|
|||||
|
تدحرجت الحصاة على جانب الساقية بروية , ثم بدأت في تجاوز الحد الجصي, واستقرت اخيرا في قاع الفلج. هرع سالم وحدق مليا في الحصاة التي بدت مثل سائر الحصى المتناثر والذي بدا مترجرجا بفعل صفحة الماء المنساب. وفكر أن ينطلق غير عابئ بما حصل, لكنه في قرارة نفسه كان يستشعر شيئا ما يجذبه للوقوف : هل يجب عليه ان يخرج الحصاة من الفلج كونه الذي دحرجها بداية ? إنه هو الآثم على كل حال, ولولا أنه ركلها برجله لما كانت الآن تستقر هناك في قلب الفلج. ونظر في الجوار وبدا المكان خاليا إلا من جلبة كانت يتقاذفها الأفق من جانبه التحتي والتي بدا مصدرها بعيدا : إن أحدا لم يشاهد ما حصل, ولذا كان يستطيع المضي دون أن يرف له جفن أو يتداعى في حمى الاحساس باحتمالية العقاب. بيد أن شعورا آخر تنامى داخله. وتذكر صديقه الذي أخبره أن عقاب من يرمي حصاة في مجرى الفلج أن يقسره الله على اخراجها يوم القيامة بجفون عينيه. بدا ذلك بداية أمرا سهلا, وتخيل أنه هناك وأنه يحاول الآن التقاط الحصاة بجفني عينه, لكن ذلك كان عسيرا على التخيل : إنه لا يستطيع ان يلتقط شيئا خفيفا جدا من مثل ورقة دفتر صغيرة فكيف يستطيع أن يحمل الحصاة. وتداعى في مخيلته ان الله يرقبه الآن من عل, وأنه لا محالة يعرف بالحاصل. وتقدم آنذاك من الحد الجصي وخلع نعليه وشلح من دشداشته قليلا, إن الله يراقبه لا شك, وها أن الملك اليساري القابع على كتفه اليسرى والموكل باحصاء أعماله قد سجل عمله السيء هذا في كتاب لا يمحى ولا يندثر أبد الآبدين, كما قالت أمه. واخيرا فإنه حتى إن غض هؤلاء الطرف عن فعلته فإن رجله ذات يوم ستنطق وستشهد أمام الجميع انني فعلت ذلك : إنه في اليوم الفلاني في الساعة الفلانية وقد كان قادما من مدرسة القرآن البعيدة فقد دحرج هذا الولد الكافر الجاحد الحصاة تلك واستقرت هناك في قاع الفلج. وانتابته قشعريرة حادة ألمت بجميع كيانه, واحس بقلبه يتموج بانتفاضات حادة ثقيلة, وأخذ الحصاة ورمى بها بعيدا وطفق يجمع الحصى المجاور حتى أزالها جميعا, وبدت بقعة الفلج آنذاك مكانا نظيفا صافيا. لقد محى الآن خطيئته وسيكتب له الملك اليميني بدل الخطيئة حسنات كثيرة لقد أخرج الحصاة واخرج كل الحصى المتناثر هناك, إنها حسنات كثيرة سوف تثقل كفة الميزان كما كانت تردد المعلمة وهي تمثل بعصاها الغليظة. إنه الآن راض عن نفسه, إنه سعيد, وبدأ في التنطط على الحد الجصي للفلج قافزا الى الحد الآخر بحركات بهلوانية محاذرا أن يهوي في الماء.? * * * لقد آن له أن يذهب فالوقت هو منتصف الظهر, وقد سمع المؤذن وهو يؤذن للصلاة, وعما قليل سوف يخرج الرجال من حجرة الفلج وقد توضأوا وقطرات الماء لا تزال عالقة بلحاهم الطويلة متجهين للمسجد. وحث الخطى إنه لا يريد لأحد أن يكتشف سره الصغير ولو تأخر قليلا فربما شاهده جارهم الذي يواظب على الصلاة باستمرار في المسجد العالي. أبوه لا يذهب للمسجد أما جارهم فيذهب, وعمه يكون غير متواجد باستمرار لكنه حين يجيء فإنه يصلي في البيت, والنساء كذلك يصلين في البيت لأنه لا يجب أن يخرجن من البيت طوال الوقت. النساء يقمن بالطبخ, ولو ذهبت النساء للمسجد لا أحد سيطبخ, سيفوت الافطار بسبب صلاة الفجر والغداء بسبب صلاة الظهر والعشاء بسبب صلاة المغرب.