بهاء الدين الطود: أنا كائن روائي بالقوة وبالفعل
حرصت على إبقاء الرواية محايثة للواقع متماسة ومتماهية معه

 

حاوره: عبدالرحيم العلام


** اكتشفت بعد كتابة الخاطرة والمقالة والقصة القصيرة, أن التعبير السردي الروائي أقرب الي  من أي شكل تعبير آخر, وان الرواية هي الأقدر كشفا  عما يجيش به صدري من قلق ومشاعر وأحلام, كما ان قسماتي النفسية من أساسها وجذورها تتمثل في الرؤية الكلية الشاملة للأشياء, والنفاذ إلى الأشياء الصغيرة والتفاصيل الدقيقة والميكروسكوبية التي هي مادة الرواية وجوهرها **

ينتمي بهاء الدين الطود الى الجيل الجديد من الروائيين المغاربة الذين جاءوا <<متأخرين>> الى كتابة الرواية, قادمين اليها من مجالات وانشغالات واهتمامات, غير أدبية, فأمدوا المشهد الروائي بالمغرب بنصوص ذات أهمية قصوى ومؤثرة, بما هي نصوص تمكنت عبرها, مدونة الرواية المغربية من تجديد دمائها السردية واسئلتها التخييلية والدلالية, وأيضا من توسيع دائرة تلقيها وانتشارها, خارجيا (نذكر هنا, تجارب كل من: عبدالله العروي, سالم حميش, احمد التوفيق, كمال الخمليشي...) بالإضافة إلى هذه التجربة الجديدة والأولى لبهاء الدين الطود, التي تمكنت, بعد فترة وجيزة, من تحقيق انتشار لافت, على مستوى التلقي والمتابعات النقدية.

وبصدور روايات مغربية جديدة, من قبيل رواية <<البعيدون>> لبهاء الدين الطود, يزداد تفاؤلنا بمستقبل الرواية المغربية, اكثر مما كان عليه الأمر في السابق, فداخل التراكم الروائي لفترة زمنية معينة, يحدث, فجأة, ان يظهر روائي جديد في مشهدنا الأدبي, يعيد للرواية المغربية انتعاشها وبريقها الذي يتعرض بين الفينة والاخرى, لبعض الخفوت والتلاشي.

وبهاء الدين الطود أحد هؤلاء الروائيين المغاربة, الذي حملته لنا بداية العقد الجديد من القرن الحالي, لكي ينتمي بدوره الى فئة الكتاب المغاربة المجددين (القريبين) منا, وغير <<البعيدين>> عن أسئلة مجتمعاتنا العربية.

** بالنظر الى التقسيم الجغرافي لبلادنا, يلاحظ أن المنطقة الشمالية قد أمدت مشهدنا الأدبي المغربي بالعديد من الشعراء, من الذكور والاناث, غير انه يلاحظ ان الأستاذ بهاء الدين الطود قد سار ضد التيار, باختياره ركوب مغامرة السرد, من خلال نص روائي أول <<البعيدون>>, يعد بالشيء الكثير, فما سر اقبالكم على كتابة الرواية دون الشعر, مع العلم ان روايتكم هذه لا تخلو لغتها من مسحة شعرية نافذة, أهو فقط ارتماء داخل زمن السرد وموضة كتابة الرواية?

- ان سؤالكم يتضمن رأيا  وسؤالا في الآن نفسه. فمن حيث الرأي, يحيل السؤال مبدئيا على النظرية الاقليمية في الأدب التي اقترحها <<تين>> في فرنسا, والتي ترى ان الادب ليس إلا ثمرة من ثمرات البيئة. وقد تبنى هذه النظرية في مصر <<أمين الخولي>> وآخرون.

واذا كانت هذه النظرية ترى ان الواقع المحلي ينعكس على النص الأدبي, فليس ضروريا  ان ينعكس على الاجناس الأدبية, أي بقياس الاجناس الأدبية على الموضوع الأدبي, وهو ما يفهم من رأيكم القائل بتخصص الشماليين في الشعر, وتخصص غيرهم من المغاربة في غير هذا الجنس ومنه الرواية, وبأنني كروائي أمثل استثناء في هذا الباب.

شخصيا لا أرى أن هذا التصنيف الجغرافي يصادف الصواب, ذلك أن المغاربة شمالا وجنوبا, شرقا وغربا قد كتبوا في مختلف الاجناس الأدبية, دون أن ينفرد اقليم ما بجنس أدبي دون آخر.

ولا أبالغ اذا قلت أن أول رواية بالمعنى الحديث كتبت في المغرب, هي رواية <<الزاوية>> للتهامي الوزاني سنة 1942, والتي تعد رائدة الروايات المغربية, وتعلمون جيدا انه من الشمال, ومن تطوان بالذات.

أضف الى ذلك ان الشمال عرف روائيين متميزين آخرين, أذكر منهم: احمد عبدالسلام البقالي ومحمد الهرادي وعبدالقادر الشاوي ومحمد شكري وعبدالحي المودن وكمال الخمليشي, بل ان الشمال عرف روائيين أبدعوا بالاسبانية كمحمد التمسماني صاحب رواية EL MUNDO CARBON الصادرة في الخمسينيات. وبالفرنسية كعبدالقادر الشاط صاحب رواية <<فسيفساء باهتة>> الصادرة عام 1930 والتي عرضت عام 2001 في معهد العالم العربي في باريس ضمن الروايات الأولى المكتوبة بالفرنسية وغيرهم, مما يجعلني اخالفكم الرأي فيما تقولون به من تخصص الشمال في الشعر دون غيره من الاجناس الأدبية.

