قصتان

 

محمود الريماوي


1- الوديعة

افتح دفتر الهاتف بحثا  عن رقم لشخص أو جهة ما , فأصادف تلك الأسماء التي تفاجئني , وكأنني لست من احتفظ بها . أفكر للحظة وكما في كل مرة , بشطب تلك الأسماء وما يتبعها من أرقام , لكن قوة خفية وغلابة , ولأقل أن قلبي يمنعني بل يزجرني عن فعل ذلك .

وفي هذه الأثناء .. في هذه البلبلة , فإني أكاد أنسى ما أبحث عنه من أرقام من الدفتر الطويل , ثم أجدني أغالب نفسي فانهمك بالبحث عن الرقم المطلوب , وغالبا  ما أجده بعد قدر من العناء. لكني أجري المكالمة الهاتفية المقصودة, بمشاعر غير تلك التي أحسست بها قبل اصطدامي بتلك الأسماء, التي تخص أصدقاء وزملاء , جمعتني بهم مودة أكيدة وذكريات طيبة .

يتكرر الأمر منذ فترة غير قصيرة,منذ سنوات .. منذ عشر سنوات إن لم يكن أكثر . وإذ أقوم بتجديد دفتر الهاتف , أعني استبداله بدفتر جديد , إذ أن سنتين أو ثلاثا  كفيلة بأن تجعل الدفتر يهترئ من فرط الاستعمال , علاوة على ما يلحق بصفحاته من ازدحام وإضافات وتشطيبات (بسبب تغير الأرقام) .

إذ أقوم بهذا التجديد والتبديل : نقل الأسماء والأرقام إلى دفتر جديد , يكون في العادة أكبر من القديم , فإني أتفادى الإشارة لأبنائي بشطب أي اسم . فلا يعرف المرء متى يحتاج إلى الاتصال بهذا الشخص أو ذاك , وكيف يكتسب اسم  ما أهمية ما في ظرف ما . يحدث ذلك مع جميع الناس , وإن كانوا ليسوا جميعهم ممن يحرصون على الاحتفاظ بالأسماء كلها في دفاتر هواتفهم , أو في ملفات الحاسوب الخاصة بهذا الغرض , والتي لم أعمد إلى استخدامها بعد .

وبالنسبة لي فإن الأمر يكاد يبدو مؤلما  خاصة لصعوبة شرحه , فهناك خاطر يهتف بي أنه لا يجوز ولا يحق لي شطب تلك الأسماء , وأن من أبسط حقوق اصحابها علي , أن احتفظ بأسمائهم وأرقامهم رغم كل ما حدث , فماذا يكلفني حقا  أن احتفظ ببعض أسماء , إلى جانب مئات الأسماء التي يحتشد بها الدفتر . ولا تربطني بجميع هؤلاء صداقات او حتى علاقات مهنية أو سواها , ومع ذلك فإني أجد أنه من الأوفق بقاؤها, أو منحها على الأقل فسحة زمنية أخرى , فإذا تقادم العهد عليها أكثر وأطول مما <<يجب >> فقد أعمد حينها إلى شطبها , واستبدالها بأسماء أصدقاء ومعارف جدد أو هيئات ما بت على علاقة واتصال معها .

أما تلك الأسماء بالذات فأجدني ممتنعا  عن شطبها, وكما يمتنع المرء عن التصرف بوديعة بين يديه, رغم ما يبدو في الأمر من غرابة .

ولم يحدث ان << أخطأت >> كما فعل صديق لي فاتحني بأنه اندفع ذات مرة إلى الاتصال بصورة تلقائية برقم أحد هؤلاء , قبل أن يتذكر ما كان يجب أن يتذكره , فمن جهتي فإنني اكتفي بقراءة سريعة عجلى للاسم حين يصادفني , فأتنهد وأتحسر على تلك الأوقات التي كان يتاح لي فيها الاتصال الهاتفي به , ولم أكن أحسب كم أن تلك الأيام بهيجة وقصيرة , وأن انقضاءها سيورثني الحسرة , لكن الأمر لم يبلغ مرة درجة الاندفاع لمهاتفة من لا يمكن الاتصال به .

وعلى ما كنت أعلم فإن هناك ستة أسماء , ما زالت مدونة في الدفتر ولم أجرؤ على شطبها , حتى اكتشفت ذات يوم أن هذه الأسماء لم تنقل من الدفتر القديم إلى الجديد . فاجأني ذلك بل أفزعني , وكنت على وشك أن أسأل صارخا  : من فعل ذلك ولماذا وبأي حق ?. لكن هاتفا  ألح علي أن أتريث , فما الفائدة من السؤال وما جدوى الغضب. وكيف سأشرح لمن ارتكب الخطأ سبب احتفاظي بهذه الأسماء , رغم كل الذي حدث فمهما أوتيت من قدرة على الإقناع , فلن أنجح بإقناع الذي فعل بوجهة نظري الشخصية . ذلك أنها شخصية جدا  . محض شخصية . وبما أن دفتر الأرقام الهاتفية , يخص جميع أفراد العائلة , وهو في متناول ايديهم في كل وقت . فقد يكون من المبالغة وربما من الأنانية التداول في ما حدث , وكأن الدفتر يخصني وحدي . علاوة على ذلك فإن أبنائي يمدون لي يد العون في تدوين أرقام جديدة , وفي البحث عن بعض أسماء أطلبها منهم , بما يمنحهم الحق في بعض التصرف أحيانا  .

