|
|||||
|
** كيف نقد ر ذاتنا الحضارية? بأن نقارن بين ما كان لنا وما كان لهم في أوج الحضارة العربية في بغداد والأندلس يوم كانت أوروبا ترسف في ظلمات العصور الوسطى. ولكن ما الذي حصل في أوروبا عند نهاية العصور الوسطى في حدود عام 1492 وبداية السقوط العربي منذ ذلك التاريخ الذي بدأ العصور المظلمة العربية? تناحر وتنافس على سلطة دنيوية زائلة.. منذ سقوط الأندلس والعرب في تراكض نحو الهاوية.. كيف نصنع المستقبل والإنسان العربي في الغالب مهاجر في وطنه أو غريب في غير وطنه? ** عبد الواحد لؤلؤة اسم مضيء في الثقافة العربية المعاصرة, ينتمي إلى جيل الرواد المتنورين, الذين لم يعرفوا إلا الإخلاص للمعرفة, ولثقافة الأمة, وطوال أكثر من خمسة عقود ظل (لؤلؤة* يعل م ويؤلف ويترجم, يتنقل من بلد إلى بلد, شديد الحماس لمهمته المقدسة, واضح الرؤية نحو الطريق الذي اختاره. عرف (لؤلؤة* لغات العالم الآخر مبكرا, وعبر اللغة استكشف ثقافة الآخر, لكنه ظل شديد الالتفات إلى ثقافة أمته في تراثها وحاضرها, ولذلك لم يصنم التراث ولم يقدسه تقديسا أعمى, وأيضا لم يكن من المنبهرين بالآخر الغربي, ولا المقدسين لثقافته, وهكذا وقف على الصراط, في نقطة المنتصف, نقطة التوازن بين احترام الذات والانفتاح على الآخر. أنجز حتى اليوم أربعة وأربعين عنوانا بين تأليف وترجمة, وقدم للقارئ العربي مصنفات من عيون الأدب العالمي, كما نقل محددا من الآثار العربية إلى الانجليزية, وأسهم في الجهود النقدية العربية, عبر كتبه ودراساته المتتابعة, فمثل من خلال نشاطه المتواصل الدؤوب حالة من الوعي النادر, الذي لا يعرف التراجع أو الإحباط. عبد الواحد لؤلؤة, صاحب موسوعة المصطلح النقدي, ومنازل القمر, والبحث عن معنى, مترجم شكسبير وطاغور وجون آردن, عميد المترجمين العرب بلا منازع,.. يكشف في هذا الحوار عن جوانب من سيرته في الحياة, وفي الثقافة, وعن جملة من آرائه ومواقفه من الأشكال الإبداعية الجديدة, ومشكلات الترجمة, كما يكشف عن انشغالاته الأخيرة, ويظل محتفظا بجذوة الأمل !! * دعنا نبدأ من المكان الأول, مكان الطفولة والصبا, هل ما زال حنينك (لأو ل من-زل*, ما الذي تقوله عن زمانك ومكانك الأول,. وماذا تتذكر من معالم الموصل والعراق,. بعد كل هذه العقود...?? وحنينه أبدأ لأول من-زل,. أليس هذا طبيعيا لدى الأسوياء من الناس? دعك عن العاشقين, وأكثرهم أسوياء! أم أنك ترى غير ذلك? ** مدينة الموصل في عشرية الأربعينيات وما بعدها هي مدينتي الفاضلة بمعنى بعينه. مدينة عربية فتحت في عهد عمر بن الخطاب وانتشر الإسلام فيها مع القبائل العربية المسلمة التي أقامت فيها, في الجانب الغربي من نهر دجلة وانسياحا نحو الجزيرة ومشارف حلب. أما الجانب الشرقي من النهر فهو مواقع العديد من القرى المسيحية التي ما زال أهلوها يتكلمون الكلدانية, والسريانية والآشورية, وهم من القبائل العربية التي هاجرت من الجزيرة في عهود المسيحية الأولى. أقام بعضهم في الساحل السوري وبلاد الشام, وما يزال بعضهم يتحدثون بالسريانية. أتذكر أغنية وديع الصافي (بقلا بحبك قد البحر/ تجاوبني بالسرياني)? ومدينة الموصل بهذا المعنى تضم أكبر نسبة من المسيحيين في العراق, ويقدرها بعضهم بثلاثين بالمائة. وبوسعي أن أؤكد أن جميع المسيحيين في العراق أصلهم من قرى الموصل, وقد هاجر بعضهم إلى بغداد والبصرة في العهد العثماني. ومغزى الإشارة إلى هذه النسبة العالية من المسيحيين في الموصل أننا في عشرية الأربعينيات وما بعدها كنا نعيش في وئام كامل مع بعضنا. لم نكن نعرف التفرقة ولا التعصب الذي يثيره الأجنبي لغايات معروفة. في تلك الأيام لم تكن في القرى المسيحية مدارس ثانوية وإعدادية, إن كان هناك في بعضها مدارس ابتدائية. لذا كان أبناء القرى المسيحية يأتون للدراسة في مدارس الموصل ويقيمون عند ذويهم في المدينة. في دروس الدين الإسلامي كان الطلبة المسيحيون يخيرون بين البقاء في الصف أو يخرجون إلى ساحة الألعاب, وكان أغلبهم يبقون معنا. في الأعياد المسيحية كنا نشارك بعضنا الهدايا والحلوى. وفي الأعياد الإسلامية كان الطلبة المسيحيون يشاركوننا أفراح الطفولة في العيد. أذكر في عام 1941 هاجمت طائرة ألمانية مشارف مدينة الموصل, فسمعنا صوت إطلاقات من كنيسة مجاورة لدارنا. خرجنا إلى سطح الدار فوجدنا أحد رجال الكنيسة قد اعتلى القبة وراح يطلق الرصاص بات جاه الطائرة! طبعا لم يصبها ولكنه كان يعب ر عن كراهية النازي الذي هاجم مدينة إسلامية مسيحية عراقية! وفي شمال الموصل قرى كردية, مسيحية وإسلامية, لم تعرف التفرقة الدينية ولا العنصرية. كان الأكراد ينزلون إلى الموصل للتجارة, يحملون الجبن الكردي الذي لا تضاهيه أجبان سويسرا, والعسل, والثمار الجافة من جوز ولوز وبندق والحبة الخضراء التي أوراق أشجارها تفرز في الخريف مادة صمغية هي (المن), تمزج مع العسل والفستق أو الجوز لتغدو (منّ السماء) الذي يدعوه بعضهم (المنّ والسلوى) وهذا خطأ جسيم. لم يعد في موصل اليوم ولا في عراق اليوم من ولا سلوى,. فقد انقطعت السبل بين شمال العراق ووسطه وجنوبه منذ عقدين من الزمان, والمشتكى لغير الله مذلة. ومعالم الموصل في