شهادة رحلة قارئ في عالم عبدالرحمن منيف

 

ناصر الغيلاني


(إذا كان من حق الكتاب أن يدلوا بشهاداتهم حول أصدقائهم المبدعين , فإن من حق القراء , هذه الفئة المنسية دوما  أن تدلي بشهادتها هي الأخرى , وتعبر عن مدى علاقتها بهؤلاء المبدعين .. في هذه الشهادة حاولت أن أستعيد علاقتي كقارئ بعبدالرحمن منيف , منذ بدايات تعرفي عليه , وذلك في محاولة للانتصار للقارئ .. ورغم أنه جمعني لقاء بمنيف في تاريخ 10/12/2003م إلا أنني آثرت عدم التطرق إليه في الوقت الحالي ).

كانت المرة الأولى التي أسمع فيها باسم عبدالرحمن منيف في حديث هامس بين طالبين أثناء سنوات الدراسة الجامعية في عام 1992م, وكنت حينها في السنة الثانية, كان أحدهم يهمس للآخر باسم منيف بطريقة مشوبة بالخوف والسرية, ومن جملة ما سمعته: شرق المتوسط!, وأن الكاتب معارض مغضـوب عليه من حكومة بلده الأصلي, وأنه نزعت عنه جنسيته, وحرم من جواز السفر, ومنعت رواياته في عدد من البلدان العربية  بسبب كتاباته الجريئة ومواقفه المعارضة, وبقدر ما آثار هذا الحديث يومها الفضول في نفسي للبحث والسؤال عن رواياته, ول د لدي شعورا  بأنه رغم العواقب الخطيرة للكتابة, إلا أن هنالك أفرادا  استطاعوا التغلب على هـذا الرعب الذي يشل الغالبية الصامتة!.. ولأن المرء عندما يبحث يعثر على ما يريد بطرق ووسائل شتى, أخذت روايات عبدالرحمن منيف تتوالى علي  الواحدة بعد الأخرى من خلال زملاء وأصدقاء وعبر وسائط كثيرة تتبـادل رواياته سـرا  في الغالب!, أخـذت  أقـرأ أعماله باستغـراق تـام, وكأنني عثرت على العالم الذي أبحث عنه!, حيث الروح العربية الأصيلة في أبهى تجلياتها, وحيث الخلق الإبداعي والفني يجعل من الرواية ليس جزءا  من الحياة فقط, بل إضافـة لها, وتوسيـعا  لإمكاناتها, وفتحا  لآفاق جديـدة بها, وإتاحـة المجـال للتعـرف على أمكنـة جديدة لم تكـن معروفة في السابق, وعقد صحبة مع شخصيات روائية يتدفق نبضها بالحياة, إلى حد أنها قد تكون أكثر حياة من كثير من البشر حولنا!, وبمرور الأيام أصبح لدي أصدقاء كثيرون, إلياس نخلة, منصور عبدالسلام, ورجب اسماعيل, وزكي نداوي, ومتـعب الهذال, وحـسام الرعـد, وطالع العريفي.. أتبادل معهم  الحوار, أستمع إليهم, وأحلم بهم, وأتـوقع رؤيتهم في أمكنة عدة, مثلما يحدث حين كنت أذهب إلى الصحراء البيضاء الشموس, حيث أظل أتوقع بين لحظة وأخرى رؤية متـعب الهذال, طالعا  من بين لمعان السراب الصحـراوي المخادع, أو من خلف الكثبان الرملية على ظـهر ناقتـه العمانية البيضاء, وبندقيته الصمعاء النحيلة على كتفه, مصرا  ومتوعدا  من أنه لن يهنأ له بال إلا بطرد الأمريكان ذوي العيون الزرقاء من وادي العيون, أو كما يحدث أحيانا  حين كنت أتجـول في بعـض المدن الكبيرة, حيث أظـل أبحث بين جمـوع البشر المكتظة عن إلياس نخلة, وصدى صوته الذي لا يزال يتردد في رأسي <<  إن المدن الكبيرة تستر الإنسان, رغم أنها تظل تنهشه من الداخل حتى يموت >>. أتذكر عذابات إلياس نخلة في رحلته المضنية والشقية في المدن من عمل إلى آخر, أتأمل في وجوه العابرين المتعبين بحثا  عنه, وفي مرات نادرة لازالت عالقة في الذاكرة رأيتـه - أو ربما أحد ما يشبهه - وتبادلنا معا  الأحاديث الطويلة!, وكذلك يحدث هذا مع منصور عبدالسلام وحسام الرعد