معاش يلفه الكفن صورة الموت في مدن الملح

 

محمد شاهين


من أطرف الشخصيات التي يقدمها لنا عبد الرحمن منيف شخصية أم حسني التي تجب ر على الرحيل من أولادها إلى موران وحران وهي تحمل معها بقجة يكشف النقاب عن محتوياتها فقط بعد أن تلفظ أم حسني أنفاسها. وتعتري الجميع الدهشة عندما يجدوا كفنا  في البقجة والذي احتفظت به أم حسني وحافظت عليه في المنفى, في مدن الملح. هذا حوار بين أم حسني وأديبة زوجة ابنها:

- البقجة?

- فيها يا بنتي, ما حض رته لآخرتي.

وظلت عينا أديبة تنظران بحزن وتساؤل, تابعت أم حسني:

- فيها, يا بنتي كفني .!

وفي فجر اليوم التالي, لحظة انقشاع الظلمة وبداية أول النهار, وبعد ساعة من وصول طبيب من المستشفى الأهلي, وقد انتدبه الدكتور صبحي المحملجي لكي يقوم بمعالجة أم حسني بعد أن اعتذر هو عن القيام بهذه المهمة بنفسه, لأنه: <<اعتزل المعالجة العامة>> كما قال لسعيد الذي وصله بعد منتصف الليل بقليل, في تلك اللحظة بين آخر الظلمة وأول النهار, وحينما كان سعيد يجوب موران من أقصاها إلى أقصاها بحثا  عن صيدلية لشراء الدواء, فاضت روح أم حسني.

قالت أديبة لسائق القصر الذي جاء بعد ثلاثة أيام مبعوثا  من الشيخة يسأل عن أم حسني. قالت له من وراء الباب الموارب أنها غير موجودة. وحين سألها متى تعود أو متى يعود هو, لأن الشيخة تريدها لأمر مستعجل, رد ت أديبة:

- قل للشيخة أنها راحت.

- ومتى ترجع?

- لن ترجع.

- سافرت?

- أعطتك عمرها!

- شنهو?

- ماتت.

- ماتت?

- أي نعم, ماتت.

- الله يرحمها ويرحمنا.

قال سعيد لزوجته بعد أسبوعين على الوفاة:

- دائما  كانت عيني على البقجة., كنت خايف من كبرها. كنت متصورها من جملة التجارة ... وأبدا  ما تصو رت أنها كفن...<< (منيف: ص 350-51)

تمثل البقجة لقطة رائعة يقدما لنا الراوي. وأروع ما فيها فنيا  على الأقل أنه يقدمها للقارئ صورة ناطقة بالحال دون تعليق لأن فيها من الإيحاء ما يغني عن كل تأويل. وأقل ما يمكن أن توحي لنا به هذه البقجة أن صاحبتها أحست بالغريزة أن الحياة والموت في مثل هذا الوضع هما سيان. وأنها تختلف عن أبنائها الذين يتهافتون على الكسب المادي دون أن يعوا أنهم يعيشون حياة وهم مستترة خلف ما يسميه عبد الرحمن منيف القشرة الصلبة التي تمثل أصحاب النفوذ في موران وحران.

لقد أعانتني شخصية أم حسني على استيعاب موقف كنت قد وجدت نفسي أمامه في منتصف التسعينيات من القرن الماضي عندما أتيحت لي فرصة زيارة والدتي في الضفة الغربية بعد انقطاع دام لعدة سنوات للأسباب المعروفة. كانت والدتي تقيم وحيدة في بيتي هناك عندما لمحت صرة صغيرة جدا  أحكمت أمي صرها ووضعتها بجانب المخدة التي توسد رأسها فوقها. وسألت أمي عن الأمر فأجابت بابتسامة وهدوء أن الصرة التي ظننتها حجابا , تحتوي على مبلغ من المال أودعته فيها ليكون مصاريف جهاز الكفن عندما تحين ساعتها. طبعا  اقشعر بدني لأني كنت لا أتصور فكرة فقدانها في يوم من الأيام, وداعبتها بشيء من الكوميديا السوداء لملء الفراع وقلت لها كيف أنها لا تخشى أن يتسلل أحد إلى الغرفة ويسرق الصرة, فأجابت أن أحدا  لا يجرؤ على سرقة الكفن! وعلاوة على ذلك فإن الذين يزورونها من المحبين لها في الدنيا والآخرة. وقد روت لي قصة شهد عليها الجيران وبقية أهل البلدة وهي أن الدورية الإسرائيلية التي كانت تطوف شوارع البلدة كانت تختار موقعها في أغلب الأحيان بجوار سور البيت . وفي مرة وحيدة اقتحم جنديان البيت وعثرا فقط على الصرة التي كانت ملفوفة بشكل كروي. وقالت لهما مبتسمة عندما سئلت عنها أنها حجر, وضحك الجنديان وضحكت معهما. وقبل أن يغادرا البيت قالا لها بأنهم يحمونها, فردت عليهم أنها هي أيضا  تحميهم بعجزها وسنها إذ كانت قد جاوزت التسعين.!

