حنين بن اسحق وعصر  الترجمة العربية

 

نسيم مجلي


يقول سارتون في كتابه <<مدخل الى تاريخ العلوم>> إن بعض المؤرخين قد حاولوا أن يغضوا من قدر العرب وإنتاجهم في عالم الفكر حينما ادعوا أن ما جاء به العرب لم يكن فيه شيء مبتكر - لأن العرب لم يكونوا إلا مقلدين. إن مثل هذا الحكم خطأ  فليس هناك ابتكار أعظم من ذلك التعطش الذي ملك على قادة الفكر العربي حواسهم في سبيل المعرفة... ولا يمكن أن يكون هنالك ابتكار مخلوق من العدم. (مدخل الى تاريخ العلوم)

 هذا التعطش الشديد إلى المعرفة هو الذي دفع حنين بن اسحق   للبحث والتنقيب في دروب اللغات والعلوم وتحدى كل الصعاب والمعوقات حتى صار هذا العالم الفذ الذي يشهد بعظمته وأصالته كبار العلماء والمؤرخون في الشرق والغرب.

وهذا لفهمه دور العبقرية الفردية في حوارها مع روح العصر  العباسى الذي برزت فيه وأتاحت فرصة النمو والازدهار لكثير من العلماء والمفكرين والشعراء في عصر الحضارة العربية, وهذا يتطلب منا جمع وتحقيق هذا التراث وخصوصا  تراث حنين بن اسحق ومدرسته.

-كتابة بيوجرافيا أو سيرة حياة هذا العالم العربي الكبير بصورة دقيقة وموثقة  وابراز دوره في حركة الترجمة ليس فقط كمترجم  لحوالي مائة كتاب من اليونانية إلى السريانية وسبعة وثلاثين كتابا إلى العربية وليس فقط كفقيه لغوي ومؤلف لعدد من كتب فقه اللغة العربية ونحوها وانما كرسول ثقافي حضاري قام بأسفار عديدة للحصول علي الكتب والمخطوطات وأقام علاقات مع الروم والبيزنطيين من أجل هذه الغاية. وقد أتاحت هذه الأمور فرصة للحساد للكيد والدس له عند بعض الخلفاء مما عرضه لأشد المحن التي تغلب عليها بايمانه بالله وبرسالته كطبيب مهمته هي علاج المرضى وتخفيف آلامهم وليس صنع السموم الفتاكة لقتل الخصوم مما أكسبه مكانة عالية لدى خلفاء الدولة العباسية, وله في هذا المجال مواقف مشهودة سجلها القفطي وابن جلجل وابن ابي أصيبعة في كتابه تجعل من هذا العالم نموذجا  في الالتزام بالأمانة العلمية والاصرار على ربط رسالة العلم بخدمة الانسان.

ثم دراسة العصر وابراز العوامل التي دفعت المسلمين للانفتاح علي الثقافات  الكلاسيكية  مثل اليونانية والفارسية والهندية دون خوف من الغزو الثقافي أو المؤامرات الخارجية مثلما يحدث الآن .

وقد فكرت كثيرا  في هذا الموضوع لأنني أرى أن حركة الترجمة العربية في العصر العباسي كانت أول وأعظم حركة ثقافية تجسدت فيها فكرة حوار الحضارات ليس فقط لأن الترجمة شملت نقل التراث الإغريقي والفارسي والهندي.. أي التعامل مع ثقافات وثنية وعقلانية مختلفة بل لأن هذه الحركة اعتمدت أساسا  على مترجمين وعلماء مسيحيين ويهود وصابئة ومن كل الأجناس.. وبهذا جسدت فكرة الحوار والتعايش شكلا  ومضمونا  بين العرب المسلمين وبين غيرهم من الشعوب والجماعات العرقية والدينية.

كذلك فانني أرى أنه اذا كانت حركة الترجمة قد جسدت هذا وأكدته فانني أرى في شخصية حنين بن اسحق وأعماله شاهدها الأكبر. فقد كان طبيبا لأربعة خلفاء من العباسيين  وموضع ثقتهم ورعايتهم. وقد عينه المتوكل عميدا لدار الحكمة  حيث جمع حوله عددا من التلاميذ النجباء منهم ولده اسحق بن حنين وابن أخته حبيش  بن الأعسم ورهط آخر نذكر منهم ثابت بن قرة وعيسى بن يحيى بن ابراهيم وموسى بن خالد وأبا عثمان سعيد وعيسى بن على, وجعل منهم  مدرسة للبحث العلمي وترجمة العلوم الطبية والفلسفية.وقد أرست هذه المدرسة أصول المصطلحات العلمية في لغتنا العربية وهي قضية ما زالت  تشغلنا حتى الآن وتحتاج منا لاهتمام جاد. لقد أدت حركة الترجمة إلى ازدهار الحضارة العربية الاسلامية التي أضاءت بلاد الشرق في الوقت الذي رانت فيه حجب الجهل والظلام على كل بلاد أوروبا.      

واعتقد أننا مطالبون بالكشف عن هذه الروح التي اتسمت بها الحضارة العربية الاسلامية والتي تنبذ التعصب والارهاب ليس فقط من أجل مخاطبة الآخرين وانما لانعاش ذاكرتنا القومية  وإذكاء هذا الوعى في شبابنا لحمايته من شرور التفسيرات الخاطئة للدين والدعوات الضالة التي تدفعه الى طريق العنف المدمر لما نبنيه من تقدم وازدهار. وبهذا  نؤكد مصداقية خطابنا الثقافي في الرد علي دعاوى الحرب المجنونة التي تنشرها  قوى الاستعمار الغربي  والتي تتخذ من أحداث الحادي عشر من سبتمبر دليلا  علي حتمية الصراع بين الحضارة الغربية والحضارة الاسلامية, لابد من الربط بين الدور الذي لعبته الترجمة العربية في حماية تراث الانسانية  واسهام العرب في النهضة الاوروبية وتأكيد ذلك بشتى الطرق من أجل صياغة مشروع ثقافي معاصر يستند إلى العقل والعدل لتحقيق السلام والتنمية والرخاء لنا ولشعوب العالم أجمع.

ولا بأس أن يتم الربط من خلال احيائنا لتراثنا العلمي, فقد بدأت النهضة الأوروبية باحياء التراث الكلاسيكي من خلال ترجمتهم للعلوم العربية.فهل نأمل في اكمال دائرة التشابه فنخرج من حالة الحيرة والتخلف التي تعانيها شعوبنا العربية لنساير هذا العصر وثقافته بخطى ثابتة. في تصوري أن هذه خطوة ضرورية لأننا مفتونون بفكرة الأصالة, قد أدمنا تعاطي التراث بصورة مخيفة حتى كاد أن يصبح مرجعيتنا الوحيدة, نتيجة لاغراق العقول في تراث العصور المتخلفة وفي التفسيرات الدينية المعادية للعقل ولحرية الانسان جريا وراء هذه الأصالة المزعومة, رغم أن الأصالة الحقيقية موجودة في تراثنا العلمي, أعني في مقوماته العقلية والوجدانية التي أدت الى انتاج هذا التراث وابداع ذخائره, هذه القدرات النفسية والعقلية هي التي دفعت أبناء هذه الأمة الى الانفتاح على تراث الإغريق والفرس وتراث الهند دون خوف أو تردد فحققوا أعظم أمجاد الحضارة العربية.                                                        