كان ممسكا بالقماشة البنية المخيطة التي يحفظ فيها مصحفه. سيذهب بعد قليل للبيت وسيوهم الجميع أنه قادم من مدرسة القرآن, لقد أجاد فعل ذلك طوال الاسبوع المنصرم ولن تستطيع والدته أن تعرف مطلقا انه لا يذهب بعد للمدرسة. كان الصبية قد حاولوا ان يقلدوا المعلمة وكانت هذه تتكلم بطريقة عجيبة وتخرج الكلمات وكأنها تأكل شفتيها لأنها لا تملك غير اسنان قليلة. الاسنان تتساقط ولا تعود للنمو حين يكبر الانسان, لدى والدي اسنان كثيرة بينما جدتي تمتلك اربعة فقط, أما انا فقد خلعت اثنتين بعد أن بدأتا في التحرك أثناء المضغ. المعلمة لا أسنان لها, وحين سمعتهم وأدركت ما كانوا يفعلون التفتت ناحية سالم ووجدته يضحك ولذا ظنت أنه أحد الفاعلين لكنه يستطيع أن يقسم بالله أنه لم يشاركهم : إنه ولد طيب, وأمه قالت له أن الأولاد الطيبين لن يدخلوا النار, والأولاد الشريرين سيدخلون, وهو كان لا يريد أن يدخل النار. وسليمان صديقه ليس شريرا كذلك ولذا لن يدخل النار هو الآخر. وقالت له المعلمة وهي ترمقه بغضب : أنت, تعال. ونظر إليها كان خائفا لكنه قام وقال في شجاعة أنه ليس الذي قام بذلك الفعل. أمسكت المعلمة بيده الصغيرة وجذبته بشدة وأخبرته أن يفتح يديه وإلا جاءت ضرباتها على مفاصله. وفتح يديه مرغما وهو يكاد يبكي لكنه كان يريد ان يكون رجلا, والرجال من أولاد قاسم بن محمد لا يبكون, البكاء للنساء فقط وللبنات الصغيرات أما الرجال فانهم يتحملون. وطفرت الدموع من عينيه وهو يتلقى الضربات الاربع التي كانت المعلمة ترفع يدها حتى أعلى ما تستطيع لكي توقع العصا على يديه بالشدة المطلوبة. واعقبت الضربات أثرا احمر طوليا على يديه, وفركهما بشدة وهو يعود إلى موضعه, وحاول أن يمسح دموعه.كان يحس بالظلم كبيرا داخله وانتابه فجأة احساس صلب بأن المعلمة ستدخل النار لأن الله يعرف كل شيء, ويعرف أنه لم يقل شيئا سيئا. لقد كان ولدا طيبا. إن الله يعاقب فقط من يستحقون العقاب بينما هو كان بريئا والمعلمة هي من ست ع اق ب, لقد ضربته بشدة ولم يكن قد فعل شيئا, ولذا فإنه سيستمر في الذهاب مع صديقه سليمان الى حيث يتواريان عن الانظار طوال الصباح, ومن ثم يرجعان الى البيت وقد حملا مصحفيهما ولن يشك الجميع فيهما. لقد قالت امه عن المعلمة : - انها امرأة تفهم كثيرا في الدين. بينما اصرت جدته وهي تخيط له محفظته وكانت آنذاك تحاول ادخال الخيط الضئيل في ثقب الابرة وتقترب من القنديل المعلق قدر المستطاع : - امرأة مجنونة. واستشعر سالم داخله الخوف. المجانين الذين لا عقل لهم, إنهم