أما بخصوص اختياري الكتابة الروائية, فلم يكن ارتماء داخل النص بقدر ما كان اختيارا واعيا مؤسسا ومبنيا, وفي الوقت نفسه كان استجابة ملحة لما يجيش بوجداني, وتلبية لحاجة ماسة الى البوح والتنفيس.

فقد كنت أراود الروايات عن نفسها, وأحول كل أحاديثي ورسائلي الى بنيات سردية.

وقد أطلت البحث عن الشكل الفني الملائم لاخراج ما تفيض به نفسي من مشاعر وأفكار وقلق وتوتر, فبدأت بكتابة القصة القصيرة من باب التمرين السردي, لكنني اكتشفت ان الاعمال الابداعية التي يتحقق لها الخلود هي الأعمال الروائية, فتوجهت الى الرواية اقتناعا  مني بأن الحياة الحق, رواية طويلة وليست قصة قصيرة, فضلا عن ان الرواية قد تستوعب بامتياز حكايات قصيرة في اطار ما يسمى بالانشطار الروائي.

** جاءتنا رواية <<مجنون الحكم>> لسالم حميش من ناشر خارجي (رياض الريس بلندن), ورواية <<العلامة>> لنفس الروائي عن دار الآداب في بيروت, كما صدرت روايتكم عن دار نشر عربية خارجية أيضا (دار الهلال بمصر), وهي ثالث رواية مغربية تصدر عن هذه الدار. وفي الوقت الذي جلب لنا فيه حميش جائزتين هامتين من الخارج, تم اختيار روايتك أنت لتوزع على المكتبات المدرسية بمصر, وهو حدث لا يمكن المرور عليه هكذا بسرعة, اعتبارا لكونه يجسد, من أحد جوانبه, نوعا من <<الغزو الأدبي>> المغري المضاد, بعد فترة طويلة كان فيها النص الأدبي المصري هو الذي يكتسح مكتباتنا ومقرراتنا التعليمية, في جميع مستوياتها.. ففي نظرك ما هي الأشياء التي عثر عليها التربويون والمسؤولون على شؤون الكتاب, في مصر في روايتك لأجل اختيار توزيعها في الخزانات المدرسية المصرية?

- لقد بدأ المشارقة ي عنون في العقود الاخيرة بالأعمال الإبداعية المغربية الجادة والجيدة, وينشرونها في أشهر دور النشر لديهم.

وقد نشرت دار الهلال على سبيل المثال لمحمد عزيز الحبابي ولعبدالكريم غلاب, كما نشرت الهيئة المصرية العامة للكتاب مؤخرا  رواية <<زمن الشاوية>> لشعيب حليفي.

وهذا يعني ان الابداع المغربي قصة ورواية وشعرا  اخذ يتبوأ مكانة لافتة في فضاء الابداع العربي, لدرجة أن أحد أصدقائي من النقاد المعروفين في مصر قال لي مرة وهو يقصد المبدعين المغاربة: <<المغاربة قادمون>> ولكن, هذا لا ينبغي ان يصيبنا بنوع من الغرور والتطاوس والنرجسية نتوهم معه ان هناك غزوا  أدبيا  مضادا  فما زالت قامة بعض الروائيين المشارقة أسمق من قامة روائيينا المغاربة, وما زالت بعض النصوص الابداعية المشرقية آخذة بلب القراء المغاربة مستحوذة على اهتمامهم.

ولعل المستقبل كفيل بأن يجعل الروائيين المغاربة يذهبون أبعد مدى في المسير الابداعي حد منافسة نظرائهم المشارقة ربما.

أما بخصوص روايتي <<البعيدون>> ونشرها بدار الهلال المصرية, واختيارها ضمن مقتنيات المكتبات المدرسية بمصر, فلعل المشرفين على دار الهلال رأوا فيها مستوى ابداعيا متميزا يجعلها جديرة بأن تنشر في هذه الدار, كما ان اختيارها من لدن وزارة التربية والتعليم المصرية لكي تكون من بين الروايات التي تؤثث فضاء المكتبات المدرسية المصرية, قد يكون بسبب قيمتها التعبيرية والفنية من نحو, وطاقتها المضمونية والبيداغوجية من نحو آخر, ذلك أنها جمعت بين عمق المضمون وبساطة الشكل الروائي. مما حدا بالمشرفين على دار الهلال أن يفردوا لها تقديما  طيبا  ومشجعا .

وعلى كل حال, تظل الرواية المغربية كأخواتها المشرقية غصنا  لافتا  في شجرة الرواية العربية والله أعلم.

** لقد ظلت النصوص الروائية المغربية الأولى (الغربة, المرأة والوردة) وحتى العربية (قنديل أم هاشم, موسم الهجرة الى الشمال), التي تستوحي, ضمن فضائها الحكائي والاطروحي, طبيعة العلاقة القائمة بين الأنا والآخر, من بين أهم الروايات ذات الحضور البين في المشهد الابداعي الروائي في المغرب.

فما سر استمرارية حضور تيمة الآخر, بهذه الكثافة, في الرواية المغربية, من خلال روايتكم <<البعيدون>>?

- ان كل الروايات بصفة عامة, وليست الرواية العربية وحدها وضمنها المغربية, تصبو الى مقاربة الأنا والآخر, بالمعنى الواسع للآخر الذي يستغرق حتى الكائن البشري الذي نعايشه في مجتمعنا الضيق وفي حياتنا اليومية, في البيت, في الشارع, في المدرسة, وفي الادارة وغيرها من الفضاءات التي نتحرك فيها يوميا, هذا الآخر الذي اعتبره <<سارتر>> الجحيم الذي ينبغي ان نمر منه جميعا  ونعانيه كل نا.