وانني حين أدعو الى هذا فإنني لا أدعو الى حالة ردة أو تراجع وانما أدعو للاقتراب أكثرمن علوم العصر وثقافته, ويكفى دليلا على ذلك أن نعرف مايقوله المستشرق ماكس مايرهوف من أن كتاب <<العشر مقالات في  العين>> الذي وضعه حنين بن اسحق, هو أقدم كتاب  مؤلف على الطريقة العلمية <<في طب العيون... وأن جميع أطباء العيون المتأخرين قد اقتبسوا من ذلك  الكتاب وشرحوه>> أو مايقوله المستشرق الألماني شتروهماير من أن أساليب حنين بن اسحق في جمعه للمخطوطات العديدة  وتحقيقها وعمله في تطوير اللغة لكي تلائم الاحتياجات العلمية عن طريق الترجمة..<<.يجعله زميلا لنا بالرغم من هذه الأحد عشر قرنا التي تفصلنا عنه>> 

من هنا فان عملي هذا هو  دعوة للتصالح مع النفس ومع العقل من أجل كسر حاجز الاغتراب والدخول الى حضارة العصر من الطريق الذي ألفناه وهو طريق التراث. ليست إذن رجعة الى الوراء وانما خطوة الى الأمام في سبيل اللحاق بعلوم العصر والمستقبل.

لقد تعرض تراثنا العلمي للإهمال الشديد وتأكيدا لذلك يكفي ان تعرف أن أول مرة بل وآخر مرة يتم فيها الاحتفال بذكرى حنين بن اسحق في العالم العربي كانت في <<مهرجان أفرام وحنين>> الذي أقيم في بغداد سنة 1974.

كذلك تأخر اهتمام الاوروبيين بهذا التراث ربما نتيجة تعصبهم لفكرة مركزية الثقافة الاوروبية.  فقد شكى نيجيبور  Otto Neugebauer من موقف الباحثين ازاء محاولته لعرض العلاقة بين الرياضيات عند الاغريق وعند البابليين قائلا :

<<كل محاولة لربط إنجازات الإغريق بما قبلها لدى الأمم الأخرى تصطدم بمعارضة حادة. فليس هناك من يرضى بتعديل صورة الإغريق التي اعتاد عليها, بالرغم من ان كل التحولات التي طرأت عليها منذ زمن وينكلمان  Winkelman  وابسطها التعرف على ألفين ومائة عام من التاريخ قبلهم, كان من  نتائجها أن أصبح الإغريق في المنتصف وليس في المبتدأ (فؤاد سيزكين : <<مكانة حنين في تاريخ الترجمة>>)

و قد يتساءل البعض عن سر اهتمامى بحنين بن اسحق بالذات دون غيره من العلماء والمترجمين الذين برزوا في هذه الفترة والإجابة هي ان حنين بن اسحق لم يكن مجرد عالم بارز أو مترجم نادر فقط بل  كان رائد  مدرسة من العلماء العرب الذين <<شكل اشتغالهم بالعلوم الاغريقية مرحلة الانتقال من التلقي إلى الابداع>> (نفس المرجع).

 ورغم الاعتراف فيما يشبه الاجماع  على قيمة الدور الذي لعبه هذا الرجل في نقل العلوم الإغريقية الى العرب وعلى قيمة  مؤلفاته  الطبية والفلسفية, فإنه كما يقول ماكس مايرهوف <<لم تكتب بأية لغة أوروبية ترجمة وافية لحياة حنين الذي  يصفه المؤرخ الفرنسى ليكلرك بأنه من أشد رجال التاريخ ذكاء وأحسنهم خلقا وربما كان أقوى شخصية أنجبها القرن الثالث للهجرة, أما في اللغة العربية فقد أفرد له ابن أبي اصيبعة فصلا مسهبا ضمنه تاريخ حياته وما ترجمه وألفه من كتب ورسائل. وهذا الذي كتبه ابن أبي اصيبعة, قد اتخذه كتاب العرب والفرنجة مادة يصنعون منها صورة غير كاملة لحياة حنين على ان ابن أبي اصيبعة إنما اختزل مقالة ابن القفطي على ما بها من نقص ظاهر هذا, وفي كتاب الفهرست لابن النديم ترجمة قصيرة ناقصة نقصا كبيرا وكذلك سائر التراجم العربية التي بين أيدينا فإنها بعيدة كل البعد عن أن تفي بالمراد. ولست تجد في جميع اللغات الأوروبية سوى مقالات قصيرة, لا تتناسب ومكانة حنين كرجل من رجال العلم.>> (مقدمة كتاب <<العشر مقالات  في العين>> لمايرهوف).

وقد تناول بروفسور فؤاد سيزكين  في مقاله <<مكانة حنين في تاريخ الترجمة>> مسألة  تأخر الاهتمام بقضية نشأة العلوم عند العرب, وخاصة العلوم الطبيعية والفلسفية فقال  سوف يمضي وقت طويل حتما قبل أن يتحقق أملنا بأن يصدر  يوما حكم صائب حول انجازات العلماء الذين دونوا آثارهم باللغة العربية, لأن الباحثين في مضمار العربية لم يوضحوا معظم المشاكل الأساسية بعد, ومن جهة أخرى فان المادة لم تجمع ولم تحلل وتبحث بشكل كاف الى يومنا هذا.فضلا عن ذلك, فإن مجال البحث مثقل بآراء متضاربة وبأحكام مسبقة وتصورات خاطئة حول نشأة العلوم العربية.

فقد كان أول اهتمام بنصوص من ترجمة حنين في أواخر القرن الماضي, عندما قام كلامروث M.Klamroth بدراسة ما أورده اليعقوبي من مختصرات مترجمة عن مؤلفات إغريقية, ليتبين علاقتها بتراجم حنين. ولقد تتبع سيزكين هذا التاريخ ورأى أن مكانة حنين في تاريخ العلوم عند العرب قد أخذت تتضح بظهور دراسات أخرى حوله, كدراسة استينشنيدر  M. Steinschneider  حول التراجم العربية من الإغريقية, وبنشر الترجمة العربية لكتاب التشريح لجالينوس وهذا مما دعا برجسترا سر  Bergstrasser إلى أن يخصص دراسة مستقلة بعنوان <<حنين ابن اسحق ومدرسته>> في سنة 1913, كما نشر في عامي 1925 1932 بعض رسائل حنين ذات الأهمية القصوى : <<رسالة في ذكر ما ترجم من كتب جالينوس بعلمه وبعض ما لم يترجم>>. Leipzig  1924 و<<مقالة في ذكر الكتب التي لم يذكرها جالينوس في فهرست كتبه>>. Leipzig 1932 وقد كتبت مع مرور الزمن عدة مقالات أخرى حول حنين وأعماله ولكنها  جميعا لم تتجاوز محاولة Bergstrasser الأولى بشكل جوهري. وهكذا ظل بحثه إلى الآن هو المؤلف الوحيد حول صناعة الترجمة وأسلوبها لدى حنين وانتشرت عن طريقه تسمية <<مدرسة حنين>> 

بعد ذلك  توالى ظهور الد راسات حول حنين ولعل أبرزها كتاب <<العشر مقالات في العين>> الذي حققه المستشرق الفرنسي ماكس مايرهوفوف وأهداه الى كلية الطب بالجامعة المصرية سنة 1927 بمناسبة الاحتفال بمرور مائة عام على انشائها. وتناول فيها دراسة تاريخ علوم الطب عند العرب وخاصة طب العيون. وهو بتعبير الأب قنواتي, أهم فروع الطب الذي تخصص فيه العرب ووصلوا فيه الى نتائج مدهشة.