إن ما يلفت النظر في صورة الموت عند أم حسني أنها صورة تصويرية طبيعية خالية من ارتباطها بدوافع أخلاقية ومسببات خارجية أو مباشرة تجعل المرء يضيق ذرعا  بالحياة فيتمنى الموت أو يخشى الموت فيبحث عن وسيلة في الحياة تنجيه منه. وقد عاشت أم حسني, وكذلك أمي, وهما تحبان الحياة وبهجتها وتستمران فيها دون خشية من الموت كعاقبة توقف نبض الحياة. الموت عند أم حسني هو أشبه بما يسميه ت. س. إليوت <<الموت في الحياة>> أو <<الموت حيا  (Death in life), وهي الثيمة التي تتمركز حولها قصيدته المشهورة <<الأرض اليباب>> (1922) عندما جعل تلك القصيدة بمثابة تأبين للحضارة الغربية التي حصدت حربها العالمية حياة ملايين البشر واعتبر تلك الحضارة مفلسة من الناحية الروحية. إن ما جعل أم حسني ترى الموت في حياتها حقا  هو رحلتها القسرية من الشام إلى موران وهجرتها من الوطن إلى الغربة التي لا بد وأنها أحست بفسادها عن قرب وعن بعد, إذ أنها كانت تدرك أن الحياة في موران ليست مجرد استبدال مكان بمكان. وهكذا يجعلنا عبد الرحمن منيف نشعر أن رحيل أم حسني من حلب إلى موران أشبه بخروج السمك من الماء. وقد تساوت الحياة مع الموت عند أم حسني دون أرق من وقوع الموت الفعلي.

تعيش أم حسني حياة شراكة بين الحياة والموت, بين عدم الوقوع في شبكة التوقعات والآمال العظام التي تزينها الحياة وعدم الخضوع للمخاوف التي يسببها الموت لبني البشر وهم على قيد الحياة. فحياتها أشبه بالاستقالة من الحياة أو ما يسمى بالإنجليزية (Resignation) معتبرة أن البقاء على وجه البسيطة إنما هو نوع من الصمود والتحدي. وفي المقابل, كانت والدتي تطل من الشباك وتقول بشيء يعبر عن دراماتيكية الحدث أن الذي ستفتقده وهي في القبر هو النور الذي تنعم به طيلة النهار. أما أم حسني فقد كانت تشعر أن الظلام يحيط بها من كل مكان في موران, مما يعني مجازيا  أن الظلام كان يلف حياة أبنائها في موران ليل نهار. فصورة الموت كما تقدمها أم حسني إذن هي أشبه بالقصيدة التصويرية  (Imagist) التي تصور ولا تنطق, والتي توحي ولا تقول, والتي تجعلنا نحس بما في داخلها دون أن تنطق بالقول الفصل أو الحكيم بسبب المسافة التي تشيدها بنية الصورة.

هناك صورة مغايرة يرسمها عبد الرحمن منيف للموت تتمثل في وداد وهي صورة ربما تكون مألوفة, وهي وظيفية في تركيبها. فحياة وداد من أولها إلى آخرها مسلسل من الموت المرعب. الحلقة الأولى في هذا المسلسل هي جو الأسرة الذي تربت فيه قبل الزواج, إذ إن مهنة والدها وهي <<قسام شرعي>> تشيع في البيت على الدوام مناخات الموت, ولا تمانع والدتها تخييم هذه الأجواء, بل إنها تساهم في إشاعتها وكأن الاستجابة إليها عندما يتحدث زوجها عنها من الواجبات الزوجية. أما وداد فإن حساسيتها ترفض هذا الجو جملة وتفصيلا  وكذلك البيت الذي يحتضن أجواء الموت:

<<وهذه المهنة التي استهوته تماما , جعلته لا يتحد ث إلا عن الموت والموتى: كيف خطف الموت البشر وأبقى الثروة, لكي يختلف عليها الأحياء. ولولاه لأمات الناس بعضهم بعضا , وأن  الموتى ذهبوا إلى الباري بأكفانهم, ولا يمكن تمييز الواحد من الآخر أو التفريق بينهم.

