|
|||||
|
هناك دائما, في الصحراء, حيث يقف المارد المسكون بالأبدية.. مغناطيس الأرواح المغيبة. اللحظة المنقذة. أرض الملاك المختبئ. ملاذ الأميرات اللواتي حملن الحجر في قلوبهن, ملاذ الأنوثة التائقة إلى القوة القاهرة, ومن جهم الصمت ذاك يخرج الكلام قطرة عصية... الصحراء, لفاع اللغة العارية والغاوية والضائعة بين المعقل والعقال. صفو الحجر وهو يسقط في الماء. لحظة انتظار الحبيب وهو لا يأتي. لحظة النصر اليقين المؤجل. غواية كل الخطى. نقط لانهائية بين الكلام وفيه. ذرات النفس النفيسة. حبر العيون, والعيون منافذ الروح. عصا اللغة ومسندها. شاهرا روحه ذاك الخارج من الصحراء وذاك الداخل اليها. قوي كملك ولا أقوى من ملك. هي تشكيل حر, أبدي, وهي جمال الأسلوب. ذلك الراوي الأرجنتيني الأعمى, وذلك الفيلسوف الألماني الذي ثقب البصيرة, لا ذرة شك بأنهما خلف أكمة الرمال.. <<ويل لمن يمني نفسه بامتلاكها>>, ويل لمن لم يمنيها. قبلهما, ذرف الشاعر الأمير قصائده حينما عز البكاء <<قفا نبكي..>> قفا نقتنص المفردات في هذا البهاء الباذخ. كوكبة الرمل والضياء والوريقات الرطبة الحزينة للسمر. قفا لا للنواح وإنما, لنفعل ما تفعله السمرة, لنمتص الشعر من الهواء درءا من الجفاف. لنسقي به وريقاتنا. قفا لحظة لا لنقف وإنما, لنسير في هذا الكوكب السيار. <<ياصاحبي الركب..>> قفا بالرحل هنا, هنيهة, لنلقي بالسلام على الروح مشرعة للريح. <<ياصاحبي الركب دنا الموت..>> فقفا في ضوء الرمل. في عصارة اللون. قبل ذلك كان الضوء والرمل, والآن الضوء والرمل والموت خلف ربوة.. فقفا. قفا نسمع غناءنا. قفا ننشد الاتحاد. قفا فالدم هباء, أثر على الرمل.. إنما ضوء في الكلام. قبل العبور إلى هناك, إلى ذلك القادم خلف الربوة, إلى السفر اللولبي حيث الاتحاد في جرة الرمل وحيث اللقاء والغياب يرهصان المعنى, قفا هنيهة, هنا في مغارة اللغة, هنيهة مديدة لنرثي الأسماء طويلا طويلا, لنجرب الحروف كآخر اشتباك, رسم على الرمل في نائحة الصحراء. هدوء وسكينة في عالم قديم مسحور. سكينة مضاعفة. رهبة آسرة. نصر فعلي. لذة مدفونة وتوق متجدد. أحلام تشد مراكبها فوق محيط رجراج, سكرى في عرس النجوم الباذخ. صفير الريح في أوردة الرمل. ليل أسود وتاج أبيض ينصهر: حضرة ملكي الشرف في حفل الصحراء. تعاويذ ورقى ونوم يسترسل من الينابيع. نهر الضوء. صهوة حصان تموج فوق السراب. أعناق مشرئبة من أرض الرمال.. رمال <<تمتد وتتسع>> وجمال <<مشيها وئيد>>. حوافر تغرز رويدا رويدا في زمن ممحي . حُر. زمن رملي يقطر في العيون الواسعة. عيون الجمال الكحيلة وهي تسر ح البصر في السفر المستحيل, سفر بلا أثر. سفر في مصل الحياة.. ماء.. قطرة ماء في رائعة النهار. يتقاسمها الرمل والشمس والهواء. السمرة والجمال والبدو. خيمة وظل نهاري. شمسي. تحتها, جلس العربي الأول يتأمل في ملكوت السماء والأرض. جلس يفكر ويدوزن معايير الأخلاق لمجد الإنسان الخارج من الرمل والعائد إليه. الإنسان المتوحد بمعرفة الأثر تمحوه الريح: لا أثر, كل ما يأتي إنما ليذهب. لا يقين وإنما, قوة وعجز. <<قبض ريح>>. على لوح رملي, ابتكر العربي الخط من خيمياء البديهة والعناصر مجتمعة. مر ن العبارة على صهوة فرس أطلقها للريح. فوق الرمل, كانت اللغة على موعد احتفالي لم يشهده تاريخ. عرس واقعي, تشريحي. ومن نسل الأنثى الحرة في الريح, شيد العربي معمار اللغة ومنازل للخلق والج مال. الصحراء.. تسبيحة مسترسلة لعفة الروح والبدن. |
|||||
|
|||||