|
|||||
|
تحاول هذه السطور قراءة كتاب جديد للدكتور احمد الصياد صدر مؤخرا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت بعنوان <<آخر القرامطة>>. يقص أحمد الصياد في هذا النص الطويل حكاية رحلة طريفة الى <<الآخرة>> قام بها <<آخر القرامطة>> (جار الله عمر, الامين العام المساعد السابق للحزب الاشتراكي اليمني, أحد مؤسسيه وأهم مفكريه في السنوات الاخيرة). ويتتبع المؤلف في سطور النص كثيرا من المفارقات والتناقضات والصعوبات والغرائب التي رافقت الرحلة وما انتهت اليه من نتائج. ولأن الراحل ممن عرف بحواراته مع من يتفق معهم ومن يختلف, بكثير من الصبر والتسامح, فقد حفلت رحلته هذه بمناقشات ضافية مع كوكبة ممن شاركوا بفعالية في صنع أحداث تاريخ اليمن في العقود الاربعة الماضية, تعيد قراءة الأفكار والنظريات, وتقو م المواقف والتجارب, وتوحي بالبدائل والخيارات, بحيث يمكن اعتبارها رسالة الى الاحياء تساعدهم في فهم طبيعة الحياة الصعبة من حولهم, او محاولة لتحصينهم من الاصابة باليأس والاحباط نتيجة الهزائم التي لحقت بالجيل الماضي, أو دعوة مبطنة لأن يستفيدوا من تجارب ذلك الجيل عند مواجهتهم لتحديات الحاضر والمستقبل, وأن لا يتركوا الحياة تقفر وتجدب وتتصحر بحيث تخلو من جهود مواصلة السعي لتحقيق الاحلام النبيلة التي مثلت انجازا حضاريا في مسيرة الانسان على الأرض, بتحقيق الحرية والمساواة والعدالة لجميع بني البشر, واستمرار مسيرة التقدم على هذا الكوكب لخير البشرية كلها. يغامر الصياد في نصه هذا بتصور رحلة طريفة الى الحياة الأخرى تسرد أخبار آخر القرامطة منذ لحظة وصوله الى الآخرة على اثر مغادرته هذه الدنيا الفانية, حتى تنتهي في لحظة مغادرة هذه الشخصية الاسطورية للحياة الأخرى من جديد بالطريقة نفسها التي غادرت بها دنيانا, على رؤوس الاشهاد وفي مؤتمر آخر, وعلى يد متطرف مهووس لا يعرف لغة للحوار سوى لغة القتل. ويسرد النص بين النهايتين سلسلة متصلة ممتعة من الحوارات والنقاشات بين شخصيات لها ماض مشهود يبدو انها لا تزال أمينة له, وبالأصح لا تزال سجينة داخله, بعد ان تقطعت السبل بينها وبين ماضيها الذي على الرغم من انه لا يزال جزءا من اليوم ولم يمض عليه وقت طويل, جعلت الأحداث المتلاحقة بسرعة شعاراته ومفاهيمه ونظرياته تبدو وكأنها تنتمي الى ماض بعيد بحيث استحال على هذه الشخصيات اعادة النظر فيها وقراءتها قراءة نقدية لاستخلاص الدروس والعبر لمساعدة الذين وضعتهم الحياة في مواجهة أحداث الحاضر والمستقبل القريب في تبين طريقهم وتجنب مزالق السير نحو بناء حياة أفضل. ولعل اكتفاء النص باستيحاء أحداث التاريخ وتفضيل الابتعاد عن كتابته يوحي في الوقت نفسه بصعوبة كتابة تاريخ تلك الفترة. فمن يستطيع أن يكتب تاريخا حقيقيا لتلك العقود المزدحمة بفائض من الأحلام والاشواق والنوايا الحسنة والصبوات النبيلة والاستعداد للتضحية في سبيل ما يعتقده المرء صحيحا ويحقق السعادة على الأرض? انها عقود مضرجة بالدماء