يتخبطون في كل مكان ويتأتئون إذا أرادوا الكلام, واحيانا يشربون بولهم لأنهم لا يستطيعون أن يعرفوا ما إن كان بولا أو شرابا آخر, لكنهم سيذهبون للجنة هكذا سلاما سلاما. وتذكر شيخة المجنونة التي تهرول في طرقات البلدة كل يوم جيئة وذهابا, و مبارك المعتوه المقيد من رجله إلى عمود حديدي في حجرة منفصلة في البيت الكبير قرب الفلج. لقد ارادت أمه أن تعاقبه وإلا ما أرسلته إلى هذه المدرسة حيث المعلمة مجنونة. وقال في تحد: أنا لن اذهب للمدرسة. كان الوقت ليلا, وبدت أمه غاضبة من الجدة وحدجتها بعنف, وأخبرتها : - لا يجب ان تقولي هذا امام الولد. لكن الأخرى أصرت على رأيها, وقالت : - سيعرف ذلك لا تحاولي ان تجعليه لينا. إنه واحد من أولاد قاسم بن محمد و يجب ان يكون رجلا. إنها مجنونة بعد كل شيء ولو كانت تعرف كل العلم. إن أمه من بلدة مختلفة أما أبوه وجدته أم ابيه وبقية العائلة فقد ولدوا هنا إنه ينتمي لعائلة الجارهي واسمه سالم بن عبدالله بن قاسم بن محمد الجارهي, لكن امه الوحيدة من كل البيت التي اسم قبيلتها مختلف. هي طيبة, انه يحبها, لكن هذا لا يعطيها صفة القبيلة. لا نستطيع تبديل اسم القبيلة أبدا, لقد سمع ذات مرة عمه يتحدث عن أناس قاموا بتغيير اسم قبيلتهم, وكان يقول أن ذلك لا يجوز. وأمه لا يجوز ان تغير اسم قبيلتها. كان لا يزال خائفا لكنه الآن واحد من الرجال إنه يحب جدته إذا تعلق الأمر به وبما يجب أن يفعل, هو ليس ضد امه لكنها تكون قاسية أحيانا, وهو يكره هذا. وفكر آنذاك في كلام جدته وفي المعلمة المجنونة وما يمكن أن تكون عليه, وقال: - لن أذهب للمدرسة. ونظرت إليه أمه ببرود وأومأت له أن يذهب للنوم. وتلكأ وهو يذهب لفراشه ولم يستطع ليلتها أن ينام, كان يحدق في السقف ويتخيل ما يمكن أن يحصل معه في الصباح. وفي الفراش ردد بصوت هامس: أنا ولد طيب, أنا ولد طيب, وأغمض عينيه بلطف لكن منظر شيخة المجنونة ممسكة بعصا غليظة ظل يلازمه. وخاف أن تلاحقه شيخة في احلامه لان ذلك سيجعله مرتعبا وشد لحافه الازرق على رأسه ودس وجهه تحت وسادته. لقد تعود قبل أن ينام أن يفكر في الوحوش والحيوانات الضخمة والمغيبين والقطط المسحورة. فهولاء لا يبدأون في الظهور إلا بعد أن تحل العتمة وتصبح الرؤية متعسرة. إن الضوء يخيفها ويجعلها تذوب فهي تتجول محتجبة بالظلام الدامس وتختفي في الصباح عند بزوغ أول شعاع للشمس. كان بعضها يهرول إلى كهوفها الحجرية في الجبال حيث تنتظر ليلتها المقبلة بينما تتحول القطط المسحورة الى رجال ونساء عاديين يصعب على الآخرين معرفتهم إلا من عيونهم. لقد حذرته جدته من اللعب قرب بيت حسينة جدة صديقه سليمان فهي ساحرة وقد حاول هو وسليمان أن يمرا في الأوقات من بعد المغرب علهما يريان كيف تتحول جدته الى قطة او اي حيوان آخر. وظلا يرابطان على بابها أسابيع ليحظيا بفرصة رؤيتها وهي تأكل ولدا صغيرا. لكنها لم تمكنهما أبدا من معرفة