جدار أبيض

 

يحيى سلام المنذري


                                        إلى الصديق أحمد محمد الرحبي

مشهد (1)

المستشفى ينفث رائحة مخدرة. قاعة الانتظار تتلذذ في ابتلاع الناس. كرتان صغيرتان تنقذفان من رأسي.. تتدحرجان هنا وهناك.. تستكشفان القاعة. تنتقلان من وجه إلى وجه.. من جدار أبيض إلى جدار أسود.. ومن باب مفتوح إلى باب موارب أو مغلق.. الجميع يلفهم العبوس.. كراسي الانتظار مصنوعة من الإسمنت, ويظهر السؤال كالمارد من إبريق قديم: لماذا صنعت الكراسي من الإسمنت? ربما لتزرع الألم في الظهر. ورغم كل شيء تطير (هي) ناحيتي كنسمة باردة تلطف الجو وتنق ص من ملل الانتظار الكئيب.. تهديني ابتسامة من شفتين حمراوين.. ثمرتان ناضجتان بعيدتان تنسياني التعب والمرض.. ثمرتان محرمتان.. تفاحتان من الجنة.

مشهد (2)

الرائحة تزداد مع قدوم طبيب أو ممرضة أو مرضى يتوافدون من كل مكان.. ألمح لوحات تقطر أخطاء لغوية كانت معلقة على الجدران البيضاء.. اللوحات تكسر النافذة وتهرب من كل ما كتب عليها.. تتساقط الحروف على الأرضية الملساء وتدوسها الأقدام..  وتبقى الصور ملتصقة على الجدران. كنت أهم بأن أقف وأحصي اللوحات لولا صياح طفل رضيع دخلت به أمه.. كان بكاؤه حادا خرق رأسي وصب فيه الصداع.. ألا يكفي (المصر) طوال الصباح يمارس دور ثعبان يلتف حول الرأس ويعصره كالليمونة.

 الطفل يبكي بحرقة, لا بد وأنه يتألم, على ما يبدو أن أباه تبعهما بالبطاقة بعد ان دفع النقود.. كان لا يزال بملابس نومه. حاولا أن يدخلاه عند الطبيب بأسرع وقت وينقذاه من الصياح.. لكن دون جدوى.. الممرضة الجافة التي تعاني فيما يبدو من مرض نفسي تحولت إلى مدفع وأطلقت صرخة سؤال حاد: <<ليش هذا ولد فيه صايح?>>.. ردت الأم بحزن: <<ما أعرف>>.. ثم تحولت الممرضة إلى نمر هندي مخطط وزأرت: << ما في شوف زحمة.. إجلس ماما في الدور>>. تحولت إلى دكتاتور يأمر وينهي.. كانت بجانبها ممرضة عمانية يبدو أنها نسيت شخصيتها في البيت.. قمع آخر أراه هذا اليوم.. الأول كان في بداية الصباح حينما نهر المسؤول موظفيه في اجتماع مطول كي يحتفظوا باقتراحاتهم الساذجة لأنفسهم, وطبعا اقتراحاته هي التي يجب أن تنفذ, وكالعادة سوف يقترح آراءهم لاحقا وينسبها إلى نفسه.. ولا يستطيعون أن يتفوهوا بكلمة, وإن رد أحدهم فسوف يدون اسمه في اللائحة السوداء المطعمة بأسماء عديدة من ضمنهم اسمي بالطبع. ماذا لو دخل الآن هذا المسؤول.. من المؤكد أنه سوف يحي ي تلميذته الممرضة ويرقص معها طويلا أمام المنتظرين.. وسوف يدخل قبل الجميع عند الطبيب.

 شخص يدخل بسرعة, يحدق في الجميع, يوقف نظره في وجهي ويبتسم, ثم يخرج. وتتشكل سحب الأسئلة حولي: من هذا الرجل? أين رأيته? ألا يشبه بونويل الأسباني? أليس هذا تخريف? ربما لم يدخل أي شخص. ربما كانت توهمات. بونويل شبع موتا, ربما كان يتمشى مع فلليني في غابة النسيان الأبدية, هناك تحت السماء.

