هاجس التأصيل النقدي لدى عبدالمالك مرتاض
بين وعي التراث وطموح الحداثة

 

قادة عقاق


1 - مقدمة منهجية:

ليس من شك في أن مشروع الاستاذ الدكتور عبدالمالك مرتاض في مجالات البحث والدراسة والتأليف العلمي والأدبي, قد لا يحتاج الى تعريف وتشخيص بقدر ما يحتاج الى إعمال نظر وتدبر, وتتبع وتأمل, ومساءلة, بغية تعميق الاستفادة منه, والاستنارة بإشراقاته المتعددة. انه مشروع أصيل يعلن عن نفسه من خلال منجزاته المتراكمة والممتدة على مدى ثلاثة عقود من الزمن, ويقنع القراء والمتتبعين والمهتمين والمختصين على السواء بما لقي صاحبه فيه من عنت وجهد ومثابرة قل نظيرها, وتصحيحات وتطويرات تقدم  أبلغ الأدلة وأكثر الحجج مصداقية على تميز هذا المشروع, وخصوبته وغناه, وفرادة صاحبه ومشروعيته العلمية بين الباحثين المعاصرين, لما يتميز به طرحه- وبخاصة في مؤلفاته الأخيرة التي اغتدت تمور بتلك النزعة النقدية التفاعلية التي تزاوج بين مكتسبات الإرث المعرفي العربي القديم ومعطيات المعرفة الغربية ذات التوجه الحداثي- من تماسك فكري وفعالية علمية ودقة منهجية ووجاهة معرفية.

إن مسارا نقديا بهذا الغنى والسعة والثراء, وبهذا الامتداد الزمني الشاسع, وبهذا التعدد المعرفي الثري- الجامع بين أصالة التراث وعمقه وحداثة المعرفة الوافدة والمتطورة باستمرار- المستثمر لبعض ما تركه العلماء, والمسترفد لبعض منجزات الحداثة الغربية, والمكيف لها مع الذوق العربي الأصيل, والطرح العربي الخالص, لهو مسار تتعذر الإحاطة به في مقال كهذا.

لذلك سنقتصر على إثارة بعض القضايا الجزئية, وطرح بعض الاشكالات العامة, وتحديد بعض المعالم الرئيسية- دون الدخول في التفاصيل التي تستحق دراسات مستقلة ومتأنية- والتي تتعلق بقراءة الاستاذ الدكتور عبدالمالك مرتاض التي تريد أن تكون عربية الذوق أصيلة الطرح, فيما هي منفتحة على آفاق الحداثة الغربية ومعطياتها المتراكمة والمتغيرة باستمرار, وذلك من خلال نزوعه الدائم للجمع بين رافد ي  التراث والحداثة, سواء في مقارباته النقدية المتعددة للنصوص الأدبية بمختلف أجناسها(1), أو في تحديداته المنهجية, أو في ضبطه المصطلحي, بمداخلة تحت عنوان: (هاجس(2) التأصيل النقدي لدى الدكتور عبدالمالك مرتاض) بين وعي التراث وطموح الحداثة.

2 - موضعة المشروع

 ضمن إطاره الثقافي العام:

وإذا كان من واجبنا, أو بالأحرى من حقنا في بداية هذه المداخلة موضعة مشروع أستاذنا الدكتور عبدالمالك مرتاض, ووضعه في إطاره الحضاري العام ونسقه المعرفي الخاص, فإننا لن نجد أحسن من موقعته ضمن ذلك التوجه الحضاري الذي لا يتنكر للذات- ممثلة في التراث- ولا ينغلق على ثقافة الآخر الوافدة(3), من خلال ذلك الحوار المنهجي الذي يقيمه بين القديم والجديد, ومن خلال ذلك التأصيل النظري والممارسة التطبيقية التي يقابل  فيها بين بعض إشكالات التراث وبعض مسائل الحداثة المنهجية, كما فهمها وصاغها, مقترحا  في خضم ذلك بمفاهيم جديدة تكمل النقص الموجود وتملأ الفراغ المعاين... وهذا بغية تأسيس بدائل معرفية, وصياغة نظرية- أو نظريات- نقدية وميتانقدية(4) تكون قادرة على خلخلة التفكير الأدبي السائد, وملامسة كل, أو بالأحرى جل مستويات التحليل النصي وتأويلاته, سواء في علاقته بذاته كنظام لغوي رامز, أو في علاقته بمختلف الظواهر والأنظمة الأخرى المحيطة والمحايثة والموازية (كالمجتمع والتاريخ والإيديولوجيا والثقافة السائدة...) عبر شبكة مناهجية متعددة ومتجانسة.

3 - هاجس التأصيل المعرفي والتركيب المنهجي:

وربما من أجل ذلك نجده, يميل في مقاربته النقدية- المتأخرة نسبيا- إلى التركيب المنهجي المفتوح والمنتشر, عوض القراءة المغلقة المتقوقعة ذات المنهج الواحد, مزاوجا بين التراث البلاغي القديم ومعطيات السيميوطيقا الحديثة, وناهضا في خضم ذلك ومعمقا لحوار نقدي ومعرفي بين ما أنجزه التراث البلاغي واللغوي والنقدي العربي وبين تلك التصورات والآليات الحديثة التي يقدمها النسق المعرفي الغربي, حيث نجده يقول بصدد هذه المزاوجة وهذا الانفتاح, <<من أجل ذلك وعلى الرغم من أن مسعانا في هذا النص, يحاول أن يتموقع في اطار السيميائيات, فإننا مع ذلك لم نر بأسا من التحلل من هذا التقوقع والانتشار خارج فضائه كلما رأينا ضرورة لإشباع النص بالتحليل>> (5), ليردف قائلا: <<... وقد رأينا أن نتوسع في مفهوم التشاكل لدى التطبيق لينتقل من مجرد اختيار لوجه واحد من القراءة الى شبكة منهجية ذات قابلية للتعمق في بنى النص واستخراج كل ما نود استخراجه منه, وهو مسعى جعلنا نتظاهر ببعض الأدوات البلاغية(6) التي على الرغم من انها د مجت في نظرية الخطاب الآن إلا أن الحديث عنها في التنظيرات السيميائية يعني أنها لا تزال تفرض نفسها في بعض المواقف وخصوصا لدى تحليل نص أدبي تحليلا أسلوبيا سيميائيا>>.(7)

ويبدو الباحث على وعي كبير بهذا النهج التركيبي الذي تصدر عنه قراءته, والذي يختلف في جوهره عن الاجراء التكاملي كما يشيع  في بعض الدراسات النقدية المعاصرة, ولذلك نراه, ومخافة أن يتهم بالتلفيقية يؤكد قائلا: <<على أننا لم نسقط في هذا الفخ إلا نادرا وبشيء كامل من الوعي>>.(8)

انطلاقا من هذا التصور المنهجي المركب, نجده يتبنى كلمة (قراءة) عوض كلمة (نقد) لأن هذه الأخيرة في رأيه لا تعدو كونها <<مجرد قراءة شخص محترف لنص أدبي ما, والأدوات التي يصطنعها في فهم النص, أو قراءته, أي تأويله هي (التي) تحدد معالم التحليل الذي ينشأ عن مسعاه الأدبي>>.(9) ولكي يعطي الباحث لهذا التصور المنهجي المتشابك مشروعيته العلمية ووزنه الحضاري ومصداقيته المعرفية, نراه يتكئ على بعض الأسانيد التراثية قائلا: <<إن من المكابرة الزعم بأن المعاصرين اليوم وحدهم هم الذين اهتدوا الى اشكالية القراءة السيميائية بكل إنجازاتها اللسانية وعلى تعدد حقول تأويلاتها المستكشفة>>(10), ذلك كما يتابع <<بأننا نصادف قراءات أدبية تكاد تندرج اندراجا تاما في حقل السيميائية ولنضرب لذلك مثلا, لمن كان مفتقرا الى أمثال تضرب له, بأعمال تراثية كشرح المرزوقي لنصوص حماسة أبي تمام, وكشرح أبيات المتنبي لابن سيده وبدرجة أدنى مقامات الحريري>>.(11) مؤكدا  أنه <<إذا كانت محاولات هؤلاء تقوم خصوصا على التشاكل النحوي وهو أحد فروع التشاكل السيميائي, كما ورد  في تنظيرات قريماس فإن هناك ملامح ترقى الى ما فوق ذلك هنا وهناك>> (12), في هذا التراث العربي الزاخر.