ما يدور داخل بيتها الصغير ذي الباب البني المهترئ. لقد أكلت هذه الجدة ذات مرة حفيدها الصغير حديث الولادة وتركت مكانه خشبة تحمل ذات ملامح الولد, وقال الرجال الذين حملوا الولد المسكين الى مقبرة الأطفال البعيدة: - هذا ليس ولدكم, إنها خشبة يابسة. وحملته أفكاره وهواجسه بعيدا وهو يرتجف من الخوف وتخيل بقشعريرة فكي الساحرة المخيفين وقد انتصبت عليهما الانياب الطويلة الحادة وهي تنغرز في اللحم البض للولد الصغير. سوف يعاقب الله كل السحرة الذين في العالم ويدخلهم النار ويجعلهم يتعذبون, وهو حين يكبر سوف يقتل الكثير منهم. سوف ينظر في عيونهم ليتأكد منهم ومن ثم سينقض عليهم بأحجار ثقيلة مثلمة حتى يهشم رؤوسهم, ولن يجرؤوا بعد ذلك على فعل الأشياء القبيحة. كان الصباح التالي مختلفا عن الصباحات الأخرى, واستشعر بالغفوة الصباحية تسكد على جفنيه وحاول أن يشد الغطاء على جسده الصغير ويتكوم داخله لكن أمه أزاحت الغطاء دفعة واحدة وأمرته أن يقوم ويغسل وجهه. كان كل شيء معدا: الافطار ومحفظة المصحف والمصحف الجديد الكبير بداخلها. وسلقت له امه بيضة على عجل وصبت في كوبه الصغير ذي المفصل المعكوف حليبا ساخنا واستشعر سخونة الكوب في يده والهواء الساخن يزحف على منخريه, أما القشرة التي تكونت على سطح الحليب فقد التصقت بشفته العليا واخرج لسانه وعكفها للأعلى في محاولة لازالتها. ودست أمه ورقة نقدية في يده ومشطت شعره وأخبرته وهي تضع عليه كمته الخضراء الجديدة التي لبسها في العيد ان ينتبه لنفسه.كانت عمته من سترافقه للمدرسة, إنه يحب عمته وهي لا تسكن معهم. ان عمته كانت تسكن بعيدا ويلزم ان يمشي لمدة ربع ساعة حتى يصل إلى بيتها ولها ولد واحد وثلاث بنات وكلهم كبار وهي تداوم على جلب الاشياء الجميلة له. لقد اهدته الاسبوع الفائت كرة مطاطية صغيرة تنقذف للأعلى وتنط بمرونة ومكعبا زجاجيا ثقيلا يحتوي على حبيبات ملونة لامعة مغموسة في سائل لزج وقد علمته كيف يصنع فقاعات الصابون باستخدام قصبة مجوفة وحين كان يزورها كان يتمنى أن تبقيه أمه حتى الليل لكي يستطيع أن يحظى بأكبر وقت في بيتها الجميل. وقال لعمته في ضراعة : - لا أريد الذهاب. لكن عمته أمسكته من يده بلطف وأخبرته: - لا بد ان تذهب. هل تريد ان تكون مثل الآخرين لا يعرفون كوعهم من بوعهم? هل تريد للأولاد أن يسبقوك? كل الاولاد الذين هم في سنك يذهبون للمدرسة. كوعهم من بوعهم: يا له من أمر غريب وفكر انه سوف يعرف كوعهم من بوعهم, أما الآخرون فلا يعرفون. سوف يعرف هذا قبل أخيه الصغير الذي يرقد الآن في الفراش والذي تعودت الام ان تنهره حين يقوم مبللا فراشه, اما هو فرجل إنه لا يبلل فراشه. حسنا, لقد بلل فراشه مرة واحدة فقط, وكان ذلك منذ مدة طويلة لكنه اصبح الآن رجلا والرجال لا يبللون فرشهم. وقال : - هل يعرف ابي << كوعهم من بوعهم >>? وردت عليه عمته على عجل: - لا احد في العائلة يعرف. - وهل