كانت وداد تسمع هذه القصص في الليل والنهار, وتولدت لديها نتيجة ذلك كراهية لهذا البيت الذي لا تدور فيه إلا قصص الموت والموتى. أما حين جاءت أم حكيم تختبر ثم  تخطب, فقد مثلت معها وداد دورا  كاملا , واجتازت الاختبار. فما كادت تقترب منها أم الحكيم لتتأكد من رائحتها حتى أعطتها نفسها.>> (منيف:ص74)

حالة اليأس هذه أو حياة الموت في الحياة التي عاشتها وداد في بيت والدها هي التي جعلتها تلبي طلب والدة صبحي المحملجي التي جاءت بيت الأسرة طالبة يدها. طبعا  كانت وداد تأمل في أن تتحرر من كوابيس الموت في بيت الأسرة. واكتشفت وداد لسوء حظها أن الزواج لم يحقق لها ما كانت تصبو إليه أصلا , وأن بيت الزوجية الذي انتقلت إليه لا يقل بؤسا  عن بيت الأسرة التي اعتقدت أنها هجرت كوابيس الموت فيه إلى الأبد:

<<وداد التي كانت أمام شبح الموت الذي تخافه وتهرب منه باستمرار; لأن (رائحة الموت عالقة بثياب أبي, وهو الآخر لا يفارق أمي), لم تتردد في أن توافق الحكيم على الانتقال من مكان إلى آخر. أما حين رافق بعثة الحج أول مرة, وعاد وذكر أنه لم يتوصل إلى نتيجة بالنسبة لـ (ملك العائلة) لأن الوقت كان قصيرا  (وهؤلاء الحجاج المسنون لا يرتاحون ولا يتركون أحدا  يرتاح) ويجب أن يعود مرة أخرى لمتابعة بحث الأملاك, ولأن هذه البلاد لها مستقبل, ويمكن للإنسان أن يصبح غنيا  بين يوم وليلة, إذا كان فهيما  وشاطرا .>> (منيف: ص48)

وغياب صبحي معظم الوقت عن وداد بسبب انشغاله في المشاريع المادية يجعل وداد تدرك أنها قد استجارت بالنار من الرمضاء, وأنها أصبحت تعيش موتا  جديدا  ربما أقسى من سابقه. صحيح أن وداد قبلت بزواج تقليدي, ولكنها في داخل نفسها ليست تقليدية تماما . ويتشكل الرعب عندها من ناحيتين: الأولى هي الفراغ العاطفي الذي يتركه غياب الزوج عن زوجته, والثانية هي القلق الذي يساورها دائما  بشأن موران بوصفها ليست مكانا  آمنا  للاغتراب, وأن منفذ مشاريع الحاكم في موران وظيفة غير مأمونة. وتثأر وداد لنفسها ولرغبات جسدها التي عاشت مكبوتة في بيت أسرتها الأولى وحرمت من إشباعها في بيت أسرتها الثانية. وهكذا تنجرف إلى تحرير رغبات جسدها في علاقتها مع حامد. لكن تحرير جسدها لا يمتد إلى تحرير عقلها وموقفها, إذ أنها وافقت على زواج ابنتها سلمى من الحاكم, وكأنها أرادت لابنتها زواجا  تقليديا  مشابها  لزواجها هي. وهذه مفارقة أخرى يبدعها عبد الرحمن منيف في رسم شخصية وداد إضافة إلى المفارقة السابقة, وهي خيبة أملها في التحرر من شبح الموت الذي تربت في جوه قبل الزواج, والذي وجدت نفسها بعده زوجة تعيش عيشة لا تختلف كثيرا  عما كانت عليه خارج المكان السابق.

أما المفارقة الثالثة فهي أن وداد تسافر مع ابنتها في شهر العسل تاركة زوجها صبحي وراءها وهو يواجه أعنف خيبة أمل في حياته دون علم بذلك; وذلك حين وجد نفسه مجبرا  على الإقامة الجبرية في قصره بأمر من الأمير فاجأه به حامد في رسالة مفاجئة. وعندما قرأ صبحي تلك الرسالة أحس بالذهول, وشعر أن الموت أقرب إليه من الحياة. ولم يفرج عليه سوى أمر لاحق من الحاكم طلب إليه فيه المغادرة فورا , ولم يفق من الصدمة إلا عندما طلب من المضيفة في الطائرة التي تقله كوبا  من الماء أعاد إليه الحياة من جديد وجعله يستيقظ من أوهامه التي غرق فيها من قبل.