وبعد نصف قرن تقريبا   عقدت في مؤتمر المستشرقين بباريس في يوليه 1973 حلقة خاصة  حول حنين بن اسحق, عولجت فيها جوانب من نشاطه وآثاره,ونشرت أبحاث هذه الحلقة في عدد خاص من مجلة Arabicج2 (اكتوبر 1974)  كذلك أقيم في بغداد مهرجان بعنوان<<أفرام وحنين>> في فبراير4791, وقدمت فيه مجموعة الأبحاث التالية والتي نشرت في مجلد ضخم بعنوان <<مهرجان أفرام وحنين مطبعة المعارف بغداد>>.

1- مساهمة جمهرة الكتاب المسيحيين الشرقيين في تاريخ الأدب السرياني: بروفيسور أندريه دي هاليه.

2- حنين  بن اسحق  الأب يوسف حبي: عضو مجمع اللغة السريانية.

3- بين العربية والسريانية:  د. ابراهيم  السامرائي.

4- حنين بن اسحق المترجم:  د. ابراهيم  مدكور رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

5- مخطوطات سريانية جديدة لحنين: بروفيسور آرثر فوبس.

6-  حالية حنين بن اسحق: بروفيسور جيرار تربو. المعهد الوطني للغات / باريس.

7- دور المراكز الثقافية في تفاعل العرب والمسلمين الحضاري: د. حسين قاسم العزيز. 

8- كتاب علم الأخلاق في  النيقوماخية: لأرسطو كلاوس دنلوب.

9- حنين  بن اسحق والسلطة العباسية:  د. فاروق عمر فوزي /آداب بغداد.

10- مكانة حنين في تاريخ الترجمة الاغريقي والسرياني إلى العربية: فؤاد سيزكين.

11- أدوية العين عند حنين  ابن اسحق: د. جورج قنواتي.

12- مصادر الدراسة عن الحكيم حنين  بن اسحق: فؤاد قزا انجي الاستاذ بجامعة بغداد

13- أثر مدرسة جند يسابور في المصطلحات الطبية لحنين:  د. فيصل دبد وب.

14- حنين  بن اسحق الفقيه اللغوي: بروفيسور كوتهارد شتروهماير.

15- مكتبة حنين  بن اسحق: كوركيس عواد.

وقد تحدث البروفسور أندريه دي هاليه عن دلالة الموتمرفقال: <<لقد التزمت الحكومة العراقية بقرارها التاريخي في نيسان (ابريل) 1972 بضمان الحقوق الثقافية للمواطنين الناطقين بالسريانية من  آشوريين وكلدان وسريان. إذ أكد القرار على وجوب تدريس اللغة السريانية على جميع المستويات وعلى نشرها بواسطة الاذاعة والتلفزيون, وأعطى المجال لتأسيس أكاديمية أو مجمع للغة السريانية. وما المهرجان سوى اشراقة خير لذلك.

لقد كانت غاية المشرع زيادة التحام الأخوة والوحدة الوطنية العراقية بروح ديموقراطية, غير أن الاعتراف بالقيم التراثية للحضارة السريانية القديمة لقي أصداء تتعدى حدود الجمهورية العراقية الى سائر بلدان الشرق الأوسط حيث لا يزال التكلم باللغة السريانية قائما أو أنها مستعملة كلغة طقسية بصيغتها الفصحى (مقال <<مساهمةجمهرة الكتاب المسيحيين الشرقيين في تاريخ الأدب السرياني).

وتحدث البروفيسور جيرار تروبو الأستاذ بالمعهد الوطني للغات الشرقية بباريس فقال: <<لقد اجتمعنا لنحتفل بالتذكار المئوي الحادي عشر لوفاة الطبيب العراقي المشهور حنين بن اسحق الذي يعد من أكبر العقول ومن أنبل الطباع التي يعثر عليها في التاريخ. فيجب علينا أن نتساءل عن الأسباب التي دفعتنا, نحن في القرن العشرين إلى الاحتفاء بذكرى علامة عاش في القرن التاسع الميلادي>>.

ثم يجيب بأنه <<رغبتنا في أن نمجد هذا الطبيب العبقري الذي لعب بنشاطه العلمي الواسع دورا  رئيسيا  في حركة التبادلات الثقافية التي حدثت في بغداد في القرن التاسع وهيأت ازدهار الحضارة العربية في القرن التالي>>.

إلى جانب هذا فإن لحنين حالية مدهشة (أي حضور معاصر)  تظهر في عدة ميادين عصرية هي:

1-  ميدان التقاء الثقافات المختلفة حيث نرى حنين كمثال في هذا المجال إذ التقت في شخصه ثلاث ثقافات هي : العربية والسريانية واليونانية. 

 وقد اختلطت تلك الثقافات الثلاث في شخصية حنين وانتج هذا الاختلاط ثقافة جديدة شديدة الثراء لها صيغة متميزة.

2- ميدان تعدد المعارف فالمعرفة اليوم غير منقسمة والمحاولات تجري لإزالة الحدود المصطنعة بين العلوم المتفرقة. أما حنين فله فضل السبق في هذا المجال, إذ انه اهتم بجميع فنون المعرفة البشرية في زمانه.

فاهتم بجميع فروع الطب وخصوصا طب العيون وعلم الأغذية وعلم الأدوية, وكذلك بالطبيعيات والرياضيات, إلى جانب التنجيم وتعبير الرؤيا, والفلسفة والتاريخ والنحو واللغة.

3-  ميدان نقل الثقافات الاجنبية  وفي هذا لعب دورا  هاما  جدا   بترجماته من اليونانية إلى السريانية أو إلى العربية وكما قال ابن خلكان <<ولولا ذلك التعريب لما انتفع أحد بهذه الكتب  لعدم المعرفة بلسان اليونان>>.

و نتيجة لجهود حنين تم انتقال جزء كبير من العلم اليوناني القديم, أولا إلى الشرق الإسلامي في القرن التاسع ثم الغرب اللاتيني  المسيحي في القرن الثاني عشر عن ترجمة كتبه إلى اللاتينية. 

وفي الختام يعرض بروفيسور جيرار على المجتمعين صورة صفحة من مخطوطة لاتينية محفوظة في المكتبة الوطنية في باريس, تتضمن صورة أربعة أطباء من العصور القديمة كما كان يتخيلهم رسام غربي في العصور المتوسطة فتقع صورة حنين في الزاوية العليا اليمني ونقرأ الكلمات الأولى من كتابه المسمى بالمسائل في الطب التي تخرج من فمه مترجمة إلى اللاتينية.   

