من الذي كتب الرواية?

 

عبدالستار ناصر


آه , ما أخبث الناس, لأنهم لا يحبونني بقدر ما أحب نفسي, وعندهم من اللامبالاة نحوي بقدر ما عندي من اللامبالاة نحوهم.

                                تريستان برنار

 

رفوف الكتب اعوج خشبها من ثقل ما تراكم  عليها من مجلدات وقواميس وروايات القرن التاسع عشر, وصار عليه أن يسندها بقطع من خشب سميك قبل أن يبدأ في روايته السابعة, التي قرر, قبل أن يبدأ الكتابة بها, أن تكون قنبلة الموسم بعد أن انفجرت رواياته الست بلا صوت وبلا صدى.

جلس في غرفته, لا احد يدخل غرفة الكتابة, صومعة الاسرار, مختبر الحل  والربط, خوفا  على جملة أفكار منسقة على الدوام ضمن ترتيب الزمان والمكان, واذا ما طارت حفنة من سطورها, صار عليه أن يعثر عليها من جديد بين آلاف السطور وعشرات الكتب التي تدور ضمن المحور نفسه, لا سيما وانه لا يترك أيما خط أو اشارة أو دليل أو هامش او حتى محض احساس يكشف لعبته (البريئة)!

ذلك درس في وعي مخاطر المهنة, فقد انتبه اليه ذات يوم واحد من رجال الفقه والشك والقراءة وقال عن روايته الثانية (انها مجرد نسخة من قصة الزم ار العجوز التي كتبها فرانك ستوكتون قبل مائة عام).. لكنه تمكن أن يقول بشجاعة يحسد عليها فعلا :

- إن مسألة كهذه ليست غير خواطر مشتركة تتشابه عند العباقرة من نوع ستكتون ومن نوعه ايضا .

أغلق الباب على نفسه, نظر الى تولستوي, نجيب محفوظ, غارسيا ماركيز, فرانز كافكا, جورج سيمنون, وأحس  أن هذه هي عائلته, وأن الدنيا اذا ما خلت من تشيخوف وفرجينيا وولف وهيرمان هسه وآندريه جيد ورسول حمزاتوف فهي مجرد أيام بلا معنى.

كان يصغي الى (مونت كارلو) تذيع نبأ عن جائزة نوبل التي نالها <<جونتر جراس>> وابتسم, اذ تذكر, انهما معا , هو وجونتر, ظهرا في جريدة اليوم, وان صفحة الثقافة منحته خمسة سطور زيادة على خبر (جراس) مع انه يعترف بأن هذا الروائي  يستحق خبرا  أفضل من هذا.

مد  أصابعه الى رف الشعر, قرأ ما يزيد على ثلاث صفحات- تلك طقوس اعتادها منذ صباه كما قال في حوار أدبي- ثم راح بصوت عال  يقرأ:

انني احتفي بنفسي وأغني نفسي

وما سآخذ به, ستأخذون به

وكل ذرة في جسدي هي ذرة فيكم

ثم أعاد <<أوراق العشب>> الى مكانه, طبطب على بطنه راضيا , فهو لا يشبه أقرانه من الكتّاب, هو يقرأ الشعر, وهذا يعني الكثير عند النقاد, أما قال خمسة منهم ان لغته من عيون الشعر?

فتح باب غرفته, سيأتي الشاي فورا , هذا يعني- كما يعرف أهل البيت- انه سيبدأ في الكتابة.

سيكتب عن الماضي, فهو كعادته لا يريد أن (يتحرش) بالحاضر, الموتى من البشر كما علّمه <<توفيق الحكيم>> لا يحكمون عليه ولا شأن لهم بنومه ويقظته.. سوف يبني أهرامات من الكلمات, لن يسمح لكائن مهما كانت منزلته واسمه وموهبته ان يكتب عملا  أطول من روايته.. نعم, ربما استغفله أحدهم ذات مرة ونشر رواية بجزءين لكن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.

صحيح أن لا أحد ممن يعرف كان قد قرأ تلك الرواية سوى خبيرها في الرقابة, لكن مجرد زهورها بهذا الحجم الباذخ الضخم يعني أن هناك من ينافسه حقا  ويريد الضحك عليه وعلى (تأريخه) البهي الطالع من جذور الأرض والشامخ نحو السماء.

شرب الشاي بمتعة ما جربها من قبل, الى رف  قريب من يديه, يضم أعماله الستة التي أخذت نصف شبابه ولم تعطه سوى (شهرة) لا تناسب ما ضاع من وقت وأوراق وسهر وسجائر وحبر, هو الذي حرم نفسه من النوم المبكر والتلفزيون والمتع الصغيرة التي يتنافس عليها اقرانه من كتاب الدرجة الثالثة الذين (يحسدونه) على خطواته الشاسعة الممتدة صوابا  الى اكاديمية السويد.

أخذ روايته الرابعة- المغطاة بالسيلوفين0 مسح ذرات من التراب غط ت على آخر حرفين من اسمه, أحس بالفخر إذ تذكر انها سوف تطبع ثانية, تماما  كما يفعل الحظ مع كبار الكت اب في العالم.

آه كم أخذته النشوة الى بحرها وأمواجها الساحرة, فهو سيقرأ عبارة (الطبعة الثانية) على تلك الرواية ويمشي بها الى الناقمين على مجده العظيم, حتى تراها كلاب الصيد وهم يتآمرون على قلبه الطيب الذي ينبض حبا  وابداعا  وتواضعا  وشهوة للقراءة والخير والمعرفة.

