|
|||||
|
كما داهمت <<مدن الملح>> فضاء الرواية العربية في الثمانينيات بكل ثقة لا تقلقها كل فوارانات البحث عن الشكل الذي كان يوازي ويناظره في حقل الدراسات النظري الفكرية والمعرفية هاجس البحث عن الهوية (فورة الدراسات التراثية), والذي كان يناظره في الشعر البحث عن الجوانية الصوفية للأنا الفردي والجماعي, كل هذه التيارات كانت تبحث عن التغاير بالتوازي مع مشروع انبعاث البحث عن الهوية الإسلامية الذي راح يجد صداه بل وأثره في سائر الحيزات المشار إليها, فكان التغاير وهو يغلف نوعا من التحايث الذي يتراسل داخليا مع نكوص روحي كان يبحث عن تكيفاته مع حالة التقهقر باتجاه وعي قروسطي, كان تمثله ثقافة الإسلام النفطي الذي راح ينشر دشداشاته البيضاء في كل المدن العربية, تعبيرا عن احتلال آخر المساحات الرمزية, وهي ساحة اللباس التي هي أكثر الساحات بطئا في الاستجابة إلى التغيرات ككل أنواع الطراز, سيما إذا كان باتجاه العودة إلى نماذج الماضي.
في هذا الفضاء, الذي يتشرعن فيه التأخر في كل حيزات المجتمع والثقافة, تحت وهم البحث عن الهوية, داهمت <<مدن الملح>> الثقافة العربية, للكشف عن الوهم الأصلي الذي يتولد منه نموذج الهوية الأصلي, وذلك بالحفر الأركيولوجي المجازي جماليا تحت طبقات الغيوم التي ساقت لنا أمطار حقبة النفط اقتصاديا, سياسيا ثقافيا, حضاريا, ليتكشف النموذج في معماره الأصلي, بأنه ليس سوى تمثال من ملح كما كان بالأمس تمثالا من تمر. إذ فكما داهمت <<مدن الملح>> الثمانينيات, زمن استقرار وهيمنة عرش النفط, تداهمنا <<أرض السواد>> في أواخر التسعينيات, حاملة تحديها الحضاري والثقافي والقومي بأن العراق لن يموت, رغم أن العالم الغربي وحكام العالم العربي, يريدون له الدفن حيا, أرض السواد هذه, التي صنع الرب من طينها البشر, والتي طالما سقيت بالدماء منذ سومر وأكاد وبابل, وطالما دمرت كقطع الخزف المهشمة, كما يصف أحد الشعراء إحدى غزوات الغرباء ل-<<اور>> حيث هدمت الأسوار وناح الناس, وفي الشوارع, حيث أقاموا الأعياد, نثرت أجسادهم وتراكمت أكوام القتلى... ايه أنانا, إن <<اور>> قد خربت وأهلوها قد شتتوا. لكن هذه المدينة عندما ستنهض, فإنها سترتدي النور وتحني رؤوس المتكبرين وما أن تشع عظمتها الرهيبة حتى يرتمي المسيء والشرير في أصقاع الأرض حسب نشيد نرجال, ووفق ما يستهل عبد الرحمن منيف ملحمته الجديدة (أرض السواد). فطينة هذه الأرض, عجينتها, خمائرها الأولى التي شكلت إنسان الرافدين, تلفظ كل جسم غريب عنها, ولا تعترف إلا بنقاوتها الأولى التي منها اليد صنعت الإنسان الأول. كل ذلك يعيد عبد الرحمن منيف خلقه الروائي دون ضجيج أو ادعاء حول الأساليب, والتقنيات, ووسائل البناء, فالرجل قادر على استخدامها جميعا دون أن ي دل على القارئ بمهاراته الأسلوبية التي تتنوع كلاميا بتنوع الشخوص المتكاثرين بلا حدود, كما الحياة, والتي يندر أن عرفت الرواية العربية أعدادا من البشر يتحشدون في رواية أكثر من ملحمتيه المذكورتين (مدن الملح -أرض السواد). بهذا تتنوع اللغات, واللهجات, والأساليب, والأصوات, كل لها سماتها, وقسماتها, وسيادتها, وحقوق الحضور والغياب, بذلك تحقق الكتابة الحرية بوصفها هدفا إنسانيا, وبمثابتها فعلا سرديا يتحقق في قاع النص, فتخلق عالما يتساوى فيه الجميع بحقوقهم في الكلام من (داود باشا الوالي) إلى حسون (الطيب المغفل, العاهرة والفاضلة, عوالم الفوق وعوالم التحت) فتدمر علاقات التراتب (الهرارشية) بالمعنى البنائي والمعنى الدلالي, على مستوى محفل السرد في نسقه الداخلي, أو على مستوى محفل الأدب في وظيفته التواصلية مع المتلقي المشارك في صنع الحدث, وهو يقرأه, فالكل منخرط في عالم كرنفالي مفتوح, ومكشوف على الخارج والداخل, على عالم الشعور واللاشعور, عالم الوعي واللاوعي, عالم الواقع وما بعد الواقع, عالم المركز المتكور على ذاته وعالم الأطراف المهمشة, واذا كانت هذه الكرنفالية تتشح بالسواد, سواد الأرض وسواد الدم, وسواد الزمن, لكن دائما هناك ثمة فرص ومساحات واسعة للفرح والبهجة, بل والمرح والسخرية السوداء والبيضاء. وسط هذا الفضاء المهرجاني, الذي يصعب تقصي كل جوانبه, كان هذا الحوار المفترض مع عبد الرحمن منيف الذي يمكن للمتلقي: القارئ والباحث أن يحل محل الراحل في هذه المناقشة المنصبة اساسا على ثلاثيته <<أرض السواد>>, بادئين بالجزئيات, طامحين عبرها لبلوغ الكليات. - لماذا عنوان <<أرض السواد>>? : إن السؤال عن العنوان يحتل أهميته خاصة بالنسبة لروايات منيف, وذلك لأن كل عناوين هذه الروايات ذات وظيفة مجازية <<حين تركنا الجسر, شرق المتوسط, النهايات, سباق المسافات الطويلة, الأشجار واغتيال مرزوق, مدن الملح, بتفرع عناوينها الخمسة... الخ>> بل وحتى في الكتابات التي يفترض أنها غير تخييلية, بل ويفترض أنها تحيل في وظيفتها الأسلوبية إلى الوظيفة الإشارية الإخبارية, فإنها تنطوي على وظيفة أدبية تعبيرية على مستوى النص وعلى مستوى العنوان, فهو يكتب ذكرياته مع