شرق دجلة آثار نينوى والحضارة الآشورية. في أواخر الربيع كنا نخرج إلى تلك التلال ومعنا الكتب, ندرس استعدادا للامتحانات القادمة في حزيران (يونيو). في السهول المحيطة تخرج الأرض عشرات من الأعشاب الطيبة طعما ورائحة ومنظرا , وأغلبها له خواص علاجية دوائية. والموصل أم الربيعين, ما تخرجه الأرض في ربيعها الأول بعد المطر نبات لا ترى مثله غالبا في ربيعها الثاني في الخريف. وعلى الشاطئ الغربي, في شمال المدينة ثمة قلاع من عصور الأتابكة والسلاجقة, ما تزال أطلالها تغري الفتيان بالتجوال خلالها صعودا ونزولا , في محاولات يائسة لقراءة منحوتات بارزة على جدرانها وقد تغطت بالطحالب, بعضها زخارف وبعضها آيات قرآنية. في سنوات الحرب العالمية الثانية كنا نخشى الاقتراب من تلك الأطلال لأن جنود الغزو البريطاني والمجندات البولنديات كانوا يكثرون فيها, فإذا اقتربنا قليلا كانت روائح الخمور تصلنا على أجنحة النسائم الصاعدة من أطراف المرتفعات, فكنا نهرب مبتعدين إلى السهول المحيطة. * نريد أن نتعرف على بعض الشخصيات الأولى التي أثرت في حياتك مبكرا,. أو عرفتها وصاحبتها لاحقا ... كعلاقتك بجبرا إبراهيم جبرا... السياب,. البياتي,. أستاذك <<آي. أي. ريتشاردز>> وغيرهم. ** من أهم الشخصيات الأولى التي أثرت في حياتي الدراسية (وكل هم قد رحلوا) الأستاذ محمود الجومرد, مدرس اللغة العربية في متوسطة المثنى بالموصل. كان تشجيعه هائلا , لي ولكل من يظهر اهتماما خاصا بالكتب خارج المنهاج المقرر. كان يطلب منا قضاء العصر والمساء في المكتبة العامة بالموصل, حيث تتقد مها مسلة رخام تخلد ذكرى الشاعر الكبير أبو تمام (صاحب البريد في الموصل العباسية) كان علينا قراءة كتاب كل أسبوع وتقديم تقرير عنه في الأسبوع اللاحق, وهكذا كان الأستاذ يقرأ التقارير الجيدة أمام الطلاب, فأزداد زهوا إذ يقرأ تقريري كل أسبوع تقريبا . كانت أغلب قراءاتي دواوين الشعر. وفي اختبارات النحو الشهرية كان أستاذنا يقرأ الإجابات الجيّدة والرديئة أمام الطلاب ويعلّق عليها لمصلحة الجميع. كان يسخر من إجابات لا تدل على خروج عن الكتاب, مثل: استعمل لفظة (ما) زائدة بعد (إذا). أغلب الإجابات تأتي من نوع (إذا ما درست نجحت) أو (إذا ما أكلت شبعت). أما إجاباتي التي كان يقرأها على الطلبة متفاخرا فهي مثل (إذا ما توالى جرحنا وتعذرت / مراهمه فالجرح للجرح مرهم), أو: متى والفعل, تكون إجابتي (متى تجمع القلب الذكي وصارما / وأنفا حميا تجتنبك المظالم), وليس (متى تدرس تنجح!). مثل هذا التشجيع هو الذي حملني على حفظ المعلقة كاملة بدل عشرة أبيات يطلب حفظها منا أستاذ اللغة العربية في (إعدادية الموصل) في الصف الرابع الأدبي والخامس الأدبي, (المرحوم) الأستاذ ذا النون الشهاب. كان هذا الأستاذ تلميذ طه حسين في جامعة القاهرة, يحدثنا عنه وعن محاضراته وعن العقاد ومجلة الرسالة والثقافة,. وكل هذا يحملنا على الاستزادة في قراءة الكتب من المكتبة العامة دون الاكتفاء بالمقررات المدرسية. أما تأثير (المرحوم) أستاذي جبرا في قسم اللغة الإنجليزية بدار المعلمين العالية فهو من الاتساع والشمول بحيث لا أقوى على تحديده في مقال عابر. تحدثت عن (معل مي الأول9 في كتاب صدر لي عام 1999 بعنوان (شواطئ الضياع) بحوالي مائة صفحة من أصل مائتين هي قوام الكتاب. من أبرز نقاط التأثير التعليمي والشخصي والسلوكي هو هذا التواضع الجم الأصيل الذي تميز به هذا الأستاذ الكبير. وهذا التواضع هو نقيض التعالي والفوقية في سلوك بقية أعضاء هيئة التدريس الإنجليز في العالية. رئيس القسم طيار بريطاني عملاق, يحاذر منه حتى عميد الكلية. تعل منا من جبرا كثيرا عن الأدب الإنجليزي, والرسم, والموسيقى; وبالنسبة لي كان أول من قاد خطواتي نحو ترجمة الأعمال الكبيرة لعمالقة الأدباء. كان أول من أعطاني مقالا صعبا طويلا من أعمال (شوبنهاور) مترجما إلى الإنجليزية, لأنقله إلى العربية, وراجع ترجمتي مشجعا وموجها , ثم نشر المقال في صحيفة موصلية. وبعد تخرجي من العالية غاب عنا سنة في (هارفرد) ولما عاد إلى بغداد حصلت أنا على أول بعثة عراقية إلى (هارفرد) وكانت توصية جبرا دعما لي, حيث درست النقد على شيخ النقاد (آي. أي. ريتشاردز), وكان جبرا قد سبقني في الإفادة من علمه في سنته في (هارفرد) قبل ذلك. بقي ت علاقتي مع أستاذي جبرا مزدهرة بعد عودتي من بعثتي الأولى ومن بعثتي الثانية للدكتوراه في الأدب الإنجليزي. في صيف 1961 الذي قضيته في أكسفورد لجمع معلومات لأطروحة الدكتوراه أخبرني أستاذي الكبير بصدور أول رواية له بالإنجليزية بعنوان (صيادون في شارع ضيق), فسارعت إلى اقتناء نسختي, وقد مت عنها محاضرتين بالإنجليزية. وأثناء انتظار موعد مناقشة أطروحتي لم أجد ما أفعله خيرا من كتابة مقال بالعربية عنها, نشرته مجلة (الأديب) البيروتية في عدد نيسان (ابريل) 1962, وكان بذلك أول تعريف للقارئ العربي برواية (صيادون). وتواصل ت زياراتنا ورسائلنا في سنوات السفر والاغتراب, وكانت آخر رسالة كتبها على ما أعلم, هي رسالته إلي وأنا في عمّان عام 1994, وأجبته عنها فورا ولكنه لم يقرأ الرسالة لأن رحيله عن عالمنا كان أسرع من البريد