ولعل هذه الاسترتيجية الم زاوجة بين التأصيل المعرفي المنغرس بعمق في تربة التراث والتحديث المنهجي السابح بحرية في فضاءات الحداثة الغربية, والذي يتبدى بوضوح في تلك المقابلات العديدة التي يقيمها بين بعض منجزات التراث اللغوية والبلاغية والنقدية وبعض الطروحات الغربية (الأسلوبية والسيميائية خصوصا) (13), هي التي جعلته يمتح من معين التراث فيما هو لا يفتتن بصرعات الحداثة الغربية على اعتبار أنها الخلاص والمنتهى, ولذلك نراه يؤكد بجرأة وثقة بأن <<هذه الأدوات الجديدة التي تطالعنا بها كل يوم العلوم الانسانية, ليست غاية, فذلك تدبير مفلس في رأيه, وإنما هي مجرد وسيلة مطورة لرؤيتنا الى النص, ومكملة للنقائص التي كانت تعتور مساعينا في التحليل للاقتراب بأعمالنا إلى نحو الكمال>> (15), ولذلك فلا ينبغي لها- أي هذه الأدوات الجديدة- كما يجترح <<أن تستأثر بالتفرد والتربع على عرش المنهجية>> (16) لدينا.

من هذا المنطلق الواعي الذي يبتغي الكمال في مقاربة الأعمال الأدبية, ويهدف الولوج الى أعماق النص الأدبي من خلال ملامسة جميع مستوياته الفنية والقبض على معظم مركباته اللسانية والايديولوجية والجمالية والنفسية(17), نراه يدأب في تعامله مع النصوص على محاولة المزاوجة او المثالثة أو المرابعة بين جملة من الأجناس باصطناع القراءة المركبة التي لا تجتزئ بمنظور أحادي الى النص (18), لأن ذلك المنظور الأحادي- في رأيه- مهما كان كاملا دقيقا فلن يبلغ بالتحليل مداه, ولن يظفر من النص بكل ما فيه.

ربما لهذا السبب, نجده يشفع العناوين الرئيسية لبعض دراساته الأخيرة, بعناوين فرعية تنفي عنها أحادية المنهج وتؤكد هذا التراكب المنهجي المتبع وتدل عليه(19). إن هذا الازورار- الذي يبديه الباحث- عن التمسك بتقنيات منهج واحد على أساس أنه هو وحده الأليق والأجدر أن يتبع من منطق تعصبي, والذي يراه اتجاها أخرق ومسعى أخطل(20), لكونه ينفي عن الأدب جماليته, ويجنح به نحو الجمود والتقوقع, إن هذا الازورار, هو ضرورة معرفية تجد سندها القوي في تراث العربي وحداثة الغرب على حد سواء, حيث تميل الاتجاهات المعاصرة, كما يؤكد <<إلى التركيب المنهجي لدى قراءة نصها مع محاولة تجنيس التركيبات المنهجية حتى لا يقع السقوط في فخ التلفيقية>> (21), من ذلك مثلا تلك المزاوجة التي أقيمت بين البنيوية والاجتماعية, والتي ولدت بموجبها(البنيوية التكوينية) فخلصت البنيوية من فجاجتها وميكانيكيتها, وأنقذت أيضا الاجتماعية من طغيان المضمون على تحليلاتها, واستئثاره التام باهتمامها.

هذا فضلا عن أن معظم المناهج التي تمور في الساحة النقدية <<موروث بعضها عن بعض وقائم بعضها على بعض فلا البنيوية ولا النفسانية, ولا السيميائية ولا الأسلوبية نفسها, تستطيع احداهن أن تزعم أنها ناشئة من عدم, وأن كل أدواتها التقنية, ومصطلحاتها المفهومياتية جديدة. فاللسانيات قامت على جهود النحاة وفقهاء اللغة وحتى المعجميين, كما أن الأسلوبية على الرغم من أنها فرع من اللسانيات تصنيفا, إلا أنها قامت على أنقاض البلاغة بفروعها الثلاثة: البيان والمعاني, والبديع, ولم تقم البنيوية إلا على جهود الشكلانيين الروس وجهود دي سوسير. على حين أن السيميائية هي خليط من اللسانيات, والنحويات وربما البلاغيات, لأن التشاكل (Isotople) بأنواعه الذي اهتدى إليه قريماس لا يعدو أن يكون تجسيدا لمساع ذهنية كانت تتردد على ألسنة البلاغيين, وكل ما في الأمر أن المساعي المعاصرة تتسم بتقنيات أدق, ومنهجية أكثر صرامة>>.(22)