والتضحيات والعذاب الذي يفوق أحيانا ما يحتمله البشر. ومن يستطيع أن يكتب تاريخا لا يكون مساهمة في جوقة الاكاذيب التي تتكرس لتمجيد الجلادين والمستبدين, وتنسب لهم من الأكاذيب ما لا يستطيعون حتى مجرد تخي له. ومن ينصف المظلومين المستباحين المحرومين من كل شيء, ضحايا جريان تاريخ تلك الفترة على ما جرى عليه? ومن ينتصر للمنسيين والمجهولين والمقهورين حتى لا يكتب التاريخ بسياط الجلادين الذين قادوا البلاد الى ما هي عليه من التبعية وذل الفقر الذي زادوه انتشارا, وعار الجهل الذي زادوه توطينا. ألا يحتاج الأمر الى ان يكتب كل من يريد المساهمة رحلته المستحيلة ليعيد قراءة تلك الفترة على طريقته, ممهدا الطريق ليوم تجري فيه الدراسة النقدية لتلك المسيرة, بما يسمح باستخلاص الدروس والعبر, وصياغة حلم جديد يكون منطلقا نحو مستقبل أكثر اشراقا وأقل سذاجة, قابلا للتحقيق ولمساعدة الناس في سعيهم للوصول الى الحرية? وبصرف النظر عن الاتفاق او الاختلاف مع كاتب هذه الرحلة, أو مع ما عبر عنه ابطالها من مواقف بدت في صراع مع اللحظة التي تعيشها منطقتهم في مطلع القرن الواحد والعشرين, فان النص يكاد يسرد بشيء من التفهم والتعاطف وعدم الانزلاق نحو الادانات واعطاء الدروس وسرد النصائح, حكاية جيل خاض غمار رحلة قاسية من المعاناة والعذاب, والشوق العارم للعثور على طريق التحرر من الاستبداد والتبعية والتخلف, والسير على طريق التنمية والنهضة. لكن عمر السائرين على ذلك الطريق <<كان من القصر بحيث لم يسمح لهم بأن يمضوا بتجاربهم الى نهاياتها, وان يسقوها بماء الحياة المتجددة ليعيدوا صياغة رؤاهم ونظرياتهم حتى لا يبقى منها إلا ما ينفع الناس, ويحقق رخاءهم وسعادتهم, ويقرب أوان بلوغ الانسان حلمه الدائم بالمساواة والعدل والحرية>> (كما يقول التعريف بالكتاب في صفحته الاخيرة). انها رحلة ألقت ذلك الجيل في غياهب السجون, وكبلته بسلاسل مرئية وغير مرئية, مادية ومعنوية, وبعثرته في تيه المنافي, الداخلية والخارجية, ومنحته القليل من لحظات سعادة الانجاز, وجرعته مرارة الخيبات, وقادته في النهاية الى الخراب الداخلي قبل الخراب الخارجي, خراب انهيار البناء المفهومي وسقوط الاحلام الجميلة الكبيرة, وخراب الحصار بين هاوية الاخفاق المدوي وأشداق الاستبداد. فاذا به غريبا مشردا في داخل ذاته, مشتتا على كل الخيارات المتساوية التي لا تفضي الى طريق واضح نحو الحرية والتقدم, عاريا حتى من الاحلام الآسرة, تلف خطواته الحيرة, ولا تترك له سنوات العمر الهاربة سوى لحظات تذكر عمرا جميلا التهمته أوهام متاهة ايديولوجية مجلجلة, ولا تزينه سوى لحظات شوق عارم للحرية والانعتاق يكاد يختنق داخل الذات الحائرة المحاصرة, وبقايا مكابرة جليلة ترفض انكسار اليوم ومهانته وخواءه من كل حلم جليل يتسامى فوق الآلام والجراحات وفوق الموروث الحيواني الأناني, لبناء مدينة فاضلة تليق ببني البشر في الألفية الثالثة. وليس بالغريب أن ينصب موضوع الحوار الذي يتولى آخر القرامطة