|
|||||
|
يبقى شاعر روسيا الأكبر اليكساندر سرجيفيتش بوشكين جزءا من الروح الوطنية, ورمزا للروح القومية الروسية, وعمادا من أعمدة ثقافتها, بل انه عماد الثقافة الروسية الذي يحمل سوية الأواصر الماضية واللاحقة. فلم يشغل شاعر ابدا مكانة كالتي يحتلها بوشكين في قلب الشعب الروسي والثقافة الروسية. ورغم مرور قرابة مائة وخمسة وستين عاما على وفاته الا ان الروس وأولئك الذين يحبون الشعر لا يملون بوشكين وما زالوا يجدون متعة كبيرة في قراءته وتتبع أي جديد عن الشاعر وابداعاته وتفاصيل حياته ومقتله, فهو رائد الشعر الروسي الحديث, وصاحب غنائيات رائعة وقصائد بديعة عن الحب والخوف من الجنون, وقد ألهمت حياته وأشعاره أجيالا عديدة من الشعراء والأدباء الروس. <<ليس كل ما في أعماقي رماد فبين جنبي أغنيتي الناجية من الديدان ستحيا روحي>> في عام 1877, وبعد أربعين عاما من وفاة بوشكين, كتب ديستويفسكي.. <<إن كل ما لدينا قد اكتسبناه من بوشكين>>. وذلك ليس ضربا من مجاملة الموتى, فمن الممكن تتبع آثاره في الشعر والنثر الروسيين على السواء, فقد فصل بوشكين بين عصرين من عصور الأدب الروسي, يتحدثان بلغة متباينة, ويكتبان برؤية مختلفة, حتى محا كل ما قبله, واصبح هو المرحلة الكلاسيكية للأدب الروسي. وفي القرن التاسع عشر, لمع في روسيا العديد من الشعراء الروس الموهوبين, ولكن شهرة الروائيين الروس حجبت شهرة هؤلاء الشعراء, ولم يفلت منهم من هذا الستار الضبابي إلا بوشكين. ومن العوامل التي اسهمت في ذلك ولعبت دورا هاما هو ان الرواية الروسية, التي ع دت ظاهرة أدبية ومرآة المجتمع الروسي بل ووثيقة اجتماعية في القرن التاسع عشر, تمكن الدارسين من الغوص في أعماق الشخصية الروسية, ومن تأمل صورة روسيا القيصرية في ثناياها, استأثرت باهتمام القراء ودارسي الأدب فصرفت انظارهم وحجبت الضوء عن غيرها من الأجناس الأدبية, وكأن شهرة وزيادة تألق هذا الجنس الأدبي جاء على حساب الأجناس الأدبية الأخرى. كما ان ما أسهم الى حد كبير في ذلك هو ما يختص به فن الشعر من صعوبة النقل والترجمة. علاوة على ذلك فان الرواية الروسية تميزت في القرن التاسع عشر بتشخيص مكثف للروح الروسية وفيها نستطيع أن نستجمع ملامح سمات الانسان الروسي, بل وان ندرك سمات الروح السلافية التي تتميز بأنها روح ولوع بالشعر. وكان قد تكاتف على إحياء الروح السلافية مجموعة ضخمة من الكتاب الروس على رأسهم ديستويفسكي في مواجهة محاولة <<تأريب>> روسيا أي جعلها أوروبية, وهو الاتجاه الذي كان يتزعمه تورجينيف وهو أقرب الروائيين الى أوروبا وقد دار بين الفريقين صراع فكري وأدبي وجدل ممتع وعنيف معا . كما ان الشعر الروسي وليد القرن التاسع عشر, فقبل هذا القرن لم تكن اللغة الروسية قد استوفت انطلاقتها كلغة أدبية, وكانت قد ترددت قبل ذلك في روسيا بعض الملاحم الشعبية. ولقد حفظ لنا التاريخ ملحمة روسية عرفها القرن الثاني عشر بعنوان <<غارة ايجور>>, ولكن اللغة الروسية لم تعرف