ومن أكبر المفارقات أنه ولأول مرة تمنى لو كانت وداد إلى جانبه. وكأن عبد الرحمن منيف يريد أن يقول لنا أنه ليس من الإنصاف أن تكون شريكة الحياة في الضراء فقط. وموجز القول أن صبحي المحملجي ذاق طعم الموت أثناء إقامته الجبرية المفاجئة أو التي كانت خارج حساباته. وكما دخل موران وحيدا  محملا  بآمال عراض وأشاد فيها القصور, خرج منها كذلك بكوابيس الموت, مخلفا  وراءه جميع المكاسب المادية محض قصور ظلت واقفة في الهواء.

أما صورة الموت الأخرى فهي مختلفة تماما  لأنها حرفية ومباشرة وخالية من المجاز. صورة اثنين أبلغ عنهما راع قائلا  أنهما قد اشتركا في نسف خط الأنابيب, وقرر ابن الشلبي, بأمر من الحاكم خزعل, أن الرجلين يجب أن ي قتلا حتى إذا لم يعترفا, وذلك من أجل أن يكون قتلهما درسا  لابن هذال نفسه. وكما يقول الحاكم: <<لا فرق بين مذنب أو من يريد أن يكون مذنبا>>. وقد التقى جمع غفير من الناس بعد صلاة الجمعة ليشهدوا المصير البشع الذي كان في انتظار الضحيتين. واختلطت مشاعر الناس وتداخلت أقوالهم وتعليقاتهم. وهذا مقطع قصير من المشهد المفزع:

<<أجلس الرجلان على الأرض بشكل جديد. أجلسا كما لو أنهما يركعان وينويان السجود. أجلسا بصعوبة أول الأمر, أما حين شد ت أيديهم إلى الأمام ثم شدت بالأرجل, فد كانا في حالة تشبه من يستغفر ربه. قال الرجل المسن :

-اللي قالوا لكم يكذبون .. وأولاد حرام.

لم يجبه أحد. تابع:

-خلوني أشوف الأمير يا جماعة.

لم يجبه أحد, تابع بغضب:

-ودمي وخطيتي برقبتكم اليوم وكل يوم .. وإلى يوم القيامة.

قال الشاب بنزق:

- إذا كان أميركم فيه خير, وإذا كان حاكمكم فيه خير خله يعرف اللي سو اها.

قال الرجل المسن:

- حنا مظلومين, أولاد الحرام ظلمونا, ودمنا برقاب القريب والبعيد.

قال الشاب:

- والله لألعن أبو الأمير وأول من حط حجر بحران.

قال الرجل المسن بغضب حزين:

- لا تخف يا حمد, دمنا ما يضيع, والدية راس الكبير, دمنا برقاب اللي يشوفون ويسمعون .. وتشوف.

وبطريقة فيها من المكر أكثر مما فيها من البراعة, غمز رئيس المفرزة الجلاد, وطلب من رجال الأمير, بحركات يده أكثر من الكلمات, أن يبتعدوا, وأن ينتبهوا, والجلاد, الذي كان ينتظر منه الإشارة, تحرك.>> (منيف:ص197-200)

إن صورة الموت في الرواية هي من أكثر الصور شيوعا . وهنالك عموميتان تخطران للذاكرة في هذا السياق; الأولى أن الراوي كثيرا  ما يقتل شخصية في روايته لأنه يضيق ذرعا  بها ويصبح من الصعب عليه أن يتركها تستمر في الرواية دون سيطرة عليها تفرضها الضرورة الفنية. أما العمومية الأخرى فهي أن العلاقة بين كاترين وهيثكليف في رواية <<مرتفعات وذرنج>> - وهي أشهر علاقة غرام في الفن الروائي, تنتهي بالموت لأن العالم على اتساعه لا يتسع لمثل هذا الحب الجبار الذي يسمو على حدود الفناء في هذا العالم.

