفق كله على شكل تجدد للصهيونية في استراتيجية انجيلية جارفة وتصورات وتخيلات عسكرية دينية. لقد كان حديث الملحدين عن <<اله الجيوش>>. وكان أفراد قوات المظليين يؤدون قسم الولاء وهم يرفعون التوراة بيد والبندقية بالاخرى عند حائط المبكى (هيرست ص 218-219).

لم يعترض المجتمع الدولي على سياسة التوسع الاسرائيلية, ولا يزال على موقفه. أما التحدي الحقيقي الذي يواجهه الاسرائيليون فيتمثل في الفلسطينيين. ولما كان انشاء اسرائيل الكبرى يشمل ضم القدس اليها, فان قصة القدس تثير الرعب في قلوب الفلسطينيين (الذين وجدوا كما لو أنه كتب عليهم أن يشهدوا سيطرتهم على المدينة تذوب شيئا فشيئا) دون أن يكون لديهم ما يكفي من التأثير الدولي حيث أن العملية تسير ببطء شديد. لقد ادعت الصهيونية بتبعية القدس لها, باعتبارها <<مدينتهم المقدسة>>, وانها وحدها عاصمة اسرائيل.

هناك رغبة جامحة لدى الصهاينة بضم مدينة القدس بأكملها, ولم يترددوا في بذل كل محاولة ممكنة لتأكيد دعواهم بشأن القدس. كانت المدينة ثاني كارثة فلسطينية.  ذلك أن <<الهراء التاريخي>> (هيرست , ص 224) الذي اوجدته اسرائيل لتبرير مقولتها بشأن <<عاصمتها الأبدية>>, كانت له نتائج غريبة حقا, وأولها ما جرى للجالية المغربية التي كانت تقيم على مقربة من حائط المبكى, وقد أزيلت مساكنهم وانمحى وجودهم في 11 يونيو/حزيران 1967. ولم يكن ذلك الا البداية.

لا يمكن للاسرائيليين أن يخفوا الاجراءات التي اتخذت في القدس. وليس بامكانهم اعتبارها الا عملية اولى من عمليات كثيرة للسحب على المكشوف من رصيد النوايا الحسنة الدولية. كما لا يمكنهم أن يخفوا لفترة طويلة  ما كانوا يقومون به في أجزاء أصعب مراسا ضمن المناطق التي احتلوها. غير أن بإمكانهم المحاولة, وقد حاولوا. فبينما كانوا يقودون جرافاتهم داخل الحي الغربي من القدس, كانوا في ذات الوقت يزيلون قرى بأكملها عن وجه الأرض, وكانت أولى تلك القرى بيت نوبا وعمواس ويالو القريبة من حدود 1967 في نتوء اللطرون الاستراتيجي شمالي القدس. أما سكانها البالغ عددهم عشرة آلاف نسمة فقد ذهبوا مع الريح. وفي العام 1967 واجهت المصير نفسه قرى أخرى مثل بيت مرسم وبيت عوا وحبلا وجفليق (هيرست, ص 225).

يتمتع هيرست بنظرة ثاقبة في الإفادة من بيانات شهود العيان عن استملاك الاراضي العربية وتدمير المزارع والمباني, حصل على بعضها من جنود اسرائيليين وبعض اخر من الجاليات الدينية المسيحية.

وعلى أي حال, فان آلة الدعاية في الجانب الفلسطيني لم تكن قط قوية كمثيلتها الصهيونية. وهذا التمييز حفره في الصخر تأييد قوي من وسائل الاعلام الغربية لإسرائيل وعدم وجود توازن منطقي في نشر أنباء الارهاب الصهيوني. وهكذا أصبحت بعض الكلمات والمفاهيم ترتبط بالفلسطينيين. ففي الوقت الذي لم يصل فيه الى الأسماع مصير مائتي ألف فلسطيني أصبحوا لاجئين عام 1967 والحكايات المروعة عن تدمير الممتلكات الفلسطينية بطريقة يمكن أن تؤدي الى تغيير في المفاهيم, لم تتأخر آلة الدعاية الاسرائيلية في الإشارة الى المعاناة التي تلحق بـ<<الأبرياء>> من أبناء الشعب اليهودي, تعززها قصة الهجوم الفلسطيني في ألعاب اولمبياد ميونيخ(5) وعملية اختطاف الباخرة أخيلي لورو(6) حيث يمكن بسهولة استغلال الاحداث لتوجيه النظر الى قسوة فلسطينية ضد يهود محبين للسلام يعتبرون ضحايا الكراهية والتمييز العنصري, مثلما يفترض أن يرسخ في ذهن كل مواطني الدول الغربية. ولا يشار إلا لماما الى حادث تفجير فندق الملك داود الذي قامت به عصابة شتيرن برئاسة بيغن. (يتحدث هيرست عن حادث تفجير فندق الملك داود وهو الحادث الذي طواه النسيان تماما الان, رغم أنه أدى الى مقتل ثمانية وثمانين شخصا, من بريطانيين وعرب وخمسة عشر يهوديا, في الصفحات 108 - 110 من كتابه). وبينما لا يزال الزعيم الفلسطيني يخضع لتساؤلات عن <<الارهاب الفلسطيني>> فانه ي نظر الى بيغن على أنه رجل سياسة يستحق التقدير والاحترام.