ذلك أن كل رواية, أية رواية, لابد لها ان تعالج اشكال الواقع الذي يتألف من الأنا / الذات, والآخر) الغير والمجتمع المحلي وغير المحلي.

أما الآخر الذي اخالكم تعنونه, فلعله ذلك الآخر الذي يمثله الغرب بالقياس الى الأنا الذي يمثله الشرق, واذا كان الأمر كذلك, فان كثيرا من الروايات العربية ك-<<قنديل أم هاشم>> ليحيى حقي, و<<موسم الهجرة>>, للطيب صالح, و<<الغربة>> لعبدالله العروي, وغيرها, حاولت استيحاء العلاقة بين الأنا متمثلا في الذات/ الشرق والآخر متجسدا  في الكائن الغربي. ذلك ان هذا النوع من الاطروحات السردية جاء بمثابة رد فعل في مواجهة نظرة الآخر الغرب- الشمال, لنا نحن مخلوقات الشرق والجنوب عربا ومسلمين, وهي نظرة تتأرجح بين النظرة السمحة المتفتحة الموضوعية الانسانية التي تتعامل مع العرب والمسلمين استنادا الى موقف حضاري انساني كوني يؤمن بالتعدد والتنوع ويراهن على حق الاختلاف, وبين النظرة العنصرية الشوفينية المتعالية الضيقة, والتي تقوم على موقف غير حضاري وتصن ف العرب والمسلمين في خانة العدو المتخلف / الارهابي/ المتوحش, والذي يمثل أحط دركات الحضارة. وهي نظرة تستمد مرجعيتها من الروح الصليبية والصهيونية يقينا.

وقد حاولت <<البعيدون>>, أن تزاوج بين هذين الموقفين في مختلف تضاعيف الرواية وتضاريسها, غير أن الذي سيسود فيها ويهيمن هو الموقف الشوفيني العنصري الذي تؤشر عليه ضمنيا  عودة البطل <<ادريس>> التراجيدية الى مسقط رأسه مدينة القصر الكبير.

غير انه, إذا كانت الرواية قد قاربت اشكال <<الآخر>> من خلال هذه الصورة فانها حاولت مقاربة <<الأنا>> من خلال <<الاغتراب>> في أعلى درجاته والمتمثل أساسا  في تسامي الانسان وتعاليه الى أرقى مراتب الارتقاء النفسي الذي يترجمه تركز الإنسان حول الإنسان الكوني أنى و جد, وهو الذي أسماه <<دوركهايم>> <<الاغتراب>>.

ولعل علاقتي بهذا المستوى من الاغتراب تشكل خلال اتصالي بالغرب, خاصة اسبانيا وفرنسا وانجلترا, في اقامتي المتواصلة ثم الزيارات المتواترة.

وبعبارة موجزة, فلا مناص من الآخر ولا منجاة منه, سواء أكان هذا الآخر كائنا  محليا أم كائنا أجنبيا, وسواء أكان هذا الآخر حضارة محلية أم حضارة غربية كونية.

** حظيت روايتك <<البعيدون>>, بمجرد صدورها, باهتمام وترحيب نقديين واعلاميين لافتين, ويعود هذا الاهتمام, في نظري الى أهمية هذه الرواية على عدة مستويات: جمالية وتعبيرية ودلالية. وهو ما تؤكده القراءات التي أنجزت بصدد هذا النص الروائي, من قبل النقاد المغاربة والعرب. وفي نجاح هذه الوراية, ما يذكرنا ببعض النصوص الأولى لكتاب مغاربة جاءوا, مثلكم, الى الرواية من مجالات ثقافية وأدبية وانشغالات مهنية مغايرة (مجنون الحكم, جنوب الروح, الحجاب, جارات أبي موسى, الواحة والسراب... الخ). وهي نصوص, الى جانب أخرى قليلة, اضحت لها مكانتها الأساسية داخل مدونة الرواية المغربية, بشكل عام.

فهل هذا النجاح الذي حققته روايتك الأولى سيحفزك على الاقبال أكثر على الكتاب داخل جنس الرواية, أم أن لك مشاريع أدبية أخرى?

- أشكرك على تثمينك الايجابي لروايتي <<البعيدون>> المتواضعة, كما أغتنم هذه السانحة لأثني على كل النقاد الذين قرأوها قراءة علمية واعية محايدة.

أما قولك بأنها تذكرك بالروايات التي أبدعها كتاب مغاربة جاءوا من مجالات ثقافية ومهنية مغايرة للرواية, فان الأمر لا ينبغي أن يثير أي استغراب, ذلك ان الطبيعة الجوهرية الفطرية للانسان, هي الطبيعة السردية, أي ان الانسان حيوان سردي, بمعنى أنه مفطور على السرد, مرسلا ومتلقيا, فالذين أتوا الى الرواية من الفلسفة او التاريخ أو القانون أو الشعر, لم يأتوا إليها من انشغالات مغايرة على مستوى جوهر الابداع وعمقه, بل أتوا من انشغالات مغايرة جزئيا  فقط, وبعبارة أخرى فقد جاءوا جميعا  من انشغالات سردية, بعضها حكائي وبعضها الآخر غير حكائي.