كما أن هذا النفور من أحادية المنظور القرائي وانغلاقه, والنزوع نحو التراكب المنهجي والايمان المطلق بعطائية النص وانفتاحه, والذي يتبناه الباحث بوعي عميق ويدافع عنه بحماس, يجد سنده القوي: أيضا- كما سبقت الإشارة أعلاه- في التراث العربي, حيث نجد العرب كما ينص <<من الأمم التي علمت بفتح النص وعطائيته بحيث نلفيهم يولعون ايلاعا شديدا ببعض النصوص كما حدث مثلا لشعر المتنبي الذي وصلنا من التراث أكثر من ثلاثين قراءة أشهرها قراءات ابن الأثير وابن جني وابن سيده... وأبي حيان التوحيدي والشريف المرتضي>> (23) وغيرهم, ومثل هذا أيضا يقال في حماسة ابي تمام ومقامات الحريري على نحو ما. ومثل هذه المساعي في رأي الباحث, لا تعنى <<بلغة عصرنا الا بجمعانية القراءة أو تعدديتها بحيث أن كل قراءة تمثل وجهة نظر معينة, فهذه قراءة نحوية, وتلك قراءة لغوية, وثالثة أسلوبية, وأخرى تترع مترعا آخر... وهلم جرا>>.(24) ليؤكد من جهة أخرى قائلا: <<ثم إن داخل القراءة النوعية الواحدة قد تتولج جملة من القراءات كما يحدث في تأويل بيت من الشعر نحويا>>.(25)

كان هذا بشأن القراءة من حيث تراكبيتها المنهجية وتجانس آلياتها التحليلية, فماذا بشأن سبك المصطلح وتوليده وتأصيله في مشروع الدكتور عبدالمالك مرتاض النقدي?

4 - إشكالية توليد المصطلح وتأصيله:

إن الوعي(26) المنهجي الأصيل والأفق المعرفي المنفتح, الذي واجه به الاستاذ الدكتور عبدالمالك مرتاض إشكالية قراءة النصوص الأدبية, الأدبية, من حيث منهجية, المقاربة وتقنياتها وآلياتها, هو نفسه الذي واجه به إشكالية السبك والضبط المصطلحي(27), من حيث حدوده وآفاقه واجراءاته التطبيقية وحدود هذا الإجراء, ومن ثمة التساؤل عن قابليته- المصطلح- للاندراج في حقل معرفي معين وخاص, أو إمكانية انتشاره خارج هذا الحقل وملامسة حقول معرفية أخرى قريبة أو بعيدة.

لقد وظف الباحث بقصد التغلب على هذه الإشكالية وتجاوز عقباتها, مجمل ما حبلت به العربية من آليات اصطلاحية, كما استثمر معظم ما يمنحه المعطي الفيللوجي العربي من إمكانيات هائلة للتوليد المصطلحي, كالاشتقاق والنحت والتعريب والاحياء, وغيرها, بما في ذلك محاولاته المضنية لتذليل مشكلة السوابق واللواحق التي تفتقر إليها اللغة العربية في مقابل اللغات الأوروبية باعتبارها لغات إلصاقية, تعتمد بطبعها نظام السوابق واللواحق (Prefixes et Suffixes) في تشكيل معظم كلماتها(28), مراعيا في ذلك قوانين اللغة العربية ومحترما قواعدها في معظم الأحيان, وخارقا إياها في أحايين قليلة ولضرورة معرفية ودلالية بحتة, كالنسبة إلى الجمع (موضوعاتية, لسانياتية, مستوياتي...)(29), بالاضافة الى اصطناعة تقنية النحت كآلية لتوليد المصطلحات, ولكنها في الغالب الأعم قليلة في دراساته, لما يشيع فيها من غرابة عن خصائص اللغة العربية وطرائق تركيبها, ومن أمثلة ذلك: (الركبرة الذي يقابل به المصطلح الأجنبي (syntagme): ركب  وعبر) و(الجدلغة: التجديد اللغوي المقابل للمصطلح الأجنبي (Neologisme), (البدعدة, وهو مصطلح منحوت من الفعلين: بدأ وعاد, ليقابل به المصطلح الأجنبي: (Recurrence), وهي مصطلحات نجدها متواترة بصفة خاصة في كتابه (النص الأدبي من اين? وإلى أين? الصادر عام 1983 عن ديوان, المطبوعات الجامعية بالجزائر, و(شعرية القصيدة- قصيدة القراءة, الصادر عام 1994 عن دار المنتخب العربي, بيروت).