صديقه الباهي تحت عنوان <<عروة الزمان الباهي>>, ويكتب مقالات ودراسات يرتقي العديد منها إلى مستوى البحث, مع ذلك يختار لها عنوان <<لوعة الغياب>> لكون كل الذين تم الحديث عن أعمالهم في هذا الكتاب غدو في ذمة غياب الموت. دلالة استخدام المجاز في اختيار العنوان : - هل أرض السواد تشير خبريا إلى التسمية المتداولة في كتب التراث, إذ التسمية ذاتها تنطوي على دلالة الخصب, ولهذا قال أحد أقرباء عثمان وهو محاصر <<السواد بستان قريش>> هل كان لهذه الجملة الشهيرة تأثير إيحائي في اختيار الاسم, بالإضافة إلى أن المتداول تاريخيا أيضا اسم <<ما بين الرافدين>> ومن الواضح أن هذه التسمية جغرافية لا تعطي إشعاعا مجازيا, وإن أعطت إيحاء بالعراقة الحضارية, أم أن الاختيار التزم <<الميثاق المرجعي>> ليؤسس عليه <<حزمه الدلالة>>, على اعتبار أن علاقة التطابق بين المستويين يضفي بعدا دلاليا جديدا, بتعبير آخر, إن اختيار الاسم التراثي ينطوي على المجاز في ذاته, ومن ثم فإن اختياره من بين أسماء أخر تنتمي إلى <<الميثاق المرجعي>> ذاته, تومئ إلى دلالة تم الإيحاء بها مرة واحدة بشكل مباشر وذلك في الجزء الثاني ص 331 - عندما يقف <<قدوري بحزم, لكن بمحبة كبيرة, في وجه السواد, وفي وجه الحزن أيضا>>. فهل أرض السواد هي أرض الخصب, أم أرض الحزن المرواة بالدمع, أم أرض الحرب التي رويت بالدماء كما تروي الرواية فصول هذه الحروب, أم أنها أرض السواد الأعظم من البشر الذين يرفضون الذل و المهانة, فكان الثمن هذه السوادات التي تشيع كل هذه الظلمات المشار إليها? - صدرت الرواية في ثلاثة أجزاء, لكن المتلقي لا يستطيع فهم هذا التقسيم إلى هذه الوحدات السردية الكبرى, إلا عبر متوالية الزمن السياسي, حيث ينتهي الجزء الأول بنقل(الآغا) إلى الشمال من قبل الوالي (داود) تحسبا لخطره, والجزء الثاني ينتهي بإعدام داود لقائد جيشه (الآغا), والجزء الثالث يختتم الرواية بمغادرة الإنجليز بغداد, وعلى هذا فقد كانت الحركة السردية محكومة بخط الزمن النهري, والذي يسير وفق متوالية تاريخ السلطة, على عكس مدن الملح التي يتكسر فيها الزمن بين زمن المجتمع وزمن السلطة, فماهي قابليات هذا الاستقراء? - قهوة الشط تحتل رأس المثلث في توزع حيزات المكان مع السراي والباليوز (القنصلية) تلك هي العناصر الركنية المكونة لفضاء الرواية مكانيا, وجغرافيا بالمرجع الواقعي, أي هي الفضاء الدلالي الذي يومئ إلى المجتمع, البشر, الناس العاديين, لكنها مع ذلك لم تدخل فضاء الرواية كحضور عاملي وفاعل من خلال شخوصها إلا بعد حوالي ثلث الرواية بعد الصفحة 412 وهي لم تطل من قبل إلا في إ طار الملفوظ السردي لشاغلي حيز القصر, مما يدفع إلى التساؤل لماذا ينتهي الجزء الأول بنقل (الآغا) ولم ينته بدخول سيفو إحدى الشخصيات الرئيسية التي تمنح قهوة الشط بعدها الدلالي? حيث يمكن أن يبدأ الجزء الثاني بعالم قهوة الشط بوصفها التكثيف المجازي الدال على المجتمع بتنوع وتعدد شرائحه? عالم الفوق / عالم التحت : - (مدن الملح) بدأت من عالم التحت (التيه), وادي العيون, موران حران, حيث يلتمس أثر الحدث النفطي على حياة البشر العاديين, وكيف يعيد النفط تشكيل حياة الناس, ومن ثم لاحقا تشكيل السلطة. لكن منيف في (أرض السواد) يبدأ من عالم الفوق, من عالم السلطة, إذ راح في كل وحدة سردية (فصل روائي) يضع لبنة في بناء دولة <<داود>> باشا, ولكن يتضح لاحقا أن بناء الدولة لم يترك تأثيرا في حياة الناس, كما حدث في <<مدن الملح>> من حيث أثر النفط, والسلطة, فظل الناس في <<مقهى الشط>> يعيشون حياتهم بمعزل عن حياة (السراي) أو حياة (الباليوز), أي ليس هناك تواصل مباشر, إلا ما يتردد على لسان الشخصيات هنا وهناك, والحدث الوحيد الذي يشكل جسر اتصال هو <<مقتل بدري>>. هل المسألة مجرد اختيار تقني, بين الروايتين, أم أن هناك دلالة ضاغطة وراء هذا الخيار أو ذاك? - السؤال,الموضوع السابق يقودنا, إلى تحري الدلالة السوسيو-ثقافية لهذا الشكل الروئي أو ذاك في كلتا الروايتين لإستكناه مغزى أن تكون بدوة صياغة صورة السلطة في <<أرض السواد>> إنما يعود لما للسلطة الغاشمة من تاريخ عميق الجذور وراسخ في حياة هذه المنطقة الزراعية العريقة, في حين أن مجتمع الجزيرة في(مدن الملح) بقي مجتمعا صحراويا بدويا مفتتا إلى قبائل وعشائر ولم يعرف السلطة المركزية إلا مع توحيد عبد العزيز للجزء الأكبر من الجزيرة في الحدود التي سمح له بها الإنجليز ! - إذا كان البدو هم المادة البشرية التي - من خلال عجينتها الصحراوية - تم بناء دولة <<مدن الملح>> فانهم في <<أرض السواد>> يشكلون الخطر الرئيسي على دولة <<أرض السواد>> أية مفارقات دلالية يتطلع النص إلى إثارتها? هل هو الكشف عن الهوة الحضارية الفاصلة بين مجتمعين, مجتمع كانت البداوة منذ قرنين هي الخطر الرئيسي على المجتمع الحضري (المديني) العراقي (أرض السواد), بينما يتم اليوم تسييد البداوة على مصائر المجتمع العربي بدعم أرقى ما توصلت له الثورة التكنولوجية في