لحظة الكتابة

 

ي. الناعبي


عالم مجهول بكل تداعياته وتجلياته بوضوحه وترفه بحزنه وببهجته مدسوس خلف مغاور واقاصي وأحاسيس تسكن تلك العذوبة المستشرية في التساؤل عن الكتابة متخفيا بألوان التشظي والانفلات .

ربما للكتابة ميزتها في الاتساع والانتشار, إلا أنها في حقيقتها عصيّة أيما عصيان على المتطفل فهي مرآة خيال وفضاء خصبين للغياب بعيداً عن المستنقعات والبرك الموحلة تلك التي يقع في أعماق سديمها هواة الترف والبذخ المتمثلون في تلويث قداسة الكلمة وتعكير صفوها.

(في الغالب تفوق الشهوانية نمو الحب سرعة فتبقى جذوره ضعيفة وسهلة الاستئصال) - نيتشه, فحينما تعتمر الكتابة أفق الكاتب ينبجس الحنين الى موروثات وشواهد لا تنفك من ملاحقته وتلبسه بغزارة وكثافة شديدين حتي الشتات والتماهي, حينها يكون النكوص والتراجع أرحم وأكثر توفيقا , علّ ذلك الزخم يصبح أكثر تراتبية وتهذيباً.

ما تقوم عليه المبادئ المنظمة والعقائد المسجلة في التاريخ البشري هو وسيلة قوية ومركزة عبثا في تشتيت روح الكاتب المجسدة في البحث عن فكرة اللامحدودية   وابراز صورة الشفافية المطلقة نحو الانساني والابداعي بكافة مستوياته ورؤاه.

لذا فان هذا السلب ورفض الثقافة الوجودية والتعامل مع ثقافات كأشياء خارجية مفروضة اكثر منها معرفية تشكك في مصداقية الانتاج الفكري والابداعي عند الكاتب مما يحمله ذلك الى زور الطرح بحجج واهية اقرب منها للتكريس الكمي عن القيمي.

فطرح الهم الكتابي يبقى مشكوكا في تفسيره حول مفارقات التعريف لهذا الهم عند الكاتب وما يترتب عليه من معاناة حقيقية خارج الترف والزيف.

الكتابة بانسيابها وبساطتها وايقاعها ليست اشباع رغبة او اختزال فترة زمنية انهزامية بل هي اشراقة يبدأ من خلالها الصدام ضد كل ما هو اعتباطي وهمجي خارج اطار المستوى الأخلاقي للبشرية, فكل ما يشعره او حتى يعايشه الكاتب في حياته وتعامله مع الآخر هو محض سكون ورتابة بعيدا عن العراك الحقيقي كما عند الكتابة, حين تفلت منه كل حواسه نحو رياح وأعاصير أكثر قتامة وعنفوانا لتحدي الغياب والآخر, انها مواجهة الاستماتة مع الموت....! فينفلت المساء والصباح من صيرورة الوقت وتختلط بعوامل لا تدركها الارادة ولا القيد.

تسعفني أحيانا بأن أترك بصمة ذاتي في واحة خواء التصق بها ربما لأن الأمكنة طاردة وموحشة فأتسلل منها بجرأة العشق للكتابة وغصة المهزوم مما هو خارجي ومتداع  أصبح خصما  استفزازيا  مثيرا  للازدراء.

أجد أنني أتقصى دائما الخبيء في أعماقها فأتجسد غزارتها واستشعر تغلغلها بحيث تكون كلماتها قد دحرجتني بعوالم الفناء والتلاشي وأصبح عبرها كمن غمره الغياب واللاجدوى تلك اللحظة التي تلتحم فيها حروفها بكينونة العدم فأكون خيالا  أزليا  في عالم الالم والغربة.

تتمثل في داخلي بؤرة نغمية أندس في غي ها محاولا  أن أتناسل منها لحظات تعدد وتكاثر.


تصميم الحاسب الشامل