في صحبة العناكب

 

نجاة علي


أحب هذه القبور المظلمة بلا صخب, أتنزه فيها على سجيتي, أقطع فيها المسافات لأضيع الوقت  على  طريقتي,  بإمكاني  مثلا  أن أنعم بصحبة الموتى << جيران أبي الطيبين >>,  هم- فقط - الذين  لا يقاطعونني حينما أتحدث عنه, وأنا أنبش قبورهم بحثا  عن جثمان أبي, فكثيرا  ما حاولت أن أخمن موضع الحفرة التى دفنته فيها, لأرى ما تبقى منه,  حين كنت أجيء لزيارته أيام السبت في الشتاء, الشتاء الذي يحبه مثلي  - مع أنه مات دون أن يقول لي شيئا  عن غاية وجودي في هذا المكان القذر . هو في الحقيقة لم يقل لي أية إجابة واضحة حينما كنت ألح   عليه في السؤال, ولم أرث  منه سوى حفنة هواجس,  وبعض الوصايا القديمة التي ي عل قها إخوتي - بإصرار مدهش - في حوائط البيت بجوار صورته الكبيرة . فقط كنت أتمنى أن تسقط هي وصورته و الحوائط .

أتصدقون : رغبة واحدة هي ما أريد ... أتعرفونها ?

أن أغيب عن الوعي <<ولو لدقائق>>, ثم أفيق بعدها لأجد الولد الذي خانني - دون خجل - جثة متحللة تحت قدمي, تأكل عظام رأسه حشود  النمل  الذي يزحف خلفي ليفترسني, وأن أنسى هذا العجوز الذي ظللت ألهث وراءه خمسة أعوام كاملة دون كلل - على أمل أن يحبني. كان يشبه أبي فعلا, الخربشات التي تركها لي في الصدر أكدت لي هذا. أعرف أنني أفسدت عليكم عزلتكم بأمور مزعجة لا فائدة منها  ومع ذلك يمكننا أن نتكلم عن شيء أفضل, نفتح حديثا  أقل ألما, نتكلم عن العناكب مثلا  التي تلتف حولي من كل جانب, سأدخل مغارتها الموحشة, لأعرف لماذا ضللتني طويلا, ولأتفرج على خرائب الهياكل القديمة, والأفاعي التي تطن   بأجراسها في رأسي.

وللكلام  عن  العناكب  مزايا عظيمة لا يقدرها أمثالكم من البلهاء, يعرف قيمتها- فقط - أصدقائي من الشعراء والحمقى.

صرت أتابع حركاتها  بحماس زائد, كانت في الغالب سوداء ومثلثة الزوايا, ولا تنظر إلي مطلقا  حين أندهها . أفرح حين أشعر بحركة الساقط منها في معترك الحياة أو حين أرى الم سجى منها في التوابيت المغطاة بالزجاج .

مسكينة  فعلا  هذه العناكب, لم يكر مها أحد  حتى الآن ولا حتى أنا.

يكفيني إذن أن أراقب - بنشوة -العقارب التي تتلكأ في لدغي. أتأملها وأنا عارية من كل شيء إلا هذا البياض الذي يلف ني.أستقبل برحابة صدر- تحسدونني- عليها تلك الوخزات المتلاحقة. رغم أنكم مثلي, تصبحون معي على هذا العدم الذي لا أول له ولا آخر, وتلك العينان المتبلدتان, وهذا الجسد الممدد وحده في الظلام, وذلك الصمت المطبق على الصدر .

صدفة من أجل البنت

وهل هذه أيضا صدفة

أن تولد بنت كهذه

بروح شاحبة,

في ليلة ديسمبرية

شديدة العتمة

أن تلتهم الأنيميا نصف

جسدها

أن تحب ولدا كهذا,

يكذب عليها كل

مرة

متعمدا,

أن تتحول جدران غرفتها

إلى كائنات متوحشة

تتسلى بافتراسها

ليلا

ودون أن تتأمل

- مرة -

وجهها

الذي فاحت منه

رائحة العفن .


تصميم الحاسب الشامل