الضبط اللغوي الا في أواخر القرن الثامن عشر, فوطن لها بعض كتاب النشر أسلوبا ونحوا وتصريفا. أما تطويعها للشعر فهو ثمرة موهبة الشاعر العظيم اليكساندر سيرجيفيتش بوشكين. ولكن الشعر الروسي في مدى قرن واحد خاض تجارب كثيرة حتى استطاع أن يثبت أصالته وأن ينوع ثمراته, فبعد الموجة الاولى التي أثارها بوشكين وزميله لرمنتوف (الذي قتل في عام 1841), والتي مزجت بين الروح الرومانتيكية والتعبير الكلاسيكي, ولدت موجة متأثرة بالثقافة الفرنسية, وبخاصة النزعة البارناسية التي تدعو الى الصقل والتجويد الفني مع ضبط العواطف واحكام التعبير عنها. وتمثلت تلك النزعة في عدد من الشعراء. ثم تلتها موجة متأثرة بالنزعة الرمزية وجدت تعبيرها القوي في الشاعر اليكساندر بلوك. وقد بدأت تلك الموجة مقلدة للرمزية الفرنسية, ولكنها ما لبثت ان أصبحت روسية صرفا . ولكم صورت لنا الاعمال الروائية الروسية حلقات السمر جوار المدفأة وحول السماور في الليالي الباردة ولا يحلو هذا السمر إلا بانشاد الشعر واستنشاده فالشعر جزء من حياة المجتمع الروسي في القرن التاسع عشر. وما زال كذلك منذ العهود القديمة وحتى يومنا هذا يحتل مكانة مرموقة في الانشطة الثقافية والأدبية جميعها وما زالت جماهير المتلقين تتجمع في الساحات ومدرجات الملاعب الرياضية بعشرات الآلاف لسماع قصائد يفتيشينكو أو فوزنسنكي او غيرهما من الشعراء السوفييت الجدد, كما كانت تفعل لسماع قصائد مايكوفسكي وغيره. وحول أهمية بوشكين بالنسبة لروسيا وأدبها وثقافتها, وتصوير روحها القلقة المضطربة, ودوره في توطين الأشكال الأدبية, فذلك ما نستطيع أن نلمح آثاره عند تتبع خطى الطريق الذي اجتازه الشعر الروسي بعد بوشكين في الشعر الوصفي والقصصي والمسرحي وقصص الأساطير والبالاد والغنائيات. أما دوره في محتوياتها, فهو أوضح وأكبر, فقليل هم الشعراء الذين فهموا روح مواطنيهم مثل بوشكين, حتى ليبدو كأنه كتب عن معاناتهم وما يعنيهم, وما يؤرق بالهم ويشغل قلوبهم وارواحهم. والحق ان شعراء من تابعيه قد اضافوا الى موضوعاته, وصنعوا <<تنويعات>>, عليها, ولكن بوشكين هو نقطة الانطلاق الوضيئة المضيئة. شعره سهل سلسل ويتسم بالوضوح والنزعة الانسانية, فينساب بيسر الى الذاكرة, وهناك في المقام الاول كتاباته المتنوعة والغزيرة (بالنسبة لامرئ مات في عمر السابعة والثلاثين), ابتداء من الملاحم الشعبية مثل <<روسلان ولودميلا>> مرورا برائعته حول الحب المرفوض <<يوجين او نيجين>>, وفي سنواته الاخيرة أعمال مثل رواية <<ابنة الضباط>>, ثم هناك حياته. مجدته السلطة السوفييتية في عهد ستالين باعتباره متمردا وديسمبريا يحمل أفكارا ثورية. وفي عام 1973 كتبت مارينا تسفيتاييفا قصيدة موسومة بعنوان <<بوشكيني>>, وكانت وسيلة للتعبير عن التفسيرات الخاصة العميقة والمتباينة للشاعر وابداعاته, وقد حفظت القصيدة بعيدا عن أنظار السلطة حينها. وفي حين مجده النظام القيصري باعتباره ابنا وفي ا لروسيا القيصرية, كانت السلطات