مشهد (3)

أتذكر عينيها وأصابعها الناعمة البيضاء وهي تطرق على الطاولة.. صانعة بذلك لحنا موسيقيا, كأنه الرذاذ يرسم البهجة في قلبي. دعني إذن من الانتظار والممرضة وصياح الطفل وذكرى المسؤول النكتة.. ولأتذكر القصيدة التي كتبتها لها ولم تقرأها وربما لن تقرأها أبدا.. قصيدة لها.. تدفئ قلبها.. وأمتص من عينيها صمتا لذيذا.. قصيدة لها لأنها تحب الشعر.. ماذا فعلت بقوة صبري.. أراه ينفذ.. ينفذ.. حتى يحتويها بعمق.

مشهد (4)

يزداد صراخ الطفل.. تهدهده أمه.. ولكنه يزيد في البكاء.. وأبوه الذي يجلس في قاعة انتظار الرجال يرمقهما بقلق.

يدخل ولد قلق يمسك دشداشة أبيه من الخلف.. يقرأ الأب جريدة ذاب حبرها في يديه.. الحروف تنفلت من دماغه.. نوع من الجرائد التي تصدر يوميا لتوسخ عقول قارئيها.. الولد القلق يخرج من جيب دشداشته الصغير منديلا ورقيا مشرذما.. يأخذ منه قطعة صغيرة.. يدببها بعناية.. ثم يدخلها في أنفه وينظف.. وبعد أن ينتهي يرمي بها على الأرض.. ثم يقطع أخرى.. وهكذا. لا بد وأن أباه يفعل نفس الشيء في البيت. تحرك الولد وطار من النافذة ناحية غابة أشجار.. أخذ يقطف أوراقا خضراء وينظف بها آذان الناس. أردت أن أناوله منديلا ورقيا نظيفا وجديدا.. لكنني ضحكت لأنني حتما سوف أفتح له جرحا لن ينساه مدى حياته.. سوف يتذكر حينما يكبر أن شخصا استهزأ بفعلة قام بها وهو صغير. لن أفعل ذلك.. دعه يفعل ما يحلو له. أتساءل.. لماذا عاد الولد من الغابة ومعه صحن وخروف وطائران أزرقان?

مشهد (5)

الجميع الآن لا يسمعون سوى صياح الطفل.. أمه ما زالت تحاول أن تسكته ولكنها تفشل فتتلقى شفقة الجالسات بعباءاتهن السوداء.. يلفه قماش أبيض تلعب ورود ملونه في فضائه. صياح وألم لا يعرف سببهما.. كأن بـه مرضا  لا أحد يعرفه.. هل أصابه قلق من هذه الحياة? من هذا الحر الذي يحرق البلد? هل بدأ يفكر في المستقبل الذي ينتظره? حتى الأطفال الذين كانوا صامتين أخذوا في البكاء تضامنا معه. تحولت القاعة إلى شجرة ثمارها أطفال يبكون بمرارة وحزن.. والكبار يحدقون فاغري الأفواه في بعضهم البعض.. تلاشى اللغط الذي كان يقفز بين الأفواه وأخذوا ينظرون ناحية الطفل الباكي باستغراب.. بينما الولد صاحب المنديل - الذي لم يبق منه إلا نتفة صغيرة - توقف عن تنظيف أنفه وأدخل ما تبقى من المنديل في جيبه.. ونسي الغابة وما بها من أوراق.. وأقفل أبوه صحيفته.. فكيف يخرم عقله بالسذاجة في جو كهذا..? هذه المرة دخل سلفادور دالي.. سكت الأطفال وأخذوا يصفعون أمهاتهم وأباءهم, وكونوا طابورا أمام تلك الممرضة, كل واحد منهم يشد شعرة من رأسها, بينما دالي يمسك بيده قطعة فحم ويرسم في وجوه الجالسين وفي الجدران, وحينما تقدم ناحيتي لم يرسم في وجهي بل أطلق ضحكة سخرية, وغمز لي بطرف عينه, وتكلم بلغته الأسبانية التي لم افهمها, ثم اختفى, وعاد الأطفال للبكاء, وعادت الممرضة لحماقاتها. الآن تأكد لي بان الرجل الذي ظهر لأول مرة كان بونويل. من سوف يأتي لاحقا?