ظل العولمة الأمريكية? أم هو الكشف عن مفارقة أن التطور الطبيعي للتناقض في مطلع القرن التاسع, كان بين بناء الدولة المدنية الحديثة من جهة, والغزوات البدوية للمدنية بهدف السلب والنهب, أي أن الانقسام والصراع الذي كان يهدد الوحدة الوطنية عبر الرعاية والدعم الإنكليزي في تلك الحقبة, كان اكثر تطورا واستجابة للشرط التاريخي, من صورة الانقسامات الراهنة (شيعة - أكراد - سنة) التي ترعاها وتحميها المظلة الأمريكية, في حين كان التناقض بين المدينة والبداوة يشكل فحوى الرواية -المجتمع, حيث كان المجتمع يخوض معركة تحرره من تاريخ بداوته في سبيل تأسيس مجتمع الدولة الحديث والمستقل في ذلك الزمن الذي تستحضره الرواية? التأويل السياسي : - يشتق من المفارقات السابقة المفارقة الأكبر, التي تنهض أيضا على العلاقة القائمة بين زمن النص وزمن القارئ, ومن ثم ما يراكمه النص عبر محور تعاقبية الزمن بهدف الإفضاء الدلالي من خلال فاعلية مستوى محور التزامن التركيبي المنتج للمحايثة بين زمن الحدث الماضي, وزمن المتلقي فيكون التأويل جانحا - دائما في روايات منيف - باتجاه السياسة, والسياسة في مجتمعات ما قبل الرأسمالية هي المعادل الموضوعي الأكثر كثافة لحياة المجتمعات الإقتصادية والاجتماعية والثقافية, حيث تتوثن السلطة ليكون كل ما يخارجها ثمرة حضورها الكلي الخارق. تأسيسا على ما سبق, وما دمنا في حقل التأويل السياسي نجد أنفسنا مدفوعين للسؤال حول خاتمة الرواية, كيف نقرأ دلالة الانتصار الذي يتحقق ضد الإنجليز, ويتم انسحابهم, وسط علاقة عضوية بين المحكوم والحاكم, يستنفر لها المجتمع الأهلي كل قواه, فينكسر الحاجز بين <<قهوة الشط>> و <<السراي>>. إن زمن القراءة لا يتيح للمتلقي أن ينخرط في الحدث الروائي البهيج, فالمتلقي مفعم بمشاعر الهزيمة والانكسار والذل, فمن أين هذا الانتصار الذي تحققه <<أرض السواد>> وهي (العراق) التي تقدم - في زمن القراءة - بوصفها عبرة لمن اعتبر ومن لا يعتبر في العالم, وهي عبرة لم يعرفها الماضي ولا الحاضر, حيث الأخ البدوي (الإعرابي) الأشد كفرا ونفاقا, هو اليوم الأشد بأسا ونفوذا, فقد انتقم لسلسة هزائمه المدنية المتوالية. وعلى هذا فإن عملية التراسل التأويلي بين فعل الانتصار في الماضي, لا يمكن أن يجد مغزاه التأويلي والدلالي إلا بالإحالة إلى الممكن والمحتمل, أي أن <<أرض السواد>> قادرة على النهوض وارتداء النور وإشعاع العظمة حسب نشيد نرجال وذلك بالإستناد إلى التاريخ العريق لهذه الأرض التي تشكل ذاكرة التاريخ البشري, فهي بكل ما تعرضت له عبر تاريخها الطويل من حروب وويلات وكوارث - خاصة الفيضانات التي يتوقف عندها النص طويلا - لابد قادرة على الوقوف من جديد, ومن ثم النهوض, ولأن العدو اليوم يعرف هذه الحقيقة فهو يوظف كل طاقاته العسكرية والسياسية لتطويع هذه المنطقة التي ظلت تتناسل من طينة المقاومة والتمرد التي صنعت منها, والصمود الذي يبديه الشعب العراقي اليوم قمين بأن يهزم الأمريكان القوة العظمى اليوم, كما هزم الإنجليز القوة العظمى بالأمس, وبذلك هل نستطيع القول أن الرواية كانت بمثابة تحية تقدير وتضامن مع الشعب العراقي ودعوة إلى الصمود من خلال دعوة الحاكم أن يعود إلى شعبه كما فعل داود في مواجهة الإنكليز وكأنه استشعا ر لعار الهزيمة الشاملة التي قاد النظام -اليوم- شعبه إليها دون أن يسمع صوت (منيف) وكل أصوات التضامن المحبة التي كانت تنذره بالكارثة إذا لم يعد للمصالحة مع شعبه ليحقق صموده بمجتمعه? أم أن التجربة المصورة في أمثولة علاقة المجتمع الأهلي بحاكمه, المتمثلة بالمصلح <<داود>>, يمكن إن تم إعادة إنتاجها اليوم, بصورة الوحدة الوطنية العضوية بين الشعب والحاكم, كما كانت عليه في تلك اللحظة التاريخية من عمر العراق, قمينة بإلحاق الهزيمة بالأمريكان-(عبر وحدة الدولة والمجتمع)- كما هزم الإنجليز وهم في ذروة نشوتهم بأنهم الدولة القطب الواحد بعد إلحاقهم الهزيمة بنابليون. هل يمكن اعتبار هذا التأويل هو رسالة الخطاب الروائي لرواية <<أرض السواد>>? - لابد من التنويه في هذا السياق إلى إحدى الاشكالات النظرية التي توجه سؤال البحث عن الهوية, وتؤطر هيكليته في صورة الغرب الذي كان يحارب هوية الأمة وذاتيتها الحضارية الأصيلة, عبر دعم مشاريع التحديث, كما يذهب بالأمس دعاة السلفية, وكما يتهوس اليوم حكام الترثنة المحدثة, دعاة شرعنة الفوات الحضاري وتحديث التأخر, بينما يتبدى من خلال إعادة كتابة التاريخ روائيا, فنيا, في أرض السواد, تعري هذه الدعاوى, من خلال موقف الإنجليز المعادي ل-<<داود>> المصلح التحديثي, وتآمر الباليوز ضده, عبر تحريض وتأليب القوى المناهضة, حتى وصلت للتهديد بالسلاح الذي استخدمته فعليا بالتعاون مع كل إمبرياليات عصرها ضد تجربة تحديث تجربة محمد علي <<الوحيد في الشرق الذي كان يحمل على كتفيه رأسا, وذلك لصالح الطربوش العثماني الفارغ>> وفق التعبير المجازي لماركس, والرواية تشير في أكثر من موقع من مواقع السرد إلى إعجاب داود