تخشاه فالشاب النبيل المندفع المتحدر من أصول افريقية, عبثت به السلطات القيصرية شأن كثير من الكتاب الروس, وطوقته الرقابة, واحتضنه القيصر ذات مرة وألقى به الى المنفى داخل البلاد مرة ثانية. أرومة بوشكين خليط من الروس والاحباش, فأسرة أبيه من صغار النبلاء, جده الاكبر ابن هانيبال- الامير الروسي الذي جرى تبنيه, والمجيء به الى روسيا من قبل القيصر بطرس الاكبر, اما أمه فقد كانت حفيدة احد امراء الاحباش الذي قدمه السلطان هدية لبلاط بطرس الاكبر في عام 1783, ومن لقاء العنصرين السلافي والافريقي الحبشي ولد اليكساندر سيرجيفيتش بوشكين في 26 مايو عام 1799م في موسكو. تولى تربيته في منزل الاسرة عدد من الفرنسيين المهاجرين الى روسيا, حيث كانت الثقافة الفرنسية هي المثل الأعلى للثقافة حينذاك, كما كان النبلاء الروس يحرصون على التحدث بالفرنسية حتى وان كانت لديهم ركاكة وحتى ولو أخطأوا وكان عمه فاسيلي بوشكين شاعرا مغمورا ضئيل الموهبة ولكنه يتمتع بملكة طيبة في الارتجال جمعت حوله في منزل أسرة بوشكين طائفة من عشاق الأدب ومحبي الكلام الجميل. وفي عام 1811م أنشأ قيصر روسيا اليكساندر الاول مدرسة تضم ابناء النبلاء لإعداد ضباط الجيش وموظفي الحكومة. ولمع الصبي الذي لم يكن قد تجاوز الثالثة عشرة في هذه المدرسة بمخايل ذكائه وفصاحته وقوة ذاكرته وميوله للكسل أيضا. وحين أتم بوشكين دراسته في هذه المدرسة كان قد كتب مجموعة شعرية, تتكئ كلها على قراءته الفرنسية. وهي مثل شعر الناشئين مليئة بالتعليمات, واستباق التجربة والقاء الحكم والمواعظ واصطناع الذكاء, وهي أيضا متنوعة الاتجاهات, فمنها شعر الغزل التقليدي العنيف, وشعر الشهوة الابيقورية, ومنها القصائد الغنائية والابيجرامات (الابيجراما- تركيبة شعرية لا تزيد عن بضعة أسطر, فيها فكاهة ذكية, أو حكمة باهرة). وكان ذلك هو شعر الصبا الذي لم يفلت بعد من أسر التقليد, وان كانت بعض قصائده تشير ببساطتها وعفويتها, وتخففها من أثقال التقليد, وادعاء الثقافة الى الطريق الذي سيختاره بوشكين فيما بعد, ومن أهم قصائد تلك الفترة, قصيدة القوزاق. ولقد اكسبته هذه القصائد المبتدئة شهرة طيبة, حتى انه انتخب عضوا في جمعية أدبية, كونها بعض متحرري الشباب من الأدباء لتقف في وجه جمعية أخرى تقليدية. ولكن هذه الجمعية ح لت بعد ثلاث سنوات من إنشائها, وكان بوشكين عندئذ في التاسعة عشرة من عمره. وبعد تخرج بوشكين من مدرسة القيصر منح وظيفة اسمية صغيرة في ديوان الخارجية, وقضى عندئذ في العاصمة سانت بطرسبورج ثلاث سنوات أسرف خلالها في الشراب والصعلكة وكتب شعرا , فنظم عددا من القصائد أهمها قصيدته الطويلة <<روسلان وليودميلا>> وقصيدته الصافية (عروس الماء). ولابد من الاشارة هنا الى ان ليس كل اشعار بوشكين شبيهة بما قدمنا من النماذج, أي انه حريص على الوضوح, مليء بالحكاية, بل له كثير من المقاطع التي يتغنى فيها بطبيعة روسيا مثل أوصافه في <<رحلة او نيجين>> وله مجموعة ضخمة