وهذا ما يفسر أن عمالقة الرواية العالمية جاءوا الى الرواية من خارج الرواية ك-<<نجيب محفوظ>> الذي حل ضيفا  شرفيا  من الفلسفة, و<<أمبيرطو ايكو>> الذي استضافته الرواية من علام السيميائيات وغيرهما.

أما عن الجزء الاخير من سؤالك, فان الذي سيحفزني على الاقبال أكثر على كتابة الرواية وتجويد تقنياتها السردية, وتهذيبها وتشذيبها وتطويرها, لن يعود إلى نجاح <<البعيدون>> التي أعدها رواية عادية, كان من حظها أنها حققت قبولا, أنت وحدك تتحمل تسميته نجاحا , بل يرتد أساسا الى انني اكتشفت بعد كتابة الخاطرة والمقالة والقصة القصيرة, أن التعبير السردي الروائي أقرب الي  من أي شكل تعبير آخر, وان الرواية هي الأقدر كشفا  عما يجيش به صدري من قلق ومشاعر وأحلام, كما ان قسماتي النفسية من أساسها وجذورها تتمثل في الرؤية الكلية الشاملة للاشياء, والنفاذ الى الاشياء الصغيرة والتفاصيل الدقيقة والميكروسكوبية التي هي مادة الرواية وجوهرها.

أنا كائن روائي بالقوة والفعل, بالامكان والتحقيق, فهلا اقتنعت بعد هذا كله, أن الحافز الى كتابة الرواية حافز داخلي تحديدا , يتجذر في كنهي منذ صباي, وليس خارجيا  مشتقا  من نجاح روايتي كما زعمت, وكل رواية وأنت بخير.

** تستعيد روايتك <<البعيدون>>, من جديد, شخصية <<إدريس>> بالاسم, شأنها في ذلك شأن روايات مغربية سابقة كان فيها لشخصية <<إدريس>> حضور لافت الى حد التميز, نذكر هنا, روايات: <<جبل الظمأ للراحل محمد عزيز الحبابي, <<الغربة>> و<<اليتيم>> و<<أوراق>> لعبدالله العروي, وغيرها.

واذا كان النقاد المغاربة قد وجدوا لاسم <<إدريس>>, في الروايات السابقة, بعض الدلالات والتأويل على مستوى التسمية والتوظيف, فان ذات الاسم في روايتكم تبقى له قراءته الخاصة, على اعتبار ان مسألة التسمية ليست دائما اعتباطية.

فهل يمكن ارجاع اعادة استثماركم لاسم <<إدريس>>, فقط الى نوع من الوفاء, من قبلكم, لهذه الشخصية <<المغربية>>, التي سبق لها ان تفاعلت مع <<الآخر>>, في الروايات السابقة, بمنظورات أخرى مغايرة, أم الى أمور أخرى نود ان نعرفها?

- اذا كان اسم <<إدريس>> في <<جيل الظمأ>> للراحل محمد عزيز الحبابي وفي <<الغربة>> و<<اليتيم>> لعبدالله العروي يحمل بعض الدلالات والتأويلات على مستوى التسمية والتوظيف, فان اسم <<إدريس>> في <<البعيدون>> لا يتضمن هذه الدلالات ولا تلك التأويلات, بل هو اختيار اعتباطي جزافي, انه اسم من الاسماء المتداولة.. اسم مرتجل.

والمهم في <<البعيدون>> ليس هو الاسم في حد ذاته, فقد يكون اسما آخر, ذلك ان الاساس في رواية <<البعيدون>> هو ان الشخصية المركزية, بطل اشكالي يجسد مقولة الاغتراب, وينطلق من وصفه ذاتا  مشرقية في مواجهة الآخر باعتباره ذاتا  غربية. لكنه يصبو الى الارتقاء الى مستوى الانسان الكل ي المتجاوز لذاته ومجتمعه الخاص, الى المجتمع الكوني/ الكلي.

انني لم أحاول مطلقا  أن يكون اسم <<ادريس>> واشيا  وموحيا  بأية دلالة او تأويل فهو بمثابة (س) في الرياضيات وبمنزلة (زيد) في الأمثلة النحوية, أي انه مثال للبطل القضية/ الإشكال, لا أقل ولا أكثر, خلافا  لبعض الروايات التي يكون فيها اسم البطل معبرا  عن شخصية مقصودة, كما هو الشأن في رواية <<أولاد حارتنا>> لنجيب محفوظ التي جاءت فيها اسماء الشخصيات المركزية دالة على هوية أصحابها وسيرتهم, كالجبلاوي, وأدم وجبل ورفاعة وقاسم.

لكنني قد أجازف فأذهب/ على مستوى اللاشعور او الذهول/ الى القول بأن ادريس , ما دام هو اسم فاتح المغرب الأول ومؤسس الدولة المغربية, قد يكون أوحى إلي  بهذه التسمية; فإدريس في <<البعيدون>> انتقل بمختلف معاني الفتح لأوروبا كما فعل سميه  وسلف ه  إدريس الأكبر حين دخل الى المغرب فاتحا له, أي أني اخترت التسمية بطريقة لا شعورية.

** تتوغل رواية <<البعيدون>> في أزمنة بيوغرافية ماضوية, وهي بذلك انما تستوحي أسئلة الراهن بكل تفصيلاته وقضاياه الفكرية والثقافية والحضارية. في ارتباطها باشكالية العلاقة بالآخر, وهذه الرواية, في ذلك كله, انما تذكرنا برواية <<موسم الهجرة الى الشمال>> للطيب صالح, في استيحائهما معا لأجواء تتميز بنقط التقاء, مع اختلافهما البين في طريقة الاستيحاء وفي زوايا الرؤية الى الواقع, أي دون أن نقول هنا, طبعا , بحدوث أي شكل من أشكال التناص بين الروايتين, على مستوى (المرجعية البيوغرافية للكاتب, الهجرة, لندن, الامتلاك, الاكتشاف, الغزو الجنسي, الحب, المذكرات, الاختفاء, العودة, الوادي, الموت..).