وعساف, وحتى مع وردان <<كلب الخيبات والجسور المهزومة>> - في رواية حين تركنا الجسر -, فهو أيضا  يعاود الظهور في أكثر من مكان وزمان!.. وفي أحيان كثيرة يحدث لي أن ألتقي كثيرا  بشخصيات روائية لم أكو ن صداقات معها, لكنني لا أخفي  إعجابي بها, مثل الحكيم صبحي المحملجي بأحلامه وأوهامه الساذجة, حيث أصادف في الحياة اليومية نماذج تشبهه كثيرا  فأضـحك في سري على هذه المفارقات المدهشة!, كذلك أعيد قراءة روايات عبدالرحمن منيف فأشعر أني أتجول بحرية في مدن متخيلة مثل موران وعمورية وحران..إلخ  وفي قرى فواحة برائحة الأرض الخصبة والأشجار والنباتات والأزهار مثل الطيبة, واكتشف معه صحارى عذرية حالمة ومقدسة, أتمتع بجمال رمالها في ساعات الغروب أو أثناء هطول الأمطار التي تبعث برائحة أعماقها المنعشة, وأتذوق عيونها وينابيعها العذبة التي تنبثق من باطن الأرض فجأة أو أعيد اكتشاف الصحراء وهي تنصب فخاخها الماكرة ضد الغرباء!.. حيـاة غنيـة, بالغـة الغنى والثراء والتعـدد رحـت أكتشفها داخل روايات عبدالرحمن منيف, ومعها أخذت أقتنع بشكل أوضـح أن قراءة الرواية لا تنتهي بقراءة الصفحة الأخيرة, بل تواصل رحلة حياتها في رأس القارئ وروحه, تحاصره بالأسئلة, وتقلقه بإشكالاته الفلسفية والأخلاقية في منعطفات حياته المقبلة, وتفتح له آفاقا  جديدة للتفكير والمغامرة, ومن ثم تعيد تشكيل رؤيته للحياة ومـوقفه مـن العالم, حيـث يتأكد حينها صـدق مقولة بريشت العظيمة من أن  << المرء لا يعرف حقا  إلا ما يغيره! >>, لكن رغم كل هذا الافتنان الآخاذ بعالم عبدالرحمن منيف الروائي, ظل سؤال الفضول المحير يزداد يوما  بعد يوم: أترى من كتب كل هذه الأعمال الروائية العظيمة لا يزال يعيش في دنيانا هذه? أموجود  يا ترى هو الآن في مكان ما من هذا العالم?! كيف يعيش وكيف يكتب?! ومن أين استلهم إبداعه? وهل في ما تحكيه رواياته أشياء كثيرة من سيرة حياته? ثم كيف واتته الشجاعة لكي يجـهر بما نخشى من مجرد التفكير به حتى!? أتذكر في لحظة مـن لحظات الافتنان القصوى بعد إعادة قـراءة رواية من رواياته ( للمرة الثالثة أو الرابعة), وربما كان ذلك في يوم من أيام عام 1997م, وقفت حائرا  ومذهولا  بين عالمين, عالم المتخيل الروائي الجذاب, وعالم الواقع المعاش هنا والآن, كانت وقفتي أشبه بمن يريد أن يتأكد من الحد الفاصل بين عالم المتخيل الروائي وعالم الواقع الحقيقي, ولا شيء يمكن أن يؤكد ذلك سوى وجود الكاتب الذي كتب هذه الأعمال وسماع صوته!, ورغم أن الفكرة أصابتني بالقلق, أنا الذي لم يسبق لي أن رأيت كاتبا  عدا الذين تنشر صورهم في الجرائد ناهيك عن الحديث إليهم, فكيف إذا كان هذا الكاتب هو عبدالرحمن منيف!, إلا أن الفضول دفعني لأن أبحث في صفحات الرواية عن عنوان دار النشر, لم أجد عليها رقم الهاتف, أخذت رقم دار نشر أخرى في بيروت من كتاب آخر, واتصلت بهم طالبا  رقم دار النشر التي تطبع روايات منيـف, أعطـوني إياه, وبعـد دقائـق اتصلت بـدار النشر هـذه, أتاني صـوت نسائي لطيف, قدرت أنه لامرأة في الثلاثينيات من عمرها, مثقفة وتلبس نظارات طبية!, وأنها في مكان تعبـق به رائحة كتب كثيرة, وبعد أن عر فت بنفسي وبالبلد الذي أتصل منه, وبصوت مبحوح ومرتبك قلت:

* هل يمكن أن أحصل منكم على رقم هاتف عبدالرحمن منيف?