كثيرا ما سمعت وأنا ما زلت في سني الدراسة أن الفلسطينيين غادروا مساكنهم طوعا, وأنهم لا يمثلون قوة إنسانية ترغب في العودة. وليس هناك ما يجعل المرء يدرك مدى التضارب في هذه الأقوال مع الحقيقة إلا بدراسة تاريخ فلسطين وسياستها. وقد ساعد هيرست في تبديد الاسطورة ووفر لي حقائق المعاناة الفلسطينية. ومن المؤسف أنه رغم توفر كتاب البندقية وغصن الزيتون بسهولة أمام القارئ الغربي, فانه لم يترك الا أثرا محدودا بينهم. ولا بد أن ندرك مدى الصعوبة التي يجب على هيرست أن يتخطاها : فقراؤه تسمروا أمام الرواية الصهيونية للأحداث.

يبرز هيرست بوضوح ودون مواربة أنه لم تكن لدى العرب الرغبة في القاء الصهاينة في البحر, بل إن الصهاينة هم الذين فعلوا ذلك بالضبط مع الفلسطينيين, ثم نفوا أن ذلك وقع على الإطلاق. ورغم أن من المحتمل أن يكون ذلك التهديد قد صدر عن العرب, فإن من سخرية القدر أن الصهاينة الذين لم يستخدموا تلك اللغة بصورة مباشرة قط, نفذوا ذلك بالفعل. ويوضح هيرست أنه كان للصهاينة أن يقيموا دولة صهيونية يهودية مليئة بالعرب وليس اليهود دون إجبار العرب على الرحيل - هذا كتاب لا بد أن يقرأ وأن يقرأ على نطاق واسع ما أمكن. وتكمن أهميته في ما يروي من حقائق ببساطة ودقة واستقامة.

الهوامش

1- ولد هيرتزل عام 1860 في بودابست بالمجر التي كانت جزءا من الامبراطورية النمساوية, وتوفي عام 1904 في ألداخ بالنمسا. ويعتبر مؤسس الشكل السياسي للصهيونية, وهي حركة تهدف الى إقامة موطن يهودي. وجاء في نشرته الدولة العبرية  (1896) أن المسألة اليهودية مسألة سياسية لا بد لهيئة عالمية أن تحلها. قام بتنظيم مجلس عالمي للصهاينة التأم في بازل بسويسرا عام 1897, وأصبح أول رئيس للمنظمة الصهيونية العالمية التي أسسها المجلس. وافق المجلس خلال انعقاده لثلاثة أيام على برنامج أطلق عليه اسم <<برنامج بازل>> ينص على <<أن الصهيونية ترنو إلى إقامة وطن للشعب اليهودي في أرض اسرائيل>> تكفله الدول الاخرى. ورغم أن هيرتزل توفي قبل أربعين عاما من قيام دولة اسرائيل, فقد كان لمهارته في التنظيم والدعاية فضل كبير في تحول الصهيونية إلى حركة سياسية بارزة. دفن في فيينا, إلا أن رفاته نقل الى القدس عام 1949 حسب وصيته, في أعقاب تأسيس الدولة اليهودية فوق تلة تقع غربي المدينة وتعرف الان باسم جبل هيرتزل. كتب هيرتزل مذكراته بعد أول مؤتمر صهيوني في بازل: <<اذا كان لي أن اوجز مؤتمر بازل بكلمة واحدة - لا استخدمها علنا - فانها كما يلي: لقد أنشأت الدولة العبرية في بازل. ولو أني قلت هذا اليوم فانه سيكون مدعاة للسخرية على نطاق عالمي, على أنه لا بد ان يشهدها الجميع ربما خلال خمس سنوات وإن كان سيتم على وجه التأكيد في خمسين عاما.