فهل تسمح لنا بأن نصف روايتك هذه بأنها رواية <<موسم هجرة أخرى الى الشمال>>? مع العلم ان هذه التيمة (أي الهجرة) قد ازدهرت مؤخرا في بعض النصوص الروائية المغربية التي استوحت فضاءات برانية جديدة, غير اسبانيا وفرنسا.

- إشكال الأنا والآخر, إشكال قديم قدم الانسان وهو ما حدا بالفلاسفة الى تصنيف الانسان بأنه <<مدني بالطبع>> أي انه عاجز وحده عن تحصيل حاجته الضرورية, ولذلك كان محتاجا  الى الآخر من بني جنسه, والى الآخر للدفاع عن نفسه ضد آخر ثان, بل قد يكون هذا الآخر داخل الانسان نفسه, أي قرينه يحاوره ويصارعه وينسجم او يختلف معه, فجميعنا يسكننا الآخر, فالانسان إذن مضطر الى الآخر, سواء أكان هذا الآخر وطنيا أم أجنبيا, غير ان هذا الاحتياج الى الآخر اذا كان يقود الى جلب المنافع فقد يقود الى كثير من الاشكالات.

وبخصوص الآخر/ الغرب, بالقياس الى الأنا/ الشرق, فان <<البعيدون>> حاولت طرح أسئلة <<الاغتراب>> كما فعلت الروايات التي سبقتها وضمنها <<موسم الهجرة الى الشمال>>. لكنها أي <<البعيدون>> قاربت هذا الاشكال من منظور متفرد متميز, مختلف عن مقاربة الطيب صالح اختلافا لافتا  وبينا , ذلك أن <<البعيدون>>, حرصت على ابقاء الرواية محايثة للواقع متماسة ومتماهية معه, دون أن تنقله نقلا حرفيا انعكاسيا ميكانيكيا ريبورتاجيا , فجاءت بملامح يتساكن ويتداخل فيها الواقع مع الرمز والتأويل مع بروز الواقع وهيمنته, بينما <<موسم الهجرة الى الشمال>> حرصت على أن تكون رواية متعالية عن الواقع حد الارتقاء الى درجة بدت معها شخصياتها هلامية حالمة هلوسية, مما قد يجعلها تصنف في زمرة الروايات الرمزية أكثر من تصنيفها داخل الرواية الواقعية.

وبهذه الصورة فقط تتناص <<البعيدون>> مع <<موسم الهجرة الى الشمال>> ومع غيرها تناصا  تقنيا  واعيا , أي على مستوى التقنيات السردية الروائية من سرد مباشر يتأسس على ضمير الغائب أحيانا, وضمير المتكلم أحيانا أخرى, وعلى حوار اتسم بانسجامه مع الشخصيات وبقدرته على الكشف عن تكوينها النفسي والاجتماعي والثقافي, وعلى حوار باطني تمكن من إزاحة الستار عن البعد النفسي الداخلي لبطل الرواية في قلقه واضطرابه وتوتره وتأزمه, وعلى تقنية التداعي التي يتزامن فيها الماضي مع الحاضر والمستقبل, وعلى استغلال الفضاءات التي تحركت فيها الشخصيات الروائية فضلا عن التقنية اللغوية التي جعلت الأسلوب مشحونا  بكثافة شعرية واشارات موحية, وما أقوله عن <<البعيدون>> أقوله عن <<موسم الهجرة الى الشمال>> المتناصة ايضا  مع ما سبقها من أعمال ذات تقنيات سردية حديثة لكنها جاءت متفردة بهويتها الخاصة كذلك.

ولعلكم تتفقون معي على أن التناص ليس نقيصة في العمل الابداعي بل هو مميز  ايجابي, انه قدر  كل عمل  ابداعي, اذ من مميزات النص الابداعي احالته على النصوص الأخرى فضلا عن احالته على الواقع المعيش.

وتناص <<البعيدون>> اذن مع <<موسم الهجرة الى الشمال>> ومع غيرها من الروايات حاضر بصورة لافتة, لكن بمستوى من الوعي النفسي يؤهلها لأن تكون عملا يمتلك علامته المسجلة وسحنته المتفردة وهويته المميزة وبطاقته الفنية الخاصة.

وهو يترجم مفهوم التناص الذي حللته <<جوليا كريستيفا>> في كتابها <<نص الرواية>>, بوصفه سمة رئيسة للنص الابداعي, تميزه عن الخطاب العادي/ التواصلي, الذي يحيل آليا وانعكاسيا  على الواقع العيني.

واذا حلا لك أن تسمي <<البعيدون>> موسم هجرة أخرى الى الشمال, فهذا من حقك, لكنني لا اقرك عليه لأن أمر <<البعيدون>> مختلف وأعقد من ذلك, واذا كان لي أن أصوغ مرادفا , ل-<<البعيدون>>, فإني اختار تحديده في <<الاغتراب الوجودي>>, لأن المغترب الوجودي مهاجر مطلقا  وأبدا  وليس مهاجرا  الى الشمال فحسب, لأنه مهاجر حتى وهو قابع في بلاده وفي بيته وبين عشيرته وذويه.