ادارته مع الجميع حول الوحدة, في بعديها الرمزي والواقعي. فحتى مع تجاهل كون الوحدة العربية حلما راود أجيالا من دعاة النهضة والحرية والتقدم في المنطقة العربية كلها, تكاد الوحدة في تاريخ اليمن تلخص احلام جيل انهمك في العمل المضني لانشاء الدولة الوطنية في العصر الحديث, بالإضافة الى كونها موضوعا محوريا في تاريخ اليمن كله. فعلى الرغم من ان تسمية اليمن (من حيث دلالتها على منطقة جغرافية معينة تقع في جنوب شبه الجزيرة العربية) كانت معروفة منذ زمن طويل, فان وحدتها في كيان سياسي واحد, منذ حدثت تلك الوحدة لأول مرة في القرن الثالث الميلادي, لم تتحقق إلا في مرات قليلة شهدت فترات قوة وازدهار, وظل التنازع بين الوحدة والتمزق الى كيانات متصارعة متنافسة غالبا على تاريخ اليمن كله. ومع ان الحركة الوطنية اليمنية الحديثة قد بشرت بالوحدة وعمقت الدعوة اليها ورفعتها الى مستوى المقدسات حتى تحققت في مطلع عقد التسعينيات, فان اليمن منذ مطلع الستينيات قد خاضت ثلاث حروب شاملة وبضع حروب جزئية باسم هذه الوحدة التي يطالب بها الجميع ولا يختلفون عليها حتى كانت من مفارقاتها ان كل اتفاق للوحدة قد جاء ليضع نهاية لحرب أهلية طاحنة مدمرة, مما دعا لاعتقاد ان عدم الوحدة مشروع دائم للحرب الأهلية وللقمع والاستبداد إما بحجة السعي لتحقيق الوحدة وأما بحجة الدفاع عنها. وعلى الرغم من ان التحولات التي شهدها العالم خلال العقود الاخيرة قد جعلت مطلع القرن الواحد والعشرين يبدو في اليمن او في المنطقة العربية كلها وكأن قرونا تفصلها عن الايديولوجيات والشعارات والمطالب والاحلام التي عرفتها العقود الأربعة الأخيرة من القرن المنصرم, فإنه لا يزال من العسير, ان لم يكن من المستحيل, صياغة تاريخ موضوعي لتلك الفترة المزدحمة بالأحداث والطموحات والاحلام والخيبات والهزائم, ببساطة لان أغلب شهودها لا يزالون يرزحون تحت وطأتها, يكتوون بنارها, ويضم دون جراحاتها, أو يتأوهوا حسرة عليها, أو تلفهم الحيرة والارتباك امام علامات الاستفهام الكبيرة التي رسمتها, أو لانها لا تزال جاثمة فوق صدورهم كقدر يرفض أن يتزحزح من مكانه وأن يخلي الساحة لمشهد جديد وممثلين آخرين وحكايات أخرى, ورياح جديدة قد تحمل معها وعود الحرية او أوهام التحرر من كابوس الأمس واليوم. فإذا كانت كتابة التاريخ تحتاج الى قدرة على رسم مسافة بين الأحداث ومن يكتب عنها ليتمكن من الرصد والتحليل والاستنتاج دون محاباة أو تحيز, فان هذه الأحداث لا تزال تشد من يكتبون إليها, ولا تزال أنظمة تلك الفترة وجلادوها وأرباب فسادها وأحزابها وشتات نظرياتها وبقايا شعاراتها ماثلة للعيان, تأبى التغيير او تتغير ببطء شديد, وأحيانا تضاف كوارث الأمس الى كوارث اليوم حتى تسد طريق النجاة وتمنع هبوب رياح التغيير والحرية. ولعل ذلك سبب أن نص <<آخر القرامطة>> لم يجد أمامه سوى استيحاء أحداث العقود الأربعة الأخيرة في كتابة نص متحرر من قيود التاريخ ومن قواعد التحليل المنطقي الصارم لينطلق