بمحمد علي و طموحه لمحاكاة تجربته, وهذا يعني أن هناك غائية منسربة في ثنايا السرد, تومئ وتوحي بوحدة الطموح النهوضي التحديثي لدى الاثنين, ووحدة الموقف الإنكليزي ضد خروج الاثنين من دائرة التقليد, والنقل, ومحاكاة السلف بل حتى الوقوف مع السلطنة المتخلفة ضد محاولات خروج هؤلاء الولاة التحديثيين عليها, لأن دولة يحكمها عقل السلف والتقاليد الدينية, هي الدولة النموذجية, التي يريدها المركز الإمبريالي, لكي لا تملك الشرط التاريخي لتقدمه هذه المسألة تشكل بعدا أساسيا في منظور الرؤية المعرفية - الجمالية ليس في أرض السواد فحسب, بل وفي مدن الملح, كيف يمكننا أن نتأول ذلك? السيطرة على <<كلية الموضوع>> : - إن هذا البعد أعطي مساحة واسعة في رواية (أرض السواد), وهذا يعني أن رواية عبد الرحمن منيف تطمح للسيطرة على <<كلية المواضيع>> حسب تعبير لوكاش, أي أنها تتحقق وسط الأسئلة الشائكة والمتشابكة لزمنها, فهي إذ ترصد حركة الواقع السياسي, فإنها لا يجرفها الشاغل (السياسوي) اليومي, عن التأصيل المعرفي, الثقافي, الإيديولوجي, وهذا التأصيل المعرفي, لا تشغله أسئلة الثقافة عن الشغل العميق والهادئ على الأشكال المناظرة لها جماليا, لكن التناظر هنا لا يعني التوازي, بل يعني بلغة السرديات (شبكة التناظر السردي) التي تتبادل فيها العناصر الأدوار, والعوامل مراكز الثقل في (التبئير), فتارة يكون المكان مركز التبئير, وتارة يكون الزمان, وتارة الحدث, وتارة الشخصية, كلهم يتحركون في دائرة هذه الشبكة ليتعشق السردي بأسئلة مرجعية الواقع, التي تتبادل الأدوار أيضا في مركز الثقل الرئيسي للسؤال بين السياسي والمعرفي والإيديولوجي والثقافي. الأمر الذي من شأنه أن يدفعنا للسؤال عن عوالم عبد الرحمن منيف, إن كان هناك ثمة مبالغة بتوصيفنا لمركز الثقل بوصفه مشغولا بسؤال العلاقة بالآخر, سؤال الهوية, التبيعية, السيادة الوطنية, الحداثة التقليد... وهل نبالغ إذا اعتبرنا أنه ليس من المصادفة الدلالية أن يتوحد الإنجليز والبدو في المواجهة مع دولة <<داود>>? إذ وفق تخطيطة العوامل السردية لغريماس, نستطيع القول, أن العاملين المضادين الرئيسيين اللذين يحيلان دون <<داود>> وأهدافه هم الإنجليز والبدو روائيا - تاريخيا!. الأمر الذي من شأنه أن يثير تأويلا منسجما مع المنطوق الداخلي لبنية السرد, وهو أن الصورة المفضلة للعربي والمسلم في وعي الإنجليز والغرب بل وإرادة وعيهم هي صورة <<الإستشراق>> التي (تشرقنه) -وفق ادوارد سعيد- في صورة <<البدوي>> المستعصي على التحديث والتطور والتقدم, إلا ما يرونه مناسبا لحاجات حرية السوق وتداول السلعة, ونظن أن هذه المسألة كانت هاجس السؤال الثقافي / المعرفي لمدن الملح أيضا? - لماذا طرد(هايني) من الرواية, رغم أنه في بدايات الرواية ومن خلال مناقشاته مع القنصل (ريتش) حول العرب, عاداتهم, وتقاليدهم, وطباعهم, كان النص يمنحه قوة الملاحظة والاستقراءات والحدوسات الرهيفة والذكية - بغض النظر عن مدى الإتفاق أو الاختلاف معه - فقد أعطاه فرصة كبيرة للكلام, مما كان يحث أفق انتظار المتلقي-حسب مصطلحات ايكو- في أن يكون ل(هايني) مستقبلا باهرا كشخصية روائية, وكان يمكن أن يتيح عبر حواراته اللامعة مع القنصل حول أهمية الاهتمام بمعرفة ثقافات الشعوب المستعمرة, وتراثها وآثارها, كشفا مهما عن الفكر الإستشراقي وآليات التفكير الاستعماري نحو البلدان, المستعمرة, لكنه فجأة خرج منذ ما بعد منتصف الجزء الأول, ولم يعد إلا عبر الملفوظ السردي وبشكل عرضي على لسان ريتش وذلك في الجزء الثالث ص(52). هل قال كل ما عنده? أم أن غيابه الروائي كان إشارة دلالية إلى أن نموذجه ليس المطلوب استعماريا, فالمطلوب رجل السياسة العملي الذي لا وقت لديه لشغل الخيال كالقنصل ريتش? - إن من يعرف عبد الرحمن منيف كشخص وكاتب, تربكه العلاقة معه, إلى الحد الذي يدفعه لا شعوريا - لتحاشي نظراته, وذلك بسبب قوة ملاحظته النفاذة في مراقبته لشخوصه, وحركاتهم, وطريقة تعبيرهم, ودوافعهم وميولهم, مما يشعر المرء أنه قد يكون في ذات دائرة هذه الرقابة الشديدة التي تربكه وتربك كيفية التعامل معه, هل يمكن ملاحظة ذلك بما يوحيه من خلال علاقاته بأصدقائه? - في الفصل الأول الذي لا يتجاوز العشر صفحات يهرول السرد مسرعا بلغة ذات وظيفة إشارية إخبارية توثيقية, حيث يوثق لموت أربعة ولاة بدءا من سليمان الكبير مرورا بصهريه علي باشا, سليمان الكبير, وصولا إلى عبد الله التوتونجي. إن المتلقي الذي لا يعرف هذه الحقبة التاريخية من تاريخ العراق, لابد وأن يتساءل عن درجة الالتزام بـ<<الميثاق المرجعي>> ودرجة إطلاق الخيال في إعادة صياغة الأحداث, لكن الأسلوبية الإخبارية, توحي للقارئ وكأن الكتابة توثق لا تخلق, ومن ثم يهيأ للقارئ وكأن تسارع السرد, إنما يعبر عن ضيق صدر الكاتب تجاه رواية الوقائع التاريخية, ورغبته الجارفة باتجاه الانخراط في المتن الحكائي, ليمارس متعة التخييل والخلق والإبداع !. هل هذا الفصل توثيقي فعلا أم فيه بعض من