ونجد الباحث يستند في معظم ما ذهب إليه في هذا الاتجاه, إلى جملة من المعايير أهمها: المعيار المعجمي (30), والمعيار الاشتقاقي (31), والمعيار الفيللوجي(32), ومعيار الشيوع (33), بالاضافة الى معيار الإحياء(34).

إن نزوع الباحث وإصراره الكبير على التغلب على اشكالية توليد المصطلح وضبطه وبالتالي تبييئه, جعله يصطنع كالعادة على الصعيد الدلالي- وفي حدود منطلقات وآفاق مشرعه النقدي المزاوج بين التراث والحداثة - حقلين مصطلحيين أساسيين: أحدهما بلاغي قديم والآخر ألسني حديث, فيما حفلت دراساته المتعددة في أحيان أخرى بطائفة مصطلحية ثالثة لا تكاد تندرج في أي إطار منهجي معين.(35)

ولئن كان الباحث قد تعامل مع الحقل الأول- البلاغي- تعاملا حياديا ظل  فيه وفيا لمرجعية المصطلحات التي يوظفها أمينا لدلالاتها كما عرفت في القاموس البلاغي القديم,فإنه وفي المقابل- وجريا وراء هاجس التأصيل والتأسيس- اختلف في طريقة تعامله مع الحقل الثاني- الألسني- <<بين الوفاء للمرجع والحياد عن المدلول الأصلي والتوسع فيه وإسقاطه على المرجعية العربية التراثية>>.(36)

كما كان يتردد في الآن نفسه بين حرصه على انتماء المفهوم المصطلحي إلى إطاره المنهجي, والحياد في أحايين أخرى قليلة عن هذا الحرص, من حيث نزوعه نحو تطعيم مصطلحات المناهج الألسنية المعاصرة (السيميائية والأسلوبية مثلا) بوحدات مصطلحية بلاغية(كالنسيج, والضرب وغيرها...).(37) بالإضافة إلى هذا فإنه لم يكن لي لزم نفسه في أحيان أخرى ببعض المصطلحات التي كان يعلن مسبقا- سواء في العناوين أو في المقدمات المنهجية التي يصد ر بها دراساته- أن قراءته تندرج بضمنها, كما يشيع ذلك في بعض دراساته التفكيكية التي نجدها <<فقيرة من حيث ما يشيع في الدراسة التفكيكية من مصطلحات خاصة كالاختلاف والأثر والمضاف...>> وغيرها.

والحق أن الدكتور عبدالمالك مرتاض كان من أكثر النقاد العرب وعيا بأهمية المصطلح ومكانته داخل الخطاب النقدي, ومن أشدهم حرصا على تجذيره وتأصيله, وضبطه ومراجعته, سواء من حيث الحد أو من حيث المفهوم قبل الخوض في الممارسة والتطبيق. لأنه كان- فيما نعتقد- على وعي كبير بأن نواة المنهج ولبه هي المصطلح, وأن الفشل في ترجمته أو تعريبه عبر تأصيله وتأثيله, ضمن طرائق فيللوجية ومعرفة هو فشل في مواجهة الخطاب الأدبي, وبالتالي المسار النقدي عموما. بالاضافة الى هذا, فإن حرصه البالغ على الاهتمام بالمصطلح ومراجعته الدائمة والمستمرة عبر تصحيحه وتطويره,(39) والاجتهاد في صياغة تحليلات موضوعية بشأنه, تكفل مقاربة نقدية صحيحة, وممارسة تطبيقية موفقة وسديدة, كان الدافع إليها ذلك الخلط وتلك الفوضى المصطلحية التي تعج بها الساحة النقدية العربية الحديثة, نتيجة غياب تنسيق عربي جماعي موحد في هذا المجال(40).