4- وأخيرا تظهر حالية حنين في ميدان رابع وهو الحوار الاسلامي المسيحي الذي ينبذ المجادلات غير المثمرة ويقوم على احترام عقائد الآخرين ويحاول أن يفهمها, حيث مارس الحوار مع صديق مسلم في موضوع حقيقة الديانة. كان علي بن يحيى قد وجه الى حنين رسالة يبرهن له فيها على حقيقة ديانته ويدعوه إلى الإسلام. وفي جوابه على تلك الرسالة نجد حنين لا يرد على الإسلام ولا يدافع عن المسيحية, بل يبين الأسباب التي منها يقبل الحق والأسباب التي منها يقبل الباطل واكتفى  بالتصريح بأنه قبل ديانته من الأسباب التي منها يقبل الحق دون أن يحاول أن يقنع صديقه بحقيقة ديانته.

بالإضافة إلى هذه الميادين الأربعة فإن معاصرة حنين تظهر في جانبها الإنساني وبالتحديد في ترجمته الذاتية التي تعد من  أولى التراجم الذاتية في تاريخ الأدب العربي, وذلك في الرسالة التي صور فيها <<المحنة>> التي حلت به بفعل مكائد حساده من الاطباء المسيحيين المنافسين له, وهي بنفس العنوان,..

1- انتقال العلوم اليونانية إلى بلاد المشرق

 إن معجزة اليونان العظيمة في الفنون والعلوم والثقافة على مدى قرنين قبل العصر المسيحي كانت قد  أوشكت على الاندثار لولا عملية نقلها خلال العصور الوسطى. وكما يقول جورج سارتون في كتابه <<تاريخ العلوم>> إن انتقال العلوم لا يقل أهمية عن اكتشافها, فلو قدر لكل العلوم القديمة أن تختفي أو تضيع أثناء عملية النقل لأنتهى أمرها فكأنها لم تكن>>.

 وقد انتقلت العلوم اليونانية من مراكزها الأصلية في الإسكندرية وأثينا إلى الشرق,  فكانت الأماكن التي ازدهرت فيها هذه العلوم هي الأماكن التي تتكلم السريانية والفارسية مثل الرها   Edesse  ونصيبين  Nisibin  والمدائن وجنديسابور في خوزستان بالنسبة للنساطرة, ثم انطاكية وآمد بالنسبة إلى  اليعاقبة. وإلى جانب ذلك كانت هناك مدارس في الأديرة اسمها بالسريانية <<اسكول>> المأخوذة من اللفظ اليوناني.    scholae وقد ألقت بحوث العلامة السمعاني ضوءا قويا على نظم هذه المدارس وطرق التدريس فيها.

وقد صنع العرب من هذا اللفظ كلمة <<اسكول>> وهي تدل على مدرسة مسيحية أو مدرسة ملحقة بدير وبطبيعة الحال كان يد رس فيها  اللاهوت والعلوم الدينية. بجانب بعض العلوم الدنيوية مثل النحو والبيان والفلسفة والطب والموسيقى والرياضيات والفلك وقد اقتصر التعليم الفلسفي فيها على بعض أجزاء المنطق الأرسطي والتعليم الطبي على مؤلفات إبقراط وجالينوس. وأهم هذه المدارس كان مدرسة دير القديس أفثينوس في قنسرين بسوريا. وكان علماء هذا العصر غالبا  من رجال الدين مثل الطبيبين الإسكندريين: سرجيوس واهرن (جورج قنواتي-المسيحية والحضارة العربية ص101-105).

و عن قيام المدارس العلمية في الشرق يقول الدكتور فهيم أبادير في كتابه <<تاريخ الطب عند العرب>>  ص 25,  في عام 325م, تأسست  في مدينة إنطاكية بشمال سوريا مدرسة على غرار مدرسة الإسكندرية, وكانت الصلات الثقافية في العصر اليوناني بين مصر وسوريا قوية, ولما كانت مؤلفات الإغريق في ذلك الوقت هي المرجع الوحيد لجأ أساتذة مدرسة إنطاكية إلى ترجمتها إلى لغتهم وهي السوريانية.

و في عام 428 م عين أحد خريجي قسم اللاهوت بمدرسة أنطاكيا بطريكا على القسطنطينية ويدعى  <<نسطور>> ثم حدث جدل وخلاف على تفسير بعض العقائد الدينية كان نتيجته فصل نسطور عن الكنيسة المسيحية وتم ذلك عن طريق مجلس ديني في مدينة أفسس عام 431م ثم اعترض عدد كبير من السوريين على هذا القرار وتضامنوا مع نسطور وانشقوا عن الكنيسة المسيحية الأم وأصبحت هذه الجماعة المنفصلة تسمى بالنسطوريين نسبة إلى رائدها المفصول البطريرك  نسطور. ثم رحلت هذه الجماعة إلى مدينة <<نصيبين>> في سوريا وإلى  <<الرها>> وهي مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام وباشروا نشاطهم العلمي في تدريس الطب حتى أصبحت مدرسة <<الرها>> من أشهر المدارس الطبية.

وفي أواخر القرن الخامس للميلاد. ولما تزايد اضطهاد المسيحيين الأرثوذكس لهم, هاجروا إلى العجم حيث استقبلتهم الأسرة الساسانية بكل ترحاب وأسسوا في النصف الثاني من القرن الخامس في مدينة جنديسابور مدينة طبية يتبعها مستشفى للعلاج وجنديسابور أو جند شهبور هذه مدينة تقع في الجهه الجنوبية الغربية من إيران بناها سابور  أحد ملوك العجم وسميت باسمه.   

و كانت هذه المدرسة مركزا هاما  لترجمة علوم اليونان الطبية إلى اللغة السوريانية ومن أوائل الذين قاموا بترجمة المؤلفات اليونانية <<سرجيوس الرأس عيني>> توفي 536م, ترجم قسما  من مؤلفات جالينوس وهي موجودة بالمتحف الإيطالي الآن ونقح حنين بن اسحق العبادي هو وزملاؤه في <<دار الحكمة>> ببغداد ترجمة سرجيوس الأصلية بعد مرور قرنين من الزمان.

و نلاحظ أن معظم الأطباء في العصر الأموي والعباسي كانوا من النصارى الذين يجيدون السوريانية ونسبة منهم كانوا ممن درسوا بمدرسة جنديسابور أو في  <<الرها>>  و<<نصيبين>> وكان هذا مثار حسد وغيرة من الآخرين. وهذا ما يوضحه الجاحظ في حديثه الساخر عن الطبيب البغداي <<أسد بن الجاني>>.