والعام 1994 يلفظ أنفاسه الأخيرة. أما السياب فقد تخرج من العالية قبل التحاقي بها بسنة, لكنني عرفته من شعره أكثر مما عرفته في مناسبات قليلة في بغداد, أو في أمسيات أقل منها في مقاهي شط العرب في عشار البصرة. لا أذكر أني التقيت بالشاعر بدر في دار أستاذنا جبرا بالأعظمية ببغداد, وكان كثير التردد عليه والاستعارة من كتبه والاستفسار عن قصيدة من شعر (إليوت) أو (إيدث ستويل). لكن بدرا وشعره كان الشغل الشاغل للأدباء والشعراء في عشرية الخمسينيات من القرن الماضي. وقد كتبت عنه كثيرا وحاضرت أكثر. أذكر أن (راديو مدينة بوستن) طلب مني وأنا في هارفرد أن أقدم حديثا عن الشعر العراقي المعاصر, فتحدثت بإسهاب عن شعر بدر وقرأت مقتطفات منه. ثم التقيته ببغداد بعد عودتي عام 1957 وقلت له ما معناه (لقد تحدثت عنك وعن شعرك في <<راديو بوستن>> ولم أستطع الاتصال بك والاستئذان منك) فاستغرب هذا (اللطف) غير المتوقع, وأجاب بما معناه (لا بأس, غيرك يسرق قصائد كاملة وينشرها ويكتسب منها دون أدنى ذكر لي). أما البياتي فكان قد سبقني بسنتين في (العالية). كان البياتي أحد نجوم الشعر الذين ازدحمت بهم سماء (العالية) في عشرية الخمسينات. بقيت على اتصال به والحديث معه كلما اجتمعنا ببغداد أو عمّان. وكان آخر اجتماع به في (منتدى الفينيق) بعمّان عام 1996 في احتفال ببلوغه عامه السبعين. طلب عريف الحفل من أحد الأدباء الكثار الذين حضروا المناسبة أن يقدم البياتي ويتحدث عن شعره. لكن البياتي أصر أن أكون أنا المتحد ث قائلا للجميع (هذا الأستاذ صاحب مسيرتي الشعرية منذ البداية ويعرف الكثير عن زملائي الشعراء العراقيين) ولم أستطع التخل صوبين الحاضرين أدباء وشعراء متميزون. أما أستاذي (آي. أي. ريتشاردز) فهو الذي سد د خطاي في التعامل مع القصيدة نقديا . يوم وصلت (هارفرد) متأخرا بضعة أيام عن بداية الفصل الدراسي, بسبب إجراءات السفر وغيرها, كنت وجلا من الدخول إلى مكتب هذا الناقد الكبير الذي ترك جامعة كمبردج البريطانية لينشئ أغراسا جديدة في (هارفرد) بمدينة كمبردج الأمريكية, و(جون هارفرد) مؤسس الجامعة عام 1636 كان أساسا , مثل ريتشاردز, أستاذا في كمبردج البريطانية. في الغرفة الخارجية ثلاث سكرتيرات, تلعثمت إذ قدمت نفسي بلهجة بريطانية مغرقة, استغربنها مني, ثم قالت إحداهن: تفضل: الباب الأيمن أمامك. دخلت وقد ازداد تلعثمي. لكن الشيخ الوقور نهض مرحبا سائلا عن سفرتي وهل استطعت النوم ليلة أمس وهل وجدوا لي سكنا مناسبا,. (فأفرخ روعي). وبدأت أسأل عن المحاضرات والكتب, لكن الرجل قال بصوت ناعم: (يا بني,. لقد وصلت للتو,. لم العجلة,. كل أمورك ستصير على هواك,. المهم أن تنال قسطا من الراحة أولا ). يا لله! هذا الناقد الذي شغل الدنيا الأدب منذ عام 1924 يوم أصدر (مبادئ النقد الأدبي) وأعقبه عام 1926 بكتاب (النقد التطبيقي), وتوالت الروائع,. يتحد ث بهذه البساطة والحميمية? في تراثنا العربي حديث عن (تواضع العلماء) وفجأة تذكرت تواضع جبرا, وقلت للناقد الكبير: أستاذي جبرا يبلغك التحية, وبدأنا حديثا طويلا عن جبرا في هارفرد قبل وصولي بسنتين. بعد أسبوع دعاني البروفسور ريتشاردز إلى غداء في داره يوم الأحد,. هكذا بكل بساطة,. أستاذ كبير يدعو طالبا أجنبيا ? ذهبت (سعيا على الرأس لا سعيا على القدم). ومن كان قد وصل قبلي? صد ق أو لا تصد ق: (سير هاملتن جب) أبرز الباحثين الإنجليز في الأدب العربي والإسلام,. جاء هو الآخر من أكسفورد,. وهارفرد تجتذب العمالقة,. وآخرهم (البروفسورة آنا ماري شيميل) الألمانية بكل مؤلفاتها عن التصوف والإسلام والآداب العربية والشرقية, وقد رحلت عن هارفرد والعالم قبل حوالي عام. كيف تتصرف على مائدة حولها (ريتشاردز) و(جب)? لا أدري, هل استطعت أن آكل فعلا , والأسئلة من هذين الكبيرين لم تترك لي مجالا لأرى ما أمامي. لكن السيدة (دوروثي ريتشاردز) كانت تطمئنني دائما أن ليس بين الأطعمة لحم خنزير ولا في الكؤوس أمامنا خمرة بل ماء قراح. وعند الاستئذان لدى نهاية المناسبة السعيدة, بالانصراف, قام (البروفسور ريتشاردز) وحمل لي معطفي من على المشجب وأصر على مساعدتي في ارتدائه: هذه بلاد باردة. عليك أن تهتم بصحتك! * أنت مترجم فذ , مع ذلك تتفق مع الجاحظ في موقفه من الترجمة وخصوصا ترجمة الشعر (أما الشعر فلا يستطاع أن يترجم ولا يجوز عليه النقل) كيف تقلل من خيانة الترجمة إلى حدها الأدنى. ** لا أدري إن كان لي نصيب من (الفذاذة) في الترجمة أو في غيرها. ولكنني مازلت (أعاقر) الترجمة منذ نصف قرن, ولم يصدر لي سوى حوالي أربعين كتابا مترجما , تتراوح طولا وحجما , والحجم يستهوي بعض المتأدبين. قال لي زميل مرة: لم تعطني سوى القليل من كتبك. فسألت: أي كتب? فأجاب بشيء من التعالي: هذه الكتب الصغار,. موسوعة المصطلح النقدي! لم أعرف كيف أجيب ذلك الزميل وهو لم ينشر كتابا واحدا في حياته - رحمه الله ورحمني وإياه - والكتب عند بعض عباد الله الصالحين مثل البطيخ,. جودتها حسب الحجم! بلى. أنا أتفق مع جدنا الجاحظ أن الشعر لا يجوز عليه النقل. وقد أعد ل في هذا الحكم قليلا وأقول (الشعر لا يجوز عليه النقل بسهولة). في عهد الجاحظ كانت الفارسية هي اللغة الأجنبية الوحيدة الشائعة. لا أدري ما كان سيقول الجاحظ لو اطلع على ترجمة رباعيات الخيام من الفارسية إلى العربية, ولدينا اليوم عدد من الترجمات البارعة. لكنني لست الحكم حول دقتها لأنني لا أقرأ الفارسية. أما ترجمة (فتز جيرالد) الإنجليزية عن الفارسية فهي روعة في الأسلوب الإنجليزي لكن أصحاب الفارسية يقولون إن فيها الكثير من التصرف. وهنا موضع (الخيانة) من جانب المترجم أو الناقل. (أيها المترجمون,. أيها الخونة) عبارة إيطالية شاعت في عصر الانبعاث في إيطاليا القرن الثالث عشر ويختلف الباحثون في نسبة قائلها. اختلاف اللغتين, مستوى معرفة الناقل باللغتين والثقافتين يفسح المجال لخيانة النص. لكن (على المرء أن يسعى إلى الخير جهده / وليس عليه أن تتم النتائج ) وفي رواية: (إلى النقل جهده). و(جهده) هذه تستدعي التعمق في دراسة اللغتين والأدبين والثقافتين, والاستعانة بالمراجع والمعاجم وما أكثرها. لكن بعض النقلة يستطيب الكسل, الذي هو أطيب من القشطة بالعسل! ذكرت طرفا من هذا الكسل أو الجهل ببعض وجوه الثقافة والتاريخ مما لا مسوغ له, وذلك في كتابي (ت. س. إليوت: الأرض اليباب: الشاعر والقصيدة), بعض النقلة درس وعاش طويلا في بريطانيا وأميركا, ولا عذر له أن يجهل بعض وجوه الثقافة والحياة هناك. ثمة أديب إنجليزي عاش في بغداد طويلا , وأتقن اللغة العربية وعرف كثيرا من شعراء العراق في بغداد الخمسينات, ومنهم الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي. ترجم هذا الأديب البريطاني قصيدة للبياتي ترجمة جي دة, ولكن ه اصطدم بكلمة (قطاة) في قول البياتي (نحن لم نقتل بعيرا أو قطاة), فترجم قطاة إلى Crow أي (غراب). كيف يسوغ هذا, والقطاة والغراب طائران لكل منهما مدلول ثقافي مختلف. هذا الكسل في محاولة التعرف على الإطار الثقافي والتراثي في النص قتل الترجمة/ النقل قتلا . بعض التصرف (الخياني) مسوغ في النقل, قرأت مرة ترجمة لشاعر معروف نقل عبارة بالإنجليزية نقلا حرفيا إلى العربية فجاءت (لو كان في حذاء أمه) وهو أصل العبارة في الإنجليزية, لكنها تفيد (لو كان مكان أمه). يتساءل القارئ كيف يكون الطفل في حذاء أمه ? In his mothers shoes. هذه أمانة مفرطة, دونها الخيانة الغريرة. * استكمالا لما سبق, كيف تقيم تجربة الترجمة في العالم العربي,. وأنت متابع لكثير من الترجمات الأدبية,. ما الذي تأخذه على الترجمات العربية,. وهل هناك مقترحات بهذا الصدد لتحسين مستوى الأداء, وتوجيه أصحاب الشأن أفرادا ومؤسسات?! ** كيف لي, أو لك, أن تقيم تجربة الترجمة في العالم العربي, وثمة من يغرد في المشرق ولكن لا يسمعه من في المغرب? صحيح أن الإنترنت كفتنا عذابات ضياع الكتب والرسائل في بريد (بلاد العرب أوطاني), ولكن من يستطيع ملاحقة ما ينشر على الإنترنت, إذا كان بعض ما يترجم يوضع على تلك الشاشة العنكبوتية الشيطانية? كثير من معرفتي بما ترجم في أقطار العروبة بين الماء والماء مرجعه تعر في على بعض التراجمة من لقاءات في المؤتمرات الأدبية هنا وهناك. في عشرية الستينيات الذهبية شاعت تجارة الترجمة في بيروت, فراح (الناشر) وفي رواية (الناشل) يقطع الكتاب أرباعا كما نقطع البطيخة, ويعطي كل ربع, أو أقل, إلى (شخص) يعرف اللغة ليترجم حصته, ثم يجمع الحصص في كتاب يخرجه للناس باسم (ترجمة مجموعة من الأساتذة). هذا النوع من التجارة لا يرقى إلى مستوى بيع الفلافل, وهي تجارة شريفة, تحارب الفقر والتخلف الاقتصادي والانحسار المعاشي. يقول الشاعر الإنجليزي (ألكسندر بوب) في قصيدته المعروفة بعنوان (مقال في النقد) ما معناه (أن تسيء إلى صبر القارئ على قراءة نص رديء أهون من أن تفسد ذوقه في الحكم على نص رديء), وهذه خيانة لنص الشاعر من جانبي, تضيف إلى خياناتي السابقة في نقل النصوص الأجنبية بغرض تقريبها إلى القارئ من غير أصحاب اللغات. لابد للنص المنقول أن يراجعه ويدققه شخص غير الناقل, له من الثقافة والمعرفة باللغات ما يؤهله لذلك وأنا شخصيا لم أنشر كتابا نقلته قبل أن يخضع لتمحيص (الرقيب الأول) أم بشار, رفيقة دربي في عذابات الترجمة, وهي رقيب لا يتساهل حول دقة العبارة وتماس ك الأسلوب. وأحسب أن التدقيق والمراجعة لابد منهما لضمان نتيجة مرضية. ولا غضاضة في ذلك ولا انتقاصا لكفاءة الناقل. وثم ة مسألة مشابهة في نقل النصوص العربية إلى لغة أجنبية, قد تكون أشد خطورة. لأننا نريد نقل تراثنا العربي إلى قارئ أجنبي هو غير محايد في الغالب. لذا يجب مضاعفة الجهد. وهذا ما تفعله الشاعرة الناقدة الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي في مشروعها الرائد (بروتا) لنقل الأدب العربي إلى اللغة الإنجليزية ونشره لدى كبريات دور النشر الأوروبية مثل (بريل الهولندية) ومطبعة جامعة كولومبيا, ونورتن وغيرها في أميركا. إن توالي طبعات كتب حر رتها مثل (الشعر العربي في القرن العشرين) و (أدب الجزيرة العربية) و (أنثولوجيا الأدب الفلسطيني) وبقية الكتب التي زادت عن الأربعين هي خير دليل على أسلوبها في إدارة الترجمات ومخاطبة العقل الأجنبي. وأنا أتحد ث عن خبرة عشرين سنة في التعاون مع هذا المشروع. تعرض