|
|||||
|
العجَبُ لأبي محسد, أحمد, المتنبي, ولـ<< معجز>>ه, أعتذر, وبـه ألــوذ, مـدرعـا حـق رفقـة مــدعاة, متذرعا بحب أكــتــمـه لم يـبـر جســدي, بل لقد زاده بـرءا وبراءة. أقول هذا , وأنا أقرأ قصيدة أبي مـحســد ذات المطلع البهي, شـأن مـطالعـه: أيدري الربع أي دم أراقا وأي قلوب هذا الركـب شاقا? حتى إذا بلغت البيت : تركـنا من وراء العيس نجدا ونـكـبـنا السماوة والعراقا وجـد ت ـني في حيرة من أمــري, ذلك لأني أروي البيت روايتي الفريدة : تركنا في مهب الريح نجدا ويـمـمـنا السماوة والعـراقا وأحيانا أرويه كالآتي : تركنا من وراء العيس نجدا ويـمـمنا السماوة والعراقـا *** لكأنني لم أرد لأبي الطيب أن يحيد عن السماوة والعراق , مـصـعدا إلى حلب وسيف الدولة, أو كأنني ضننت به, فوددت لو تلـبـث شيئا, قبل أن يكون على قلـق كأن الريــح ... للإستــعادة منطقـها, وللتجاريب منطقها أيضا. وها أنذا أتغنى بالسماوة والعراق, في حضرة أبي الطيـب, بطريقة خاصـة. لقد ق ـتل المتنبي في ما بعد, ببادية السماوة التي نكــب ها يوما, مـصـعدا إلى حلب, أمـا أنا فقد نجوت من القتل ببادية السماوة, في مصادفــة مـحـض لم تـتـح للمتنبي. *** كان العام 1963. ومنذ أوائل ذلك العام, أي منذ مؤامرة الخــونة, ظللت أتنقل بين السجون العراقية, جنـوبا حتى ملتقى شط العرب بالخليج, ووســطا حتى بعقوبة, مرورا ببغداد في انتقالات عبثيــة بقطارات حمولة, وسيارات سجون ذوات قضبان, وحافلات مســتأجرة ; كأن الكون ليس غير سجون وسجناء وشـــرطة وضحايا (أنا بين الضحايا على أي حال). في مرحلة من المتاهة الكافكوية, بلغ بي المقام نــقرة الســلمان, وهي قلعة في أقاصي بادية السماوة عند التخوم العراقية - السعودية, بناها أبو حنـيك (الجنرال غلوب باشا في ما بعد) لأغراض أولـها أن يصد مـغـيري الوهــابية (كان الواحد من جـمالهم يحمل مغـيرين اثنين) الذين ظلوا يحاولون أن يجعلوا العتبات المقدسة قبورا دوارس (وهي خير القبور في رأيهـم), لكـن بين الأغراض الأخرى أن تكون القلعة منأى السجناء الخطرين... إذا, صرت, بقدرة قادر طبعا, سـجينا خطــرا. الوصول إلى نقرة السلمان ليس يســيرا, بل أنه لفرط صعوبته, صار حلما أو كالحلم... أنت, حــكـم عليك, وجاها, بعد ضرب ومهانة ومقاربة إعدام عشـــوائــي... وهكذا صرت تفكر بأن الأمور بلغت حدا معيـنا, نقطة تــوقـف في الأقل, وبأنك سوف تتكيـف لظروف جديدة, قد تطول أو تقصر, لكنها مرحلة محددة على أي حــــال. كم أنت واهم ! إن بينك وبين نقرة السلمان لـبرزخا , وهي تتراءى لك الآن جنــة في الـبـعد, جنة للأمان والتقاط الأنفاس, والنوم إلــى آخر الدهر... أمـا البرزخ فهو شــرطة التســفيرات التي تتولــى نقل المحكوم عليهم, من أمثالك, إلى مآويهم المتناثرة على طول العراق وعرضــه, وما العراق بالبلد الصغير... إذا, ستكون في موقف الســراي اللصيق بسجن بغداد المركزي, أســطورة السجون ومجازرها. هناك تنتظر دورك في التسفير. زوايا الموقف احتلــها العــتاة من السجناء العاديين, وعليك أن تجد لك مربـعا تفرش عليه بطانيتك التي اعتدت حملها من مثوى إلى آخــر (كانت لي حـشـيـة وثيرة سـمـاها المحكومون << فندق بغداد>>, إكبارا لها , وســخريــة,و اضطررت إلى التخلي عنها لفرط ثقلـها) , وأن تتدبــر مأكل ك, ومشــربك, والشــاي ; وأن تجامل العــتاة اتــقاء شــر هم, إذ كانوا