كان أسد بن جاني طبيبا  فأكسد مرة, فقال  قائل السنة أوبئة, والأمراض فاشية, وأنت عالم ولك بصر وخدمة ولك بيان ومعرفة, فمن أين تؤتي في هذا الكساد قال: أما واحدة فإني عندهم مسلم, وقد اعتقد القوم قبل أن أتطيب, لا.... بل قبل أن أخلق أن المسلمين لا يفلحون في الطب واسمي ثانية أسد, وكان ينبغي أن يكون  <<صليبا>> و<<مرابل>> و<<يوحنا>>  و<<ييرا>> وكنيتي أبو الحارث وكان ينبغى أن يكون ردائي حريرا  أسود وأخيرا  لفظي لفظ عربي وكان ينبغي أن تكون لغتي لغة أهل جنديسابور (البخلاء- القاهرة.131 هجرية ص 109), وعلى سخرية الجاحظ يرد بروفسور شتروهماير بأن مايقوله الجاحظ  ليس الحقيقة بكاملها, حيث أن اللغة السريانية كانت لاتزال هي لغة الطب المفضلة, فكان حنين يترجم لزملائه السريان باللغة السريانية, وحين كان يراجع ترجمة لابنه أو لتلميذه عيسى بن يحيى, كان يقدم ترجمة سوريانية وليست عربية... لقد استجاب حنين في أخريات حياته لرغبة العرب, وبعد اهتمامهم بعلوم الطبيعة والطب, قام بترجمة الكتب الى العربية, أما عند توفر التراجم السريانية فكان يقوم بترجمتها الى العربية تلميذه حبيش بن الحسن وعيسى بن يحيى لأنهما لايعرفان الإغريقية. (مقال: حنين بن اسحق الفقيه اللغوي)

لقد كانت  جنديسابور هي مركز الطب السرياني. يقول الدكتور عبد الحليم منتصر :

<<رحل السريان إلى جنديسابور هربا  من اضطهاد أباطرة بيزنطة وأساقفتها للمذهب النسطوري الذي اعتنقوه. وكانت الإمبراطورية الرومانية الشرقية في شغل بالخلافات الدينية ومحاربة الهرطقة وقد شغلوا بهذا كله عن العلوم والفلسفة وبقيت الكتب العلمية في مكتبات بيزنطة بعيدة عن متناول الباحثين خوفا  عليها من الزيغ. واحتفظ السريان بكتبهم المترجمة وحملوها إلى منفاهم ولا نزاع في أن الطب السورياني في  جنديسابور كان أرقى كثيرا  من طب البلاد المجاورة بما في ذلك بيزنطة وانطاكيا والإسكندرية. (ميخائيل جميعان: المؤثرات الثقافية الشرقية ص 302).

وهذا ما جعل المنصور العباسي (159 هـ - 775 م) يستعيين بأطباء هذه المدرسة لعلاجه. فعندما أصيب المنصور بمرض أفقده شهيته للطعام وفشل أطباء بغداد في علاجه استقدم جرجيس بن بختيشوع  رئيس أطباء  جنديسابور (عام 148 هـ - 775م)  وقد نجح هذا الطبيب النسطوري في مداوته وتحقق الشفاء فنال بختيشوع حظوة لدى الخليفة وأصبح طبيبه الخاص وتوارث  أبناؤه وتلاميذه  هذه المكانة عند خلفاء الدولة العباسية على مدى ثلاثة قرون كانوا هم خلالها أطباء البلاط وعلماء الطب. 

و هكذا انتقل مركز الطب والعلوم والترجمة إلى بغداد وأخذت حركة الترجمة تزدهر حتى بلغت أوج عظمتها في عصر المأمون. <<إذ صار بيت الحكمة>>  أهم وأعظم معهد علمي وثقافي بعد أن خفتت أضواء مدرسة الإسكندرية التي أنشأها بطليموس سوتر في المتحف قبل الميلاد بثلاثة قرون.

و كان <<بيت الحكمة>> هو حجر الأساس لمدرسة بغداد التي ظل تأثيرها حتى النصف الثاني من القرن الخامس عشر, ويرجع الفضل إلى  هذه المدرسة الزاهرة في الحفاظ على استمرارية الحضارة وإصلاح سلسة المعارف الإنسانية التي حطمها بقسوة في القرن السادس الميلادي اضمحلال روما وسقوطها. ولو اقتصرت حضارة الإسلام على مجرد إنقاذ   العلوم  القديمة والحفاظ عليها بعناية ثم نقلها للأجيال التالية, لكانت هذه خدمة تجل عن الوصف, ولكن لم يكن الأمر كذلك, فإن علماء وفلاسفة مدرسة بغداد ورثوا  روح وتعاليم مدرسة الإسكندرية, فأضافوا وأثروا الحضارة القديمة بإضافات مبتكرة في كل فروع العلم, باكتشافات لا حصر لها في الفنون التطبيقية وفوق كل ذلك باكتشاف طرق جديدة للبحث والإكتشاف (ميخائيل جميعان. المؤثرات الثقافية الشرقية على الحضارة الغربية من خلال الحروب الصليبية, عم ان. الأردن. المطبعة الإقتصادية 1983م, ص5).

حنين بن إسحق

هو أبوزيد حنين بن اسحق العبادي والعباد (بكسر العين وفتح الباء الخفيفة) من بطون القبائل العربية التي تنصرت في القرون الأولى  للمسيحية, واستوطن قسم منها الحيرة وكانت تنتمي إلى كنيسة الشرق المسماة بالنسطورية, ثم سميت الأشورية والكلدانية.

ولد حنين في الحيرة سنة 194 هـ / 809 م, وهي مدينة قديمة شهيرة وعاصمة اللخميين في جنوب العراق, فقد سكنوها منذ القرن الثالث الميلادي, وكلفهم الفرس الساسانيون بحراسة الحدود ضد هجمات الروم على بلاد ما بين النهرين السفلى, وهي من أشهر المدن العربية في القرون الثلاثة الأولى قبل   الإسلام, وكان العباد يشكلون ثلث السكان فيها, وكانت تسمى حيرة النعمان أو حيرة المنذر واشتهرت بقصري الخورنق والسدير وانتشرت الأديار في أطرافها ومنها دير هند). يوسف حبي: حنين بن اسحق). 

و يتفق الأب يوسف حبي مع القفطي  على أن والد حنين كان صيدلانيا  وكانت الصيدلة حين ذاك تعني صناعة العقاقير من الحشائش والنباتات وبيعها بطريقة تستوجب الحنكة والدراية بأمور الطب وفيها شيء من المتاجرة بالنقد واستبداله.

ويقول الأب يوسف حبي إنه من الصعب  تحديد  تسلسل لأحداث حياة حنين ودراستها وضبط أمكنتها لذا فإن بعض ما يذكره هو من باب الترجيح والاستنتاج ليس إلا.. وهوى يحاول  ملء بعض  الفجوات الموجودة في  كتابات ابن النديم والقفطي وابن أبي أصيبعة.

نشأ حنين  في الحيرة (وليس في بغداد أو الشام  كما جاء عند البيهقي) و تأثر حنين بصناعة أبيه فمال إلى دراسة الطب وتعلم مبادئ العلوم في الحيرة مسقط رأسه وتمكن من السريانية لغة كنيسته حتى أنه لبس الزنار وصار شماسا. ثم درس الفارسية وصناعة  الطب  في أكاديمية جند يسابور المشهورة  في خوزستان ببلاد فارس. وكانت معهدا  أنشأه سابور الثاني أحد ملوك بني ساسان في أوائل القرن الرابع الميلادي وقد اشتهرت جنديسابور بيمارستانها  ونبغ فيها آل بختيشوع.