حتى انتهيت إلى غض النظر عما حدث وعدم الإتيان على ذكره . فمن ماتوا ما زالوا رغم كل شيء أحياء في قلبي , ولعلها الرسالة التي أراد تبليغي بها من شطب تلك الأسماء, أعني من امتنع عن نقلها إلى الدفتر الجديد , دون أن يقصد إيلامي . كل ما في الأمر أنه شطب أسماء << قديمة >> لم يعد الاتصال بها ممكنا  , ليفسح في المجال أمام تدوين أسماء وأرقام جديدة , ولعله تصور أني غفلت ونسيت من جهتي تلك الأسماء , فقام بالمهمة الروتينية والمنطقية عني .

ومع ذلك كان في الصعوبة بمكان , ان أكتم في داخلي الشعور بان اليد التي شطبت تلك الأسماء , إنما أراد صاحبها إبلاغي بأن من ماتوا قد ماتوا , وأنه لم يعد لهم متسع في عالم الأحياء , حتى في دفتر الهاتف . ويا لها من رسالة قاسية ,وكان يسعني بالطبع أن ألجأ إلى تصحيح الخطأ بذلك الحل البسيط: أن أعمد إلى إعادة تدوين الأسماء المشطوبة وكأن شيئا  لم يحدث . على أني سرعان ما أدركت أن هذه الفكرة تنطوي على قدر من الهزل . فيما المناسبة لا تحتمل الهزل , فلماذا أعمد إلى إعادة كتابة أسماء أشخاص متوفين وتدوين أرقامهم . كيف يسعني تفسير ذلك ما حاجتي << العملية >> إليه?.

وكان علي أمام ذلك وخشية أن أبدو كمن أصابه مس من الجنون , أن أبحث عن وسيلة ما , عن وسيلة أخرى , لا تثير استغراب الآخرين ولا حنقهم , للتراسل مع أحبائي الراحلين و<< مهاتفتهم >> ويا لها من مهمة شاقة ..

2- وصول الحصان

                              (إلى أمجد ناصر)

توقف الحصان الممشوق أمام مدخل أول بناية صادفها, وأخذ يحمحم بصوت خفيض , وبدا كأنه ينتظر أحدا  لعله سيده السابق يخرج من البناية, لكي يقوده إلى جهة ما .

هكذا فكر عدد من المارة,تصادف في الأثناء مرورهم عبر الشارع ,مع وصول الحصان وتوقفه أمام تلك البناية السكنية العالية والحائلة اللون , غير ان تفكير هؤلاء قد ساوى بين الحصان والسيارة التي قد <<تنتظر>> صاحبها أمام مدخل بناية , أما الحصان فلا يفعل ذلك عادة.

على أن طفلا في الرابعة أو الخامسة, هو الذي خرج من الشقة الأرضية للبناية, وقد جفل مما رأى وفوجئ بالجرم العالي للحصان ,ولم يعرف الطفل كيف يخاطب هذا الكائن الذي لا يثبت في وقفته, فقفل عائدا  ينادي بصوت عال باسم شقيق له أكبر منه, لكن هذا لم يخرج كعادة الأشقاء الكبار,حين يتوجه إليهم من هم أصغر سنا  بنداء.ولم يلبث الحصان أن رفع رأسه قليلا  إلى الأعلى ,وبانت عيناه الواسعتان الدامعتان في ضوء الشمس,وأخذ يحمحم هذه المرة بصوت مسموع .

ومنذ بلوغه مدخل البناية وتوقفه هناك, حتى هرولته إلى الأمام بخطى رشيقة موقعة على الأسفلت الصلب ,وخروج الصبي وعودته إلى ألفة البيت, فقد استغرق الأمر بضع  هنيهات وليس أكثر ,وقد فكر الصبي في أثنائها, إن الحصان على التلفزيون وفي الكتاب الملون أكثر وداعة من الحصان الذي رآه لأول مرة, أما الحصان الذي لم يلحظ وجود الطفل, فقد رأى في البناية صخرة عالية شاهقة لا يسعه أبدا  القفز عنها .

وهكذا فقد هرول الحصان بلونه البني اللامع المائل للسواد وبجذعه العاري , هرول إلى الأمام ,بعد توقف قصير لالتقاط الأنفاس,وبعد رحلة ضياع  طويلة, ضل فيها طريقه إلى سيده أو انه هرب منه لأسباب غامضة ,وقد وجد نفسه, أسيرا  بين الأجسام المعدنية المسرعة للمركبات,والأجسام الحجرية الضخمة للبنايات , فلا يسعه وقد بلغ أحشاء الزحام أن يبتعد مسرعا  على الأسفلت المستوي الصلب, ولا أن ينكفئ مهرولا بين المركبات .وقد طاش صوابه, وأخذ يتنقل بعصبية ظاهرة بين ضفة الشارع إلى الضفة الأخرى, فيما السيارات تتوقف وتزعق بزواميرها .

وكان لا بد في مثل هذه المواقف,أن يظهر شخص ما ويتقدم فجأة للإمساك به,وهو ما فعله شخص على بعض دراية كما يبدو بسوس الخيل , رغم أن ملامحه وهيئته لم تدل على أنه بدوي أو ريفي , وقاده إلى مكان مجهول .

لقد كنت أحد المارة من شهود العيان على ما حدث ,وقد فكرت ان الرجل الغريب فاز بالحصان واستولى عليه ,ولمت نفسي لوما  شديدا  لجهلي بالتعامل مع الخيول , إذ شعرت لسبب ما أني أحق بالحصان الذي ربما يكون هو <<الشيء>> المفقود الذي طالما بحثت عنه,لاخترق عبره الأبدية كما منيت نفسي دائما ,وها هو يضيع مني.


تصميم الحاسب الشامل