ولعل أبلغ مظاهر التأسيس والتأصيل النقدي في مشروع الدكتور عبدالمالك مرتاض, سواء في المنهج أو في المصطلح, هو أن معظم دراساته- كتبا ومقالات- تتصدرها مقدمات منهجية غاية في الدقة, توضح تصوره العام للإشكالية المطروحة وتستوفيها حق ها من التأطير والدرس والتمحيص, والضبط والتدقيق والتخصيب كلما دعت الضرورة الى ذلك.

وختاما لا نملك إلا أن نقول, إن المتتبع للمسار النقدي للأستاذ عبدالمالك مرتاض عبر مراحله المتعددة, وعبر مساراته المتداخلة, يدرك بيسر أن الرؤية النقدية لديه سواء في منهجيتها أو في مصطلحيتها, مر ت عبر مخاض عسير تلاقح فيه التراث العربي بالحداثة الغربية. إن هذه الرؤية وبتلك المواصفات الآنفة الذكر, هي محصلة طبيعية لثقافة مزدوجة مكينة- تراثية وحداثية- ووليدة تجارب عديدة في البحث المتواصل, والتحري الدائم, والتجريب والتطوير والتعديل المستمر, وإعادة النظر فيما أنجز بغية إكساب طرائقه التحليلية حجة قوية وبرهانا دامغا واستقصاء عميقا  ينشد الاقتراب الى نحول الكمال (ولو أن الكمال غير موجود في العلوم الإنسانية).

فمن هذه الخلفية التراثية العريقة, ومن هذه الآفاق الحداثية المنفتحة على الآخر, ووفق تلك المنطلقات المنهجية, أسس الدكتور عبدالمالك مرتاض لمشروع رؤية نقدية جديدة تبتغي التأصيل فيما هي تروم الابداع والتفرد والتجديد, ونعتقد أننا لن نكون مبالغين إن زعمنا أنها- هذه الرؤية/ المشروع- تمثل قفزة نوعية وإنجازا  مهما في الدراسات النقدية العربية الحديثة, سواء من حيث صرامتها المنهجية, أو من حيث تماسكها الفكري وفاعليتها العلمية ووجاهة طروحاتها, أو من حيث تأصيلها النقدي وتبييئها المعرفي, ولغتها المقولية الواصفة, والتي تنضح نصاعة وفصاحة وإشراقا.

يقدم هذا المشروع الجاد, الذي حاولنا استكشاف بعض تخومه, وارتياد بعض تضاريسه, وملامسة بعض نتوءاته, والكشف عن بعض آلياته, نموذجا حيا على ذلك التفاعل الخصيب بين معرفة تراثية موغلة في العراقة ونسق حداثي جانح دوما إلى التطور والتجدد.

الهوامش

* نشير في هذا الصدد الى أننا اعتمدنا في صياغة بعض أفكار هذه المقدمة المنهجية على دراسة مخطوطة أعدها الباحث المغربي (بشير قمري) حول الاستاذ الناقد (محمد مفتاح), لذلك وجب التنويه.

 

1 - تجدر الاشارة الى أن قضية الأجناس الأدبية اصبح الآن غير معترف بها في ظل تلاشي الحدود بين جنس أدبي وآخر.

2 - نقصد بـ(الهاجس) ذلك القلق المعرفي والهم الحضاري الذي يتلبس التجربة النقدية ويوجه مسارها.

3 - إن هذا التوجه الذي يجمع بين التراث العربي والحداثة الغربية ويقابل بينهما هو توجه سائد عند كثير من النقاد والمفكرين العرب المعاصرين ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: حامد أبوزيد في كثير من دراساته, ومحمد مفتاح في بعض الدراسات, ومحمد عابد الجابري والدكتور فايز الداية, واحمد نعيم الكراعين وعاطف القاضي وغيرهم.