من التأملات وأناشيد الغزل, كما انه صور في رواياته الشعرية والنثرية عديدا من الشخصيات التي وجدت تجسيدا لها فيما بعد في كثير من روايات القصاصين الروس وفي أسفار سفرائهم. وشهدت تلك الفترة أيضا انضمام بوشكين الى جمعية أدبية ثورية تدعى <<المصباح الأخضر>>. وكانت هذه الجمعية على صلة بالمناوئين للقيصر من جماعة الديسمبريين, وبث هؤلاء في بوشكين بعض الأفكار السياسية الثورية التي ظهرت في قصيدته المشهورة <<الحرية>> التي كتبها عام 1817, والتي مطلعها: ارتعدوا.. يا طغاة العالم وانتم ايها العبيد الساقطون .. انهضوا وتلتها العديد من القصائد الثورية التي تناقلتها الأيدي, حتى نقل الى احدى مدن غرب روسيا, ثم الى اوديسا في عام 1820, وظل هناك سنتين ونصفا كتب أثناءها عديدا من أجمل قصائده, وقرأ فيها الشاعر الانجليزي اللامع لورد بايرون, وتأثر به تأثيرا بالغا, ولم ينج من أساره إلا حين كتب أولى قصائده البوشكينية, كما يقول النقاد, وهي قصيدته <<الغجر>> , فهو لم يأخذ فيها من بايرون إلا بعض الخدع البايرونية في البناء الفني, وأضاف إليها ملمحين عرفا بعد ذلك في الشعر الروسي, وهما موهبة وصفية نقية خالية من التهويمات والتشبيهات الغامضة, ومشكلة أو مشكلتان يترك جوابهما للقارئ, فقصيدة الغجر حكاية بسيطة تدور حول سؤالين: ما الحرية? وما القدر? وفي اوديسا بدأ بوشكين قصته الشعرية الذائعة الصيت <<يفجيني أو نيجين>> ثم انتقل بعد ذلك الى ضيعة والده, في شمال غرب روسيا, ليقيم فيها تحت رقابة البوليس, وكانت اقامته هناك شهورا طويلة من الملل, والرغبة في الفرار, ولكنها كانت غنية أيضا بالانتاج والخلق الفني البديع, فقد كتب فيها بعض القصائد محاولا السير على نهج الشعر الشعبي الروسي, ومن أجملها قصيدته <<العريس>> كما قرأ في أثنائها شكسبير, فاتجه الى الدراما التاريخية, وكتب مسرحيته <<بوريس جودونوف>>. وحين اخفقت محاولة الديسمبريين في اغتيال القيصر في 14 ديسمبر سنة 1825, اضطر بوشكين لمهادنة القوى الحاكمة, وعاد الى موسكو في سبتمبر عام 1826, حيث استقبله القيصر نيكولا الأول, وعفا عنه, وأعلن انه سيكون رقيبا شخصيا على ابداع بوشكين, بحيث لا تنشر قصيدة إلا بعد موافقة القيصر.. وشهدت تلك الفترة بعض مدائحه للقيصر. لم يتمتع بحريته التي كانت ضربا من الوهم في ظل وضعه تحت رقابة رئيس البوليس الذي كان هو الوسيط بينه وبين القيصر. وفي هذه الفترة اسرف بوشكين في معاقرة الخمرة, وأهلك بدنه هربا بنفسه من ذلك السجن الحريري, ولكن لا حفلات الرقص, ولا سفراته في المقاطعات الريفية الروسية, ولا المقامرة استطاعت ان تنتشله من جو السأم الارستقراطي الروسي القديم. وطلب ان يؤذن له بالسفر للخارج أكثر من مرة, وانتهز فرصة الحرب مع تركيا, فانضم الى الجيش أربعة أشهر, ثم عاد الى موسكو ليصدر صحيفته الأدبية الخاسرة, ثم تقدم لخطوبة الفتاة الجميلة الساذجة الفارغة العقل ناتاليا جونشاروفا, وتزوج منها عام 1831 في <<كنيسة الصعود>>.