يـستخدمون لإيذاء السجناء السياسييــن. الحياة, بإطلاق, على غير ما يــرام. و نقرة السلمان تتراءى في الـبـعد, حلمــا ! *** ليس من يوم موعود... الأشــياء تبدأ فجأة, وتنتهي فجأة, مثل يوم الحشــــر. مثل الولادة المباغتة والموت العنيف. النور الذي في آخر النفق (كما يقول التعبير المزدرع في صحافتنا), يــهــل في هيئة شــرطي يجلب الأرزاق (طعام الحكومة), وهو أســاســا ما جادت به مخيــلة المتعهـد من قوت . هذا الشــرطي ذو المعاش الرث, قد يغدو المنقذ : حين يسـلـمك رزقك (رغيف خبز وكـراث مثلا), تعطيه بالسـر دينارين وعنوانا لقريب أو صديق, كي يذهب حين يحلو له, ويخبر القريب أو الصديق بأمرك ومستقرك. المحظوظون منا ســيأتيهم الأهل والصديق بالثوب النظيف, وبالمأكل اللطيف صــواني عامرة ندعى إليها فنلتهم الأخضــر واليابس, ونمصمص أصــابعــنا متلذذين... لكن الفضل العميم لشــرطي الأرزاق سيكون يوم يقال لك: الآن تســفــــرون إلى النقرة (النقرة اسم تحبيب لنقرة السلمان !) إذ يتعيـن عليك أن تخبر أحدا بأنك ستكون هناك, وأنك سـالك اليوم درب من صد ما رد (بالتعبير الشعبي غير المزدرع), بمعنى أن رحلتك قد تكون رحلة اللاعودة, مثل مجنــد القيصر الروســي. ملحوظة : جاء في الرواية الروسية الكلاسيكية أن الفتى المجند الذي ما نبت عارضاه بعد, تباح له القرية سبعة أيام بلياليها, عـرفا متـبـعا, فيفعل الفتى ما يشــاء, يعب الفودكا لينطرح في أي درب أو أي بيت , ويعاشــر من فتيات القرية مـن استحلى, عابثا أو مـعابثا...يكسر الأبواب, ويدخل من الشبابيك. ذلك لأنه سـالك بعد سبعة أيام درب من صد ما رد. إنه سيظل في جيش القيصر جنديا حتى لو طالت لحيتــه الشائبة لتبلغ قدميه ! *** أنا لم أ بلغ أحدا أمري. كنت واثقا أنني لن أكون وحدي في الرحلة الطويلة من بغداد إلى مركز السماوة (بالقطار), ومن مركز السماوة (بالحافلة العتيقة) عبر المفازة الخطرة اللامتناهية حتى التخوم العراقية - السعودية حيث النـقرة. تقول الأغنية الشعبية : نخل الســماوة يقول... وبعد عشــر ســنين من 1963: توهـمت نخل الســماوة نخل الســماوات... وأبو الطيب المتنبي, وفاتك الأسدي, وبادية الســماوة ! في رحلة القطار ذي المقاعد الخشب, وطول المسافة الشنيعة (القطار بطيء) من بغداد إلى محطة السماوة كنا مكبلين, اثنين اثنين ; يدك الشمال مو ثقة بـ(الكلبجة) إلى يد رفيقك اليمين, والشرطي ذو البندقية هو الجليس الثالث على المقعد الخشب. أترضى لنا هذا العذاب يا أبا إســماعيل? الحــق أنها لم تكن رحلتي الأولى بالتكبيل المزدوج, إذ بعد أن أصدرت المحكمة العسكرية بمعسكر الوشاش في بغداد حكمها علي , نقلت أولا إلى البصرة بالطريقة إياها, وعبر الطريق إياه. أتذكــر الآن أننا بلغنا محطة السماوة في الضحى. والموقف في مركز شــرطة السماوة كان مكتظــا... كان معظم المعتقلين في المركز من أبناء البلدة , باستثنائنا نحن القادمين من قطار بغداد, المنتظرين متابعة الرحلة الخرافية عبر تلك البيداء التي <<لم يعرف بها ســاكن رســما >>... انتبهت, أنا القادم من متاهة الهول, إلى جــو المرح الشائع ; واستمعت إلى أغنية خفيضة في ركــن, وتذكرت أن أهل البلدة مشهورون بالغناء, والكرم, والبســمة الدائمة. ها نحن أولاء وراء القضبــان جميعا... لكن أهل الســماوة يمرحون ! نحن, الذين ألقانا القطار هنا, لم ن ـطل المكث. حـشــرنا