4 - ميتانقدية على غرار (لغة اللغة Meta-Langage)  نقصد بها: نقد النقد: أو تلك اللغة الناقدة للنقد, او بعبارة أخرى, وكما يصطنع الباحث نفسه, القراءة, وقراءة القراءة (Meta-lecture) وقراءة- قراءة القراءة (Meta-Metalecture), أنظر مقالة: القراءة وقراءة القراءة خوض في اشكالية المفهوم, مجلة (علامات), جدة ج15, م40 مارس 1995, ص212, وما بعدها.

5 - عبدالمالك مرتاض, التحليل السيميائي للخطاب الشعري (النص من حيث هو حقل للقراءة), علامات ج5, م2, ربيع الأول 1413, سبتمبر 1992, ص146.

6 - التشديد منا.

7 - عبدالمالك مرتاض, التحليل السيميائي للخطاب الشعري, المرجع السابق, ص146, 147.

8 - م, ن, ص147.

9 - (10)- (11) - (12)- م.س, ص.ن.

13-  انظر على سبيل المثال مقال: (نظرية التبليغ بين الحداثة الغربية والتراث العربي) ومقال (بين السمة والسيميائية), مجلة تجليات الحداثة, عليالتوالي ع1, 1992, وع2, 1993, جامعة وهران, معهد اللغة العربية وآدابها, الجزائر, وغيرها من المقالات الأخرى في بعض الدوريات العربية.

14 - (15) - (16) - (17) - (18) : عبدالمالك مرتاض التحليل السيميائي للخطاب الشعري, علاماتج5, م2, ربيع الأول 1413, سبتمبر 1992, ص145.

19 - من قبيل: أ.ي. دراسة سيميائية تفكيكية لقصيدة <<اين ليلاي>> لمحمد العيد آل خليفة الصادر عام 1992, عن ديوان المطبوعات الجامعية بالجزائر.

وكتابه: ألف ليلة وليلة, تحليل سيميائي تفكيكي لحكاية حمال بغداد, الصادر عام 1993, عن ديوان المطبوعات, الجامعية الجزائر.

وكتابه: تحليل الخطاب السردي (معالجة تفكيكية سيميائية مركبة لرواية <<زقاق المدق>>, الصادر عام1995, عن ديوان المطبوعات الجامعية,الجزائر).

وغيرها من الكتب الأخرى الشبيهة والمتبنية لهذا المنهج المركب.

20 - ينظر: عبدالمالك مرتاض, التحليل السيميائي للخطاب الشعري, المرجع المذكور سابقا, ص145.

21 - م.ن. ص144, 145.

22 - ينظر: م.ن, ص145.

23 - م.ن, ص.ن, وانظر ايضا: محمد آل ياسين, تحقيق شرح مشكل أبيات المتنبي لابن سيده, 9-10 المقدمة, نشر وزارة الاعلام, بغداد 1977.

24 - عبدالمالك مرتاض, التحليل السيميائي للخطاب الشعري, (م.س), ص145, 146.

25 - م.ن- ص149.

26 - بعد الوعي بحسب تعريف برغسون له وسيلة حياتية, وقدرة على الافلات من الحاضر.. أي يمثل الذاكرة التي هي واعية من حيث هي حاضرة وماضية أيضا. أنظر: جان بول سارتر, التخي ل, تر.د. نظمي لوقا, الهيئة المصرية للكتاب 1982, ص43.

27 - المصطلح النقدي, هو ضرب من ضروب التخصص في جانب معين من جوانب الحركة النقدية, والأدبية, بالاضافة الى كونه مظهرا حضاريا من مظاهر تطور الفكر الأدبي العام. وهو فضلا عن ذلك دلالة خاصة تنتقل بموجبها اللفظة من معناها العام الى معناها الخاص, مما يكسبها صفة الاختصاص أو التخصص مع وضوح في المعنى ودقة في الدلالة وشمولية في الاستيعاب.

28 - لكن في المقابل تمتلك اللغة العربية, وباعتبارها لغة اشتقاقية, قدرة كبيرة على الاستخدام الداخلي لمختلف العمليات الصرفية.

29 - ينظر: يوسف وغليسي, إشكاليات المنهج والمصطلح في تجربة (عبدالمالك مرتاض) النقدية, مخطوط رسالة ماجستير, مقدمة الى جامعة قسنطينة سنة 1995, 1996. ص312 وما بعدها.