- <<بدك عنوان عبدالرحمن منيف.. خليك لحظة لشوفلك إياه>>.

فترة الصمت التي استمرت لثوان أصابتني بدهشة حقيقية!, يعني الرجل عايش وموجود!, ولديه رقم هاتف!, وبالإمكان سماع صوته!, أخذت نبضات قلبي تتسارع من الخوف والفرح, وبسرعة سجلت الرقم الذي أملتني إياه المرأة اللطيفة المثقفة التي تلبس النظارات الطبية - والتي لا زلت أشعر بامتنان تجاهها حتى ولو لم أعرفها  -, لكنني بعد أن أنهيت المكالمة داخلني القلق والخوف:

<<ها أنذا خطوت الخطوة الأولى فهل سأتراجع?!, ولكن إذا ما اتصلت ماذا تراني سأقول? وهل سيبدو كلامي مثقفا?!>>, وبعد فترة من الحماسة المترددة ومحاولة السيطرة على أنفاسي, أمسكت بالسماعة وضغطت على الأرقام, فترة من الصمت, ثم سمعت رنين الهاتف, يا إلهي إنه منزل عبدالرحمن منيف الروائي!, أتاني صوت نسائي, هـل هـي زوجته! ( كنت أتوقع عبدالرحمن منيف مثل منصور عبدالسلام لم يتزوج! ), سألتها:

- عبدالرحمن منيف موجود!

- من نقول له?

هذا السؤال لم أحسب له حسابا  أجبت بهمهمة خجلة:

- أنا فلان الفلاني, من سلطنة عمان

- أهلا  بيك.. لحظات أناديه لك.

توقعت أي شيء إلا أن تقول لي أنه موجود!, بعـد لحظات من الصمت سمعت صوته على الهاتف : 

- أستاذ عبدالرحمن منيف? 

- أهلا  وسهلا..

- من معي الأستاذ عبدالرحمن منيف?!

- نعم, أنا هو

- كيف حالك أستاذ عبدالرحمن?

أجاب بصوت ضاحك ومنشرح:

- بخير الحمدلله.. أنت كيف حالك? 

- أنا بخير الحمدلله.. أستاذ عبدالرحمن أنا لست كاتبا  ولا ناقدا  أنا قارئ بسيط لكنني وددت أن أقول شيئا  عن رواياتك.

رد علي  بنبرة مليئة بالمودة, والبساطة, والتواضع :

<<أنا يهمني فعلا  رأي القارئ أكثر من رأي الك ت اب والن ـق اد..>>

عندها اندفعت بالكلام معبرا  عن إعجابي برواياته بانفعال شديد.. لا أدري ماذا قلت بالضبط لكنني تكلمت كثيرا  عن زكي ندواوي وكلبه وردان وإلياس نخلة ومتعب الهذال والحكيم صبحي المحملجي ومنصور عبدالسلام.. وكلما سكت لألتقط أنفاسي أسمع ضحكاته الصافية عبر الهاتف وفجأة وبحماسة ملفتة سألني:

* أنت كم عمرك?

-  32 عاما 

- أنا أتوقع أن تصبح كاتبا  (لم أكن قد كتبت شيئا  حينها سوى مقالة أريتها لدكتور في الجامعة, وودت دفعها للنشر, لكنه أصر على أنها لا تصلح لأن تنشر في الجرائد! ).

وأخيرا  وبطريقة معبرة عن المودة والتقدير قال:

- أنا أشكرك كثيرا  على هذه المكالمة, وأتمنى أن نبقى على تواصل, وأن تهتم أكثر بالقراءة والإطلاع..إلخ.