عمل التخييل الروائي? ومما يلفت الانتباه في هذا الفصل, الحديث عن عبدالعزيز وابنه سعود, والإشارة إلى محاولة اغتياله في الجامع... الخ هل هناك غير عبد العزيز وسعود في تلك الحقبة, (وهما المعروفان في تلك الحقبة), أم هي تغريبة فنية بريختية تم من خلالها الإيماء إلى دور الوهابية في المنطقة, ونوعية الصراعات التي خاضتها في ظروف نشأتها وذلك عبر تكسير الزمن والخلط بين الأزمنة, إشارة إلى إستمراريتها في الزمن الحاضر? س- في مدن الملح :تم استحضار الشخصيات التاريخية, لكن بأسماء مستعارة (خزعل - خريبط - فنر) وهي أسماء بكل الأحوال لا تحيل إلى معنى في اللغة العربية, فمن أين كان مصدر اشتقاق هذه الأسماء, هل من متداول الأسماء في البيئة النجدية? في حين أن (أرض السواد) لم تستعر اسما روائيا ل (داود)? الأمر الذي من شأنه أيضا أن يثير التساؤل حول أسماء رجال القصر المعتمدين من قبل داود إن كانت أسماء حقيقية أم استعارية? التناظر بين الأدبي والتاريخي : - الروايتان الكبيرتان (مدن الملح _ أرض السواد) تقومان على ذلك التناظر القائم بين الأدبي /التاريخي, فالأدبي يتصل بالعالم السفلي للشخصيات المتخيلة بوصفها عوامل سردية, وبذلك فإن الأسلوبية الروائية ستتبدى عن وظيفة تعبيرية شعرية تومئ إلى الواقع وتوحي به دون أن تشير له في تحققه, في حين أن التاريخي يستخدم الأسلوبية ذات الوظيفة الإشارية التي تشير إلى الواقعة المختارة, المنتقاة بأسلوبية سوسيو- دلالية إيحائية, وهكذا تتحقق العلاقة بين (faction و(fiction) أي بين المتحقق والمتخيل, وهكذا يتداخل السرد الحياتي بالقص الروائي, كيف تترأرأ هذه العلاقة متحققة في كتابة منيف الروائية? - إن أحد القوانين الرئيسية للواقعية, هو ما تطلق عليه أدبياتها (النمذجة - التنميط) ومن خلاله يتم التقاط <<خبث الواقع>> وفق تعبير لوكاش أو<<القي م تاريخيا>> بتعبير بريخت, أو <<شيطانية الواقع>> حسب تعبير لينين, الذي على الأرجح يستمد الاثنان (لوكاش وبريخت) اشتقاقاتهما المفاهيمية من مصطلح لينين, أي بالمآل هل يمكن إعادة صياغة هذا المفهوم بصيغة أقل مجازية واكثر مباشرة, للكشف عن<<بنية اجتماعية من خلال تجربة فردية>> بصيغة عبد الله العروي? -في روايات منيف التي تنتمي للواقعية دون إعلانات وبراهين,أي ببداهة الحس الإبداعي السليم, لا نجد هذه النمذجة, بالصيغة المشار إليها أعلاه, بل النموذج عنده يتشكل بصيغة جماعية, حيث الجماعة هي التي تمثل البنية الاجتماعية, وهو القاع الشعبي, كما في ملحمتيه المذكورتين, فإذا كان الفرد يمثل النواة النموذج لبنية المجتمع الليبرالي, فهل رؤية منيف للتضاد في المجتمع العربي بوصفه تناقضا بين المجتمع والسلطة, هي التي تتيح لنا على مستوى التحليل السوسيولوجي للشكل, أن نستنتج أن الفرد في مجتمع وثنية السلطة الكلية عربيا لا مجال لممارسة أي شكل من أشكال فرديته? فلا خيار سوى جماعية النموذج الذي يعني بالدلالة السوسيولوجية ذلك النموذج الذي يتشخص في صيغة المجتمع الأهلي (المدني) في مواجهةالسلطة التي تبتلعه, ومن هنا هل يحق لنا أن نستنتج أن بناء الرواية عند منيف يتناظر تكوينيا مع تكون بناء الدولة (التابعة) كما في مدن الملح أو (الوطنية المستقلة) كما في أرض السواد!? - (هذا الغيم جاب هذا المطر), ذلك المثل البدوي يلخص بالتجربة الحياتية المعاشة أطروحة هيغل عن التاريخي الذي لا يكون تاريخيا إلا عندما يمكن اعتبار الحاضر- نتيجة تلك الأحداث التي تؤلف في سلسلتها الشخوص والأحداث المطروحة- حلقة جوهرية. هذا المثل البدوي, المتأول نظريا في الأطروحة الهيغلية يشكل الأس اللباب الذي ينهض عليه عالم رواية عبد الرحمن منيف, على مستوى البناء, الموضوع, الحكاية, المنظور, ومن ثم رؤية العالم التي تنسرب في خلايا النص, فتصوغ كل عناصر التشكيل فيه. هذا المثل يتكرر, ويتردد كثيرا في مدن الملح, وإذا كان الإشارة إليه في أرض السواد طفيفة, لكنها أيضا تتأسس بنائيا ودلاليا على هذا القول. ربما أمكننا هذا السياق استعارة <<التاريخانية>> بالدلاة التي اقترحها عبدالله العروي وياسين الحافظ, على اعتبار أن هذا المصطلح يشير إلى القراءة التأويلية للتاريخ, فكريا أو سياسيا أو إبداعيا, وبذلك فإن هذا المصطلح يساعدنا على تجنب اللبس عند الحديث عن التاريخ في الرواية, وهو ذو أهمية كبيرة في ملحمتي (مدن الملح - أرض السواد), أي يجنبنا عملية الخلط بين التاريخ كقوة فاعلة في الزمان والمكان بوصفه قانونا, والتاريخ بوصفه لحظة معينة في الزمان بمثابته تأريخا, ففي المفهوم الأول تكون القراءة والمساءلة والتأويل والتفسير, وفي المفهوم الثاني تكون الوثيقة, والوقائع والأحداث المؤرخة, في المفهوم الأول تكون القراءة الأدبية التي تومئ, توحي, تقرأ وفق منظورها, رؤيتها, وفي المفهوم الثاني تكون القراءة الموضوعية التي تشير إلى اللحظة, الواقعة, تحددها, تؤرخها, تموضعها, فالوظيفة الأسلوبية عندها ستكون وظيفة إخبارية. الحدود تتداخل إلى حد بعيد بين التاريخانية