انت تعرفين يا عمتى كوعهم من بوعهم? - هيا اسرع. يجب لكي يصلا للمدرسة أن يمرا أولا بين البيوت الطينية على الجانب الشرقي من ثم ينحدران على الباحة الحجرية التي تقبع متوسطة البيوت الكبيرة حيث يجتمع الرجال في العتمة وقبل أن يواجها المسجد العالي سينحدران في الطريق بين مزارع النخيل والليمون ويستمران في الالتفات يمنة أولا فيسرة فيمنة مرة أخرى حتى يواجههما ذلك البيت المحاط بالنخيل الطويل وشجرة المانجو الهائلة, ويجب ان يصعدا درجاته العشر واحدة واحدة لأنها أكثر سمكا من درجات بيتهم الخمس عشرة الاسمنتية? الصغيرة التي يستطيع ان يصعدها درجتين درجتين. وقالت العمة للمعلمة وهي لا تزال تمسك بسالم من معصمه: - هذا سالم ولد أخي عبدالله ونظرت المعلمة إلى سالم. كان يحمل مصحفه وامرته ان يدخل إلى حيث الأولاد الآخرين ينتظرون بداية اليوم. ونظر من فرجة الباب إلى الغرفة التي نبعت منها ضوضاء المتعلمين لقد كانوا بناتا واولادا, واراد ان يخرج, ورأى عمته تدس أوراقا نقدية كانت عليها صور السلطان في يد المعلمة لكن نظرات المعلمة اتجهت نحوه. وتلكأ في الدخول كان يظن انه سيتعلم مع الأولاد لكن هاهو سيحشر هنا في هذه الغرفة مع هذا العدد الكبير من البنات. إنه يكره البنات, وحين ولدت امه اخاه الاصغر اخبروه انهم جلبوا له اخا صغيرا وانهم كانوا يستطيعون ان يستبدلوه بفتاة ان كان يريد, فغضب. البنات يزعلن ويبكين ويفعلن اشياء سيئة وكان يخاف ان يقال له في الحارة ان له اختا صغيرة لان ذلك سوف يجعل الصبية الاكبر سنا يضحكون منه. وجلست المعلمة على مصطبة و ضع عليها سجادة ايرانية حمراء طويلة مزركشة من حوافها وعليها امتدت وسادتان ممتزجتا الالوان عرضيا, وكانت تضع يديها على الوسادتين وتقلب مصحفها الكبير الموضوع باحكام على مرفع خشبي وهي تنحني لكي تتمكن من ابصار الحروف بينما امتدت بالقرب منها عصاها الخضراء اللدنة المقصوصة حديثا ومروحة يدوية سعفية متعددة الألوان. واخبرت البنات ان يجلسن في الجانب الايسر للغرفة وأن يلزم الجميع أماكنهم لتستدل عليهم بسهولة وأمرت الجميع أن يفتحوا مصاحفهم على الحمد. كان معظم الأولاد يمتلك مصاحف كبيرة, المصاحف الكبيرة تبدأ بالحمد اما البقية فكانوا يمتلكون مصاحف قاعدة بغدادية, وهذه تبدأ هكذا: الف فتحة أا, وألف كسرة إي, وألف ضمة أو, وألف ليس له, أما الباء فتحته نقطة. ومصحفه جديد وكبير لأنه قال لأمه اريد مصحفا كبيرا والا لن اذهب للمدرسة. وبدأت المعلمة في الترتيل: بسم الله الرحمن الرحيم وردد الصبية خلفها: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين.. الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم.. الرحمن الرحيم مالك يوم الدين.. أما جدتي فتقول ملك يوم الدين وكانت تخبره ان والدها الذي تعلم على يد الامام محمد الخليلي هو الذي أخبرها بذلك وقالت ان الشيخ يقظان هو الذي غير النطق