<<الممتد في أقصى حنيني>>
تدوين الذاكرة الرملية

 

دلدار فلمز


<< ظلك الممتد في أقصى حنيني >> عنوان المجموعة الثالثة للشاعرة السورية رشا عمران حيث صدر لها  -وجع  له شكل الحياة 1997 - كأن منفاي جسدي 1999 وفي المجموعة التي بين أيدينا تدون الشاعرة حالات متعددة على عتبة الحنين وتغزل بالصمت مكونات أشيائها العميقة , وأخرى جميلة وناقصة وفيها تتذكر حزن رجل كان يعشقها حتى مطلع الفجر حيث  كانا يتبادلان أطراف الورد وهما  يتجردان جزءا  جزءا  من هموم الحياة وذلك للاستمرار في نشوة تشبه أحلاما  زرقاء و تدون تلك الحالات بمفردات بسيطة ومعشوقة وتجد نوعا  من الإيحاء في الاقتناص بأشياء مهملة وقديمة في حيويتها.

و تعمل على تشييد نصها بتراكيب مكتظة بالشوق والحب حيث تبدو ذكريات المهمل والقديم مهمة جديدة .

وهي تجد متعة في تلك الأمور التي وقعت في الماضي حيث تحتوي في دواخلها الكثير من الحنين والدهشة وتدون عن ذلك الرجل الذي غادرها ورحل بالصمت وترك صورته على طاولة مفتوحة للفصول المتراكضة بأمطارها المتزاحمة في اقتحام ناعم للشوق وإذ به يستدرج حنينا  نحو أفق مغلق ولكنها تظل تبحث بين ركام الأيام... مستقبلة الوقت بوجه يغرق في الحزن , تتألم عندما تسمع الأصوات المحفورة في ذاكرة رملية.

وقد تستعيد جزءا  من فرح مخطوف من خلف نوافذ الحنين وظلال أطياف في مجرة الرياح ليستقر بها أمام رغبات مهزومة على مزهرية الدهشة والأفراح التي كانت تسكن الجسد وأحلاما قديمة مبللة بالبريق الحب ومغموسة بالمياه اللذة>>.

المائدة/ التي نتقاسم  كَرَمَها/  إله / شاء  أن يرمَد رتابته >>  ص28. وتنقل رشا تلك التفاصيل بشغف وترصدها من زوايا متعددة وتنظر الى الوراء بعيون تبحث عن الذين رحلوا كطيف شجرة ومسلة عارية وتعيش الليل بأنامل من القلق كالليلة الفائتة ونسيت الأحزان ونقيضها وأصبحت حياتها بلا سند مثل وريقات صفراء سقطت في رياح الخريف وتغرق في نهر أيام مشلولة وتشم من الأحياء رائحة الموتى وهم يحرثون الوقت بأرواحهم التي جفت على ظلال الليالي.

<<لم تخدعني / الورود  الذابلة/  في فمك/بيد  أنني/غافلة  مستوحشة/أخذتها /على محمل  الحزن >> ص59.

وتشتغل في نصها على محتويات الكون والتوتر القائم بينها والمحيط. ومنهما إلى إيجاد رؤية عميقة للشعر في الحياة , تدون جرأتها على صهر الذات في صيغة واسعة حيث تتبلور رؤيتها الشعرية بوضوح تجاه أشياء وبها تلبس مجمل نصوص مجموعتها مساحات غنية من التفاصيل المجبولة بالشوق والحنين.

و تصل إلى ما يدور في أعماقها من خلال تركيز على خلجات شعورية و تدون أشواقها وإحساسها بالوحدة والغربة , والغربة التي تطرحها هي ليست غربة مكانية بقدر ما هي حالة فقدان توازن في الوجود انها تشبه إلى حد ما أشياء مهجورة  تبدو حاضرة في غيابه وربما تبدو في أحايين وللوهلة الأولى عادية لكن عند قراءتها بالعمق نتكتشف متعة غير آمنة .وذلك عبر لذة استحضار بطريقة هادئة وتحمل في دواخلها تساؤلات عديدة صعبة ومثيرة نستطيع قول ان نصوص هذه المجموعة قائمة على خاصية سمتها حساسية مترفة في رصد علاقة الأشياء ببعضها والتحولات التي تحدث كاغتراب في ابيضاض عشق أزلي << وها أنت  الآن/

 أمام  يدي   / شهية / غامضة /كأنك  الذي أعشقه

تعكسين  ظ ل  ك  على ماء قلبي /

ثم  مثله ت منحين  لأصابعي/ الغياب >> ص97.

وتتوزع المجموعة على- 113- صفحة من القطع المتوسط وتحمل ثلاثة عناوين وهي - إذ تقاسمني الحنين- الذي يشغل 83 صفحة -أهطل كحبة تين -  النهار كله. ويشغلان الصفحات الباقية  بالتساوي تقريبا. واشتغلت رشا عمران في نصوصها  الثلاثة بموضوعات الحب والموت والعزلة والحنين ومن الملاحظ انها عنونت ببساطة غير مكلفة لغويا وعبرها وجدت مسافات للتكثيف والإيحاء مستفيدة من سلاسة تلك المفردات ومدلولاتها حتى العمق الشعري وذلك بتوحيد الطاقة الخيالية ,والنشاط الفكري أحالته الى التأمل بل القبض على مواقف متعددة , وكأن لكل إبداع حقا  في المشاهدة برؤية مغايرة و لتأخذنا إلى رحلة  مزمعة لمشاهد متنوعة من التذكارات ورسم لوحات شفافة بكلمات سلسة.

<< كأنك  اقتربت  مني لتبتعد/ كأني اقتربت  منك  لتبتعد/ كأني/

أنا القريبة من الرحيل/ أنحني عليك /

قبل  أن يمسك  الضوء/ وتختفي/

تماما /  مثل نجمة  أول الفجر>>.


تصميم الحاسب الشامل