|
|||||
|
قد تستغربن أيتها السمكات الصغيرات وتتساءلن: ما الذي ورطني هذه الورطة وجعلني أعيش (إذا كان بإمكاني أن أسمي هذا عيشا) في قاع البحر في بطن سمكة كبيرة لا تفرق بين الشمس والظل.. أنا نفسي لا أعرف.. فكرت ولكن لم يهدني تفكيري لشيء.. وعموما سمعت صاحبي يقول في الزمن الغابر عندما كنت لا أفارق يده إلا نادرا إنني وأمثالي لا نفكر.. وقال لي أيضا قبل أن يقذفني بكل غضب إن العالم سيكون على ما يرام لو أن أمثالي لا يعيشون فيه.. هل تصدقن هذا الهراء أيتها الجميلات ذوات العظام المفرومة ?!.. يكفي أن أقول إنه كلام صادر عن كائن بشري لتصدقن انه هراء.. هؤلاء الناس مزاجيون إلى درجة تبعث على الغثيان.. انهم دائما بحاجة إلى أمثالي ليلقوا عليهم تبعة أخطائهم.. أنا حزين أيتها الصديقات ذوات الحراشف البراقة.. لم أعد أثق في البشر مطلقا.. بل أنني أجزم أن الصياد الذي سيصطاد هذه السمكة التي تأوينا سيبيعها إلى صاحبي.. وحين يراني سوف لن يحرك أي ساكن وكأنني لم أكن يوما خادمه المطيع الذي يفتح له المغاليق.. ما ذنبي لأدفع ثمن حماقته وسوء تصرفه ?!.. وهل كان لي لسان لأخبره أنني أنتظره تحت الوسادة.. هل سمعتن أن مثلي يكلم البشر ?!!.. لقد نسيني فعاقبني على نسيانه لي.. الناسي يعاقب المنسي, هل تصدقن ذلك !.. أأنا الذي قلت له يطيل السهر في الحانة ليعود قبيل الفجر يترنح كما شجرة تهزها الريح.. لو أن أحدا من الناس يسمعني الآن لحاول اختلاق الأعذار له كما هي العادة.. سيقولون انه حزين وليس له من طريق للنسيان سوى الكأس.. الدنيا عبست في وجهه.. فقد وظيفته لأنه كان مغرما بكلمة <<لا>>, وفقد حبيبته اثر ذلك رغم أنها الوحيدة التي كانت تسمع منه: <<نعم>>.. ثم سيارته القديمة المتهالكة أصبحت قاب شارعين أو أدنى من البيع بسبب تراكم الديون.. أعرف هذا أيها السادة.. وكنت شاهدا عليه, لأنني لم أكن أفارق يده.. ولكن تلك الليلة بالذات لم يكن حريا به أن يسكر وهو يعلم أنه مطالب بالاستيقاظ مبكرا في صباح الغد.. ألا تستحق الوظيفة التي ستنقذه من كل مآزقه (فيما لو نجح في الاختبار) أن يبقى صاحيا من أجلها لليلة واحدة فقط.. لو لم يكن ثملا لما نسي أنه وضعني تحت الوسادة.. ومع هذا فقد استيقظ في وقت لا بأس به لو أن الأمور سارت على ما يرام.. لم يكن الطريق من شقته إلى مكان الامتحان ليستغرق أكثر من نصف ساعة بالسرعة العادية.. وهكذا, عندما استيقظ في الثامنة وخمس وعشرين دقيقة كان واثقا أنه في التاسعة تماما سيكون في قاعة الامتحان.. خمس دقائق كانت كافية لارتدائه ملابسه.. كان بحاجة إلى فنجان من القهوة ولكنه خشي التأخير فأجله إلى ما بعد العودة.. وهكذا, كان في الثامنة والنصف بالضبط أمام السيارة القديمة المتهالكة.. ولكنه حين فتش جيوبه لم يجدني.. عاد إلى غرفته.. سمعته يفتح الأدراج واحدا واحدا ثم يخرج.. الثامنة وخمس وثلاثون دقيقة.. يبدو أنه شك أن المفتاح داخل السيارة