ثم أعاد روايته الى مكانها وقد شعر بالطمأنينة عندما رأى بعض ما ورد فيها.. نظر الى الرواية ثانية كمن ينظر الى امرأة يعشقها وقال مع نفسه:

- 764 صفحة.

رفع جسمه بكل ما فيه من لحم وشحم وفرح وأفكار وشرايين وخطط وخيالات وصفات وأوردة وغضاريف, وقف عند الرف الثامن من حيث الحكايات الشعبية وأغاني الشعوب وعاداتها ونوادر ألف ليلة, نظر الى صف من الكتب الصفر التي تنام على خوف من أصابعه التي تمرح بين أوراقها وتصرخ في كل مرة يكتب فيها عملا  روائيا .

خطوط حمر ومزق من أوراق تركها بين الصفحات, اشارة الى صفات يحتاجها او حشرات قد لا يتذكر اسماءها ومعارك لا يدري أي سلاح استخدم فيها, وبنادق من سالف الزمان لم يمسكها أب أو جد, لكنه صار يتقن يوم صناعتها ويفهم العشرات ممن كان يمشي متباهيا  بها.

كان يفكر: ان الرجوع الى هذا العالم يغنيه بالمزيد من الصفحات وانه الآن سوف يعرف كيف ينتقم وبصمت, من صاحبه الذي كسر الطوق وقفز حواجز الممكن واخرج رواية بجزءين كبيرين اذا ما رآهما أيما ناقد في المدينة سيقول فورا :

- ما شاء الله.

أخذ من الرف الثامن, ثمانية كتب, ومن الرف العاشر خمسة وعشرين كتابا  ومن رف المجلات ما يزيد على عشرين مجلة, وفكر: ان هذا سينفعه في انجاز الفصل الأول, فقد عثر  فعلا  على بداية كما الكنز, يمكن منها الدخول الى ديوانية الرواية التي قرر مع نفسه انها ستأتي في ألف وستمائة وسبعين صفحة, أي بزيادة سبعين صفحة على رواية من أراد أن يهزأ به, سيثبت لأبناء قريته أولا  ثم أقرانه وأبناء العاصمة ثانيا  وأهله وذوي القربى ثالثا  ومستشاري أكاديمية السويد أخيرا  كيف انه تمكن من كتابة هذه القنبلة في زمن نسبي لم يسبقه اليه ايما كاتب عربي, واذا ما ذكر بعضهم الوقت الذي استغرقه (ديستويفسكي) أو (عبدالرحمن منيف) أو (البرتو مورافيا) في كتابة أعمالهم الطويلة, سيقول لهم: أنا أملك الدليل على أن نسبة الوقت معي كانت أقصر.. ربما سيلتفت البعض الى نسب الوقت, لكن غيرهم سيضحك من هذا الشرط البائر, فهو يريد أن يقرأ (ابداعا ) بين السطور ولا يعنيه كم كيلوجراما  كان (وزن) الرواية.

لم يترك حشرة ولا بندقية ولا سمكة الا وجاء على أنواعها, السطور تزداد والرواية تكبر, والكتب التي يستل منها المعلومات تدور حوله في طابور دائري, كتاب العقد الفريد تأليف أبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي, أخذ من صفحاته الفردية ما يزيد على ثمانين سطرا  لئلا يشعر أحد المشاكسين بلعبته, فقد كان السطر الذي يسطو عليه يبعد عن السطر الذي يليه عشرات السطور, وهكذا الحال مع <<التبيان في علم المعاني والبديع والبيان>> و<<المناحي الفلسفية عند الجاحظ>>.

لكنه في الربع الثاني من (روايته) رأى أن الكم الكبير من السطور لن يصنع أبدا  ما يبتغيه لا سيما وأن سطور الربط التي كتبها بنفسه- كيما تبدو الرواية معقولة ومفهومة- لم تكن أكثر من مائة وعشرة سطور, هي كل ما تمكن من ابداعه لصناعة هذا العمل الخطير.

نظر الى بقية الكتب, وأحس بضرورة أخذ المزيد من السطور, انه يعرفهم, لا أحد منهم يقرأ, وحتى اذا كان يقرأ كيف به سيكتشف هذا الخليط من (طوق الحمامة) و(زرادشت) و(مصرع الكولونيل لجمان) و(حبز بوز) و(مغامرات الكابتن رنجل)?

انتهت قنبلة الموسم كما أرادها (المؤلف) وجاءت في ألف وستمائة وسبعين صفحة كما قرر فعلا , قرأها الخبير الأول والثاني والرابع والخامس (تخل ف الثالث عن الحضور بسبب ايمانه بموهبة الروائي).. أصاب كل واحد من الخبراء النعاس والقرف عند صفحة ما من صفحاتها, ولا يدري أي واحد منهم ماذا كانت نهايتها, غير انهم, وبصوت واحد تم اتفاقهم عليها, فقد كان عليهم صرف مبلغ الشيك قبل نهاية الدوام الرسمي.

وما إن ظهرت قنبلة الموسم ورآها (مبدعها) حتى كاد أن يبكي فرحا , فقد نظر الى آخر صفحة منها واطمأن الى عدد الصفحات- انها تزيد سبعين صفحة على رواية صاحبه- ثم رفعها بيده اليمنى بعد أن صار غلافها وزنا  آخر يضاف الى وزنها, وتأكد ان الوزن جاء موازيا  كما الحلم الذي طال وامتد أمام عينيه, ثم .. بدأ يكتب الاهداءات الى النقاد!.


تصميم الحاسب الشامل