جلب له زواجه قدرا قليلا من السعادة والكثير من المتاعب والشقاء, فقد كانت زوجته غانية بطبعها, مبذرة, بعيدة عن الاهتمام بمطامح زوجها الفنية, انجبت له هذه السيدة طفلين, وكتب عديدا من أعماله, أهمها قصته النثرية <<حكايات بلكين>>. وكانت السنوات الثلاث الأخيرة من حياته سنوات شقاء متصل, فقد أحكمت عليه رقابة القيصر, وزادت متاعبه المالية, وتفاقم الأمر حين منحه القيصر وظيفة <<وصيف البلاط>>, وهي وظيفة تعطى عادة للاحداث من أبناء النبلاء لاجبارهم هم وزوجاتهم على حضور حفلات البلاط. ولعل ما يفسر تدفق ذلك الكم الهائل من المؤلفات على المكتبة الروسية, وذلك السيل غير المنقطع من الابحاث والدراسات, والاهتمام الذي شغل الباحثين والمهتمين, هو الكثير من المحطات في حياته التي لا زالت بحاجة الى تفسير, وتلك الجوانب الخفية من حياة الشاعر والتي ظلت غامضة وبالذات في السنتين الأخيرتين من حياته. ولقد كانت التفسيرات الخاصة العميقة والمتباينة للشاعر وابداعاته, التي تناولتها أقلام الأدباء والشعراء هو ما يفسر ذل الطوفان الهائل من الهوس ببوشكين الذي يستمر في التدفق على دور النشر الروسية والمكتبات ومخازن بيع الكتب. وثمة مئات وربما الآلاف من المؤلفات , سواء ما سطره بوشكين, أو ما كتب عنه, ومن بين هذه المؤلفات ما يتناول حبه الذي لم يبح به ويحتوي على مجموعة من البحوث حول هوية المرأة التي رمز اليها الشاعر في ملاحظاته واشار اليها في اهداءاته بالحرفين <<ن.ن>> والتي يعتقد انها كانت حبه الحقيقي الوحيد الذي لم يبح به لقد كرست عشرات الاعمال التي تناولت المبارزة الاخيرة وموت اليكساندر سيرجيفيتش بوشكين. وطوال القرن المنصرم, ظل الباحثون يحاولون حل لغز مصرع العبقري الروسي الاعظم. ولم يكف الباحثون البحث عن اية وثائق تلقي الضوء على مصرع بوشكين وتفاصيل الخلفية التي انفجرت عليها الازمة الروحية للشاعر والتي استدعت ثلاث مبارزات وذلك حينما كانت بوشكين يسعى بخطى حثيثة الى حتفه. - في 29 مارس 1836 توفت والدة بوشكين. - وفي 4 فبراير 1836 تسلم بوشكين رسالة هجاء غير موقعة. - وفي يناير 1838 ظهرت زوجة بوشكين مع احد ضباط الحرس وهما يرقصان معا, وذلك ما سمم حياة الشاعر. وبلغ الانزعاج به مداه حين بلغته أنباء عن علاقة زوجته بضابط الحرس هذا ففي 4 نوفمبر 1836 عرف بوشكين قصة حب زوجته التي كانت قد بدأت في خريف العام الماضي 1835. دعا بوشكين هذا الضابط الى المبارزة, واخترقت الطلقة معدته في يناير عام 1837, وودع الحياة وهو في الثامنة والثلاثين من عمره في بيته في سانت بطرسبورج عاصمة روسيا القيصرية. مختارات من أشعار بوشكين اللمحة الخاطفة كلمعة برق بدا طيفها باهرا ما يزال, تعلق ذهني لمحة ليس أروع شع محياك في ناظري عبقري البهاء. سريعا مضى كالخيال صفاء تشكل عذبا بديعا متى انهمر الحزن ي دمي فؤادي.. يقدح في كبدي لهب اليأس تحاصرني ظلمات النوائب خواء تدمدم هوج العواصف يلمع طيفك ضوءا يهدهدني في المنام وتصدح في مسمعي رائعات اللحون بدونك يهرب عمري ويطوي السنين جنون العواصف تذوي أزاهير