كان حديثا  قصيرا, لكنه خلق في نفسي انطباعا راسخا  بأن هذا الإنسان في منتهى الصفاء الروحي والتواضع والمودة للآخرين, وبمرور الأيام أخذت أعاود الاتصال به بين فترة وأخرى, وفي كل مرة أشعر أنني ممتلئ بأشياء كثيرة لم أستطع أن أعبر عنها في الهاتف, لذا أمسكت بالقلم وبعثت برسالتي الأولى إلى (الروائي العربي الخالد كما كتبت له حينها), لم أكن أتوقع أن كاتبا  عظيما  مثله, سيقوم بالرد على رسالة قارئ مغمور مثلي, لذا لم أصدق حين اتصل بي صديق ينبئني عن وصول رسالة لي بالبريد من دمشق.. أمسكت بالرسالة وقرأت أسمي المكتوب عليها بخط أنيق ورشيق, الخط يوحي أن صاحبه كتب كثيرا  وكثيرا  حتى أصبح الخط بهـذه الأناقة, أخـذت الرسالة إلى مكان بعيـد بالقرب من البحر, مثلما يحمل عاشق ما رسالة لهفته وسعادته, وهناك فتحت الرسالة وأخـذت أقرأ (نص الرسالة), يـال هذا الإنسان الرائع, لكم شعرت حينها بالسعادة الغامرة والامتنان.. استمر التواصل بيننا عبر الهاتف, وأخذت أتابع مقالاته والحوارات التي تجرى معه والدراسات عن أدبه, أو أية أخبار عنه, وكنت أشعر بأن هنالك ما يشبه التجاهل المتعمد لهذا الفنان العظيم!.. ثم أخـيرا  جاءت ولادة روايته الملحمية << أرض السواد >> التي أدخلتني إلى دنيا جديدة, وأججت افتتاني بعالم منيف الروائي, خاصة وأنني سافرت مع هذه الرواية إلى بلد خصيب حملني عبر نهره في رحلة أسطورية داخل التاريخ, جلست في مقاهي الشط مع عشاق ومجانين وأناس بسطاء, واكتشفت معهم روعة الحياة في رشفة شـاي الغروب, حيـث أضـواء الشمس الأرجوانية تذوب في ميـاه نهـر حالم وشريد, وأصغيـت إلى وشوشات المياه, وخفقـات أجنحة الطيـور المتماوجـة في الهـواء, وتمتعت بمرأى بغداد عبر غباش الماء.. وعشـت الحياة فيهـا بكافة أحداثها وتفاصيلها.. وبعـد الرحيل طـويلا  في عاـلم منيـف المتخيـل, أصبحت أفكـر في شـيء أكـبر وأهـم, وهـو أن أسافـر إلى دمشـق كـي أشاهـد هـذا المبدع العظيم على الطبيعة وأتحـدث معـه وجهـا  لوجـه!.

الرحلة إلى عبدالرحمن منيف

قلت لنفسي ذات يوم لا بد أن أذهب إلى دمشق, وفقط وقبل كل شيء من أجل رؤية هذا الإنسان العربي الرائع عبدالرحمن منيف, اتصلت به مسبقا, وأخبرته بنية الزيارة, أبدى ترحيبه وأخبرني أنه سيذهب إلى بيروت ويعود بعـد شهر, وصـلت إلى دمشـق في الفترة التي اتفقنا عليها, وفي مساء يوم الخميس 15/9/2000م زرته في منزله بالمزة, أخذت وصف الحي الذي به المنزل منه عبر الهاتف, ذهبت قبل الموعد بساعة ونصف, وإذ تهت قليلا, أخذت أسأل المارة والجالسين على المقاهي, كنت أتوقع بمنتهى السذاجة أنني ما إن أقول لهم: عبدالرحمن منيف حتى سيهب الجميع لخدمتي, وسيشيرون لي إلى مكان المنزل, وكم كانت خيبتي يومها حين لاحظت أن وقع الاسم على آذانهم يبدو غريبا, وغير معروف, وكأنهم لم يسمعوا به أبدا, يومها شعرت لأول مرة بمدى الغربة المريرة التي يعيشها المبدع في هذه الأوطان الجحودة!, كنت أتصور (بوعي قروي ربما) أن كل دمشق تعرفـه!, وصلت أخيرا  في الموعد المحدد بالضبط, وقفت أتأمل بدهشة تاريخية وفرح وتعجـب!: <<هنا إذا  يعيش عبـدالرحمن منيف>>,  اقتربـت شاهـدت سيارة زرقاء صغيرة!, قلت لنفسي: <<ويسوق سيارة أيضا?!>> (أحيانا  نحن نتوقع أن الكتاب لا يفعلون شيئا  في الحياة عدا الكتابة!).. وقفت لدقائق أمام المنزل الذي يعيش فيه هذا المبدع الكبير وأنا أتأمل وأحدث نفسي:<< من هنا إذا  خرجت رواية أرض السواد وسافرت عبر العالم!, وكل هذه الأحداث الكبيرة, والحيوات الغنية خرجت من هذه الشقة?!, ونهر دجلة وحسون, وسيفو, وبدري, والحصان مهيوب, وداود باشا, وقادر, والسيد عليوي, ومقهى الشط, والسرايا, وكركوك, والموصل, وحلة الشيخ, والكرخ..إلخ, كل هذه الأماكن والشخصيات والعوالم خرجت من هنا?!.. آه ما أروع الكتابة, ما أروع هذا التواصل الغني والمذهل مع الحياة والعالم, أي تواصل رائع مع العالم هذا الذي يجترحه الإنسان عبر الكتابة! >>.. اقتربت من الباب وضربت الجرس, وإذ بسعاد القوادري زوجة عبدالرحمن منيف النبيلة والرائعة تفتح الباب ومعها ابنتهما الجميلة عـزة:

- أهـلا  وسـهلا  تفضـل.. الحمـدلله على السلامة.. تفضـل.. لحظـات وسأنادي لك عبدالرحمن..