فعاد إليها.. ثم سمعته يزمجر قبل أن يدخل الغرفة من جديد: اللعنة.. الثامنة وثمان وثلاثون.. فتح الأدراج جميعها مرة أخرى, ثم فتح خزانة الملابس ونبش في جميع الجيوب بلا فائدة.. الثامنة وإحدى وأربعون دقيقة.. لو أني أتكلم لصرخت: أنا هنا تحت الوسادة يا صديقي.. سمعته يقول: تبا له, ليس عندي نسخة ثانية.. وبعد أن قلب الغرفة سقفا على أرضية قذف نفسه في السرير متهالكا يائسا.. يبدو أنه قرر أن يكمل نومه.. ما إن وضع رأسه على الوسادة حتى وخزته بلطف.. انتبه.. رفع الوسادة.. الثامنة وست وأربعون دقيقة.. ركض كالفهد الصياد.. أدخلني في ثقب الباب بقوة حتى لقد آلمني رأسي.. ثم أدخلني في المقود وانطلقت السيارة بأقصى سرعة.. تجاوزت الإشارة الحمراء وكادت أن تصدم حافلة مليئة بالعمال لولا براعته في القيادة.. الثامنة وست وخمسون.. مرت السيارة على الكورنيش.. البحر جميل ولكنه بسبب السرعة يبدو وكأنه يهرب إلى الوراء.. سمعته يخاطبه دون أن يلتفت إليه: انتظرني أيها الصديق, سآتيك بعد الامتحان.. الثامنة وتسع وخمسون دقيقة.. السيارة تدخل مبنى المؤسسة التي سيمتحن فيها.. المواقف مزدحمة بالسيارات.. لا وقت إذن للبحث عن موقف.. يركنها وراء سيارة أخرى ويقفز منها كالأرنب المذعور.. يدخل قائمة الامتحان وهو يلهث.. يصادف على الباب عينين صارمتين وكرشا متدليا:
- أنت يا أخ.. إلى أين متوجه ? - إلى القاعة.. اسمي موجود في قائمة المتقدمين لشغل الوظيفة - كم ساعتك الآن ? - التاسعة - بل التاسعة ودقيقة - حسنا.. التاسعة ودقيقة, لن نختلف.. المهم أن اسمي موجود - اسمك موجود لتمتحن في التاسعة.. أما وقد جاوزت الموعد المحدد فلن نسمح لك أن تمتحن - ولكني لم أتأخر سوى دقيقة واحدة ! - التأخير هو التأخير, سواء كان دقيقة أو سنة - ولكنني بحاجة لهذه الوظيفة لأعيش.. ما كنت لأتأخر لو لم أضع المفتاح (وشهرني في وجه العينين الصارمتين كأنه يريد أن يسملهما) - من يضع مفتاحه لا يستحق أن يعيش - ماذا ?!! - إذا كنت لم تحترم الوقت وأنت لا تزال خارج الوظيفة, فكيف ستحترمه وأنت داخلها - اللعنة عليك.. وعلى الوظيفة.. وعلى المفاتيح وخرج غاضبا وهو يضغطني في يده بهستريا لدرجة أنني خشيت على نفسي من الكسر.. وحين وصل إلى السيارة وجد <<مخالفة>> مرورية مثبتة تحت ماسح الزجاج الأمامي.. كورها في يده وقذف بها بعيدا.. أدخلني في الثقب بعصبية وانطلقت السيارة.. ما أدهشني هنا أنه كان يقود السيارة ببطء وصمت على غير عادته.. لم يصرخ في السيارة كما تعود أن يفعل من قبل.. ولم يشتم أو يلعن أحدا.. وحين وصل إلى الكورنيش ترجل من السيارة ونظر إلى البحر بعمق.. ثم نظر إلي وقال بهدوء عجيب: أمثالك لا يستحقون الوجود في هذا العالم.. العالم سيكون على ما يرام لو أن أمثالك لا يعيشون فيه.. وقذفني في البحر أيتها الجميلات النائمات بلا خياشيم, أيها العالم, دونما شفقة أو رحمة.. فهل يرضيكم هذا. |
|||||
|
|||||