و في  بغداد لزم حنين بن اسحق الطبيب الشهير يوحنا بن ماسوية الجند يسابوري الأصل والمتوفي سنة 243/ 857 إذ ينقل ابن أبي أصيبعة عن يوسف بن ابراهيم  قوله <<أول ما حصل لحنين بن اسحق من الاجتهاد والعناية في صناعة الطب هو أن مجلس يوحنا بن ماسويه كان أعم مجلس في التصدي  لتعليم الطب وكان يجتمع فيه أصناف أهل الأدب>>

وكان حنين ظمانا  إلى المعرفة, مولعا  بالطب, فلم يكتف بمجلس واحد, بل كان مواظبا  أيضا  على بيت الحكمة البغدادي. وبيت الحكمة البغدادي كان يومذاك أكاديمية عظيمة, بل جامعة راقية, من أعظم بيوت الحكمة وأشهر معاهد العلم, تشكلت  نواته  كخزانة للكتب في عهد أبي جعفر المنصور, وتوسع في عهد الخليفة هارون الرشيد, حتى بلغ ذروة ازدهاره في خلافة المأمون حين تم تنظيمه على غرار المدارس البيزنطية والسريانية والفارسية وجمع أقطاب النقلة ومشاهير العلماء وكان العمل فيه جماعيا والمال متوافرا  بفضل سخاء الخلفاء والوزراء والأعيان وتشجيعهم للحركة الفكرية.

ثم يضيف يوسف حبي بأن حنين تخلص من ركاكة لغته   المشوبه  بألفاظ سريانية, بأن درس لغة الضاد في البصرة حتى برع فيها براعة يشهد بها المؤرخون, معتمدا  في دراستها كتاب <<العين>> للخليل بن أحمد الفراهيدي. وله الفضل في إدخال كتاب العين إلى بغداد.

وهنا يبدأ الخلاف حول هذه الأمور في غيبة الوثائق التي كان يمكن أن تحسم هذا الأمر خصوصا وأن حنين تعرضت حياته  لمحن ونكبات شديدة ادت الى تدمير مكتبته وكل أوراقه الخاصة في عهد الخليفة المتوكل.

فنحن لا نعرف من أساتذته سوى يوحنا بن ماسويه وجبريل بن بختيشوع في الطب وقد تفوق عليهما بعد عدة سنوات مما أوغر صدرهما فدبرا له المكائد التي كانت سببا في نكبته. أما مسألة تحصيله للغة العربية واليونانية فلا نعرف بشكل مؤكد أين ومتى  حدث هذا...

يقال مثلا إنه نشأ في الحيرة ودرس فيها السريانية, ولبس الزنار (أي أصبح شماسا في الكنيسة) ثم ذهب إلى جند يسابور وتعلم الفارسية كما يؤكد الأب سمير خليل  (حنين بن اسحق في الأعمال والآجال- دار الشرق). لكننا لا نعرف على وجه الدقة أين تعلم العربية ومن كان  معلمه نتيجة للتضارب في أقوال المؤرخين, فالقفطي يقول إنه <<دخل البصرة ولزم الخليل بن احمد حتى برع في اللسان العربي>> أما ابن جلجل  فيقول <<وكان الخليل بن أحمد النحوي رحمه الله, بأرض فارس فلزمه حنين حتى برع في لسان العرب>>,. في حين ينقل ابن أبي اصيبعة حديث الشيخ شهاب الدين عبد الحق الصقلي النحوي <<أن حنين بن اسحق كان يشتغل في العربية مع سيبويه وغيره ممن كانوا يشتغلون على الخليل بن أحمد الفراهيدي>>.غير أنه يستحيل أن يكون حنين  قد درس على الخليل بن أحمد المتوفي بين 170, 175 هجرية أي قبل أن يولد حنين   بحوالي عشرين عاما.

و كذلك الحال بالنسبة للغة اليونانية فلا يجزم أحد أين تعلمها ومتى ولا نجد سوى بعض الاستنتاجات التي تقول إنه غاب خمس سنوات قضاها في بلاد الروم حيث تمكن من اللغة اليونانية والثقافية الهلينستية (يوسف حبي) في حين يتفق القفطي وابن أبي اصيبعة في أنه دخل بلاد الروم للحصول على الكتب ولا يوجد تحديد لتاريخ دخوله أو خروجه. 

لم يستكمل حنين دراسته في بغداد لأنه أغضب أستاذه يوحنا بن ماسويه والسبب يرويه القفطي وابن أبي أصيبعة وابن العبري ومفاده أن حنين كان <<صاحب سؤال>> وكان يصعب على يوحنا إجابة كل أسئلته. وفي يوم من الأيام أحرجه بسؤال حول كتاب <<فرق الطب>> فنهره يوحنا بغطرسة <<ما لأهل الحيرة وتعلم بالطب <<عليك ببيع القلوس على الطريق>>. ويضيف  ابن أبي أصيبعة أن حنينا  كان من أبناء الصيارفة من أهل الحيرة وكان هذا أيضا  يباعد بينه وبين يوحنا الجند يسابوري لأن <<أهل جند يسابور ومتطببوها يختلفون عن أهل الحيرة ويكرهون أن يدخل في صناعتهم أبناء التجار>> فأمره أن يخرج من  داره, فترك حنين المجلس وخرج باكيا. وصمم على التحدي حتى يتفوق على الجميع, وأقسم أن يكون بريئا من دين النصرانية, ان هو رضي أن يتعلم الطب حتى يحكم اللسان اليونانى إحكاما لا يكون في دهره من يحكمه احكامه(ابن أبي أصيبعة ص.13.)

 ولكن إلى أين ذهب طيلة هذه الفترة التي تغيب فيها عن بغداد? يقول نفر من العلماء بأنه ذهب إلى القسطنطينية. أما شتروهماير فيلاحظ, أن حنين غاب عن بغداد لمدة خمسة أو ستة أعوام وعاد قبيل وفاة المأمون عام 833 بفترة وجيزة, وهذا يعني بأنه قد غادر بغداد حوالي عام 827. ووفقا لرأي ابن أبي اصيبعة فإن حنين قد ولد عام 194هـ /809م أو810م. وفي رسالته  عن ترجمات جالينوس يخبرنا بنفسه بأنه قدم أول ترجمة في عمر 17 عاما, وهذا يوافق عام 827 م الذي  قام فيه برحلته الطويلة أو قبيل ذلك ببعض  الوقت كما يذكر أنه زار الاسكندرية وسوريا.

أما الشاب الإغريقي الذي التقى به حنين خلال زيارته لبغداد خلسة, فقد كان قد تعلم على خالته الأدب الإغريقي أثناء إقامته في بغداد وهكذا لم يكن صعبا على شاب عربي اكتساب ثقة هؤلاء الناس والتعلم منهم.

ومع ذلك, فلا يمكن استبعاد احتمال سفره إلى القسطنطينية لإكمال دراسته الإغريقية. ففي القرن الحادي عشر الميلادي يذكر العالم البيزنطي ميخائيل بسيلوس مفتخرا بأن أحد تلاميذه كان قد جاءه من بغداد. ومن المحتمل أن يكون هذا قبل مائتي عام. وفي الوقت الذي غادر فيه حنين بغداد كان هناك عالمان ألمعيان يغريان التلاميذ بشد الرحال إلى القسطنطينية, هما يوحنا النحوي وابن أخيه ليون الفيلسوف الذي حاول المأمون إغراءه بالانخراط بين علماء قصره. وفي ذات الوقت كانت هناك حركة واسعة للبحث عن المخطوطات وجمعها في القسطنطينية إذ لا يوجد أي مركز آخر في عموم الإمبراطورية البيزنطية للدراسات العلمية.  

هناك مصادفات أخرى ليست عارضة. تلك هي أن يوحنا وليون كانا آخر شخصيتين قياديتين من شيعة تحريم الأيقونات قبل الانتصار النهائي لعبادة الصور عام 843م. وقد كان حنين من حملة الرأي القائل بأن صور المسيح ومريم ليست مقدسة إنما هي مجرد صور غير جديرة بالتكريم وقد يكون هذا الموقف هو الذي أدى إلى محنته المعروفة أيام المتوكل.    