كانت أساريري متهللة, وحـواسي متفتحـة إلى الحـد الأقصـى مـن أجل الاكتشاف والمعرفة, اتجهت إلى الصالة, وهناك أخذت أجيل النظر في اللوحات التشكيلية الجميلة الناطقة بالحياة, توقفت عيناي عنـد لوحة جبرا إبراهيم جبرا على صـدر الصالـة, ورحت أتأمل فيها مبحرا  في العلاقة الإبداعية الخصبة التي جمعت بين هذين المبدعين الكبيرين, والإنسانين الرائعين الحبيبين إلى القلب جبرا إبراهيم جبرا وعبدالرحمن منيف, والتي أثمرت ضمن ثمارها الكثيرة رواية عالم بلا خرائط 1982م.. شدني التناسق بين كافة أجزاء المكان, بدءا من الألوان, وانتهاء بالتحف واللوحات والأثاث, والتفاصيل الجمالية الصغيرة التي تعكس حسا  فنيا  مرهفا.. وفي غمرة تأملي, سمعت صوت عبدالرحمن منيف قادما, اختلطت في صدري المشاعر, وعلت وجهي ابتسامة عريضة, أقبلت إليه وصافحته بحرارة, وأخذت أتطلع إليه في محاولة أخيرة ونهائية للتأكد من أن هذا المبدع الكبير واقفا  أمامي الآن.. لاحظ انشداهي  فابتسم بخجل وقال لي ونحن نجلس:

- كيف حالك? متى وصلت للشام?

- أول أمس..

ودخلنا فجأة في أحاديث طويلة استمرت خمس ساعات!.. سألني في البداية عن عُمان? وعن الأدب والثقافة في ع مان? وأخذنا الحديث في رحلة تذكر تاريخية.. ثم إذ بزوجته سعاد التي شاركتنا الحديث تقول:

- عبدالرحمن لديه جواز ع ماني!

ضحك عبدالرحمن منيف وضحكت مستغربا  فأضافت: 

- ولديه جواز يمني وسوداني..إلخ ضحكنا طويلا, ولكني شعـرت بشيء من الألم في داخلي, مبـدع عـربي كبير بهذا الغنى الإبداعي, وبالخدمات الجليلة التي قدمها للثقافة العربية, وهذا العطاء الحقيقي واللامحدود ولا يتمتع بأبسط الحقوق, جواز السفر, هذه فضيحة كبيرة!.. للحظات غابت زوجته عنا في الداخل, ثم عادت وهي تحمل جوازات سفر سوداء وحمراء وبنية.. وأعطتني واحدا  من بينها, جواز سفر ع ماني ينتمي لإمامة داخل ع مان في منتصف الستينات, حيث كان الصراع قائما  بين السلطان سعيد بين تيمور  والإمامة التي حصلت على اعتراف من جامعة الدول العربية آنذاك, وأصدرت ربما جوازات سفر كان من نصيب عبدالرحمن منيف واحدا  منها كما يبدو, أخذت أقلب الجواز, وإذا بي أكتشف المفاجأة الثانية, وهي أنه في الجواز مسجل: 

* عبدالرحمن إبراهيم المنيف, مواليد مدينة صور >>

قلت له غير معقول!, هذه صور مدينتي في ع مان!.. وأخذت أحدثه عن مدينته صور التي سجلت ولادته فيها دون أن يعرفها!, حدثته عن صناعة السفن في صور, ورحلات التجارة البحرية التي كان يقوم بها أهلها إلى موانئ شرق أفريقيا والهند والخليج والبصرة.