أما الخصوصيتان اللتان تقفزان إلى الذاكرة عند قراءة مدن الملح فهما أولا  صورة الموت التي تتجسم في شخصية مس هافيشام في رواية ديكنز العظيمة <<الآمال العظام>>, والتي تعد من أشهر الروايات العالمية. فبعد أن تزوجت مس هافيشام هجرها زوجها في الليلة الأولى للزفاف مما جعلها تتخذ قرارا  بأن توقف الزمن وتحول غرفة نومها إلى مقبرة أبدية حيث توقف ساعة الحائط عند الساعة التي هجرها فيها زوجها. وتظل مرتدية ثياب الزفاف وتغلق أبواب الغرفة من أجل أن لا يدخلها النور الطبيعي محتفظة بتلك الشموع التي أضاءت ليلة الزفاف. ويصف لنا الراوي كيف أن الصراصير والعناكب تملأ الغرفة وهي تعيش بداخلها إلى آخر ذلك من مظاهر الحياة في الموت التي تعيشها مس هافيشام. وأهم من كل هذا وذاك أنها تبنت طفلة اسمها استيلا أصبحت شابة جميلة مع الزمن. والهدف من وراء هذا المشروع هو أن تقوم بالانتقام من الرجال من خلال تحطيم قلوبهم وذلك بعد أن نجحت هي بنزع كل مشاعر الحب والمحبة من قلب استيلا. وكان الضحية هو (بب) الشخصية الرئيسية في الرواية الذي يقع في غرام استيلا وتصده استيلا بكل قسوة رغم كل حبه لها, وتعترف له أن قلبها قد انتزع منه الحب مبكرا  على يد مربيتها. وكم يعلق النقاد على حب بب لاستيلا معتبرينه أعظم مشاهد الحب في العصر الفكتوري.

أما الخصوصية الأخرى فهي مشهد مت ا في رواية <<الأخوة كارامازوف>>, إذ يعرض لنا الراوي في رواية دستويفسكي كيف أن مت ا يهذي بأسمى مشاعر الإنسانينة قاطبة عندما يفيق من نومه وهو في طريقه إلى المقصلة بسبب التهمة الموجهة إليه بقتل أبيه. <<لماذا ساعد الطفل هذه عارية?>> يصيح مت ا, فتكون الإجابة: لعدم توفر المال لشراء قماش يكسوه, ولماذا يبكي الطفل? والإجابة: لأن ما يحتاجه من الحليب غير متوفر. ولماذا لا يحب الناس بعضهم بعضا ? إلى آخر ذلك من صيحات الإنسانية التي تنساب من أعماق وعيه أو لاوعيه.

أين تقف صورة الموت عند عبد الرحمن منيف مقارنة بالصور الأخرى المشابهة? يرتكز عبد الرحمن منيف في تقديمه لهذه الصورة على نقل الواقع بأمانة وصدق. ولعله يرى في بشاعة الواقع وبؤسه ما يجعله يتردد في البحث عن منظور يستخرج الحي من الميت. وكأن عبد الرحمن منيف يقول لنفسه إنه لواقع مميت وكل ما أستطيع أن أفعله هو تقديمه في واقعية تلتزم حدود الواقع لأنها إن حادت عنه فر طت في الأمانة. باختصار, لا تستبد صورة الموت بالراوي من فراغ, بل إن الواقع الذي تعيش منه وتنتج منه هذه الصورة هو الذي يفرض نفسه. هذا مثلا  مقطع من صورة الجمهور الذي يرقب إعدام الرجلين:

- وشفت اللي صار?

- أي نعم.

- ولا ابن كلب قال كلمة, ولا أي ابن كلب رفع رجل عن رجل, والمساكين راحت بكيسهم. الله يرحم المساكين.

وبعد أن زفر أضاف:

- لو كان بحران رجال, لو هذا اللي صار صار بمكان ثان لانقلبت الدنيا, لكن الناس مثل الغنم, يركضون ويصرخون وآخرتها, يجي كم ابن حرام ويغف ون الأول والتالي.>> (منيف:ص 202)

ولو قارنا بين هذه الصورة وتلك الصورة عند دستويفسكي في <<الأخوة كرامازوف>> والناس تعتصر قلوبهم الحسرة على مت ا الذي كان محمولا  على عربة إلى المقصلة لوجدنا الفرق. في نهاية تأملاته الإنسانية الحزينة يقول مت ا: أيها السادة, لقد حظيت هذه الليلة بحلم جميل.>>

يقول الروائي فورستر أن على الفن ألا يشعرنا بالحزن حتى لو كان المشهد حزينا , أو على الأقل ألا تتوقف وظيفته عند إثارة الحزن لكي يتحول إلى امتداد للواقع الحزين. ورغم كل الأسى الذي يسيطر على قصيدة إليوت, إلا أنها تنتهي بمناشدة البشر أن يبحثوا عن السلام من خلال نشيد يصوغه إليوت بالسنسكريتية وكأنه أراد أن يتخلى في هذا الموقف عن اللغة التي أودت الحرب العالمية بالملايين من أبنائها.