هذه وجهة نظر بروفسور شتروهماير وهي مجرد استنتاج مبني على  بعض القرائن الموجودة في بعض الكتب التي قرأها هذا أو ذاك لأن كل واحد من الباحثين كان مهتما بجانب معين وكان تركيزه على الكتب التي تتناول موضوعه, فليس فيهم من قرأ كل كتبه ومخطوطاته من أجل تحديد مراحل حياته تاريخيا بصورة وافية.

واعتقد أنه يمكن استكمال هذه السيرة بدقة أكثر اذا أمكننا  الاطلاع على جميع الكتابات الباقية لحنين بن اسحق, وهذا ما أسعى إليه من الآن بعد أن حصلت على عدد كبير من مؤلفاته وعرفت أماكن بعض المخطوطات الأخرى ذلك أن حنين اعتاد أن يتكلم في داخل مؤلفاته أو ترجماته عن بعض المصادفات التي تواجهه وعن بعض الاشخاص وأحيانا يذكر التواريخ وأعتقد أن متابعة هذه الاشارات بدقة وبانتظام يمكن أن يوصلنا الى شواهد أكثر اقناعا فيما يخص حقائق حياته الشخصية. وهي مسألة ضرورية لفهم أسرار هذه العبقرية بل وفهم روح العصر كله الذي ازدهرت فيه هذه الحضارة العربية الزاخرة.     

 ويشهد المؤرخون ببراعة حنين  في اللغة اليونانية  فيقول إبن جلجل إن حنين غدا<<بارعا  بلسان العرب, فصيحا  جدا  باللسان اليوناني, بارعا  في اللسانين بلاغة بلغ بها تمييز علل  اللسانين>>. إذ كان يعرف لغة اليونانيين معرفة تامة (8) حتى أنه وضع كتابا  في أحكام الإعراب على مذهب اليونانيين  ويؤكد  البيهقي أنه <<لم يوجد في هذه الأزمنة بعد الإسكندر (الأفروديس) أعلم منه (أي من حنين) باللغة العربية واليونانية>>.

عاد حنين إلى بغداد حوالي 211 هـ / 826م  وقد اكتسب  ثقافة رفيعة يستطيع أن يناقش بها أعظم المتعلمين في العاصمة العباسية فهو يمتلك زمام أربع لغات: العربية والسريانية واليونانية والفارسية: وهو ضليع بصناعة الطب مع الإلمام بالعلوم الأخرى الشائعة يومذاك, وهو متمكن من أسلوب نقدي صحيح في الترجمة وخبير بخفايا الثقافة الهللينستية, وقد كانت هي المشعل   المنير  لدروب المعرفة بشتى فروعها.

فلا عجب أن أخذ نجم حنين يتلألأ في الأوساط الثقافية ببغداد رغم صغر سنه إذ يروي القفطي على لسان يوسف بن ابراهيم  أنه كان يوما  عند اسحق بن الحسيني فرأى شخصا   قد جلله الشعر حتى ستر بعض وجهه يتمشى وهو ينشد شعرا من أشعار هوميروس, فسأله عنه وعرف أنه حنين غير أن حنين طلب منه ان يستر أمره, ثم مرت ثلاث سنوات على هذه الحادثة المذكورة, فكان يوسف عند جبرائيل بن بختيشوع الطبيب المتوفى (214هـ/ 829م) فوجد أن حنين قد ترجم أقساما  من كتاب التشريح لجالينوس وجبرائيل يمتدحه على ذلك ويبجله. فطلب حنين من يوسف أن يضع بين يدي يوحنا بن ماسويه معلمه السابق ترجمة له هي الفصول المسماه بالجوامع (الفاعلات) دون أن يخبره لمن الترجمة. ووفى يوسف بالوعد, فلما تصفح يوحنا الكتاب تعجب كثيرا  من دقة الترجمة, وفصاحتها و سأل هل أوحى المسيح لأحد من أبناء دهرنا فأجابه يوسف بانها لحنين بن اسحق, فسأله أن يصلح ما بينهما فتم ذلك(12)

ونظرا  للمنزلة التي يتمتع بها جبرائيل بن بختيشوع لدى الخليفة, فقد نال حنين الحظوة لديه لملازمته لجبرائيل  ولم تؤثر وفاة جبرائيل على شهرة حنين التي أخذت ترتفع سريعا  بفضل ثقافته وإنتاجه العلمى الرائع واحتضنه يوحنا بن ماسويه فنقل له حنين كتبا  عديدة لجالينوس وغيره من الحكماء.

و قد قيل, إن <<يوحنا بن ماسويه>> كان  ممن نفذ إلى بلاد الروم وأحضر <<المأمون>> أيضا  <<حنين بن اسحق>> وكان فتى السن, وأمره بنقل ما يقدر عليه  من كتب الحكماء اليونانيين إلى العربية, وإصلاح ما ينقله غيره, فامتثل أمره. ومما حكى عنه: أن <<المأمون>>كان يعطيه من الذهب زنة ما ينقله من الكتب إلى العربي مثلا بمثل.

حياته العائلية

فإذا انتقلنا إلى حياته الخاصة فإننا لا نجد ذكرا لزوجته في حين يؤكد القفطي وابن أبي اصيبعة أن لــه ولدان <<داود>> و<<اسحق>> واشتهر الأخير وتميز في الطب وفي الترجمة حيث اهتم بنقل كتب الفلسفة والحكم. أما داود فلم يشتهر كطبيب وليس له سوى كناش واحد.

المترجم والفقيه اللغوي

إن من أعظم سمات الحياة الفكرية للعصر العباسي هي الاحتفاء بالفلسفة والعلم الاغريقيين. وفيما كان التأثير الفارسي  والهندي في القرن الثامن  الميلادي هو الراجح في تلك الحياة, نجد أن بيت الحكمة الذي أسسه المأمون قد لعب دورا  في هيمنة فكر أرسطو وابقراط وجالينوس وبطليموس على النفوس المستنيرة في بغداد وأرجاء العالم الاسلامي. ففى القرن التاسع الميلادي برزت ثلاث شخصيات عظيمة هي ثابت بن قرة أحد صائبة حران والكندي الفيلسوف المسلم العربي العريق وحنين بن اسحق المسيحي النسطوري.

ومن رأي الاستاذ كوركيس أنه <<لم يقم بين المترجمين في العصر العباسي, من فاق حنين بن اسحق في وفرة التصنيف, من تأليف ونقل ومراجعة وتصحيح, ولا من جاراه في حسن الأسلوب ودقة الترجمة.>> (مكتبة حنين بن اسحق).

وقد برز حنين  بن اسحق كأقوى شخصية في هذا العصر, إذ تفوق في ميداني الترجمة والتأليف وحقق أمجادا عظيمة في علوم الطب والفلسفة واللغة. <<ويؤخذ من قائمة وضعها حنين وأتمها أحد تلاميذه أنه ترجم إلى السريانية من كتاب جالينوس خمسة وتسعين كتابا وترجم إلى العربية منها تسعة وثلاثين. هذا إلى جانب انه راجع ترجمة تلاميذه فأصلح ستة كتب مما نقل إلى السريانية ونحوا من سبعين كتابا إلى العربية كما راجع وأصلح معظم الخمسين كتابا التي كان قد ترجمها إلى السريانية سرجيس الرأسعيني وأيوب الرهاوي وغيرهما من الأطباء المتقدمين>>.