والتاريخية في مدن الملح لكنها في أرض السواد, تبدو مساحة الأدبي, التأويلي, التخييلي أوسع, منها في مدن الملح, ما مدى مشروعية هذه القراءة والتأويل? هوية الأنا / الآخر الغربي : - في الروايتين هناك مشكلة العلاقة بالآخر الغرب, أي هناك مشكلة الهوية, وتاريخانية صيرورتها وهي تتأسس على تاريخ سيرورتها الوقائعية هناك وهناك, بين المجتمع الخليجي (مدن الملح), والمجتمع العراقي (أرض السواد)? لكن دراما الصراع ينتهي في الرواية الأولى إلى أن الآخر الأمريكان يستتبعون كل القوى الفاعلة (السلطة, الاقتصاد, السياسة) لما يصب في مصلحتهم, في حين أن (أرض السواد) تنتهي بالانتصار على الباليوز والقنصل الذي يطلب إعفاءه, ويرحل, وتتحقق أمنية السلطة والشعب في تحقيق الاستقلال والسيادة. هل المغزى الدلالي لذلك هو وضع نموذج دولة داود باشا بوصفها تمثيلا لجذر الخصوصية العراقية الوطنية الممتدة عمقا في تاريخ البشرية, وأن هذا البلد كان يدفع دائما ثمن تمسكه بالهوية حتى غدا أرض السواد من الدماء, منذ داود الذي اختارت الرواية لحظته وصولا إلى اللحظة الحاضرة, أم المراد هو تقديم نموذج لممكنات تطابق تطلعات الحاكم مع شعبه, بحيث تقدم نموذج دولة داود كأمثولة من التاريخ, لكي يستجلي الراهن صورته في مرآة تلك اللحظة الماضي,لنقد النخبة الحاكمة الرهنة أن لا مناص أمامها, سوى البحث عن هويتها الوطنية - إن كانت صادقة - في عمق وجدان وضمير شعبها, الذي ينبغي لهذه النخبة أن تعيد ترتيب العلاقة مع مجتمعاتها بوصفها هي الدرع الحقيقي في اللحظات الفاصلة, لتأسيس علاقة جديدة بين الحاكم والشعب قائمة على احترام إرادة محكومي, والاستجابة إلى معاناتهم كما كان يفعل داود? - في مدن الملح شخصيات تتطور أي تتحول بفعل الحدث النفطي, بينما في أرض السواد الشخصيات لا تتطور, لا تتغير, هل نفسر ذلك بقصر الفترة الزمنية التي تناولتها أرض السواد وهي فترة استيلاء داود على السلطة ومن ثم عرض قطاع من مرحلة حكمه? أم أن هناك ضغطا من قبل اللاشعور المعرفي, أن أساس أرض السواد راسخ برسوخ مدنيته الزراعية العريقة التي تمتد إلى آلاف السنين, بينما إنسان الجزيرة هو إنسان الهجرات الدائمة ومن ثم الاستعداد للتغيير وفق معطيات المكان الذي ينتقل إليه, لأنه لا يمتلك رسوخا وعمقا في المكان, ولعل المرحلة الأموية مثال صاعق على هذه القدرة في الانتقال من مرحلة النظام القبلي إلى النظام الإمبراطوري, وبسرعة صاعقة من حيث الزمن, عسكريا و حضاريا ودهاء سياسيا? - جابر عصفور يرى في كتابه الأخير (زمن الرواية) أن <<هاجس التغير>> هو الهاجس المسيطر إلى حد التهوس, على الرواية العربية, وهو يتصل ب- (ملحمة البحث عن الهوية) هوية الأبطال, هوية الأمة, ورحلة البحث عن الهوية الاجتماعية يناظرها رحلة هوية البحث عن النوع الأدبي الذي يجسد هذا البحث ويتجسد به. إلى أي حد يمكن أن نتلمس هاجس التغير هذا, متحققا بملحمة البحث عن الهوية في مدن الملح, حيث حركة الزمان والمكان هي حركة البحث عن الشكل الذي سيؤول إليه المجتمع, أي الهوية التي سيكتسبها, وهو يتغير, بينما مسألة الهوية واضحة, وراسخة في أرض السواد, والصراع في الرواية يعبر عن ملحمة الدفاع عن الهوية, في حين أننا في مدن الملح نتابع تفككها وإعادة انتاجها وفق حاجات الآخر الأجنبي.? - يقول ملفيل: <<من أجل ابداع كتاب كبير ومؤثر يجب أن يكون لديك موضوع كبير>> وروايتا (مدن الملح - أرض السواد) تجسيد عملي لهذه المقولة, ترى هل طاف التفكير بذلك - قبل الشروع بالكتابة - أي التفكير في موضوعة ملفيل هذه? فتنة الأدبية الشعرية : - الشعرية في الرواية انسربت من القصيدة إلى الرواية تجسيدا لتوحد الأبطال المأزومين الذين تتباعد المسافة بين ما يتطلعون إليه من مبدأ الرغبة وما لا يكون سواه من مبدأ الواقع. واضح ولع روايات منيف باللغة فهو يدللها, ويلاعبها, حيث التوفر على ذخر كبير من المفردات, والتوفر على إحساس وشعور عميق بها, ولهذا فإن النص يداورها, بالإيقاع نفسه الذي يداور فيه الشخصية, حيث يتمثلها برهافة وإحساس عميق بروحها وحساسيتها, فتطاوعه لينة العريكة, مستجيبة, مدلهة أمام الدلال الذي يحيطها النص به... مما يستثير مساءلة النص عن اولوياته في مبادهة الشروع في الكتابة الشروع, الشروع بعمل روائي, هل الموضوع الكبير, هل الحكاية وشكل تكوينها البنائي, أم الشخصيات? -مهما حاول نص منيف أن يخفي ولعه باللغة وتشكيلاتها المجازية والجمالية وراء قناع الراوي المحايد,فإن فتنة الشاعرية سرعان ما تخرج السرد عن حياديته الموضوعية وايحاءاته السوسيولوجية, في الجزء الثاني (ص 128) يتم الحديث عن أسراب الطيور النهرية بلونها الأبيض الناصع,<<فكانت مثل ضحكات الأطفال>>.! لقد أراد تهريب هذه الصورة وسط تحشد السرد, فنسبت الصورة إلى الأسطة إسماعيل الحلاق, لكي يبرئ الراوي من الذاتية الانفعالية وشطحات الخيال الشعرية, لكن الواقع يقول أن ليس هناك (حلاق) قادر على تقديم صورة شعرية حداثية يبلغ الإنزياح فيها هذا الحد من تداخل