به الخيال في حوارات متوقعة أحيانا ومفاجئة أحيانا أخرى, تتناول الأحداث بشيء من الحنان والحسرة والأسى, ولكن دون تعال أو انكار أو ادانة, في رحلة تشبه في أسلوبها نص <<مأساة واق الواق>> التي كتبها في منفاه في مصر المعارض اليمني الراحل الشاعر محمد محمود الزبيري في مطلع الستينيات, او ربما استوحت من التراث العربي رحلة ابن القارح في <<رسالة الغفران>> لأبي العلاء المعري. انه نص يعطي للكاتب حرية اختيار الاحداث والمواقف والشخصيات والموضوعات وخطوط السير والنتائج دون قيود سوى ما يستطيع خياله أن يرسم وان يعطي لما رسم من ألوان ما دام أحد لم يعد من الآخرة ليحدد بدقة معالمها وشكل حياتها وحقيقة موضوعاتها. لذلك يستطيع كل كاتب ان يتخيل شكل الرحلة اليها, وان يختار الأحداث التي تهمه والموضوعات التي تجتذبه دون غيرها من مناقشات أهلها. انه نص فيه الكثير من براءة اندلاع الحلم في مطلع الستينيات واندهاشه بتدفق تداعيات ذلك الحلم وتتابع ذكرياته بحيث لا يكاد يبين التعاطف مع أي حدث قدر التعاطف مع هذه الانطلاقة الواعدة المبشرة بالحرية والتحديث. وفي النص أيضا ثبات رفض الحكم العسكري بكل صوره واشكاله, بما يحمل من قمع واستئساد على المواطن البسيط المحروم من الحرية ومن الحياة الكريمة, وعجز امام معضلات الواقع وعن اخراج البلاد من دوامة الفقر والتخلف, مصدر كل مهانة وإخفاق فردي وجماعي. انه نص يربط فيما بينه نغم واحد من أوله الى آخره, كونه نشيدا للمساواة والعدل والحرية, واصرارا على التمسك بهذه القيم النبيلة في وجه طغيان الفردية الأنانية وغلبة الأقوى عسكريا واقتصاديا واجتماعيا. إلا أن النص ليس دعوة ايديولوجية ساذجة, ولا شعارات سطحية تدعي امتلاك حقائق طريق السعادة للبشر. لذلك لم يفعل سوى محاولة أن يصوغ من رماد كل النظريات والمبادئ والايديولوجيات المنصرمة, ومن بقايا الاحلام والاوهام والاشواق والتمنيات التي حطمتها زلازل السنوات الماضية, طاقة انسانية حالمة بالحرية والمساواة والعدالة والتسامح. لقد حاول النص ان يؤلف من ذرات هذا الرماد المتناثر, ومن خراب الاحلام والنظريات والاوهام, لحنا ينشد الحرية والمساواة, حتى لا يعم الخراب منطقة منكوبة بالاستبداد والحرمان والتهميش والتخلف. ينتزع النص هذا الحلم الجميل المتفائل من مشهد بلغ فيه الخراب ذروته بعد أن أصابت رصاصات عابثة, حائرة أمام صعوبة الوضع وتعقيداته وتناقضاته, قلب آخر الحالمين بالتغيير واستمرار مشروع الحرية والتقدم, القرمطي الساعي الى بناء عالم يهرب من بشاعة الواقع الى واحة الحرية والبشرى, ليبني على أنقاض عالم الظلام والاستبداد عالما جديدا لا يضيق به سكانه, حتى لا يحلمون بالوحدة ويهربون منها في الوقت نفسه, عالم يحل فيه الحوار محل الاكراه, وصناديق الاقتراع محل البندقية والدبّابة, والحملات الانتخابية محل الحروب الأهلية, وتنافس البرامج الانتخابية محل المطاردات والاعتقالات, وأدوات الاقناع محل وسائل التعذيب, واعتراف القوى السياسية