أحلام ماضي هوانا ويهجر سمعي تهدج صوتك يستأسد الجدب في خاطري ويحاصرني في جحيم اليباب وفي وحشة الأسر أغرقت ايام عمري وئيدا وحيدا تغربت خال وفاضي من وحي روحي بلا ملهم .. وبدون دموع أعيش حياتي العدم بدون غرام .. فتغرد روحي ذراعيّها في لوعة تحتويك.. ومن ذبذبات تراجيع عشقي تلملم أشلاء أحلى محياك ثانية يتجمع في ناظري ويعود نقيا خيالك عبقري البهاء يشع صفاء بديعا تشكل يخفق في النشوة القلب منتعشا لا يريم .. ما عساه يعني لديك اسمي ما عساه إسمي لديك يعني إن كان للموت يمضي كما يتلاشى ضجيج النعي وكالموج في وجنات ضفاف على البُعد رش الرذاذ وصار جفاء تلاشى كصوت مسائي في غابة تغتلي وحشة الصمت خرساء غارقة في السكون إسمي في صفحة الذكريات سيترك وشما تجمد كنعش على شاهد فوق قبر شبيه لسان هلامي معجمها كالسراب أي معنى لاسمي وقد صار اسمي نسيا .. من زمن متاه انطوى في تلابيب رُعب يهيج تنمل في لجة العجز أعجز عن مد روحك زخ صفاء من الذكريات الحنونة إنما.. إن أتاك من العُمر يوم حزين في هدأة الصمت , حين يرين انطقيه التياعا على ملأ واعلني.. أن ذكراي تنبئ بي حية باقية أن قلبا لديك يعيش الوجود حيث أحيا.. أنا نابضا لا يزال . زهــرة زهرة ذبلت خلعت عطرها في كتاب أراها نساها حبيب فاذا بالخيالات شتى عجيبة تغمرني حيرة وسؤال أين أينعت في أي وقت وأي ربيع حواها كم من الوقت عاشت تفتحها أي كف ترى قطفتها كف صب غريب ترى ربما قطفت للقاء سعيد أو كذكرى فراق تحتم أو ربما صادفت نزهة لوحيد في هدأة العُشب تحت ظلال المروج أحي ترى العاشق الصب وهل ما تزال الحبيبة تحيا وأين يقيمان أم ذبلوا وذووا مثلها الزهرة اللاشبيه لها. أنت وأنتم تبدل أنتم بـ <<أنت>> (ولفظة أنتم خواء) تخاطبني فتهيج أحلام قلب المعنى السعيدة مطرقا أتأمل لا حول لي واقفا عند حضرتها أمعن النظرات لطلعتها يستحيل على العين إسدال أجفانها وأخاطبها بضمير الجمع أقول لها يا للطفكم. وفي النفس أهجس كم مغرم أنا آه .. بك كم أنا مُغرم الهبة الهباء.. هبة الصدفة حياتي.. لماذا وهبتك يا هبة الصدفة يا هبة من هباء لماذا عليك قضى قدر لا يُرى من دعاني من عدم بجبروت كل العداء دعاني بالشوق أجج بهجة عمري وهيج فكري ظنونا بلا هدف نصب عيني وقلبي خواء وفكري يباب وكل ضجيج الحياة رتيبا يمزقني شجنا واكتئابا وكل حياتي عدم. ذكــرى على أسوارها المدن التي خرست.. خبا صخب النهار ضجيجه في أذن ميت فارق الدنيا وظل مساء يوم حط الرحل شبه شفافية على الأشياء جزاء كالكرى كد النهارات استوى وحينئذ تعيش سكينة.. لي.. ساعات اليقظة الثقيلة سعير في خواء الليل مضطرم تناوشني.. أفاعي حسرة, وأسى الفؤاد مرارة التقريع يوجع بينا.. تغلو بي الأماني البال مثقل بالأسى تزاحم فيه فرط ظنون مثقلة وألفاني.. وجوم الذكريات بلى.. وجها لوجه في انتصاب افردت أوراق لفتها الطويلة تقرأ في امتعاض.. صفحة العمر حياتي.. وأنا أدمدم أطلق اللعنات اذرف دمعة حراء بكل مرارة .. مضض الملام يمزقني هباء.. كل ذاك وأنى استطيع تراني أمحو سطور الحزن هيهات استطيع. |
|||||
|
|||||