وان ذلك لا يجوز لان الشيوخ ليسوا متساوين في العلم والامام كان يعرف الكثير اكثر من الشيخ اليقظان, وأحس بالحقد داخله على هذا الشيخ الذي غير النطق وخالف الامام الكبير. وحرك شفتيه مع المجموعة موهما المعلمة انه يقول <<مالك يوم الدين>> لكنه في داخله كان يصدق جدته اكثر وكان يصر على كلمة <<ملك>>. إياك نعبد وإياك نستعين.. إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم.. اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم.. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم.. غير المغضوب عليهم ولا الضالين.. ولا الضالين صدق الله العظيم.. صدق الله العظيم وبدأ في التعرف على الأولاد. كان هناك اولاد يكبرونه سنا وقد كانوا يذهبون للمدرسة السعيدية أيضا بالباص الذي ينتظرهم كل صباح بالقرب من سبلة الشيخ لكنهم الآن في عطلة وهم يعرفون كيف ينطقون الآيات وقد تعلموا كيف يكتبون, وقال ولد مكتنز وقد فتح صدارة دشداشته وأخذ يطوح بفريخته في الهواء: - في المدرسة السعيدية يوجد كراسي وسبورة لكن لا يوجد بنات, هناك مدرسة سعيدية للبنات في مكان بعيد. وعاد الى مخيلته المدرسة التي تقبع خلف الجبل الجنوبي في الطريق المؤدي الى بيت أهل أمه. إنها بناء كبير وقد أخبره أبوه وقد كان يجلس بجواره في سيارتهم أنه سيتعلم هنا في السنة المقبلة لأنه سيكون قد بلغ السابعة من عمره. وتذكر الضجيج الذي كان يصدر من الداخل كأنه طنين نحل, سيجلبون له درزينة من الأقلام والمماحي والمباري وسينتعل حذاء رياضيا مثلما يفعل ابن عمه كل صباح وسيكون له حقيبة جلدية يضعها على ظهره او حقيبة دبلوماسية يحملها في يده, وود لو أن الأيام تمضي سراعا حتى يصل السابعة. اخوه عبدالله صغير وعمره سنتان وسيحتاج الى خمس سنوات أخرى حتى يذهب للمدرسة أما هو فسنة واحدة فقط لأنه ولد كبير طيب ولم يعد يبلل فراشه مثل عبدالله. وقال احمد الأسمر البشرة الذي يسكن بعيدا جدا بالقرب من السوق: - المدرسة السعيدية للكبار فقط وتعجب سالم كيف يسمحون لأحمد ان يدخل المدرسة السعيدية وقال في تشكك بريء: - لكنك صغير فأجاب احمد في امتعاض: - انا صغير?! تعال, وأنا اعلمك من هو الصغير. وقال سالم: - اعني انك لست كبيرا كفاية فرد أحمد بغضب: - لن يسمحوا لك ان تدخل المدرسة, سيقولون ولد صغير ونظر إليه بحقد بينما ظل سالم هادئا, وانكفأ ينظر الى سليمان الذي كان جارا لهم وكان يستطيع أن يكلمه من نافذة البيت ذات الضلفات الخضراء التي تواجه بيتهم. إن سليمان صديقي وأمه تحبني, أما أحمد فليس صديقي. لقد سأله أبوه ذات مرة وقد كان قادما لتوه من مسقط: - من هو صديقك? فأخبره أنه سليمان. وفرح ابوه كثيرا لأنه يعرف ابا سليمان وهم عائلة طيبة. وحين يدخل إلى المطبخ العلوي كانت خالته أم سليمان تخصه برغيف خبز شديد الحمرة وترش عليه مزيدا من السمن الأصفر, وقد عنفته أمه ذلك اليوم وأخبرته أنه لا