ببعضها البعض بدلا من نفي كل للآخر. إنه نص يتمنى رسم معالم طريق مشترك جديد نحو غد أفضل بدلا من انفراد كل مجموعة بادعاء امتلاك الحقيقة والاجابات واحتكار الوطن او مصادرته, عل ذلك يؤدي للوصول الى حياة جديدة استحال بناؤها في الماضي. وما يبعث على الأمل أن الأهوال التي واجهها آخر القرامطة في حياته القصيرة لم تدفعه الى فقدان الأمل في العثور على طرق تقود الى بناء حياة افضل, وتدل على معالمها وبشاراتها. والنص من أوله الى آخره حوار بين شخصيات مختلفة أغلبها واقعي كما يبدو من الأسماء التي عرفها تاريخ اليمن خلال العقود الأخيرة من القرن المنصرم, ومن الاشارات والتلميحات, او على الأقل يحاول أن يوحي للقارئ بأنه يعيد يستخدم مادة أولية يوفرها تاريخ تلك الفترة الحافل بالمفارقات والتناقضات وبما هو اغنى من الخيال وأغرب من أي ابتكار للحوادث والافعال. لذلك تتعدد الشخصيات المشاركة في هذا الحوار الدائر في الآخرة. ولعل ما هو اكثر اثارة للاعجاب والتعاطف (غير آخر القرامطة, بالطبع, من حيث هو الشخصية المحورية في الحكاية كلها وموضوعها ومادتها) تلك القرمطية الجميلة الشامخة التي أدهشتنا بتعاليها على سفاسف الحياة مما ينشغل به الفانون القادمون من الحياة الدنيا الى دنيا الآخرة, وهي شخصية من وحل الخيال, أو أكبر من أن يستطيع الواقع الراهن العليل ان يجود بها, تنجح في كسب تعاطفنا وفي استدراجنا من جديد لقبول الحلم بدنيا جديدة خالية مما نكبت به دنيانا من مستبدين وجلادين وفاسدين ومتعصبين كدروا صفو الحياة الدنيا وأحالوها جحيما وسجنا يمتد بطول الحياة وعرضها, وساحة للاخفاق والعجز والخراب, بدلا من أن تكون مصنعا لبناء حياة جديدة مترعة بالانجازات والأشواق, تظللها الحرية والكرامة والمساواة والعدل والسلام. ولكن ألا يكون صعود القرمطية في آخر النص على متن براق أبلج جميل في ذروة مأساة جيل قرمطي مغدور في أعز أحلامه وامانيه, جيل أثخن نفسه بالجراحات, وأثقل التاريخ معه بأحلام وردية جميلة استعجل الخروج من الدنيا قبل أن يحققها, وحين استفاق على يد آخر القرامطة في راحة الحياة الأخرى اكتشف الخراب الكبير الذي ابتلع جميع تلك الاحلام قبل ان تورق وتؤتي أكلها كل حين, ألا تكون هذه النهاية الشاعرية لرحلة القرمطية رمزا جديدا لهروب الأحلام من جديد في عيون أصحابها, ودفعا للجميع على طريق الضياع من جديد, يحاولون العثور على دنيا جديدة لم يطأها الخراب بعد, ولم يبتلعها وحش الفساد والسطحية والجهل والمهانة بعد, حياة مزدهرة بالجمال والمساواة والعدل والحرية, فلا يهتدون سوى الى حلم جميل واعد آخر, وسفر جديد على طريق التيه? وعلى الرغم من ان النص يصف رحلة خيالية حالمة لا تسرد أحداث التاريخ, ولا تتقصى تاريخ الفترة التي شهدت مسار الرحلة الواقعية, فانه يمكن أن يقدم أجرأ محاولة منصفة غير متحاملة لتقويم مسيرة اليسار في العقود الأربعة الماضية, ونقد تجربته الغنية, وتحديد مكامن أخطائه, وعيوب منهجه, بأسلوب ينصف هذه التجربة