المحررة نصوصا تختارها بمعرفتها بمسار الثقافة في الغرب. وتختار نقلة من أصحاب الثقافة الأدبية واللغوية من أقطار عربية شتى, تتوسم فيهم القدرة على النقل إلى الإنجليزية. ثم تعرض النصوص المنقولة إلى الإنجليزية على أستاذ متخصص أو أديب من أبناء اللغة الإنجليزية, شرط ألا تكون لديه معرفة بالعربية. يقرأ هذا الأخير النص ليرى هل يسيغ لغته المترجمة, ثم يعمل جهده في التصويب والتقويم ليكسب النص المترجم (طلاوة إنجليزية) تستهوي القارئ الأجنبي. وهذه الوسيلة لو طبقت على كل ما ينقل إلى العربية لغدت النصوص المترجمة أكثر طلاوة بعد إخضاعها لذوق أديب عربي أو أستاذ متخصص لا علم له باللغة الأجنبية. لكن هذا الإجراء في العربية قد لا يخلو من مزالق, إذا لم يكن القصد من المراجعة بريئا لوجه الله. أذكر هنا مثالا طريفا (وقصدي بريء, لوجه الله واحتراما للعلم والمعرفة والذوق, و و و). قبل ثلاثة عقود عجاف أصر أحد المتصلين بمشروع نشر ثقافي كبير أن يكلف صديقا له بترجمة مسرحية (هاملت) لشكسبير. حاولت من جهتي أن أثني الرجل عن عزمه وتكليف الصديق اللوذعي بترجمة مسرحية غيرها, لأن ترجمة (المرحوم) الأستاذ جبرا, كانت قد صدرت ببيروت قبل ذلك بكثير وأعيد طبعها, و (واقتبسها) تلفزيون بلد عربي شقيق واستعملها في عرض فلم عن المسرحية, دون الإشارة إلى المترجم,. طبعا . أصر صاحبنا, وتمت الترجمة و (عبث) بها قلم المراجع, صاحبنا ما غيره, فغير وبدل ما شاء له هواه, فغير مقطعا جميلا من كلام هاملت يقول فيه (ألا ليت هذا الليل يغدو دثارا,.) فمسخ العبارة الجميلة إلى (ليت هذا الليل يصبح,. بطانية,.) أقسم باللات والعزى,. بطانية ولا أقل. يا ويلتاه,. و (يا خجلة الأشراف من أوس ومن نزار) على مصير لغتنا التي (هي البحر في أحشائه الدر كامن). * لك اهتمام بتتبع الأثر العربي ثقافيا وفكريا في الحضارة الغربية, كدراستك عن تأثير شعراء الأندلس في شعراء التروبادور, هناك تيار واسع ينكر هذه التأثيرات ويقلل من قيمته, ويرى أن هذا الاتجاه ليس إلا نوعا من الحنين إلى أمجاد واهمة, بسبب هزائم الحاضر, وهناك تيار آخر يعلي من الأثر العربي والماضي العربي إلى درجة التصنيم, والتقديس,. كيف نقدر ذاتنا الحضارية وفي الوقت نفسه نهتم بحاضرنا ونصنع المستقبل أيضا , بعيدا عن الإقامة في الماضي أو محوه وإنكاره !! ** خوفي من التيار الذي (ي علي من الأثر العربي والماضي العربي إلى درجة التصنيم والتقديس,.) هو الذي أقعدني منذ حوالي ربع قرن عن إخراج كتابي عن (دور العرب في تطور الشعر الأوروبي). لقد درست أغلب ما كتب عن أثر الشعر الأندلسي في ظهور أول شعر غنائي بأول لغة انقطعت عن لاتينية العصور الوسطى في أوروبا, لم يكن له جذر في الشعر الإغريقي أو اللاتيني. كان ذلك شعر (التروبادور) الجوالين, أشباه الوشاحين والزجالين في الأندلس, ولغة (بروفنس) أي (الإقليم) في جنوب غرب فرنسا وشمال غرب إسبانيا في الخريطة المعاصرة. درست ذلك في سنة تفرغ علمي بجامعة كمبردج, وباللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية. وهالني ما لقيت من حجج على كون الموشح هو الأساس الذي قام عليه شعر التروبادور. كان الباحثون من الإيطاليين والفرنسيين والإسبان قد نشروا دراسات يعود بعضها إلى العام 1571. ليس بين من قرأت عربي واحد, بل إن معظمهم من رجال الكنيسة الكاثوليكية أو الكنائس الأخرى في فرنسا وكندا. بل إن من بينهم (ليفي بروفنسال) الفرنسي اليهودي الذي قضى سنة 1950 محاضرا في جامعة الإسكندرية. كان هؤلاء جميعا يقدمون البراهين والنصوص التي تثبت أن الموشح والزجل هما أساس أول شعر غير كنسي وغير لاتيني, ظهر في الجنوب الفرنسي (الوثني) حسب وصف مطران باريس (إنوسنت الثالث) ولا أدري إن كان اسمه يدل على (البراءة) فعلا . فقد قاد حملة ضد الجنوب الفرنسي وقضى على حضارة ذلك الإقليم المزدهر, لأسباب اقتصادية (غير بريئة) فتفرق التروبادور شرقا إلى إيطاليا وألمانيا و شمالا إلى إقليم بريتاني شمال غرب فرنسا وزرعوا الأغراس الجديدة لشعر دنيوي غنائي غير كنسي بينه وبين الموشح والزجل وشائج كثيرة,. تنتظر أن أنفض عني غبار الكسل والخوف لأظهرها في كتاب تدعمه الأمثلة والتواريخ. في العقود الأخيرة من القرن العشرين ظهرت تيارات (معادية) من جهات لا تخفى على (القارئ اللبيب) تنعق بما لا تسمع, تحاول إنكار الأثر العربي ولا تقدم من الأدلة ما قدمه الإسبان الكاثوليك - ولا أحسبهم في قرارة أنفسهم متعاطفين مع العرب والإسلام, وهم أحفاد فرديناند وإيزابيلا والمطران خمنيث الذي أمر بإحراق المكتبات العربية يوم 2/1/1492. لكن هؤلاء الإسبان الكاثوليك (علماء) بالدرجة الأولى, من أمثال (آسين بلاثيوس) و(آنخل كونذالت بالنثيا) و(كارثيا كومذ). والمؤلم - دون طرافة - أن بعض الكرام الكاتبين من أبناء الضاد تنب هوا مؤخرا إلى هذه الحقائق, وراح بعضهم (يلطش) آراء الإسبان ويوحي بشكل مؤدب أنها من (بنات أفكاره) لأن (للذكر مثل حظ الأنثيين), فتكون هذه (نصف أفكاره) لأنه نقلها عن غيره,. وليس هنا معرض التجريح والنميمة, بل إن النص وذكر المرجع وتوثيقه أبلغ من (كيل الاتهامات). كيف نقد ر ذاتنا