ولا يفوتني في هذا المقام أن أنبه, الى أن هذه المقارنة التناصية تقف عند تخوم اكتناه طبيعة البنية السردية في كل الروايتين دون أن تجاوز ذلك الى رصد الدرجة الفنية في كل منهما, ذلك أن القيمة الفنية لـ<<موسم الهجرة الى الشمال>> تظل بجميع المقاييس الفنية أعلى وأرقى بكثير من الدرجة الفنية ل-<<البعيدون>> التي لا تعدو كونها رواية بسيطة عادية, رواية محاولة, قياسا  الى نظيرتها <<موسم الطيب صالح>> التي ترتفع عملاقة متفردة, شأنها في ذلك شأن روايات كبار المبدعين العالميين الافذاذ.

وأختم كلامي بما قاله صديق أثير: <<أيها الروائيون من كان منكم بلا تناص فلن يحشر في زمرة المبدعين ولن يدخل مدينتهم>>.

** تزخر روايتك بزخم لافت, في الأحداث والذكريات والمرجعيات والأسئلة والاستقصاءات والفضاءات والخطابات واللغات وتقنيات الكتابة السرد. وهو ما يعني أنها رواية تقف وراء كتابتها تجربة كاتب خبر الحياة والتجارب. وتمرس بالقراءة. لفترة طويلة. قبل أن يقبل على كتابة الرواية, بخلاف بعض روائيينا الذين يهرولون وراء اصدار <<نص روائي>> لكي يمتلكوا فقط صفة <<الروائي>>. كما هو الحال بالنسبة لـ<<الشعراء>>.

فهل لك ان تحدثنا عن أهم تلك التجارب الروائية التي تأثرت بها وشكلت مرجعية بالنسبة لك, في كتابة رواية <<البعيدون>>. خصوصا وانها رواية تفاعلت مع بعض تقنيات الكتابة والسرد, كتقنية <<التوازي>>, كما تمثلها العديد من الروايات العالمية?

- أشكرك على تقويمك الايجابي التقريظي وعلى هذه النياشين التي وضعتها على ياقة هذا العمل الذي أعده عملا عاديا  ان لم يكن متواضعا , واذا سلمنا جدلا بالحجم الأدبي الكبير اللافت الذي أعطيته لـ<<البعيدون>>, مبررا  ذلك بتجربتي بوصفي كاتبا خبر الحياة والتجارب, وتمرس بالقراءة لفترة طويلة قبل الشروع في كتابة الرواية, فان ذلك قد حصل مع كثير من الروائيين العمالقة الذين أثارت روايتهم الأولى اهتماما  منقطع النظير لكونها مثلت وثبة نوعية في الكتابة الروائية, كما هو شأن رواية <<اسم الوردة>> لأمبيرطو ايكو, الذي وفد الى الرواية من مجال السيميائيات والنقد الأدبي وبصفة خاصة <<نظرية التلقي>>. وهي رواية حطمت جميع الأرقام القياسية في الكتابة  الروائية, رغم انها أول عمل يكتبه هذا العالم الفنان الفذ.

غير أن هذه  المقارنة قد تعنيك أنت بالذات ولا تعنيني, لأأن روايتي لا تزعم لنفسها أنها ارتقت الى قامة <<اسم الوردة>> فشتان ما بينهما من بون شاسع, ولا قياس مع وجود الفارق بين رواية تمرينية متواضعة كـ<<البعيدون>> ورواية عملاقة في حجم <<اسم الوردة>>. ولكأنني بأمبيرطو ايكو يفند هذه المقارنة الخاطئة متمثلا ببيت المتنبي:

أنام ملء جفوني عن شواردها

                ويسهر الخلق جراها ويختصم

هكذا أرى أنه بقدر ما كان هناك نوع من المبالغة في هذه المقارنة بقدر ما كان هناك نوع من التعسف والتحامل على بعض الروائيين والشعراء الذين نعت هم بالمهرولين وراء اصدار النصوص الإبداعية طلبا لصفة المبدع روائيا أو شاعرا.

ذلك أن كتابة الرواية على الخصوص, تقتضي مجهودا  فكريا  وطاقة نفسية وزخما ابداعيا  يستحق معه صاحبها تنويها وتقديرا  مهما تكن القيمة الفنية للرواية متدنية, وحتى لو نعتت بأنها <<ليست هناك>>.

أما بخصوص الروايات التي تأثرت بها في كتابة <<البعيدون>>, فإني اعترف لك بأن تأثري, لم ينحصر في الروايات التي قرأتها وتمثلت تقنياتها السردية, بل جاوز ذلك إلى أجناس أدبية أخرى كالشعر والقصة القصيرة والمقالة والخاطرة, وبمدارس النقد الأدبي وبالفنون التشكيلية كالرسم والتصوير والنحت, وبفنون موازية كالموسيقى والمسرح والسينما, كما جاوز ذلك إلى العلوم الانسانية المختلفة, كالفلسفة وعلم النفس والاجتماع, والتاريخ والقانون, وما أشبهها, يضاف الى ذلك كله الجلسات والمطارحات الأدبية واللقاءات الفكرية والندوات العلمية.

ففيما يتعلق بالتاريخ مثلا, لم أكن أقرأه بوصفه ركاما  من الوقائع والأحداث بل باعتباره تجربة إنسانية واسعة ومتعددة الجوانب, وبوصفه تجسيدا  لقضايا الانسان التي طرحت على كل المجتمعات الانسانية الماضية, كما أسهمت الفلسفة العامة, وعلم النفس وعلم الاجتماع في شحذ تجربتي الروائية بما تطرحه من الأسئلة حول الكون والإنسان والنفس والواقع الاجتماعي والاقتصادي والعلمي.