قال لي:

* في رواية أرض السواد وأثناء رحلة سيفو وبدري مع صاحب المركب أبو منعم في نهر دجلة, كنت أود أن أستمر في السرد نحو بحر عُمان, وإلقاء شيء من الضوء على تلك الفترة البحرية, ورغم أن المحاولة كانت مغرية إلا أنني آثرت التوقف إشفاقا  على القارئ من ازديـاد حجـم الرواية ( في رواية أرض السواد ورد هـذا المقطع على لسان الملاح أبو منعم: <<ويوم تفارقنا, وجنا بساحل ع مان, ولأن العلاقات بينا صارت قوية, صرنا أخوان, أكثر من الأخوان, انطاني فد كتاب..>>) ص469 

قلت له مداعبا:

- من المفروض أن تكتب عن عُمان, فأنت الآن عُماني.

ضحك وأجاب:

- أنا أرى أن عُمان بلد غني ومتنوع, ومجال الكتابة عنه واسع إن كان على صعيد التنوع الجغرافي أو التاريخي, ومن خلال إطلاعي على الكتيبات والمجلات, وأحيانا  بعض البرامج على التلفزيون, أرى جبالا  عالية وحادة, ولها تضاريس مختلفة ومدهشة, وأيضا  لديكم تجربة البحر مثلا, ومناطق عديدة متنوعة, وفي رأيي أن رواية البحر العربية مثلا  لم تكتب إلى الآن, فالمجال خصب وواسع, ويحتاج للتناول.

- علقت زوجته سعاد: <<قرأنا قبل فترة مذكرات أميرة عربية, كانت في غاية المتعة>>.

أضاف منيف: <<هذه المذكرات رائعة جدا, فالإنسان يتعرف من خلالها على أجواء جديدة ومختلفة عن الحياة في تلك الفترة, وهي أيضا  تعتني جيدا  بالتفاصيل الصغيرة والهامة إلى حد أن القارئ يدخل - كما يقال - إلى المطبخ, ويتعرف على طبيعة العلاقات السائدة بين الناس بمختلف مراتبهم في تلك الفترة>>.

كانت إحـدى الموضوعات التي أريد أن أستشفها مـن عبدالرحمن منيف هي طبيعة العلاقة الحميمة التي تربطه بصديقيه الكاتبين الرائعين, جبرا إبراهيم جبرا, وغائب طعمة فرمان اللذين أحبهما كثيرا, وكتب عنهما أكثر من مرة, وحين بدأ الحديث ينساق أولا  عن جبرا, وقفت مشدوها  أمام هـذا الموقف الإنساني, وهـذه الشفافية العالية لدى منيف, لحظات عميقة من الصمت والتذكر والتأمل والحزن والإحساس بالفقد والحنين ثم دموع تتوارى بخفاء في محجريه قالت كل شيء دون كلمات.. قلت لنفسي في تلك اللحظات: <<هكذا هـي الصداقـة الحقيقية, هكذا هو التواصل الروحي العميق بين الأصدقاء, لكم هم شفافين هؤلاء الكتاب!>>.. قادنا الحديث عن جبرا إلى الحديث عن العراق إبان الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي, لكنني عرجت بالحديث إلى غائب طعمة فرمان ومنفـاه الأخير البارد في موسكو حيث مات هو الآخر محروما  من جواز السفر!, قلت له:

-كتبت كثيرا  عن الراحل غائب, وأنا أريد أن أعرف منك كيف بدأت هذه الصداقة العميقة.

- رد منيف قائلا: <<ستستغرب لو أخبرتك أنني وغائب لم نلتق في حياتنا سوى  مرتين, الأولى في منتصف الخمسينيات, والثانية في بداية الثمانينيات>>.

- قلت له: استحالة.. أستاذ عبدالرحمن أنت الذي كتبت متأثرا  في رحيله << لا أعرف ماذا أقول عن غائب أو كيف أقوله..>> إذا  كيف تكونت هذه العلاقة العميقة والحميمة.

- ضحك منيف وقال: <<كلها عن طريق المراسلة.. واصلنا تبادل الرسائل طوال تلك السنوات.. دعاني غائب في إحدى رسائله الأخيرة لزيارة موسكو, ووعدني أن يريني شوارعها ومتاحفها وآثارها لكن الرسائل انقطعت فجأة.. وجاءني خبر أن غائب توفي..! >>

صمت صمتا  عميقا, وأطرق برأسه لحظات, وكأنه ندم لأن الزيارة لم تتم كي يرى غائب للمرة الأخيرة, ويروي شوقه الروحي لهذا الصديق العزيز.. رفع رأسه وسافرت عيناه للبعيد في رحلة تذكر, لم أجرؤ على الكلام أمام الصمت المهيب, كنت أتطلع باختلاس إلى عينيه المبحرتين, وأشاهد الدموع وهي تملأ العينين وتكاد أن  تفيض.. وعبدالرحمن منيف يجاهد في إخفائها, لكن الذكرى كانت طاغية وممضة, وحين غلبته  المشاعر, وقبل أن تسقط الدمعة الأولى استأذن من المجلس وقال بهمهمة ملتاعة:

<<سأعود..>>

انتظرت دقائق غائبا  مع غائب ومنيف, ومع روعة الأشياء الحقيقة الراسخة, وكنت أسائل نفسي في هذه الرحلة العميقة << أية رسائل هذه التي تخلق كل هذا الذي رأيته أمامي هنا..>>.