مشهد (6)

أغمض عيني قليلا.. أراها تركض ناحيتي بلهفة على شاطئ بحر تحفه طيور ملونة تذكرت عيناها ونسيت نفسي فيهما.. وتذكرت نهديها واقشعر بدني للحظة.. ثم انكسر كل شيء حينما ازداد صراخ الطفل.. يا ناس ارحموا هذا الطفل وأدخلوه عند الطبيب, صراخ ابتلعه فينتشر في جسدي كالنار. انتظار قاس, ولكن  ما الفرق? طوال عمري أنتظر.. إنها القصيدة التي لم تصل.. إنها العينان اللتان تسطعان كل صباح.. هذان القدمان إلى أين تسيران بي? سوف أكتب لها قصيدة أخرى واعترف لها بأنني أريد أن ألتصق بها بشدة.. في داخلي بحر يفتت عظامي بملوحته.. يهدأ البحر.. ويزأر قلبي.. تغوص قدماها البضتين في رمل الشاطئ.. تنتقلان من مكان إلى مكان حتى تغوصان في قدمي.. وأحس ببرودة تسري في عروقي.. ولكنها تبتعد لترسم على رمل الشاطئ وجوه أطفال.. من حولهم ورود.. لكن الموج يمحي الوجوه البريئة ويترك جروحا.. فتسقط باكية.. تحاول أن تناديني.. ولكن رياحا عاتية تبعدني ناحية جبل يحفه السكون.

هل هذا هو قلبي الذي دب فيه الفزع.. كأن الطمأنينة هربت من البلاد. سكت الطفل فجأة.. قالت أمه ببراءة: <<أخيرا نام>>. افتضح وجه أبيه قلقا.. تلاقت عينا الأم والأب كي تتبادلان حوارا صامتا بأن لم يبق أمام طفلهما سوى شخصين ومن ثم يأتي دوره كي يدخل عند الطبيب. أثناء قراءتي لحوارهما سمعت أسمي يتردد من فم تلك الممرضة التعيسة.. سمعت أسمي ببشاعة كما سمعته من فم مسؤولي في العمل الذي ينطقه مغلفا بالمديح الزائف.. ياله من ساذج ومعقد.. إنه جسد بلا إنسان.. وكأني شاهدت طيور هيتشكوك تطارده. قلت للممرضة: <<أتنازل عن دوري لذلك الطفل>>.. لو أنها فقط قالت (لا).. لكنت فتحت عليها نارا لم تر مثلها من قبل.. وجعلت من تلك الطيور تفقأ عينيها الجاحظتين.. إلا أنها تكرمت وسمحت لهما بالدخول.. وارتاحت نفسي قليلا. دخل الأب والأم بطفلهما بسرعة عند الطبيب. لمحت الممرضة تبتسم لشاب أشعث الشعر.. إن أدخلته قبل الجميع فلسوف أحرقها.. تخيلتها أفعى تفزع جميع الجالسين. إن تنازلت الأنثى يوما عن أنوثتها ستتحول إلى أفعى سامة.. وأنا أنفر من جميع الأفاعي.. وللمرأة القاسية ألف وجه ووجه.. تنفث السموم في كل شيء حولها.

مشهد (7)

جدار المستشفى الأبيض يتسع الآن أكثر. عيناي تقفزان وتضيئان الجدار. الولد صاحب المنديل يخترق الجدار وينادي امرأة مسنة. المرأة المسنة أمسكت صحنا كانت قد أكلت منه خبزا, ثم على غفلة من أحفادها طيرت الصحن في الهواء, ظل الصحن طائرا عشرين سنة حول الأرض, ثم سقط على طائرين كانا يقفان على سلك كهرباء في أحد الحارات السكنية.. فوقعا على رأس الولد. تحسسهما ورفع رأسه عاليا ليجد أجنحة تتطاير حوله.. غضب بشدة وذهب إلى البيت حزينا تاركا أصدقاءه يضحكون على المشهد المفاجئ.

