تجارب <<حسين عبيد>> التشكيلية
نحو مسارح الإفصاح

 

عادل كامل


في حدود توازن الكائن مع الكون, لا تؤدي الحواس مفهوم المراقبة, والجسر, بل الامتداد, لكن تجارب التشكيلي العماني حسين عبيد, المرهفة الحس حد اللوعة, والجمال المر, لا تتوخى رصد الخارج, والاكتفاء بحدوده, وجعله مرئيا.. فثمة ذلك الفناء والتكون, الذي لا حافات له والمباشر, المنبثق والغائب, يغدو موقفا  صوفيا , ومطهرا , وامتلاء في نهاية المطاف.

لقد تأثرت بكلمة للفنان دو نها في دليل معرض (مملكة الحلم) جاء نصها (ولأنني مازلت أرسم فإن هذا معناه أنني لم أصل حتى اللحظة إلى جواب مقنع) لأنه جعل الرسم حلما , واستبدل الخيال بالواقع, في محاولة للتطابق بين التضادات. إنه, عمليا , يلخص محنة قرن من التشكيل في الوطن العربي: محنة كائنات, وأقسى من ذلك, محنة وجود يتعرض للتلف, والإستهلاك. فالرسم - كالدواء- الذي صار داء. بيد إنها لعبة مرور, وسكر مؤقت, حيث أمام الأبدية - مثلما أمام الضمير- يتجلى الحساب. فهل صار فن التأمل وعمل الأصابع, وكل الحواس, حجابا , وأسئلة تتضمن امتدادها, وليس محض علامات وعناصر لا تقول أكثر من زوالها. محنة التحديث - والحداثة -  في التشكيل العربي, يلخصها عبيد في لوحاته تريد أن تقول الذي يكمن في صمت الرسم. فالمرئيات ليست حافات, والعناصر لا تستقل وتتجانس لصالح التكوين, والمعنى لا يكتفي بحدود التعبير, فثمة, في هذا كله, ما هو أبعد من المنجز. إنها الولادة التي لا تولد إلا عبر محنتها.. كالموت ليس قسرا , بل ولادة يموت فيها الموت. فالأمل, داخل اشتغال الحواس, لا يكتفي بالظاهر.إنه يأخذها, مثلما تجلى ذلك في أقدم تماثيل الآلهة عشتار, أو في رسومات الكهوف, أو عند مخلفات الشعوب التي لم تنقش أصواتها كتابة محنة لا تهلك, إنها تثبت, كما أطياف سومر ومصر القديمة, لتبدو شاخصة - وشاخصا - حيث الميت مازال في موقع التأمل. كأنه ذاته في المحنة, بلا حقب وأزمنة, لا اكتفاء عنده إلا في الحاجة, فلا حافات للرضا.. لكن الفنان, في اشتعال الحواس واشتغالها, يقول استحالاته بالرسم, وبكل الذي يجاوره: البحر والموسيقى, الصخور والبشر, الهواء والطيور. فهو لا يكتفي أن يتطهر بفعل العشق, إنه يريد أن يصيره, مثلما لا يريد أن يكون رساما , بل يريد أن يكون الرسم, حيث الاستحالات, كما في البحث عن الوحدة, تجعل المشهد فضاء  لم يفقد الرجاء, والغواية. فالفنان, في الرسم والرصد والتأويل, يحلم بالذي يقع وراء الأحلام, ووراء الرسم. إنه يواصل فعل الذهاب, مع أنه يشفر لنا معرفته مكانا  صار مدرجا  للتعاقب, وللخيال العنيد في البوح, وكتمانا  جماليا  في إطار المعلن, والرمز.

البحر

البحر, هذا الذي يخفي, عميقا  وبعيدا  وراء مرئياته, فالبحر, ليس أقدم العناصر, بل أكثرها حداثة, إنه يشتغل كزمن خاص,  زمن الصفر.. لكنه, مع الرائي يوحد المدى ولا يتوقف عند عتبة, أو نهاية. الفنان حسين مأخوذ بالصخب, مأخوذ حد الإعياء, مع أنه لا يغادر محنة الرسم, كاستبدال لمأزق التقاطع مع فضاءات الخارج, فالإنسان يسكن البحر, لأن الأخير, يمتد داخل ذاكرة شائكة, ذاكرة ما قبل التكوين والوعي, هذا الذي يقلب ظلام الرحم, إلى أمل صعب, لا يتشكل بالنذور, بل بالزوالات. إن الرسام يتشبث بلوعة المكان الصفر, المكان المصنوع من المتاهات, والمفازات, والآمال, فتأتي نصوصه, راصدة للتضادات. للمعرفة وللسكينة معا. فالبحر يبقى يقول كل الذي لا يمكن البوح به. إنه مثل الكلمات, تولد بالقانون الذي يخفيها.