الحضارية? بأن نقارن بين ما كان لنا وما كان لهم في أوج الحضارة العربية في بغداد والأندلس يوم كانت أوروبا ترسف في ظلمات العصور الوسطى. ولكن ما الذي حصل في أوروبا عند نهاية العصور الوسطى في حدود عام 1492 وبداية السقوط العربي منذ ذلك التاريخ الذي بدأ العصور المظلمة العربية? تناحر وتنافس على سلطة دنيوية زائلة, ومال لن يعيش جامعه طويلا لينعم به (وكم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم). منذ سقوط الأندلس والعرب في تراكض نحو الهاوية (وكل حزب بما لديهم فرحون) وعلى الرغم من أننا لا نجهل هذا تجد (من يعرف لا يستطيع, ومن يستطيع لا يعرف), فكيف نهتم بحاضرنا و(من يعرف) في هجرة دائمة خارج وطنه ليزيد بمعرفته غنى معرفة أوطان غير وطنه? وكيف نصنع المستقبل والإنسان العربي في الغالب مهاجر في وطنه أو غريب في غير وطنه? يتنقل الأوروبي بين بلد وآخر بالهوية الشخصية, أما نحن, فإننا لو استطعنا التنقل فبجوازات سفر تطفح بأختام الحدود متعددة الألوان والأشكال, نتحسس جواز السفر صباح مساء لنطمئن إلى وجوده سليما معافى, ونتحقق من صحة الأختام والتواريخ ونخشى أن نتجاوز حدود الإقامة في البلد العربي الشقيق لئلا ندفع الغرامة. الإقامة يجب ألا تكون في الماضي الذي يجب ألا نمحوه أو ننكره, بل أن نبقيه حيا في الذهن نفيد من تجاربه ونتجنب ما كان فيه من مزالق. وهذا معنى التجربة. * في كتاباتك النقدية تميز بين (الشعر الحر) و(قصيدة النثر) و(شعر التفعيلة). نحب أن تقدم لنا تمييزا مكثفا بينها, لأن الخلط ما زال مستمرا بين هذه التسميات حتى في كتابات المتخصصين. ** بلى! هذا الخلط مصيبة في الكتابات النقدية منذ عام 1947 وأحاديث نازك الملائكة عن (الشعر الحر) وهي التسمية الخطأ لشعر التفعيلة الذي طورته في أولى قصائدها بعنوان (الكوليرا). طوال عقود أربعة عجاف وأنا أكرر في جميع كتاباتي أن (الشعر الحر) تسمية اخترعها الشاعر الأمريكي (والت وتمن) عام 1855 في مقدمة مجموعته (أوراق العشب). والترجمة العربية للمصطلح الأمريكي غير دقيقة أساسا . فالعبارة هي Free verse وليس.Free poetry والمشكلة أن كلمة Verse تعني (بيتا من الشعر المنظوم) بينما كلمة Poetry تعني الشعر بمعناه الأوسع. كان الحري بالمصطلح أن يترجم إلى (النظم الحر) لأن ما طورته نازك الملائكة ومعها بدر والبياتي وبلند والتابعين هو نظم بالتفعيلة يتحرر من عدد التفعيلات في بحور الخليل, ولكن الخطأ شاع واستشرى, وغلبت عليه الحكمة المأفونة (خطأ شائع خير من صحيح مهجور) وهو موقف يصور تحج ر الفكر لدى بعضنا ورفض الرجوع عن الخطأ,. مع أنه (فضيلة). والترجمة الفرنسية للمصطلح الأمريكي هي Vers Libre وليس.Poésie Libre ففي الفرنسية, كما في الإنجليزية شعر موزون مقفى بعدد محدد من التفعيلات إلى جانب (شعر حر ) غير موزون ولا مقفى, يحمل شحنة شعرية هي في شعر (بول إيلوار) شبيهة بشعر (والت وتمن) و(إليوت) من بعده. أما في العربية, فشعر التفعيلة يلتزم الوزن والقافية, لكنه (يتحرر) من عدد التفعيلات الخليلية ومن حرف الروي الواحد. فهو (نظم شعري) لأنه موزون مقف ى ولأن شحنته الشعرية لا تخفى على أي متذوق للشعر. لنستمع إلى بدر (عصافير,. أم صبية تمرح / عليها سنا من غد يلمح / وأقدامها العارية / محار يصلصل في ساقيه / لأثوابهم زفة الشمال / سرت عبر حقل من السنبل / كهسهسة الخبز في يوم عيد / كغمغمة الأم باسم الوليد / تناغيه في يومه الأول), رنة (فعولن) لا تغيب عن الأذن, والقافية كذلك. في تراثنا العربي مفهوم محدد للشعر منذ ابن سلام الجمحي وابن قتيبة: (الشعر كلام موزون مقف ى يفيد معنى,. فإن لم يفد معنى فهو ليس بشعر وإن أتى بالوزن والقافية), هذا قانون لا نخرج عنه. أما (النظم الحر) فهو يقع في حدود هذا القانون التراثي. لكن (الشعر الحر) هو ذلك النوع (المستورد) من خارج تراثنا. لا بأس أن تتطور الكتابة في العربية لتجري على (سطور) تتراوح طولا بين كلمة واحدة وسطر طويل أو أكثر, إذا كانت الكلمة الواحدة أو السطر الطويل أو أكثر مما يؤدي فكرة أو صورة بعينها, وهذا هو قانون (الشعر الحر) الأمريكي - الأوروبي: لا وزن ولا قافية, إلا ما جاء عرضا , كما في بعض شعر إليوت. والمصيبة أن بعض أصحاب الشعر الحر في العربية استعذبوا الانفلات من قيود الوزن والقافية فجاء رصف الكلمات من أعجب العجب. فإذا سألت عن المعنى والمغزى والصورة,. كان الجواب (إني خيرتك فاختاري) مع الاعتذار لذكرى نزار. من أمثلة (الشعر الحر) الجيد في العربية أعمال جبرا إبراهيم جبرا, توفيق صايغ, محمد بن يس, محمد الماغوط, إبراهيم نصر الله وغيرهم. وهو القليل الجيد مما نشر في العقود الثلاثة الماضية. أما أغلب ما نقرأ في صحف اليوم فهو من باب (كتابات شابة). أما (قصيدة النثر) فهي من (مخترعات الفرنجة) لصاحبها (بودلير) الذي سماها poeme en prose أي (قصيدة نثر) أو (قصيدة النثر). هذه كتابة ذات شحنة شعرية مكثفة تمتد فقرات بطولها أو صفحات, لا وزن فيها ولا قافية ولا أسطر قصيرة مثل (الشعر الحر) عالجت هذا النمط في الكتابة الشعرية (سوزان برنار) الفرنسية ثم (لطشها) شاعر معاصر وادعاها لنفسه. وهنا انفتحت أبواب