  استقبلته أمه بغضب.. سحبته داخل الحمام وغسلت له رأسه.. أخذ يفكر لماذا هو بالذات سقط الطائران على رأسه.. قبل أن يخرج كان يستحم ويغني أغنية سمعها من المذياع.. والآن تؤنبه أمه على وقوفه تحت أعمدة الكهرباء. رد عليها بغضب بأنه دائما يقف هناك ويلعب بالكرات الزجاجية الملونة. وبعد انتهت أمه من غسل رأسه أجبرته على عدم الخروج مرة أخرى.

دخل الغرفة وفتح مجلة ليشاهد صور نساء عاريات, ونسي الكرات الزجاجية.. ونسي كل شيء.

مشهد (8)

دخل دالي وبونويل إلى قاعة الانتظار, أخذا يرقصان أمام دهشة الجميع, تناول دالي الذي امتد شارباه حتى قدميه عباءة من أحد النساء وفرشها على الأرض ثم جلس عليها, تناول بونويل من جيبه مقصا وبدأ في قص شوارب دالي, ثم تناول بونويل موسى حلاقة وقبل أن يبدأ في قطع بوبؤ عين دالي جاءت صرخة, فهرب دالي وتبعه بونويل ناسيا الموسى والمقص, حيث جاءت الممرضة وخبأتهما في جيبها.

مشهد (9)

وفي الماضي السحيق, بحث أحفاد المرأة المسنة عن الصحن الوحيد في بيتهم بعد أن اكتشفوا اختفاءه, وسألوا جدتهم, ونفت من جانبها أي صلة لها باختفاء الصحن, وقالوا لها بأنه كان دورها في الأكل ذلك اليوم, وبعده اختفى, وأكدت لهم بخبث أنها وضعته في مكانه بعد أن انتهت من أكل الخبز. وخرجوا يبحثون عنه في الشوارع والأزقة ولم يطردوا شكوكهم في جدتهم; خصوصا وأنهم يعرفون بأن لها علاقة بالسحر والسحرة, وباتوا يخافون منها, وحينما عادوا إلى البيت خائبين دون أن يجدوا الصحن, وجدوا جدتهم تقرأ كتابا, وهم موقنون بأنها لا تعرف القراءة, وحينما طلبوا منها أن تعيرهم الكتاب رفضت, ودخلوا إلى غرفتهم خائبين, وكانوا خمسة عشر حفيدا, ومعهم خروف هرب من سكين العيد بمساعدة طائرين أزرقين, فقبل أن يهم صاحب السكين بذبحه, جاء الطائران وخزقا في عينيه فأعمي صاحب السكين وهرب حينها الخروف, واستمر في الهروب سنتين حتى دخل غرفة هؤلاء الأحفاد.

بعد ذلك خرج الجميع من الجدار غاضبين, وكأنهم يتجهون ناحيتي, يمسك كل واحد منهم مقصا, لكنني أغمضت عينيي سريعا.

مشهد (10)

خرجت صرخة من غرفة الطبيب صدمت الجميع.. دارت الأسئلة في عقول المنتظرين. وبكل بساطة مات الطفل بسبب لدغة عقرب تمرغت في ملابسه ولم يكتشفها أحد. بكل بساطة لم يكتشفه أحد. بكل بساطة مات الطفل, والعقرب لم يكتشفها أحد. بكل بساطة ماتت البراءة, بكل بساطة تكتب هكذا أحرف. وتتداخل المشاهد والأرواح.

 مشهد (11)

لم أر الطبيب. حملت مرضي معي. هل تسمعيني يا مضيئة صدري? أيتها الطمأنينة.. إنني أمنحك قصيدة. لا تقرأيها إلا حينما أرحل بعيدا. لأقابل أطفالا يمرحون في حدائق الأرض.


تصميم الحاسب الشامل