الصحراء

لكن الصحراء, عنده, هي سفر الجزيرة. لقد دوّن الرسام لذات الماء, واستنادا  إلى الرمال, فنقاط التلاشي تفصح عن جفاف يدفع بالحياة نحو نهايتها.. فلماذا الرسم, والمحور, هو استذكار أزمنة غائبة صارت فيها البصريات, والمرئيات, حافات يباب.. وأبدية مقفلة? إن الرسام, في انشغاله بالرسم أمام البحر والرمال, يجاور أزلية المحنة.. محنة استحالة وضع حد أو تعريف للزمن, كي لا يتوهم, إن قواه كامنة في فعلها المتآكل.. فهل الرسم محنة.. أم هو.. داخل برمجيات الموت والأمل, أسطورة لذة عقاب, أو لا مبالاة تتمتع بجماليات مرة, ومستحيلة? أن فعل الرسام, في الغالب, ينتج هذا الضرب من التأمل, والحذف, والتشفير.. لأن نصوصه لا تتوقف, ولا تكف عن قول الذي لا يكمن إلا في استحالة الكلام: العلامات, والنقش الصامت بكل إيحاءاته المكانية, والسردية, والشعرية. فالرسم لا ينفصل عن الرسام, والرسام, في الامتداد لا تغويه إلا مسرات الرسم.

المــوت

لا أعرف شيئا  عن خبرة حسين عبيد في تصويره عمليات خروج الروح من الجسد.. فهل فعل ذلك بتأثيرات ما بعد علم النفس, وبتأثيرات البارا سيكولوجي, أم بحسب الموروث الشعبي العنيد..? لا يهم ذلك كثيرا  مادام الفنان قد شغلنا - ويشغلنا - في الارتقاء إلى مشاهدة الذي هو بحكم التشفير والاحتمال والسياق الآخر للوعي والمشاهدة?. إن نصه الذي يعالج هذه المشاهدات, يفتتح كوة في الوجود, في عالمنا, كما في العمل الفني. إنه يفكك متع وجماليات الممتلكات الحاضرة, ويدفع بها, نحو فجوات بديلة. أنه عمليا  لا يضع الميتافيزيقيا بديلا  عن صلابات الوجود, ولكنه, في الغالب, يدحض وهم الأخير, ويزعزع أركانه. أنه الموقف الوجودي, له شرقيته, وصفاؤه, وزهده, واختزالاته الأسلوبية في مسار التأمل. فالموت لا يقف عقبة, ولا يشل حركة الرسام... إنه يغدو مجاورا , في الخلف أو في الأمام, معه في الاستبصار. لأن الموت يخفي بنيويا  الأمل, حتى لو كان لا يولد إلا في الاستحالات. لأن خروج الروح من الجسد, في المشاهدة البصرية, ليست ضربا  من أفعال الخيال والسحر, بل اندماجا  في الفعل.. قناعة لا تنتظر التأويل, ولا تتوخى الشرح. وأذكر أنني قبل تأمل هذه النصوص.. عشت لمحة مماثلة, كان جسدي - النص الأرضي- قد كف عن العمل.. فيما كنت أرى, مثل الضوء أو الريح أو الموسيقى.. يغادر كياني. لقد عرفت إنني مت. بيد أن الذي حدث, كما في إعادة فيلم أو شريط أو خازن, عاد الذي غادرني, وبعيدا  عن قلق أو انزعاجات مغادرة الأرض, تابعت هذا كله كعلاقة أطياف تسكن سكنها المؤجل.. فكانت عناوين وإيحاءات رسومات حسين, تترصد هذا الانفصال, هذه القطيعة, كي يمنح بصرياته, بتأمل, شفافية رمزية تتداخل مع عناصر البناء, والهدم, والحذف حد البوح بمكونات الحلم.