بعد عدة سنوات من النضال وفي العام 1891 عين هيرتزل مراسلا في باريس لصحيفة نيو فري بريس الواسعة الانتشار في فيينا. وقام في العاصمة الفرنسية بتغطية قضية دريفوس, المحاكمة التي حيكت للايقاع بضابط يهودي اتهم بنقل معلومات سرية الى الألمان.. وتعرف خلالها على الرموز التقليدية لمعاداة السامية, روسيا واوروبا الشرقية, التي كان اليهود يقاسون فيها من تجدد الاضطهاد الرهيب. وتحول هيرتزل الذي كانت تداعب أفكاره مسألة الاندماج التام في مجتمع راق كحل للمسألة اليهودية العالمية, تحول الى الايمان بان معاداة السامية مرض مستكين لا علاج له. وصمم على أن يقود شعبه للخروج من <<منطقة العدو الأبدي>> وأنه لا بد أن يكون لليهود وطن قومي خاص بهم(هيرست, ص 16)

2- جرى التوقيع على معاهدة سايكس بيكو في 9 مايو/أيار 1916. كان اتفاقا سريا بين المملكة المتحدة وفرنسا أبرم خلال الحرب العالمية الاولى بموافقة الحكم القيصري الروسي المنهار, من أجل تقسيم الأراضي العثمانية المحتلة. وقد أدى الاتفاق الى تقسيم سوريا والعراق ولبنان وفلسطين الى مناطق تخضع للادارتين البريطانية والفرنسية. واستقت تلك المعاهدة اسمها من المفاوضين الدبلوماسيين: سير مارك سايكس عن بريطانيا وجورج بيكو عن فرنسا. وقد نصت على ما يلي: <<(1) تحتفظ روسيا بأقاليم أرزوروم وتريبوزوند وفان وتبليس اضافة الى بعض المناطق الكردية التي تقع في الجانب الجنوبي الشرقي منها, (2) تحتفظ فرنسا بلبنان وسوريا وأضنة وسيليسيا والمناطق الواقعة خلف ساحل الحصة الروسية, (3) تحتفظ المملكة المتحدة بجنوب ما بين النهرين بما فيه بغداد وموانئ البحر الأبيض المتوسط حيفا وعكا, (4) يقام اتحاد فيدرالي للدول العربية التي تخضع للسيطرة الفرنسية والبريطانية او تقام دولة عربية واحدة مستقلة يتم تقسيمها ضمن نطاق النفوذ الفرنسي والبريطاني, (5) يجب أن تكون الاسكندرونه ميناء حرا, (6) يجب أن تخضع فلسطين نظرا لما فيها من أماكن مقدسة لنظام دولي.  وقد جاءت هذه الترتيبات السرية مخالفة بادئ ذي بدء مع التعهدات البريطانية لشريف مكة الحسين بن علي, عاهل العائلة الهاشمية, الذي كان سيثير عرب الحجاز ضد الأتراك على أساس أن يحصل العرب على حصة أكبر من ثمار النصر. وقد علم العرب بمعاهدة سايكس بيكو بعد أن نشرها السوفييت عام 1917, مما أثار غضبهم الشديد.

3- هاتان مجموعتان إرهابيتان اسرائيليتان. أما <<عصابة شتيرن>> ويطلق عليها أيضا اسم <<مجموعة شتيرن أو ليهي ولوهيم حيروت اسرائيل سابقا أو مقاتلون من أجل الحرية>>, فكانت منظمة صهيونية أنشأها ابرهام شتيرن (1907-1924) في فلسطين عام 1940 بعد انقسام الحركة السرية اليمينة أرغون زفاي ليئومي. كانت العصابة مهووسة بكراهية البريطانيين وقد هاجمت مرارا البريطانيين في فلسطين بل انها طلبت المعونة من المانيا النازية. وردت الشرطة البريطانية بقتل شتيرن في شقته في فبراير/شباط 1942, وألقي القبض فيما بعد على كثير من قادة العصابة. وقد امتد النشاط الارهابي للعصابة الى خارج فلسطين: فقد اغتال اثنان من أفرادها لورد موين, وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط في القاهرة (نوفمبر/تشرين الثاني 1944). وفي وقت لاحق هاجمت عصابة شتيرن المطارات والسكك الحديدية والمنشآت الاستراتيجية الاخرى في فلسطين. وكانت في أكثر الاحيان تحقق اهدافها, وان كان ثمن ذلك مقتل أو إلقاء القبض على عدد كبير من افرادها.