وكذلك يجعلنا الروائي ديكنز نشعر مع مس هافيشام في نهاية المطاف عندما تشتعل النار في بيتها وتأتي عليه, ويجعلنا نميل إلى الصفح عنها عندما تطلب الصفح من بب في آخر حياتها.

ذكرت في دراسة سابقة لي عند عبد الرحمن منيف ظهرت ضمن دراسات أخرى عن الرواية في كتاب عنوانه: <<آفاق الرواية: البنية والمؤثرات>> أنه كان بإمكان عبد الرحمن منيف أن يخلق من شخصية وداد مدام بوفاري أخرى, لكني أعود وأضيف أن عبد الرحمن منيف كان منسجما  مع الواقع, وأنه لا بد قد أيقن بداية أن وداد التي قبلت زواج الستر, وزواج التقاليد والعادات, لا يمكن أبدا  أن تقع تحت أي تغيير جذري. فالتحرر من قيود المجتمع عند مدام بوفاري مبدأ لا يتجزأ, ويشمل العقل والقلب معا  ولا تصالح فيه: مرة مع المجتمع ومرة مع نفسها كما فعلت وداد التي انجرفت في النهاية مع المظاهر المادية وأصبحت مثل بقية الخلق من حولها تتسابق معهم في التسلق الاجتماعي, بل وتسبقهم إلى أعلى درجات السل م.

لم يبق إذن من بصيص يخفف بؤس الواقع سوى شخصية أم حسني التي ينسحب عليها ما يشار إليه في المأساة بالارتياح الذي تجلبه الكوميديا, إن صحت الترجمة للعبارة الإنجليزية (Comic relief) . ويعود السبب في تماسك شخصية أم حسني إلى أنها لا تخلط بين الوطن والهجرة المصطنعة خارج الوطن, وترفض بالغريزة أن يخضع المرء إلى عهر الإغراء المادي وأن يكتفي بالعيش الشريف مهما كانت موارده ضئيلة, وأن يحافظ على الارتباط العضوي بالمكان الذي يزوده بوقود الحنين لا بوقود النفط.

كان لي شرف التعرف على عبد الرحمن منيف وقابلته أكثر من مرة في عم ان وفي بيته في دمشق. ولا يمكن أن أنسى زيارته لي في فندق سميراميس قبل أعوام قليلة. وكم أشفقت وأعجبت بصاحب الجسم الهزيل وهو يدلف مرتجفا  إلى بهو الفندق, ورجوته أن أصعد معه في مركبة الأجرة خشية عليه من الوقوع في الطريق إلى بيته, لكنه أبى ذلك. كان عبد الرحمن منيف قمة من التحدي والشجاعة والصمود إلى آخر رمق. لكني أود أن أقول أنه كروائي أنشودة البساطة, لكنه لا يستطيع بكل بساطته أن يتخلى عن واقع أمة قبيح.

عندما كانت الحياة بسيطة كتب ما اعتقد أنه من بين أجمل كتاباته <<سيرة مدينة>>.

وعندما تغيرت به السبل وفتح عينيه على واقع عربي بائس لم تعد البساطة تجدي نفعا  في المواجهة على الأقل من الناحية التقنية, فراح يرد على الواقع البشع بصورة واقعية بشعة. ولو رد على الواقع بصورة غير التي رد بها, أي بمنظور مشرق لبدت الصورة بعيدة عن الواقع, على الأقل من منظار الحاضر.

لو طلب إلي أن أقدم منظورا  لإنجاز عبد الرحمن منيف الروائي بإيجاز شديد لقلت أن عبد الرحمن منيف يعتقد صادقا  أن البداية هي الوعي بعمق الواقع مهما كانت بشاعته ومهما تبدت صورة بشاعتها, وهي بداية تقع ضمن بدايات صديقه إدوارد سعيد. رحم الله الصديقين العظيمين.

ولا شك أن خسارتنا ستكون فادحة لو خسرنا صدق وفكر الأديبين الراحلين وتوقفنا عند بؤس الواقع الذي ما زال يذكرنا بصدقهما وصداقتهما الحميمة مع الفن والواقع.


تصميم الحاسب الشامل