وبنفس الدرجة أسهم القانون في قدح تكويني الفني في مجال الرواية, فلم أكن أقرأه بوصفه نصوصا وفصولا قانونية في حد ذاتها, بقدر ما كنت أقرأ الخلفية الفلسفية والنظرية التي تثوي خلف النصوص والفصول.

أما الفنون المختلفة رسما وتصويرا  ونحتا  وموسيقى ومسرحا وسينما فقد كنت أع نى بما تمثله من القيم الجمالية والروحية التي ت سهم إسهاما فاعلا في كتابة الرواية بوصفها مرجعيات فنية لها, وتأثيثا جماليا لفضائها السردي, وفاعلا رئيسا في التشكيل الفني الذي ي عد  لازما  وأساسا بالنسبة للبنية السردية.

أما الأجناس الأدبية المتاخمة للرواية شعرا  وقصة ومقالة وخاطرة ونقدا  أدبيا باعتباره لغة واصفة للغة الابداعية, فقد أثرت تأثيرا  لافتا في تجربتي الروائية على اعتبار أن الأجناس الأدبية المذكورة تتداخل مع الرواية بالضرورة, وتشكل أغصانا متشابكة متفاعلة داخل شجرة الكتابة التي تستغرقها جميعا.

وبخصوص الجلسات والمطارحات واللقاءات والندوات العلمية, فقد أفدت كثيرا من العلماء والأدباء الذين أسهموا فيها, أمثال جابر عصفور وجمال الغيطاني والطيب صالح وصلاح فضل وعبدالله العروي وعبدالفتاح كليطو والفونسو ساستري وروجي كارودي وبيدرو مونطافيس وانطونيو كالا وايميليو روميرو وخورخي أمادو, ولم تكن إفادتي من هؤلاء تقف عند مشارف استيعاب التراكم المعرفي الذي كانت تتضمنه تلك اللقاءات, بل كانت تجاوزها الى ما يثوي خلفها من أسس نظرية وقيم فنية وأدبية وفكرية كانت بمثابة نبراس وهاج في طريق تجربتي في كتابة الرواية.

وهنا أصل الى التجارب الروائية التي ذكرت أنني تأثرت بها في <<البعيدون>>, فأنهي إلى علمك أنني قرأت روايات كثيرة كلاسيكية ومعاصرة غربية وعربية, فعلى مستوى الروايات الغربية, قرأت الروايات التي كانت مرتبطة بقيد الزمان في تصوير حياة الانسان وترجمته إلى أحداث او سلسلة متعاقبة مترابطة من الأحداث, كالروايات الاجتماعية مثل مدام بوفاري وأكثر أعمال بلزاك وغيره. وحتى الرواية النفسية التي أقامت بناءها الفني على أساس ان الخيط الرابط في حياة الانسان هو الأحداث في الزمن, أي أن حياة الانسان هي سلسلة من الأفعال وإن كانت هذه الرواية النفسية تعد من المحاولات الأولى للتحرر من سيطرة الزمان; واعتبار النفس الانسانية لا الفعل النفسي هو الموضوع أو المادة التي تقوم عليها الحياة, كرواية الجريمة والعقاب لديستيوفسكي, وغيرها من الروايات التي تصنف في خانة الرواية النفسية والتي تطورت بحيث انتقل فيها محور الرواية من الخارج الى الداخل, حيث تم تجاهل العالم الخارجي تماما , أو أوشكت ان تتجاهله معتبرة الحياة الباطنية للانسان هي المسرح الأكبر المكتفي بذاته, المعزول تماما عن العالم الخارجي, وأصبح الزمان نفسه بغير وجود موضوعي, بل مجرد شعور ذاتي باطني داخل نفس الانسان وعقله, كما هو الحال في روايات دي جردان ومارسيل بروست وجيمس جويس وفرجينيا وولف, التي تصنف في خانة مدرسة تيار الوعي, وهي فرع من فروع مدرسة اللاوعي حيث الزمان يصبح شيئا  ذاتيا, وحيث يصبح الكون الأكبر الذي يعيش فيه الانسان هو عقله ووجوده الداخلي.

كما قرأت الروايات المصنفة داخل الرواية الجديدة, كروايات ألن روب ك ريبي, وناتالي ساروت وماركاريت دورا, وآخرين. هذه الرواية الجديدة التي ثارت على المدرسة التقليدية والمدرسة النفسية ومدرسة تيار الوعي ورأت أن مادة الفن ليست في الذات وإنما في الموضوع, وهو الوجود الخارجي الذي له وجود مستقل عن وجود الانسان, وهو ليس مجرد ايكسيسوار أو قطع غيار اضافية في حياة الانسان, بل شيء أساسي.

ولعل المقياس في الرواية الجديدة ليس فعل الانسان في الشيء بل انفعاله به, وهو ما جعل أتباع هذه المدرسة يحطمون الزمان كمقياس لمغزى الحياة, ويحلون المكان محل الزمان, لأن وجود الاشياء في المكان أوضح وأرسخ من وجودها في الزمان.