إننا إزاء تكوين يتكرر, حيث يلغي السرد ولكن في صالح البوح..وحيث التكنيك ينحاز إلى التقنية. فالرسام يرسم الرسم, لا يقلد نموذجا  محددا  إلا في حدود الحفاظ على ملامح حداثة الخطاب.. فهل مثلت الروح إشارة للتصادم بين لغة معلنة وإيضاحية وجمالية, وبين بحث يدفع باللغة إلى الغياب والصمت? هنا تبدأ حساسية المشاهد, في الحفر, فالفن يتقاطع مع البذخ والزينة ومناخات اللذائذ. إنه يتوقف عند عتبة المأزق, والتضاد, والتحولات. فالحداثة سيوحدها زمنها, زمن النص, ومداه في التعبير... وعمليات الحذف ثم الحذف ستبلور سياق هذه الحداثة... فما المقصود بالروح, إن لم تكن قد بلغت حد البوح ومغادرة الإطار, والجسد, والمعنى? إنها لا تحكي بل تحرر العلامات من الشرح.. حيث التجريد يغدو أكثر العلامات صمتا.

التجريد

لا يلفت الفنان النظر إلى تحولات الرسم, من الواقعي نحو التجريد, ومن المعاني إلى التكوين, بل يضعنا في حقل الفن الخالص. فهل نتذكر (ما لارميه) مثلا.. أم .. أتساءل: أقدم العلامات فوق جدران الكهوف: كلام اليد الصامت في أداء وبلورة خطاباتها, وزمنها, للامتداد, وليس للارتداد? إن التجريد يبث كلام سياقه وتكنيكه ومادته. إنه يخرج الرسم من الزينة, والبهرجة.. لأنه, بعد عمليات الحذف, يجعل العناصر قد بلغت النظام ذاته.. أية لغة. فالعناصر تلبي أهداف التكوين, وكلاهما يصبحان شريكين مع الرسام: تطهير المعنى, وجعله يستنطق خفاياه, جماليا , مع استذكار لوظائف التعبير. إن حسين عبيد يدرك أنه بصدد لعبة تسبق اختياره لأبعادها, فهو لا يبتكر مغامرة جمالية, معزولة عن مرجعياتها, وإنما يتوازن معها, لا يتسلى, بل يتطهر. فالرسم يغدو معرفة بالحساسيات, مرتقيا  بها, من المباشر إلى التجريد, ومن الكلام إلى الصمت الناطق.

الحذف والإضافة

يتكلم الرسم بصمته: لكن الرسام هو الذي يتكلم, يختزل الألوان والأشكال حد الومضة, حد الصفر. فالعلامات (شمس/سفن/ منازل/نساء) كلها تمثل موقعها في بناء النص. فإذا كانت حالة/موقف/الرسام وراء ذلك, حالة التضاد والثنائية والمأزق, فإن صمت النص الذي صار أثرا , لا يحتفل خارج تصادماته. إنه يجعلنا, في هذا المنحى, نذهب إليه: المكان الذي عشقه (سداب). الواقع الذي صار حلما , وسكنا  تسكنه رؤاه الطيفية: انجذابه وخلاصه المؤقت في الرسم, حيث الأخير, أداة بحث, وحفر, وتدوين, كتابة صورية تقع بين الأرض والفضاء, بين الرائي ومرئياته, إنه ليس الوهم إلا بصفته أحد علامات التحديث في الرسم العربي, حيث الجمال لا يعر ف إلا كعمل المديات في القلب.  فالرسام يتشبث بمقولة أن مستقبل (الماضي) لا يغادر ذاكرتنا. إنه يلتصق كثيرا  بالمركز, المنبسط أفقيا , المفروش, حد فقدان حافاته. فالنص يبقى يتكلم تجمعاته وتبعثراته: يلهو بلا مبالاة جادة, تاركا  النص يتقيد/ يتحرر, بحدوده مداه الذي صار رسما , حيث الغموض/الأسرار, يتشكلان عبر التدفق, والانفجار. أنه التجريب, الذي جعل تجاربه مشفرة في مسار الإفصاح, وعبر صمت له مغزاه بعد أن أصبحت الدلالات فائضة, تجريب يعلن عن ختم الرائي, أصابعه وبصره وباقي الحواس, زمنه وتقاطعاته وانشغالاته وباقي الهواجس, كلها, كما في البصمة, الختم, التوقيع, تبني ميلانا  في خطاب حداثتنا, ومأزقنا الذي صارت ولادته, شائكة, مع أنها تحدق في الأفق, وبما تمتلك من تاريخ في الصلابة, والعناد. حقا , إن تجارب حسين عبيد, تحفر بصريا  أمامنا أسئلة تمتلك استئنافها.. ما الرسم, مثلما نتساءل: ما الوعي.. وما الجمال?


تصميم الحاسب الشامل