قصتان

 

مفلح العدوان


حقيقة

مستسلما  لتكرار آلية أيامه, وقف على مرمى ايماءة عين من المرآة, فأحس بسطحها يجذبه إلى عمقها!!

حاول تثبيت قدميه ممسمرا  جسده في جوف الأرض, لكن الخفة استلبته, فصار شبيها  بقشة أمام ريح جذب سطحها الفضي له, وشعر بكل خلايا جسده تنزاح باتجاهها, منسلة وراء وجهه الذي اختفى في اطارها!!

لم يسمع كسرا  لزجاج.....

عاين وجهه; كان خاليا  من الجروح, ولا تطفر منه الدماء معلنة عن ألمه!!

تعجب, والتفت إلى باقي جسده الذي واصل انسيابه بيسر الى العمق, حيث أخذت المرآة تقشر جلده طبقة تلو طبقة!!

وجهه معياره... وعيناه مرجعه في المعرفة!!

لمسه, فلاحظ تبد له, مرة كألوان حرباء, ومرة أخرى كجلد أفعى!!

استهجن تقلبه, فحاول الانتفاض على الصمت, صراخا , لكن صوته خذله, معلقا  إياه على أوتار التحديق باتجاه طبقات جلده التي أخذت تشي, بتكشفها, عن معالمها!!

قبل مائتي سنة, كان راهبا  يواطن ديرا , الدير على قمة جبل, الجبل يسكن المسافة بين سرة الأرض وحلقوم السماء, وكان هو يقرأ أسفاره, بينما خنجر غدر يتربص به, قبل أن يطعنه.

تلمّس صدره أمام المرآة, فرأى ندبة بارزة كالفضيحة في الطبقة الأولى من جلده... ركز بصره أكثر, غير أن المرآة لم تمهله وهي منهمكة بتقشيره طبقة ثانية قبل مائتي سنة من عمر الراهب الذي عاش فيه!!

رأى معالمه ثملة, وهو سكير يترنح خارجا  من الحانة متشبثا  بالمارة وبالجدران, خشية خزي السقوط... بعد خطوات, تغيرت ملامح سكره سريعا , لتصير ورعة وادعة, حيث يموت على هيئة شيخ يحلم بأنهر الخمر, وبالجنة, وبالحور العين!!

جاهد أن يلمس لحيته البيضاء, كما العرق حين يختلط بالماء, إلا أن الطبقة الثالثة منه اكتملت كينونتها شجرة نكرة توفر للطير أعشاشا  على أغصانها, وهي عاقر إلا من أنس خضرتها, وموسيقى العصافير التي تدفئ وحدتها... لكنها ذات صباح, أحست نصلا  ينهش ساقها, وسمعت خبط أجنحة تهرب من ظلالها... تألمت, والحطاب يجتثها وقودا  لنار عوزه!!

تأمل طبقات جسده وهي تعلن قفزات الأرواح فيها... تساءل بحيرة: (أيها أنا?!) ضحك, حين صادفته طبقة قاسية...

عاينها, مصمما  على التعرف عليها: (هل كانت, ذات زمان, جلد ديناصور, أم ذيل تمساح?!)

زادت حيرته, ولم يستطع التفريق, فمسح بالمنشفة ما تبقى من صابون الحلاقة على وجهه, ثم غسله ضاحكا , محاولا  التأكد من حقيقته!!

ولادة

طفلها الذي لم يولد بعد, تريده أخضر العينين, طويلا, قليل الكلام, ويلثغ بحرف الراء!! أصابعه دقيقة, وبشرته بلون الحنطة, وعلى خده الأيسر شامة, بينما ذاكرته مثل شعره ستكون غزيرة قوية!!

قالت هذا وحكت جبهتها صامتة للحظات ثم أكملت: نعم... ذاكرة قوية, وأنف صغير كأنوف الصينيين وحين يضحك أريد أن تضحك معه غمازتا خدوده.

كانت في حديثها متوترة ومتعجلة بعد أن رحّب بها الأخصائي وأجلسها أمامه واضعا  في حضنها صورا  ونشرات صغيرة أخذت بتقليبها قبل أن تملي عليه الاضافات التي تريدها, وتشير إلى إحدى الأوراق قائلة: (مثل هذا!!).

تأملت الورقة أكثر, وهمست بصوت منخفض: (سأسميه عشرة!!)

قلب الاوراق أمامه, وهز  رأسه آسفا : (عذرا ... هذا الاسم محجوز!!) تأففت قبل ان تطلب منه توضيح ما تبقى من أسماء غير محجوزة. (الثاني عشر, والخامس والعشرون!) أجابها, فاختارت الخامس والعشرين على أن يكون متوسط الذكاء, حالم, وله معرفة بالفلك, ويكره الكيمياء, وميوله الوجداني نحو الأنثى السمراء!!

رفع رأسه باتجاهها مشيرا , الى الساعة أمامه: (لم يتبق إلا خمس دقائق!!)

هزت رأسها مذعنة, خاتمة كلامها بقولها: (أما بقية المواصفات فلتكن عادية, كما في الصورة النموذج... وأرجو أن تعطيني الكمية بسرعة!!)

كتب ملاحظاته على ورق أمامه, ثم وضعها في طبق, وضغط زرا  على مكتبه فارتفع صوت جرس قبل أن يحضر شخص لأخذ الورقة.

حملها مثل جنين وقبل أن يصل الباب خارجا  التفت اليها سائلا : (سيدتي, كم الكمية التي تريدين?!) قالت: (ثلاثة فقط!!). قال: (إذا أردت المزيد فبامكانك الاتصال في أي وقت, لكن هل تريدين هذه الكمية الآن, أم أحزمها لك, وترينها في المنزل?!)

نظرت إليه.... ابتسمت, وقالت: (أراها أولا , ثم تحزمها لي حتى أصل البيت!!).

دقائق, وعاد...

كانوا ثلاثة أطفال بملامح واحدة يتبعونه كأبناء.

قال: (ها هم كما طلبت, أبناؤك ولادة اليوم بالمواصفات التي أردت, ورقم الازدياد محفوظ في الحاسوب بتاريخ اليوم تحت اسم تناسخ خامس وعشرين عدد ثلاثة!!)

تأملتهما بعيني أم...

جس ت أطرافهم, وتفحصت أفواهم وعيونهم قبل أن تشير برأسها موافقة!!

ابتعدت عنهم, فاقتربوا من ميزان وسط المكتب, ثم وقف الثلاثة عليه وبدأوا بالتقزم  شيئا  فشيئا , نصفا , فربعا , فربع الربع حتى تلاشوا في شريحة (الحاسوب)!!

غل ف الشريحة بقماط من ورق الهدايا... ووضع عليها بطاقة كتب فيها أرقامهم, وأضاف عليها عبارة (مبروك!!).


تصميم الحاسب الشامل