معطيات الحواس ! كيف يمكن تحقيق علاقة متوازنة روائيا بين الوظيفة التعبيرية الشعرية للجملة, والوظيفة الإشارية الإخبارية الموضوعية سوسيو- دلاليا? إن من يقرأ أعمال منيف يلاحظ اهتماماته بالشخصية, بوصفها دورا, بوصفها صوتا, والتعرف عليها يتم من خلال المشهد السردي, وليس من خلال روي حكاية الشخصية, ولعل هذا ما يفسر افتقاد رواياته للشخصية الفردية التي يتم تقصي قراءتها, باستثناء المحملجي في <<مدن الملح>> بينما التغير الذي يلحق بالمكان يترك آثاره على الشخوص, حيث التحولات المصيرية الكبرى في مدن الملح, بينما في أرض السواد عبر أجزائها الثلاثة, فثمة زمن انتشاري, وشخصيات منتشرة لا تتغير مصائرها على مدار الرواية. يمكن للمرء أن يغامر باستخلاص نوع من المعادل المجازي الذي ينتج تناظرا بين زمن منتشر, و أرض منتشرة بانتشار اندياحات الأنهار والفيضانات, والأرض في(أرض السواد), بينما يتذرر الزمن في (مدن الملح), تذرر رمال الصحراء, وتذرر الملح الذي راح يشكل ملاط بناء المدن النفطية, وبناء الرواية التي تسجل تاريخا مذررا, تاريخ انتقالات وتحولات غير مندمجة عضويا, ولا متلاحمة تكوينيا.. يتذرر الزمن في مدن الملح, بينما في أرض السواد يتكور باتجاه بناء الدولة الوطنية المستقلة, في حين أن تذرر الزمن في مدن الملح كان ايماء لتذرر الدولة التي لا تملك من أمر نفسها شيئا, إنها الدولة التابعة التي يملكها زمن الآخر (الأجنبي) وهي لا تملك زمنها? - هل إشاراته الدائمة إلى اهتمام داود باشا بالشعر والشعراء هو إشارة دلالية إلى التراتبية الأدبية التي تجعل من الشعر فن السادة, والقص فن العامة الذي يتداوله الناس في مقهى الشط? - لاشك أن شخصية داود هي شخصية حقيقية, لكن إلى أي حد يمكن اعتبار الشخصيات الأخرى التي تشكل طاقمه, بطانته الحاكمة, هي حقيقية, أي إلى أي حد التزم النص ب-<<الميثاق المرجعي>> وفق تعبير علماء السرديات,أي انتاج التطابق بين المحفل السردي الداخلي, وما يعادله في الواقع الخارجي? فإذا كان قد التزم ب <<الميثاق>> بالنسبة لشخصية داود فهل الأمر نفسه ينطبق على قائد جيشه الآغا (عليوي - ناطق افندي - فيروز -عزرا أفندي - القنصل ريتش - طلعة باقة - الكيخيا - ساسون - ميناس - صفوت - مرداع). س - المثقف في (أرض السواد) لا قيمة له, سوى المثقف السلفي, مثقف الفتوى, والتشريع إلى السلطة, فهل صورة المثقف العراقي اليوم, الملتحق بمعارضة أجنبية, إيرانية أو تركية أو أمريكية, دفعت الرواية لعدم الثقة بالمثقف, والمراهنة على الشخصية الشعبية الوطنية التي تتحمل اليوم كل الأوزار, أوزار نخبتها الحاكمة, ونخبتها المثقفة, ونخبتها المعارضة شيعية كانت أم كردية أم <<يسارية>> حيث الجميع ينتظر الخلاص على يد الأمريكان? الدين الرسمي/ الدين الشعبي : - لقد أشعلت الرواية حربا طريفة بين (الملا) حمادي, وسيفو, حيث خوف الأول الدائم من الثاني أن يصعد إلى المئذنه مشهرا بالتقوى الزائفة, والورع الكاذب للملا, هل أرادت الرواية من خلال هذه العلاقة الصراعية الودودة في المآل, أن تقيم تمايزا بين الإسلام الرسمي الممثل برجال الدين, الذين هم في أغلبيتهم فقهاء للسلطة روائيا-تاريخيا أو كما سماهم الآغا (اللقامة), وقد برزت هذه الصورة من خلال الفتوى التي يستخلصها داود من رجال الدين بضرورة حرب البدو (الكفار), وبين الدين الوطني الشعبي بوصفه عنصر الهوية الثقافية لأمة لا تزال أغلبيتها أمية, وهذا الدين الشعبي هو دين التسامح, والتواد والتضامن, والمحبة, والموقف الوطني? - من هذا المنطلق المتسامح يحضر (مشروب العرق) بوصفه عنصرا <<ثقافياوطنيا>> يشترك فيه الجميع (الفوق والتحت), حيث نادرون هم الذين لم يشربوا عرقا, على طول الأجزاء الثلاثة? - وبروح التسامح هذه, لا يعدم النص, كما الحياة, أن يجد رجال دين متسامحين ولو برغماتيا, كشمسي أمين المورط بالكيخيا المزواج الذي عليه دائما أن يجد له حلا, فيطلق واحدة ويستبدلها بالأخرى, وإذا مرض عليه أن يفتي ب-<<دواء الأرمن>> الذي هو الاسم المتداول مجازيا ل-(مشروب العرق), فقد افتى في ص 363 من الجزء الثالث <<ان دواء الأرمن في حالات و بمقاديرمعقولة, اذا طلبته نفس المريض فلا يعتبر حراما أو معصية>>? - الجملة السردية في حالات كثيرة تقوم على دمج صوتين متغايرين, صوت الراوي المحايد وصوت الشخصية الراغبة, فتنتج المفارقة ومن ثم تبطن الجملة بالسخرية والتهكم, كفتوى شمسي أمين السابقة, لكنها السخرية البيضاء التي تنير الموقف, الحدث, الشخصية من الداخل, فتضفي على الكتابة طزاجة وحيوية, وعلى الحياة القاتمة بعض الألوان الزاهية, رغم كل الزهور السوداء الملقاة على صليب الواقع المصور? السرد / الزمن : -حركة السرد في أرض السواد انتشارية دائرية, إذ حركة التزامن تتغلب على حركة التعاقب, وحيث الحركة الأخيرة هي التي تحكم مدن الملح, إلى أي حد يمكن الركون إلى هذا التوصيف? - إذا صح توصيفنا لحركة الزمن كما أسلفنا, فهل يمكن قراءته دلاليا على أن الزمن التصاعدي في مدن