وبنفس الزخم والكثافة قرأت معظم الروايات العربية بدءا  من <<زينب>> لمحمد حسين هيكل و<<ليالي سطيح>> لحافظ ابراهيم, مرورا  بروايات نجيب محفوظ التي جربت الاتجاهات الروائية الغربية المذكورة أعلاه, كـ<<القاهرة الجديدة>> و<<خان الخليلي>> و<<زقاق المدن>>, و<<بداية ونهاية>> و<<بين القصرين>> و<<قصر الشوق>> و<<والسكرية>> و<<السراب>> و<<أولاد حارتنا>> و<<اللص والكلاب>> و<<السمان والخريف>> و<<ثرثرة فوق النيل>> وروايات أخرى لغير نجيب محفوظ كأعمال صنع الله ابراهيم وجمال الغيطاني وبهاء طاهر والطيب صالح ويوسف القعيد وعبدالرحمن منيف وإميل حبيبي وعبده جبير وابراهيم أصلان وحنه مينه وإدموند عمران المليح ومحمد زفزاف ومحمد شكري وعبدالقادر الشاوي وبنسالم حميش واحمد المديني وأحمد التوفيق وغيرهم.

غير أني لم أكن أقرأ هذه الروايات بوصفها سرودا  امتاعية بقدر ما كنت أتعامل معها بوصفها تقنيات سردية أفادتني فيما بعد في كتابة روايتي <<البعيدون>>.

ولعلك لاحظت من خلال هذا العرض المستفيض ان مرجعية  روايتي, ضخمة وغنية ومتنوعة أثرت تأثيرا لافتا  دون شك في كتابتي لـ<<البعيدون>>.

** أضحت الرواية المغربية في الآونة الاخيرة, تتفاعل نصا بعد آخر, مع بعض العوالم والخطابات الفنية بشكل لافت وفاعل ومؤثر (كالرسم, في رواية <<الضوء الهارب>> لمحمد برادة, والموسيقى. في رواية <<غريبة الحسين>> لأحمد التوفيق, على سبيل المثال فقط لا الحصر).

وفي روايتك <<البعيدون>> يتم استثمار هذين العالمين (الرسم والموسيقى) بمنظور جديد وبخلفية حضارية, تمثلتها الرواية لرصد طبيعة العلاقة بين الذات والآخر, من خلال أبعادها السيكولوجية والثقافية والحضارية.

فإلى أي حد يمكن لهذين العالمين أن يعكسا, في هذه الرواية, كما في الروايتين السابقتين, اشكالية كبرى بمثل هذه الإشكالية التي ترصدها هذه الرواية?

- ان مسألة تفاعل النص الروائي مع الخطاب الفني, رسما  ونحتا  وتصويرا  وفنونا  أخرى, لا تنحصر في <<الضوء الهارب>> و<<غريبة الحسين>> بل تجاوزهما الى روايات أخرى عربية وغربية, مع الاشارة الى أنني اكتشفت ولع وغرام احمد التوفيق بموسيقى الطرب الأندلسي من خلال <<غريبة الحسين>> الممتعة.

وبخصوص <<البعيدون>>,  فقد حاولت مقاربة هذه العلاقة ليس فقط على مستوى إشكال الأنا والآخر, بل حتى على مستوى التقنيات السردية أيضا.

فعلى مستوى التقنيات السردية, حاولت <<البعيدون>> أن تستثمر الأبعاد الفنية من تشكيل وموسيقى في تأثيثها وإعمالها, فقد استغلتها في إثراء السرد المباشر في مختلف تضاريس الرواية.

وهناك عينات أخرى لتفاعل السرد المباشر مع العوالم الفنية في أبعادها المتنوعة في كثير من الصفحات, كما تم استثمار الفن في تغذية تقنية الحوار لجعله يتسامى من مجرد حوار عادي الى حوار فني عامل.

وإذا كان استغلال العلاقة بين الفن وبين السرد والحوار بهذا الزخم من الوعي الفني, فقد كان حافزا  أيضا  في جعل الفن إطارا  ملائما للبنيات الفضائية التي تتحرك فيها شخصيات الرواية المركزية والثانوية, كالمتاحف والمسارح ودور الأوبرا والاشرطة الموسيقية والجداريات والملصقات والصور وفنون الصناعة التقليدية, بوصفها ديكورا  يؤثث البنية الفضائية <<للبعيدون>> ويتجلى ذلك في كثير من صفحات الرواية.

وبالدرجة نفسها من التقنية السردية استغلت <<البعيدون>> الحس والموقف الفنيين لادريس في الكشف عن شخصيته والشخصيات الأخرى.

ومن بين التقنيات السردية التي تفاعلت مع البعد الفني, تقنية الثنائيات الضدية.

هذا على مستوى استثمار البعد الفني في تكريس التقنيات السردية, أما على مستوى تفاعل <<البعيدون>> مع اشكال الأنا والآخر, فقد نسجت الرواية عقدا  مبرما  صريحا  مع الفنون بمختلف أصنافها وتوجهاتها لمقاربة إشكال الأنا والآخر.

** بعد كل هذا, ألا يحق لي أن أزعم أن <<البعيدون>>, حاولت الى حد بعيد استثمار التمازج والتفاعل والتكامل والتآلف بين الفن والتقنيات السردية من نحو, وبينه وبين إشكال الأنا والآخر, من نحو آخر?

اسمح لي أن أصارحك بأن حوارك الجميل البديع العالم قد أثلج صدري حقا بما تحلى به من أسئلة ألمعية ماكرة شفت عن مستوى سامق من الوعي الأدبي والحس  الفني , كما نجحت في استدراجي إلى البوح الكاشف عن تجربتي الروائية المتواضعة, لا يسعني إيزاءها إلا أن أزجي إليك خالص شكري وصادق ثنائي, وإلى حوار آخر حول نص روائي آخر.

 

تصميم الحاسب الشامل