في الحافلة المتداعية, ظهرا, في الطريق الرهيب إلى نقرة الســلمان. أعتقد أن الحافلة كانت تحمل ركــابا عاديين أيضا, شــرطة وموظفين في تلك الناحية الملعونة حقــا. لا أتذكــر الآن, إن كنا, نحن السياسيين, مكبـــلين أم لا داخل الحافلة, والأرجح أننا لم نكن... إذ أن الحافلة هي, فعلا, قارب النجاة الوحيد, والقفز من القارب يعني الهلاك الأكيد, ظمأ أو افتراســا بأنياب الذئاب في هذه المفازة (والحكايات عن مصير التائهين هنا ليست نادرة). كم ساعة كانت المسافة بين السماوة والنقرة ? لست أعرف. لكن الطريق لم يكن ذا معالـم , أو هكذا بدا لنا, نحن الحضر. توقفت الحافلة مرتين, مـرة لإصلاح خلل ما, وأخرى لتزويد << الرادييتر>> ماء. فجأة لمحنا شجرا. وقال قائل : النقرة ! لقد << بزغت>> نقرة السلمان, مباغــتة, من القفر المحيط. إنها لــفي خـبـت من الأرض, تـتـلع رأســـها, فعل الأفعى, لتتبدى بكامل شــرها وزينتهــا. نقرة السلمان التي أعلنت عن نفسـهـا وسط هذه المفازة, بشــجر متناثر, بدا فائق الخضرة, سوف تـطـبـق علينا بأســوارها العالـيــة ذوات الأبراج العشــرين, كما تطبق الأفعى الملتفـــة. توقـفت الحافلة في الظل. هبط <<العاديــون>> مســرعين إلى الهواء الطلق الســاخن, أمـا نحـن, فعلينا أن نمر بمرحلة التسـليـم والتســلـم في مكتب خارج الأســوار, قبل أن تـفتح البـــوابة الكبرى لتلتهــمنا. هل بمستطاعي الآن, وبعد مــضـي أربعة عقود , أن أســتعيد بدقــة ما , إحســاسي حيـــن بلغت قلعة التخوم هذه? أتراني فكــرت بما ينتظرني فيها, وبما سألقى هناك, ومن ألقى? هل فكــرت بالزمن المطــلق ? أو بمعنى أن أكون, أنا, في هذا الموقع من خــرافة العقاب? أظن الأمر في غاية الصعوبة الآن... لكني متأكد من إحساس واحد : أنا لم أكن خائفــا ! ربما كان هذا بســبب من طيش ظل يلازمني... لست في ما أكتب الآن راوية أيام وأحداث مرت علــي في نقرة الســلمان, ولا مؤرخ تفاصيل ; لم أســع إلا إلى مقاربة معيــنة بين ســيرتين فصلت بينهما قرون وقرون, أمــا مقصدي فهو تبيان أن حالنا لم تتبدل كثيرا, وأن بادية الســماوة ظلـت, كعهدها, منذ زمان أبي الطيب, مـقتـلة كامنة للشاعر كما لســواه. لقد أشــاع الانقلابيون , أوائل السبعينيات, أنهــم ســيهد ون << نقرة السلمان >> هــدا , فكتبت نصــا عنوانه قصيدة وفاء إلى نقرة السلمان أتنبــأ فيه بأن القلعة سوف تبنى من جديد بأيدينا حتى لــو هــدت هــدا. والواقع أن القلعة لم تــهـد, بل غدت بعد قمع الانتفاضة, مرتكـــز المدافن الســريــة للشــهداء... *** ما أبعدني هذه اللحظة, يا أبا الطيـب, عن السماوة والعراق ! أنا في القرية الإنجليزية نـكـبـت, مقلدا إيـاك, الســماوة والعراقا... لن أقترح عليك أمرا يتــصل بنـصـك, فأنت الدليل. ولأنســيــن روايتي بيتـك تلك الرواية الفــريدة ! إني لأتغـنــى ببيتك : تركـنا من وراء العيس نجدا ونـكـبـنا السماوة والعراقا *** لماذا نتذكــر ? لماذا أتذكــر, مثلا, أنني كنت الأقرب إلى بوابة القلعة, حين ف تحت ليدخل معتقلو السجن العسكري رقم واحد, الذين نجوا, في ما يشبه المعجزة, من موت مخطــط له, داخل العربات الحديد لقطار الموت ? في الصباح الذي أعقب وصول المعتقلين, نــقـلت إلى ســجن بعقوبــة. لكن لهذا السجن الجديد قصــة أخرى طويلـــة. وأنا امرؤٌ تزيدني الذكرى رهَقا... |
|||||
|
|||||