الملح, كان تعبيرا عن تصاعد زمن خارجي طارئ على فضاء الرواية مكانا, بشرا, حيث نموذج التكوين البنائي, كان يسير باتجاه الانحلال الداخلي, الذوبان, القلع من المكان, الاضمحلال (غياب النموذج الأصلي) لصالح النموذج الطارئ, الذي يقوض الأصلي, لصالح نموذجه, في حين أن الحركة الانتشارية الدائرية في أرض السواد كانت تشير دلاليا على ازدياد شدة الترسخ في المكان والانشداد إلى هويته, ومن ثم فان حركة البناء كانت حركة تستمد مرجعيتها من زمن داخلي, يريد أن يمتلك زمن العصر, فالدولة (التي بناها المؤسس في مدن الملح) كانت دولة تابعة بالأصل, بينما أص ل داود للدولة الوطنية التي لا زالت حتى اليوم تدفع ثمن هذا الرسوخ في أناها التاريخية وذاتيتها الحضارية الثقافية العميقة الجذور, ولهذا ظلت تترع بالدماء حتى بقيت على مدى الأزمان أرض السواد, إلى أي حد تتحق هذه القراءة الدلالية في المغزى الدلالي للنص? تعدد الأصوات وحق الكلام : -إن نص عبد الرحمن منيف قادر على محاكاة كل الأصوات, حيث الحرص على استقلاليتها وممارسة سيادتها في القول والتعبير واللهجة, وبذلك فان الكتابة تحقق حريتها عندما تتمكن من خلق عالم يتساوى فيه الجميع من حيث الحق بالكلام (الباشا و حسون, العاهرة و الفاضلة, عوالم الفوق وعوالم التحت) كلهم يحضرون بالتساوي في عالمه الروائي, الأمر الذي من شأنه أن يجعل من فعل الكتابة والابداع, فعل حرية ومساواة, ردا على واقع قامع للحرية ومدمر للمساواة, بذلك تتدمر علاقات التراتب (الهيراركية) بين المركز والأطراف, بين الجابذ والنابذ بين العالم العلوي والعالم السفلي, وذلك عندما يتساوون في الحيز الذي يشغل فضاء النص, أو الفاعلية في الحدث, أو الموضوع الذي ينصب عليه الوصف, فالكل منخرط في عالم كرنفالي تتحطم فيه الحواجز والحدود, وإذا كانت هذه الكرنفالية في أحايين كثيرة بدت سوداء تقطر دما, لكنها - مع ذلك - تجد دائما الوقت الكافي للفرح والبهجة والمزاح واللعب ونصب الأفخاخ والمقالب وسط كل هذه القسوة, قسوة الطبيعة (الفيضانات) قسوة علاقات السلطة(مقتل بدري المأساوي) أو(احتزاز رأس سعيد ببلطة عليوي), بل وحتى قسوة الناس الطيبيين عندما يتسلون بإيذاء حسون رغم كل النوايا الطيبة والبريئة? - هذه الكرنفالية التي تتيح لكل عينات البشر التواجد المتساوي فإنها تنتج بشكل متناظر علاقات التساوي والتكافؤ على مستوى العناصر التكوينية للبناء الروائي, فتارة يغدو النص حكاية المكان : حيث يغدو العراق هو البطل روائيا, وتارة الزمان : حيث اللحظة التاريخية التي تؤسس لممكن السيادة الوطنية متمثلة بنموذج داود, وتارة أناس مقهى الشط (سيفو - الأسطة إسماعيل - الأسطة عواد - الحاج صالح... الخ) فالكل يتبادلون دور البطولة الذي يعني على مستوى المحفل الأدبي التواصلي أن الديمقراطية التي تشكل هاجس روايات منيف سياسيا, تغدو هاجسا إبداعيا ليس على مستوى المضمون فحسب بل وعلى مستوى الشكل والبناء وتكوين البنية الروائية ذاتها? - رغم هذه الكرنفالية, التعدد الصوتي والتدرج اللوني وسيادة النسبي, فإن منظومة القيم لاتزال في هذه الرواية مستمرة بذات المعايير الأخلاقية التي تسود أعمال منيف, وهي المنظومة المؤسسة على فكرة (الإنسان خي ر بالمطلق, وشرير بالنسبي) ولقد عبر هذه الموضوعة الصديق فيصل دراج عندما سأله في حوار لهما في (مجلة الحرية) حول إحلالك للرثاء محل الإدانة والشفقة محل الكراهية, وكان في إحدى الندوات له في مدينة حلب قد سئل حول هذه الموضوعة في رواياته السياسية (شرق المتوسط - الآن... هنا) وفحوى هذا السؤال : أن تصويره للقمع يؤدي إلى إثارة الذعر في نفس المتلقي أكثر مما يثير الكراهية والغضب ضد الجلاد, فالقارئ يتعاطف مع البطل المعذب, لكن النص يضرب صفحا عن الجلاد فلا يبقى سوى فعله المستنكر, وذلك لأن النص لا يستحضره مشهديا ليضعه في دائرة الضوء بهدف الكشف عن وحشيته أو الكشف عن صغاره وجبنه كما يفعل روائيو أمريكا اللاتينية ساخرين من جنرالاتهم الذين (لفتوقهم صفير)?. -إذا كان في (مدن الملح) بعض الشخصيات الكريهة, خاصة ممثلو السلطة فإنهم مع ذلك يقدمون كضحايا, إلا أنه في<<أرض السواد>> لا وجود لشخصية تدعو للكراهية حتى ولو كان الآغا عليوي,فشخصيات القصر بدءا من الوالي (داود) انتهاء بكل بطانته, بما فيهم مسؤول المالية الشحيح (نادر), فهؤلاء جميعا إذا كانوا لا يثيرون التعاطف فهم لا يدعون إلى النفور, أما بالنسبة لشخصيات مقهى الشط, شخصيات عالم التحت, فكلهم قدت قلوبهم - مثل حسون - من ذهب, ترى هل هذه الذهبية هي ذهبية طيبة هؤلاء الناس فحسب, أم هي ذهبية قلب الكاتب الذي يبدو أنه لا يعرف الكراهية والحقد, وربما أن هذا القلب ذا البريق الأبيض هو الذي يدفعه إلى اعتبار القمع بحد ذاته هو عدوه اللدود, لكنه لا يستطيع - لبياضه - أن يواجه كل هذا القمع بلغته الشرسة ذاتها, فلا يجد إدانة أكثر من تصوير بشاعة القمع في ذاته, ألا يكفي القمع بشاعة أكثر من بشاعته في ذاته وفق منطوق رحمانية منيف? |
|||||
|
|||||