الدعاء

 

عبدالعزيز الفارسي


قبل ذهاب الحاج علي بن سليمان إلى مكة في منتصف ذي القعدة, زاره الشيخ خلفان; المسؤول عن القرية والملقّب <<بأبي اللبن>>.

 غلّف الغموض الجلسة التي جمعتهما في تلك الليلة, إذ لم يتسن  لبشر  ثالث حضورها. قال البعض : <<موضوع الزيارة هو تصفية الخلاف القديم بينهما, و المتأصل بسبب سلوكيات الشيخ خلفان المناقضة تماما  لمبادئ ودعوة الحاج علي بن سليمان الإصلاحية. ولك ن ما الذي يدفع بالشيخ لزيارة الحاج في هذه السنة بالذات لتصفية هذا الموضوع ?. لا يعقل كون ذهاب الحاج إلى مكة هو الدافع لذلك, فهو يحج كل عام. فما الذي دفع بالشيخ خلفان لاختيار هذه السنة بالذات ?!>>.

سليّم البعم قدّم تفسيرا  لهذه الظاهرة للمجتمعين في مجلسه بعد ليلتين من حادثة الزيارة : <<الشيخ خلفان أبو اللبن يعاني فشلا  في القلب و الكبد نتيجة تناوله الخمور مدة عشرين سنة, وسمعت  أن الأطباء أخبروه أنهم يتوق عون موته خلال ستة أشهر. لذا جاء يطلب  من الحاج علي بن سليمان العفو عما سلف, ويسأله الدعاء له بالغفران عند الكعبة, فيجتمع بذا مطلوبان : دعاء رجل  صالح  و الدعاء في أشرف مكان  على سطح الأرض.. هذا والله أعلم>>.

خميسان المنفت  و المقرّب إلى الشيخ خلفان لم يعارض تفسير سليّم البعم لكنه أضاف : <<المسألة يا جماعة هي حدس الشيخ خلفان. عنده حدس قوي والحمد لله. ومنذ شهر والشيخ خلفان يرى الموت في قاع فنجان القهوة, وعلى طرف الوسادة. أتصدقون ?!. قال لي : <<أرى موتا  قريبا  يا خميسان, وسيأخذ عظيمين من هذه القرية << والحقيقة أنه لم يفصح عن هويتهما ولكني خمّنت  أن العظيمين هما : الشيخ نفسه, والحاج علي بن سليمان ; مُحيي السنّة ورادع البدعة. وأظنه جاء ليصف ي الحسابات والنفس , لأنه - إضافة إلى موته - يتوقع موت الحاج علي في رحلة الحج هذه>>.

أما سلّوم الظبي فنفى كل ذلك قائلا  : <<القضية كلها أن الشيخ خلفان يريد من الحاج علي بن سليمان الكف عن التعريض به في خُطب  الجمعة. أظنكم لم تنسوا ما قاله الحاج في خطبة الأسبوع الماضي : <<فليحذر أولئك المسمون بشيوخ الألبان - بينما هم أصلا  شيوخ الخمور - من غضب الله و عذابه. إن عذابه لشديد>>. و لقد رأيتم كيف غضب الشيخ خلفان لذلك وأقسم على الإبلاغ عن تجاوزات الحاج وإتيانه بخطب  من عنده, وأهمال خطب الوزارة. لذا جاء هذا الأسبوع وانفرد به ليحذره.. ولا علاقة لذلك بموضوع الحج مطلقا>>.

ولم يتمكّن أحد  من معرفة سر الزيارة إلا بعد أربعين يوما, يوم رجع الحجاج إلى القرية يعلنون نبأ وفاة الحاج علي بن سليمان في مكة أثناء طواف الوداع. وقد أوصى قبل يوم  من ذلك الحاج درويش بإبلاغ الشيخ خلفان بما يلي : <<لقد دعوت  لك بما طلبت وتعلّقت  بأستار الكعبة سائلا  الله ألا يقبض روحك خارج حرم المسجد>>.

فرح الشيخ خلفان فرحاً عظيما, إذ لم يسمع أبدا  أن دعاء الحاج علي بن سليمان قد رد  في يوم  من الأيام. قال الشيخ : <<الحمد لله. فزنا في الدنيا والآخرة>>. و قرر الذهاب إلى المسجد بعد عشرين سنة لم يدخله فيها مرة  واحدة. واختار صلاة الجمعة الأخيرة من شهر ذي الحجة لتكون أول تجديد العهد مع الله.

انتظر الجميع دخول الشيخ خلفان إلى المصلى أثناء خطبة الجمعة, وتعلقت قلوبهم ببابه انتظارا  له. و صار كل مصل   يلتفت وراءه كل دقيقتين موجها البصر إلى الباب علّه يلمح  تلك اللحظة التاريخية. وقد ألهاهم هذا عن اكتشاف أن الحاج درويش يقرأ خطبة الوزارة ; أمر  لم تعهده القرية منذ خمس عشرة سنة, و لا يقل أهمّية  عن صلاة الشيخ في المسجد.

قال سليّم البعم في نفسه : <<حين يدخل الشيخ سأصفّق بحرارة وسيتبعني الجميع.. ستكون أول خطبة  في التاريخ تتضمّن تصفيقا. سيسمّونها خطبة التصفيق>>.

أما سلّوم الظبي فقد عاهد نفسه على الوقوف واحتضان الشيخ. قال: <<سنأخذ وقتا  مستقطعا  أثناء الخطبة. ستبلغ شهرتنا الآفاق حاضرا  ومستقبلا.. الخطبة المستقطعة.. هكذا ستصفنا كتب التاريخ المدرسية, وستقول: <<أول من أخذ وقتا  مستقطعا  أثناء خطبة الجمعة هو  سلّوم الظبي>>.

أنهى الحاج درويش الخطبة بقوله : <<.... ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون... وأقم الصلاة>>. لم يقم المؤذن لإقامة الصلاة.. كان هو الآخر مشغولا  بالنظر إلى الباب.  تطلّب الأمر من الحاج درويش إعادة العبارة ثلاث مرّات حتى يقوم المؤذن بتثاقل ليقيم الصلاة. اختار سليّم البعم الصف الأخير و كذا فعل سليّم الظبي واضعين في الاعتبار الاحتمال الأخير بإدراك الشيخ خلفان للركعيتن اللتين مط  فيهما الحاج درويش قدر المستطاع واضعا  في ذهنه نفس الاحتمال. وقيل أن أطول تشهّد جلسه المصلون في تاريخ القرية كان  تشهد تلك الركعتين حيث انشغلت أذهان كل المصلين بتأخر الشيخ, وتعلّقت أسماعهم بالباب الذي سمعوه يفتح ويغلق  قبل التسليم بدقيقة واحدة. وأول عمل  قام به المصلون حين قال الحاج درويش : <<السلام عليكم ورحمة الله>> هو الاستدارة والنظر إلى ذاك الباب للتأكد من قدوم الشيخ, وصعقوا حين اكتشفوا أن الذي دخل قبل التسليم لم يكن إلا <<صلّوح المشيمبو>> السكير الزنديق الذي اعتاد أصلا  الدخول في نفس التوقيت كل جمعة!!. لم يزد <<صلّوح المشيمبو>> على التثاؤب حين رأى النظرات تنهمر عليه. هرع كل المصلين إلى الخارج لاستقصاء أمر غياب الشيخ.

بعد البحث اكتشفوا أن الشيخ خلفان أبا اللبن قد فارق الحياة في إحدى دورات المياه, والتي تقع مباشرة على اليمين من مدخل حرم المسجد.


تصميم الحاسب الشامل