أخرى من الانفلات, لكن (الساحة الأدبية) لا تخلو من قصائد نثر عربية على درجة عالية من التركيز والإيحاء. * تبدو في كتابك (مدائن الوهم) شديد النقمة على الشعر الذي ظهر باسم (الحداثة) في العقدين الأخيرين, هل تعتقد أننا نعيش حقبة انحطاط جديدة,. أم أن ما نشرته مجلة (الناقد) ودار رياض الريس هو الذي يوصلنا إلى هذه النتيجة, بمعنى أن مجلة الناقد هي التي تبنت اتجاه الركاكة والغثاثة وسوقته على حساب أصوات أخرى أكثر تقد ما ورقيا وشعرية ?? ** بلى, كذلك! في كتابي (مدائن الوهم) أنا شديد النقمة على (أغلب) الشعر الذي ظهر باسم الحداثة في العقود الثلاثة الأخيرة. لكن نحن لا نعيش (حقبة انحطاط) جديدة, لأن انحطاطنا القديم ما يزال ماثلا . في جميع العصور تجد الغث والسمين, وعصرنا ليس بدعة. ثمة الكثير من جيد الشعر ورائعه, حتى في أيامنا هذه. هل قرأت المغربي محمد بن يس, أو شعر (الموكل بفضاء الله يذرعه) ذلك المظفر النواب ? عندها سترى أن الشعر ما يزال بخير على الرغم من اختناقه بالشوك والدغل. إن ما نشره (رياض الريس) في مجل ة (الناقد) أو في سلسلة مجموعات شعرية ليس تكريسا للركاكة والغثاثة. عمل الريس فعل خير يجب أن يشكر عليه, لأنه قدم عينات مما يكتب, وعلى القارئ ومتعاطي النقد أن يكشف عورات هذا (الشعر). ثم إن الري س قد نشر أعمالا شعرية متميزة لشعراء مثل محمود درويش, سميح القاسم, بلند الحيدري, سعاد الصباح وغيرهم. أما المتشاعرون نظما أو تحررا فيجب ألا يغضبنا نشر أعمالهم, بل علينا أن نتميز هذا الغث الركيك الذي لم يجرؤ على نشره سوى رياض الريس, لتكمل صورة المشهد الشعري أمامي وأمامك. لقد (فضحت) الكثير من أمثلة الغثاثة والركاكة في مجموعات نشرها رياض الريس, ولا أريد أن أعيد هنا ما قلته في (مدائن الوهم). * موسوعة المصطلح النقدي, أحد مشاريعك الرائدة, وهي اليوم مرجع أساسي للنقاد والقراء المهتمين, صدر منها 16 جزءا , من بين (44 جزءا ). هل تفكر في نشر الموسوعة كاملة,. ولعل هذا مطلب للمهتمين والمتابعين,. فما رأيك?. ** موسوعة المصطلح النقدي توقف نشرها عام 1984, ومنذ ذلك اليوم وأنا أبحث عن (ناشر) لا (ناشل), يكون (دَفَعاي) لا (قبضاي). مرة قال المرحوم توفيق الصايغ ما معناه: (إن الشاعر يحلو له أن يكلل جبينه بالغار, ولكن يجب ألا تحفى قدماه), والناقل أو المترجم ينطبق عليه القول نفسه. ثمة (ناشرون) يريدون من الكاتب أو الشاعر أو المترجم أن (يدفع) لهم جزاء ما ينشره لهم, لينعموا هم بأرباح البيع ووجاهة الكروش المنتفخة. لكن الدنيا ما تزال بخير. ثمة ناشرون آخرون يدرسون قيمة الكتاب وتسويقه ويقتطعون جزءا من الأرباح تدفع لمن يسهر الليالي في طلب المعالي, فكتب أو نظم أو ترجم,. دعواتكم أن يرزقني الرزاق بناشر من هذا الصنف,. وثمة مفاوضات مع ناشر أتوسم فيه الخير, لكي أكمل بقية الأجزاء الأربعة والأربعين. * في الفصل الأخير من (مدائن الوهم) عرضت للشعراء الذين ينتمون إلى فئة (وشاعر لا تستحي أن تصفعه) ومع ذلك تجنبت أن تسميهم, واكتفيت بأسماء مجموعاتهم,. ألا تعتقد بأن تسميتهم كانت ضرورية,. من باب الوصول بالجرأة في كشف الزيف والركاكة إلى أقصى حدودها,. ما تعليقك على ذلك? ** إذا كان الراجز القديم قد صنف الشعراء إلى صنوف أربعة, رابعها <<وشاعر لا تستحي أن تصفعه>> وأنا حولتها إلى <<وشاعر من حقك أن تصفعه>> (مع هذا الزحاف البسيط) وفي التراث القديم روائع من الشعر تطغى على الركيك القليل, فماذا سيكون شعور الراجز لو قدر له أن يقرأ بعض المجموعات الست والثلاثين التي عرضت لها? لقد تجنبت ذكر أسماء أصحاب تلك (الروائع) لأتي لست في معرض التشهير. وكفى خزيا أن (نقتطف) بعضا من تلك الروائع. أي صاحب ذوق شعري يمكن أن يسيغ كلاما مثل: (عندما كنت صغيرا / ضاعت الدمية في البحر / فتماديت أضيع كل شيء بعد ذلك / فأنا كنت أضعت لغتي, ودروسي / وحذائي,. وكل من أحببتهن في حياتي)? الجمع بين الدمية واللغة والدروس والحذاء والحبيبات في (شعر حر) هو آية من آيات البطولة الشعرية في هذا الزمان (اللا يقدر) العبقريات الشعرية. وهذه رائعة شعرية أخرى (أرقدتني تحت تينة: ريم على القاع / ورقصت علي / قلت في سكة وجيعة وضوء / فرقصت على ماء ورقصت علي ). حب ذا لو يتصدى أحد المعجبين بهذا الهراء فيشرح لي, ولك, معنى هذا (الحكي) واتجاهات الرقص والمرقوص عليه. وهذه عينة أخرى (قابلتها وهي تخبئ في ثيابها تفاحة طائبة). أين اختبأت هذه (الطائبة)? وعن (الوردة اللاسلكية) يقول المحروس (وشججتها في صحن المسافر خانة) يا مسافر وناسي هواك,. لافظ فوك ولله أبوك وأنت القائل (اكتب على ظهرها الذي عندي: تشبهين يناير 77,. يا يناير 77 ضاجع عشيقتي في الصولجان), مثل هذا الشاعر,. أيكفي أن تصفعه?? * هناك شعراء ونقاد يتحدثون عن ظاهرة (المهجرية الجديدة), في ظل تطور الاتصال في العالم,. أو العولمة بكل استحقاقاتها,. هل هناك مهجرية جديدة,. وكيف تقوم مستوى ما ينتج من شعر وإبداع مما يتسمى بهذه التسمية. ** من الذي يتحد ث عن (المهجرية الجديدة)? هذا جهل بمعنى (المهجرية القديمة) وظلم لها, لأن شعراء المهجر في أوائل القرن العشرين أدخلوا في الشعر العربي