وقد أخمدت الحركة بعد إنشاء اسرائيل وأدمجت بعض وحدات منها في قوات الدفاع الاسرائيلية.

4- تعني كلمة هاجانا بالعبرية <<الدفاع>> . وكانت الهاجانا منظمة عسكرية صهيونية تمثل أغلبية اليهود في فلسطين ما بين 1920 و 1948. انشئت لمقاومة الثورات العربية الفلسطينية ضد الاستيطان اليهودي, وان كان البريطانيون قد اعتبروها غير شرعية. كانت الهاجاناه تعارض الفلسفة السياسية والاعمال الارهابية لعصابة شتيرن. وكان أعضاء الهاغاه يعملون فيها في اوقات فراغهم. الا انها انشأت عام 1941 قوة كاماندوز بدوام كامل أطلق عليها اسم بالماخ (الذي اشتق من كلمتين بلوغوت ماخاتز بمعنى <<سرية المصادمة>>). وبعد عام 1945 عندما رفضت السلطات البريطانية فتح باب الهجرة الى فلسطين أمام جحافل اليهود دون تحديد, لجأت الهاجاناه الى أعمال الارهاب فقامت بتدمير الجسور وخطوط السكك الحديدية والسفن التي كانت تعيد المهاجرين اليهود غير الشرعيين من حيث أتوا. ولكن بعد صدور القرار الدولي بتقسيم فلسطين (1947) ظهرت الهاجاناه باعتبارها جيش للدولة العبرية, واشتبكت علنا مع القوات البريطانية ونجحت في التغلب على القوات العسكرية لعرب فلسطين وحلفائهم. وما أن حل عام 1948 حتى كانت الهاجاناه قد احتلت ليس الأراضي المخصصة لاسرائيل بموجب قرار التقسيم فحسب, بل مدنا عربية مثل عكا ويافا. بعد ذلك حلت الهاجاناه كمنظمة خاصة لتتحول الى الجيش الوطني لاسرائيل. وخلد اسمها في اللقب الرسمي للخدمة العسكرية الاسرائيلية تزفاهاجانا لو اسرائيل بمعنى <<قوات الدفاع الاسرئيلية>>.

5- تأسست فرقة من حركة فتح تحت اسم <<أيلول الأسود>> في نوفمبر/تشرين الثاني 1971. وفي سبتمبر/أيلول 1972 هاجمت وقتلت أحد عشر اسرائيليا رياضيا في ألعاب أولمبياد ميونيخ.

6- في السابع من اكتوبر/تشرين الأول 1985 قام أفراد من جبهة التحرير الفلسطينية التي يرأسها أبو نضال والتي تعتبر من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية, باختطاف الباخرة الايطالية أخيليو لورو وقتلت أحد ركابها الامريكيين.

المراجع:

أ- مناحم بيغن: الث-ورة (دبليو أتش ألن, لندن 1961)

ب- هلاهمي: الخطايا الأساسية, نظرة على تاريخ الصهيونية واسرائيل (بلوتو بريس, لندن 1992)

أميتاي بن يوسا: نشرة خريجي الجامعة العربية الأمريكية (2, 1971)

هقطان: فلسطين, العرب واسرائيل (لونغمانز, غرين أند كو, لندن 1969)

ن- شومسكي: المثلث الخطر (بلوتو بريس, لندن 1983)

أموس ايلون: الاسرائيليون: المؤسسون والأبناء (سفير بوكس, لندن 1972)

ديفيد هيرست: البندقية وغصن الزيتون:جذورالعنف في الشرق الأوسط (هاركورت بريس جوفانوفيتش, لندن 1977)

جيه إم إن جيفريز: فلسطين, الحقيقة (لونغمانز, غرين أن كو, لندن 1939)

ج- صبري: العرب في اسرائيل (معهد الدراسات الفلسطينية, بيروت 1968)

أ. زوانغويل: العودة الى فلسطين في المراجعة الليبرالية الجديدة الثانية (ديسمبر/كانون الأول 1901, ص 627).


تصميم الحاسب الشامل