عاد عبدالرحمن منيف صامتا, لمت نفسي لأني قل بت عليه المواجع والأحزان, سادت فترة صمت بيننا, لكن منيف استأنف الحديث عن غائب وبعض الذكريات..

- قلت له: أستاذ عبدالرحمن.. احتفيت كثيرا  بالأدباء البارزين الذين رحلوا عن حياتنا في السنوات الأخـيرة في كتابك << لوعة الغياب >> لكن السؤال الذي قلته لنفسي, وأريد أن أطرحه عليك هو: هل بلغ الجحود والنكران في واقعنا العربي لأبنائه المبدعين إلى الدرجة التي استفزت مبدعا  مثلك لكي يترك عمله الرئيسي - الرواية - ويتفرغ للكتابة عنهم?.

ـ أجاب منيف بصوته عميق مهموم:  <<والله. رغم الكلام الكثير الذي يقال عـن الوفاء العربي إلا أنه في تصوري شيء مبالغ فيه, وغير حقيقي, فبمجرد أن يرحـل الأديب عن الدنيا, ويهـال عليـه الثرى ينسى ويغيب ذكره!, وأنا أستغرب كيـف تتناسى أمة مـن الأمـم مبدعيها بهـذا الشكـل المخجل! >>. 

كانت المرارة واضحة في نبرة صوته وطريقة حديثه, حاولت أن أخفف عنه بأن أنقله إلى موضوع آخر, خاصة بعـد أن أنبـأني بمتاعبـه الصحـية, والتي استنتجت أن لـ<<أرض السواد>> - هذه الرواية المذهلة والخارقة من حيث الجهد الذي بذل في كتابتها - سبب رئيسي في زيادة معاناتـه الصحيـة, لكن هكـذا هـم المبدعـون الحقيقيـون يحترقـون محبـة وعطـاء  كي يهبـوا النـور للآخـرين.

- قلت له: أستـاذ عبـدالـرحمــن. كيـف تبـدأ عمليـة التحضير للروايـة وصـولا  إلى كتابتها?

- أجاب: <<تقريبا  لدي خطوط عامة وهموم من نمط خاص.. لكنني دائما  ما أرى أن الرواية ينبغي أن تكون قطعة من الحياة.. أما عملية الكتابة فهي تبدأ بالتحضير للعمل, وقد تستمر القراءة والتحضير لسنوات كما حدث في رواية <<أرض السواد>>, حيث استغرقت تفكيرا  طويلا  وعميقا  أثناء التحضير للعمل, وأنا دائما  عنـدما أبدأ الكتابة في موضـوع ما أتفرغ له تماما, فمثلا  في رواية أرض السواد بدأت التفكير في داود باشا: كيف يفكر ويتطلع? ما هي همومه? وكيف يتعامل مع الآخرين..إلخ ووجود داود باشا يحتم وجود معاونين ومساعدين فوجدت شخصية ناطق أفندي ثم فكرت في ضرورة وجود خازن للمال فوجدت شخصية نادر أفندي, وطبيعي أن الأمور لم تكن واضحة تماما  قبل الشروع في الكتابة, ولكن مع البداية ومواصلة الكتابة تنشأ حالات جديدة وتتوالد شخصيات, ثم تتكون شبكة من العلاقات تتدافع ذاتيا, وفي تدافعها هذا تتشكل الرواية ثم تأخذ صيغتها النهائية>>.

- ألا تسجل مخطط  كامل للرواية?

- <<أسجل  بعض النقاط البسيطة جدا  << علامات >> أما الكتابة  فهي حالة اكتشاف دائم وأحيانا  الحرفة تلعب دورها >>.

- تعلق ابنته عزة التي جاءت لمشاركتنا الحديث ضاحكة: <<بابا لا تخبره كل شيء خليه يتعب مثلما تعبت لا تعطه الأشياء جاهزة >>.