ينبغي له أن يدخل مطابخ الآخرين ويتقبل هداياهم بسهولة, إن ذلك عيب كبير لان الرجل الحقيقي لا يطلب من الناس, لكنه لا يطلب الأرغفة وإنما خالته سالمة هي التي تفعل ذلك من تلقاء ذاتها. وقال سليمان: - دعك منهم وحين ذهبا ذلك اليوم في الفسحة بين الدروس الى دكان البقالة المجاور أخبره أنه لا يجب أن يتكلم مع احمد ولا الاولاد الاخرين السمر. هؤلاء مختلفون جدا وهم اشرار جدا. وقرب سليمان شفتيه من إذنه وهمس له وهو يلتفت متيقنا أن الأولاد الآخرين بعيدون عنهم: - إنهم خدام. وفكر: الأولاد السمر خدام اما الاولاد البيض فليسوا خدام, إذن ماذا يكونون? وقال سليمان: انه لا يعرف لكنه فقط يعرف انه ليس خادما وقد أعلمه ابوه إن هؤلاء لا يجب مخالطتهم فالعرق دساس. وسأل سالم في استغراب تام: - العرق دساس ?! لقد سمع عمه وجدته يتكلمان عن الخدام لكنهما لم يذكرا ان العرق دساس. دساس يعني مخبأ, لقد كان يستخدمها اثناء اللعب حين يختبئ وراء صناديق الملابس أو تحت جذوع النخيل التي صفت في الغرف السفلية بالمنزل من أجل حمل المناديس والفرش الشتائية والخروس الممتلئة بالتمر المخزن. هو يندس عن بقية الأولاد حتى لا يعرفوا أين مخبأه وتكون اللعبة ان يبحث الذي عليه الدور عن كل الأولاد المختبئين في البيوت المجاورة حتى يجدهم واحدا واحدا وإلا يكون خاسرا. وقد سمع احد الأولاد الأكبر سنا وقد كان غاضبا على اخيه الاصغر يقول له في انفعال شديد << ربما يكون فيك عرق>>. الخدام شيء مختبئ قبيح ولا يجوز مخالطتهم لأنهم عرق دساس ويقال حين يكون الانسان غاضبا جدا على الأولاد الأصغر سنا, الخدام لونهم أسمر والناس الذين لونهم ابيض او بني ليسوا خداما. هل سيدخل الخدام الجنة أم النار? لا بد أن يكون ذلك سؤالا صعبا على سليمان ولن يستطيعا ان يسألا المعلمة عن ذلك, وقررا ألا يسألاها. المعلمة ليست من الخدام فبشرة وجهها بيضاء مشوبة باحمرار وهو وسليمان ليسا من الخدام كذلك فهما أميل للبياض. وسليمان ولد طيب وحين يكبر سيكون مثله هو بالضبط رجلا طيبا لكن أهله يحبونه اكثر لقد تركوه يلعب ذلك اليوم في المطر وحين جاء عامل البلدية الذي كان يرش الدخان ليقتل البعوض ظل طوال فترة المغرب وهو يتبعه. كان متأكدا أن سليمان لم يكن من الذين قلدوا المعلمة وهي تأكل شفتيها, لقد قال لسالم إن الذي ابتدأ الأصوات هو الولد الطويل الذي يعتمر كمة زرقاء وقد شاهده يفعل ذلك مرارا وكان ينبغي ان يؤدب بالعصا حتى لا يعودها مرة أخرى, لقد حصل ما حصل واشتدت المرارة داخله وهو يتذكر الضربات الأربع وبدأ في التفكير وتقدم من سليمان وهمس له في إذنه بهيئة جادة, وقررا حينها أن يهربا من المدرسة, والتفتا حيث المعلمة وراقبا حركاتها وحين قامت للشرب من الآنية الفخارية التي علقت في بهو البيت انسلا من حجرة الدراسة وقفزا الدرجات العشر وهما يمسكان مصحفيهما باحكام واطلقا ارجلهما للريح |
|||||
|
|||||