أنساغا جديدة وألوانا من الحيوية. أما هؤلاء (المهاجرون) أو المهجرون) فلا أجد في أغلب أعمالهم ما يلحق بغبار شعراء (الرابطة القلمية) أو (العصبة الأندلسية). المهجريون جماعة تربطهم رابطة ولهم أهداف محددة. أما هؤلاء (المهجرون) فلا أجد ما يجمعهم سوى الحنين إلى الوطن, ولكنهم ليسوا مجتمعين في بلد واحد وليس لهم - على قدر ما يبدو من أعمالهم المنشورة - أي منهاج عمل أو خط ة أو مذهب شعري. هؤلاء نفر حسبوا أن الهجرة إلى بلاد أخرى ستفتح لهم آفاقا جديدة لم تتيسر لهم في بلادهم, وقد خاب ظن أغلبهم. وإلا فما الذي يجمع شاعرا يكتب بالعربية في فنلندا مع آخر في جبل طارق وثالث في غواتيمالا أو في السويد? ثم, ما دخل الحاسوب ووسائل الاتصال المتطورة بشعر هؤلاء المهج رين سوى أن كتاباتهم تصل إلى الآخرين بسرعة تفوق سرعة البريد? * هل أنت راض عن مسيرة حياتك كل الرضا,. لو قيض لك أن تعود إلى مراحل سابقة, هل ثمة ما تحب أن تحذفه,. أو تغير مسيرته?? ** لو كنت راضيا عن مسيرة حياتي العلمية كل الرضا لتوقفت عن الكتابة والترجمة. ليس ثمة ما أريد أن أحذفه سوى رغبتي المرضية في مساعدة الآخرين, وقد تبين لي أن أغلب من ساعدتهم قلب لي ظهر المجن,. ومع هذا ما زلت أحب مساعدة الآخرين, ولا أتحدث عن ذلك ولا أشير إليه, لأن الحديث عنه يؤلمني ويظهرني بمظهر الغرير الذي لا يفهم طبيعة بعض البشر. في المدرسة الابتدائية كان الحانوت القريب من المدرسة الذي نشتري منه الحلوى تمتلئ جدرانه بلوحات من الخط الجميل من رقعة ونسخ وثلث وديواني وكوفي, وأنا أحب الخط الجميل. اجتذبتني لوحة في الحانوت تقول (اتق شر من أحسنت إليه) ولم أستطع الاقتناع بذلك الكلام وسألت (عمّو ذنون) عن قائل هذا الكلام فقال إنه (حديث شريف), لم أقتنع بالجواب, ولم أصدق أنه حديث شريف. ولكن حوادث كثيرة في حياتي أظهرت لي أن كثيرا ممن أحسنت إليهم وساعدتهم, على ضعف إمكاناتي, قد انقلبوا علي . وما زلت غير مقتنع بما خط على تلك اللوحة الجميلة في دكان الحلوى. في مسيرتي العلمية في العشرين سنة الأخيرة, وددت لو انصرفت إلى الكتابة النقدية أكثر من انصرافي إلى الترجمة, ولكن ثمة ظروف كانت تدفعني إلى الترجمة, أو لها هذا الشعور الطاغي أن من توافر على دراسة الآداب في بلاد أجنبية عليه أن ينقل ما تعلمه إلى أبناء وطنه من غير أصحاب اللغات. * في أعمالك النقدية تلح كثيرا على المعنى, (البحث عن معنى) أيضا عنوان أحد كتبك, مقابل هذا هناك نقاد يتحدثون عن (أفول المعنى) أي أن المعنى لم يعد مركزيا في الشعر الجديد أو تجارب الحداثة,. فماذا تقول عن المعنى,. وهل ما زلت تبحث عنه ?? ** إذا خلا النص من المعنى, فما الذي يبقى منه? ولماذا يكتب الكاتب أو الشاعر? أول كتبي النقدية عنوانه (البحث عن معنى) وليس (المعنى) لأنه لو لم يكن في النص سوى معنى واحد لانتهت قيمة النص. لكن البحث عن (معنى) يقتضي العودة إلى النص مرارا والتفكير فيه تكرارا لاستغوار طبقات من المعنى وهذا من صفات النص الجيّد. أما الحديث عن (أفول المعنى) في الشعر الجديد, فهو مما ينفي عن النص صفة الشعرية وصفة الجدة, ولا يبقى منه سوى قشور اللا معنى و(صف الحكي), فلماذا يضيع القارئ وقته وجهده في شيء (لا معنى له)? ثم , من الذي يربط بين (الحداثة) و(اللا معنى)? خذ أي نص شعري من الجاهلية فصاعدا , أو أي نص نثري بدءا من خطب (قس بن ساعدة الإيادي) فصاعدا . إذا لم يكن في النص معنى فما الذي يبقى منه? في الأعمال الكبرى لا يتوقف البحث عما فيها من معنى أو أكثر. في قصيدة شكسبير (العنقاء واليمام) التي عالجتها قبل أكثر من ثلاثة عقود حاولت أن أبحث فيها عن معنى لم أعثر عليه يوم درستها أول مرة. ومثل ذلك قصيدة الشاعر الأمريكي (والاس ستيفنز) المتوفى عام 1955 ويلق به النقاد باسم (شاعر الشعراء) بمعنى أن فهمه مقتصر على الشعراء. في قصيدته (صباح الأحد) ما زلت أبحث فيها عن معنى. في قصيدة إليوت الكبرى (الأرض اليباب) من يستطيع القول إنه توصل فيها إلى معنى بعينه? طبقات المعنى في الأعمال الكبرى لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد. في مدائح المتنبي وفي أهاجيه, هل يتوصل القارئ الجاد إلى معنى قصده الشاعر ويقف عنده? * مشاريعك الجديدة, ما الذي تفكر فيه أو تخطط له الآن, في الترجمة أو النقد, (ما الجديد لديك?). ** مشاريعي الجديدة/ القديمة تشغلني ليل نهار. ولكن هات صفاء الذهن, وهات القدرة على تناسي ما يحدث حولنا بين الماء والماء. وليس هذا بعذر. تفكر وتخطط وتسمع خبرا في الصباح عن حادث في هذا البلد العربي أو ذاك فيتعكر مزاجك وتفكر بالناس الذين أصابهم ما أصابهم فيتضاءل الاهتمام بكل مشروع للكتابة أو الترجمة. وليست هذه بحساسية مفرطة تجاه الأحداث في بلادنا. أعرف أن كتبا كبيرة كتبت, وقصائد فذة نظمت تحت وابل القصف والنار. لكن طاقة بعض الناس على الاحتمال محدودة. مع ذلك كله, آمل أن أتفرغ لإنجاز كتابي عن (دور العرب في تطور الشعر الأوروبي) كما آمل التوصل إلى اتفاق مع دار نشر تسهل لي مهمة إكمال ترجمة (موسوعة المصطلح النقدي) وقد كثر السؤال عنها من جهاتٍ شتى. ولكن،. دعواتكم الصالحات. |
|||||
|
|||||