30 - المعيار المعجمي ويعني تلك العملية التي نقف من خلالها على دلالة المصطلح وجذوره في المعاجم العربية والغربية القديمة منها والحديثة على السواء.

31 - المعيار الاشتقاقي باعتباره وسيلة فعالة من وسائل نمو اللغة وتوالد موادها, وتناسل وتكاثر كلماتها, الأمر الذي يعطيها غنى وثراء يمكنها من التعبير عن المستحدث والجديد من أفكار ووسائل حياة.

32 - المعيار الفيللوجي, والذي من خلاله نستطيع تتبع مدى ملاءمة وامتثال المصطلح لخصوصيات لغة ما, ومدى فصاحته, وخضوعه لطرائق الوضع اللغوي كما يثبتها درس فقه اللغة.

33 - معيار الشيوع: ونعني به مدى شيوع المصطلح وهيمنته على الساحة النقدية من حيث التداول والاستعمال.

34 - معيار الاحياء: ونعني به إحياء بعض المصطلحات التراثية القديمة وإكسابها صيغة حداثية, لتغدو ملائمة لبعض إجراءات التحديث المنهجي.

35 - ينظر: يوسف وغيلسي, إشكاليات المنهج والمصطلح في تجربة (عبدالمالك مرتاض) النقدية, مرجع مذكور سابقا, ص313.

(*) التشديد منا.

36 - وهذا جريا وراء التركيب المنهجي المشار إليه أعلاه, وتحللا من الجمود المنهجي والتعصب النقدي, لايمانه المطلق باستحالة مواجهة أو مقاربةجنس أدبي دوما بمنهج ثابت ورؤية أحادية, حيث نجده يقول: <<من الخير أن نأتي ذلك فنجم د هذا الجنس الأدبي المتميز لمجرد حب التطلع الى تأسيس ذلك المنهج المنشود>>, ينظر كتابه:

تحليل الخطاب السردي (م.س), ص3, وينظر ايضا يوسف وغليسي, المرجع المذكور سابقا, ص313.

37 - ينظر على سبيل المثال مقالتيه (نظرية التبليغ بين الحداثة الغربية والتراث العربي) و(بين السمة السيميائية), تجليات الحداثة ع1, 1992, ع2, يونيو 1993, على التوالي, جامعة وهران, معهد اللغة العربية وآدابها الجزائر.

38 - يوسف وغليسي, إشكاليات المنهج والمصطلح في تجربة(عبدالمالك مرتاض) النقدية, ص314.

39 - هناك الكثير من المصطلحات التي ترجمها او عربها في مرحلة سابقة مثل (الخطاب, الإشارة, العلامة, الايقونة), ثم عاد وتخلى عنها لحساب تسميات أخرى, لمزيد من التفصيل أنظر تحليل الخطاب السردي, وغيرها من المقالات المنشورة في بعض الدوريات العربية.

40 - هناك مظاهر كثيرة لهذا الخلط كالترجمات العربية المختلفة للمصطلح الأجنبي الواحد, أو كالتسميات الواحدة لمصطلحات أجنبية مختلفة, لمزيد من التفصيل في هذا المجال أنظر بعض الدراسات والمعاجم المشيرة الى ذلك والتي حاولت تقويم هذا الاعوجاج ومعالجة هذا الخلط, وهي كثيرة ومتعددة, ومنها على سبيل المثال:

- محمد حلمي هليل, دراسة تقويمية لحصيلة المصطلح اللساني في الوطن العربي, ضمن وثيقة (تقدم اللسانيات في الوطن العربي), دار الغرب الاسلامي, بيروت 1991.

- عبدالسلام المسدي, فاموس اللسانيات, الدار العربية للكتاب, ليبيا, تونس 1984.

- سمير المرزوقي وجميل شاكر, مدخل الى نظرية القصة تحليلا وتطبيقا, الدار التونسية للنشر ديوان المطبوعات الجامعية, تونس, الجزائر, د.ت.

- رشيد بن مالك, قاموس مصطلحات التحليل السيميائي للنصوص (عربي, انجليزي, فرنسي), دار الحكمة, الجزائر, ط2000.


تصميم الحاسب الشامل