ويبتعد عما هو سائد في وسائل دعاية قوى القمع المسيطرة حاليا من تشهير واساءة متعمدة وتحامل يجافي الواقع, ويتشفى من جيل قدم كل شيء في سبيل ما اعتقد انه يحقق الخير للناس والتقدم للبلاد, وخرج من التجربة مهزوما عاجزا حتى عن الدفاع عن نفسه وتقويم تجربته واعادة صياغة منظومته الفكرية وعلاقاته الاجتماعية ليستطيع تقديم بدائل للفساد الغالب, وفتح الباب أمام آفاق التغيير والتطور. ولعل هذا ما يجعل كتاب <<آخر القرامطة>>, بقصد أو غير قصد, دعوة مستقلة غير مباشرة الى فتح باب الحوار حول قضايا تلك المرحلة الصعبة التي لا تزال جاثمة فوق الصدور بأشكال مختلفة مادية ومعنوية, واستخلاص الدروس والعبر, واعادة صياغة الرؤى والافكار والمناهج على نحو يجردها من الشطحات ومن الاغراق في الابتعاد عن الواقع, لاكتشاف خطوط السير نحو المستقبل. ولعل ما يزيد مصداقيته انه لا يقدم صياغات جاهزة, ولا يدعي العثور على حلول سحرية, بقدر ما يتمسك بالحلم الانساني العام, بيوم يتحقق فيه شوق الانسان الى المساواة والحرية والعدالة, من حيث تتكثف في هذه القيم كل الحقوق التي استحقها الانسان بحكم وجوده رغما عنه على هذه الأرض. ويبلغ النص ذروة المفارقة والتشويق في الفصل الاخير الذي تكتشف فيه شخصيات كثيرة ما حدث من تحولات في مسار الحكاية منذ أن غادرت الحياة الدنيا حتى لحظة حوارها مع آخر القرامطة, مع ان الزمن الفاصل بين المشهدين لا يزيد إلا قليلا عن عقد من الزمان, فاذا بها وجها لوجه أمام مشهد الخراب, خراب البنيان الذي اسهمت في تشييده, وخراب الحلم الذي حرك حياتها وانهك قواها واستنزف دماءها, لتصبح الفاجعة التي قذفت بها في أتون جحيم ملاقاة حتفها فاجعتين متصلتين. وعلى المستوى الرمزي ينتهي النص بموت جيل حلم القفز فوق الواقع المتخلف وتجاهل صعوباته الواقعية التي تأبى الخضوع والتذليل, جيل حاول أن يفرض قناعاته واعتقاداته بقوة الارادة والاكراه, إلا أن الواقع كان أعتى من كل النظريات والأحلام والارادات, فإذا بهذا الجيل لا يجد سوى الاضراب عن التنظير والانسحاب في كبرياء أو مكابرة حتى آخر رمق فيما تبقى له من حياة حتى في الآخرة, لتنتهي المكاشفة ببلوغ ذروة المأساة حين يجد جيل من الفدائيين الذين أفنوا عمرهم في العمل وواجهوا الموت بشجاعة من يضحي في سبيل أغلى القيم والمثل وأقدس الاحلام, وأنبل الاماني الانسانية, أن المنصة قد انهارت, وأن المسرح قد تحطم واختفى دون أن تثور الدنيا أو تتزلزل الأرض وتنشق البراكين, وأن محاولات ذلك الجيل كانت لحظة عابرة حاولت كسر حلقات تاريخ طويل ظالم آثم يواصل سيره دون التفات للتمنيات والأحلام الجميلة. ويخرج النص من هذه المأساة بالايحاء بإمكان صياغة حلم جديد بأن يجد الانسان سبيلا للعمل في سبيل مثل الحرية والمساواة والعدالة, باعتبار هذه المثل عصارة ما ينشده الانسان في كل العصور, وتسعى إليه العقائد والدعوات الانسانية الخي رة, وأهم ما يكسب الحضارة العالمية وجهها الانسان النبيل. |
|||||
|
|||||