نضحك جميعا.. (من جملة الأشياء التي شدتني كثيرا  في ذلك اليوم هو الحب الدافئ الذي يملأ أرجاء البيت بين عبدالرحمن منيف وزوجته الرائعة سعاد القوادري بوعيها العميق وثقافتها الواسعـة, وبإيمانها الشديد بالقيم والمبادئ الكبيرة التي دافـع عنها عبدالرحمن منيف, وتضامنها معـه في كل المواقف الكبيرة مهـما كانت الخسائر, وتشجيعها الدائم له, فهي في تعاملها معه زوجة وصديقة وحبيبة وقارئة معجبة بأعماله, ودورها كبير وواضح في توفير المناخ الإبداعي المناسب له, فهي بلا شك أحد أهم أسباب نجاح عبدالرحمن منيف وعطائه الكبير, كذلك أيضا  لفت انتباهي نجاحهما المتميز رغم الظروف الصعبة في تربية أبنائهما بطريقة تجعلهم امتدادا لوعيهما وثقافتهما وحريتهما ومواقفهما النبيلة في الحياة وهذا ما تأكد لي لا حقاً).

سألني عبدالرحمن منيف عن الأماكن التي أنوي زيارتها في دمشق, وقال لي وهو الذي لا يتعب من تشجيع الآخرين وتحفيزهم: << عليك أن تعود عينيك على الملاحظة والمقارنة والاكتشاف, ستلاحظ هناك وأنت تزور دمشق القديمة الشوارع الضيقة الملتوية والمليئة بالمنعطفات والتي بناها الأهالي أيام المماليك لخلق حاجز بينهم وبين السلطة وللدفاع عن أنفسهم ضدها, وحتى يتاح لهم حين يأتي الجنود رؤيتهم مسبقا  والتخفي عنهم وتحذير الآخرين >> وانتقل حديثه من المعمار إلى الفن التشكيلي, وأنا أستمع معجبا  ومكتشفا  للاهتمامات الواسعة التي تشغله, والأسئلة التي لا يكف عن طرحها, وإنصاته العميق لمحدثه وتواضعه الشديد, ورغبته الدائمة في التعلم والاكتشاف والمعرفة, وهذا ما جعل ذاكرته مخزنا  هائلا  للأحداث والتفاصيل واللهجات والشخصيات والأماكن إضافـة إلى مخيلته الخصبة, في ذلك اللقاء لامست عن قرب مدى رهافة إحساس هذا المبدع الكبير, أتأمل فيه مسترجعا  حياته النضالية في السياسة ثم في الكتابة, وصلابته الداخلية التي لا تلين ولا تعرف المهادنة, ومواقفه الأبية والشجاعة ضد كل قـوى الطغيان والظلام, أكتشفه أمامي بعينيه المليئتين بالحب والذكاء والطفولة والحكمة, شفافيته العالية, وهمومه الكبيرة, وصدقه العالي مع  نفسه ومع الآخرين, إلى كم هو كبير ورائع هذا الإنسان (عبدالرحمن منيف), هذا المناضل النبيل الذي تمسك بجمرة القيم والمبادئ والكلمة الصادقة, هذا الذي طلق المغريات والمكاسب والمغانم, ورفـض الرضـوخ للتهديدات والمساومات على الحقيقة, وهو الأعزل إلا من سلاح الكلمة.

قلت له وأنا أنظر في عينيه:

- الكتابة كلفتك كثيرا.

- والله, ربما أشياء كثيرة لكنها ضرورية, عموما  المهم أن المرء ( عبدالرحمن منيف نادرا  ما يستخدم صيغة الأنا في الحديث عن ذاته, لتواضع أصيل في نفسه, ولأنه معني دائما  بالكتابة عن الآخر, وهذا ربما ما جعله يؤجل كتابة سيرته الذاتية لأنه مهموم بكتابة سيرة المنسيين والمهمشين من أبناء شعبه في مختلف رواياته) استطاع أن يتجاوز الصعوبات وبالتالي فهي لم تعد الآن ذات بال.

ـ قلت له: <<الكتابة ستظل خالدة, أما المدن القاسية, مدن الملح الهشة, والسجون والجلادين فجميعها سيأتي عليها الزمن, ستتآكل ولن يبقى منها شيء سوى الخزي والعار, أما الإبداع الصادق فيبقى على مر العصور...

وأنا أخـرج من المنزل لم يكتـف عبدالرحمن منيف بتوديعي على الباب بل أخـذ يرافقني حتى الساحة الخارجية, وأنا أبتعد ظل واقفا  يلوح لي بيمناه وبابتسامة حانية مشرقة لا تزال خالدة في النفس.


تصميم الحاسب الشامل