و في رأي الأب جورج قنواتي أن, <<حنين بن اسحق كان حريصا  على تأدية المعنى بدقة, فاهما تماما  لمقتضيات النشر العلمي ووجوب الرجوع إلى أحسن المخطوطات. وبجانب ترجمته لكتب جالينوس, نقل حنين عددا  من كتب ابقراط>>. 

لم ينحصر جهد حنين في ميدان الترجمة بل تعداه إلى ميادين أخرى. فكان طبيبا  ماهرا  متقدما  عند الخلفاء تميز في معالجة أمراض العين, وألف في هذا التخصص أهم كتبه الطبية. وقد شملت مؤلفاته الطب والفلسفة واللغة. وقد أورد ابن أبي اصيبعة أنه اكمل قائمة لمؤلفاته وهي تضم مائة وأحد عشر كتابا سوف نقدمها فيما بعد.

لكن عنايته الفائقة بطب جالينوس وبكتبه كان مثار اهتمام كبير, إذ أصبح جالينوس, بفضل هذه العناية أشهر الأطباء الإغريق في تراث العربية. لقد انغمس بشدة في دراسة طب جالينوس وفي ترجمته حتى ألف أسلوبه وأصبح إذا قرأ نصا استطاع أن يحكم هل هو من وضع جالينوس أو مدسوس عليه.  (ابراهيم مدكور)

و في هذا يقول بن جلجل <<وحنين بن اسحق هو الذي أوضح معاني كتب ابقراط وجالينوس, ولخصها أحسن تلخيص, وكشف ما استطاع منها, وأوضح مشاكلها (طبقات الأطباء والحكماء ص 69). أما ابن أبي اصيبعة فيعبر عن رأيه في ترجمات حنين لمصنفات جالينوس بعد أن قارن بينها وبين ترجمات الآخرين لنفس المصنفات <<فلما طالعتها وتأملت ألفاظها تبين لي بين نقلها ونقل الست عشرة التي هي نقل حنين تباين كثير وتفاوت بين..... <<فأين الألكن   من البليغ وأين الثرى من الثريا>> (عيون الأنباء ج- 2, ص 149). 

التزم حنين الأمانة في نقله لكتب الثقافة اليونانية كما كان  أمينا في ممارسته للطب والتمسك بأخلاقيات الطبيب. فحرص على الدقة في ترجمة النص اليوناني, وحرص على وضوح المعنى بدرجة لم يصل إليها أحد من أقرانه فكان يحقق ويدقق في قراءة  النص وفي قراءة  الترجمة ثم يصحح ويراجع ولا يأنف أن يعيد ترجماته القديمة إذ وجد فيها نقصا. ورغم انتسابه للثقافة السريانية فقد عشق العربية وأتقنها وكتب بها شعرا.     

وقد تناول بروفسور شتروهماير ترجمات حنين بالفحص والدراسة ورأى أن المؤرخين حينما اهتموا  بحنين باعتباره طبيبا ومترجما, لم يهتموا به كلغوي بارع في فقه اللغة حتى عام 1925 عندما  نشر كوتهليف بيركسترابر سر <<رسالة حنين بن اسحق إلى علي بن يحيى في ذكر ما ترجم من كتب جالينوس بعلمه وما لم يترجم>>. ومنها  تتضح لنا القواعد التي كان يسير بمقتضاها, فهو لم يكن يسلم ترجمة سريانية أو عربية لنص ما لم يتمكن من جمع عدة نسخ لذلك النص, فيقرأها ليس قراءة عامة إنما يقرأها كلمة كلمة ويطابقها  وهذا العمل كان يضطره للقيام برحلات عديدة بحثا  عن تلك المخطوطات لمقارنتها, فوصل لحلب وفلسطين ثم الإسكندرية.  والغرض من ذلك ليس قراءتها وإنما لغرض اقتنائها ومطابقتها مع نصوص المخطوطات الأخرى لديه.

وفي شبابه لم يكن قادرا  على ذلك, لأنه كان يترجم النسخة المخطوطة الوحيدة التي لديه لذا  اضطر في أواخر حياته إلى مراجعة تراجمه على ما وقع عليه من مخطوطات أخرى. ثم يورد شتروهماير ملاحظاته حول ترجمته لكتاب جالينوس (حول الفرق الطبية) الذي قرأه أمام (يوحنا بن ماسويه) في الوقت الذي بعد فيه عن مدرسته : <<إني ترجمت وانا حدث من أبناء عشرين سنة أو أكثر قليلا  لمتطبب من أهل جنديسابور يقال له (شير يشوع بن قطرب) من نسخة يونانية كثيرة الاسقاط, ثم سألني بعد ذلك وأنا من أبناء  أربعين سنة أو نحوها, حبيش تلميذي, إصلاحه بعد أن كانت قد اجتمعت له عندي عدة نسخ يونانية, فقابلت تلك النسخ بعضها ببعض حتى صحت منها نسخة واحدة ثم قابلت بتلك النسخة السريانية وصححتها, وكذلك من عادتي أن أفعل في جميع ما أترجمه>>. 

وحينما كان حنين يجد قراءات مختلفة في المخطوطات المتباينة, كان عليه أن يقرر أيها هي النسخة أقرب إلى الأصل. وهذا مثيل ما يقوم به المحقق في الوقت الحاضر, لنص قديم وذلك باخضاع النص المختلف القراءات إلى نظام نقدي أصبح الأن سهلا بعد اختراع الطباعة. وعلى كل حال فإن حنين كان يضطر إلى إضافة الشروح على تراجمه أو في حواشيها بغية إفهام القارئ اختلاف المخطوطات اليونانية والإفصاح عن الشكوك التي تساوره في أحد تلك الأجزاء من النص. ثم يمثل لذلك بكتاب جالينوس <<العلاج بالتشريح>> والذي ترجمه إلى السريانية أيوب الرهاوي وصحح حنين فيما بعد ترجمته العربية التي قام بها حبيش.

وقد ترجم حنين إلى السريانية لبختيشوع وهو في السابعة عشر من عمره كتاب جالينوس (أصناف الحميات)  ثم كتابه في (القوى الطبيعية). لكن حنينا نفسه لم يرض عن ترجمة هذين الكتابين ولا عن ترجمة كتب أخرى أنجزها في صباه فصححها جميعا  بل ترجم بعضها من جديد فيما بعد. لكن جبرائيل اغتبط بذكاء وكفاية فتاه اللغوي. وامتدحه عند الخليفة الذي عينه عميدا  (لبيت الحكمة) الذي أنشئ سنة 512ه-. واختزنت فيه جميع المخطوطات اليونانية التي جمعها المأمون من  أماكن كثيرة في امبراطوريته الشاسعة, ومن آسيا الصغرى التي كانت لا تزال ترفرف عليها راية الدولة البيزنطية ومن الأستانة,  واستخدم فيها رهطا من شباب المترجمين لنقل الكتب اليونانية إلى السريانية أولا ثم إلى العربية ثانيا. وفي اثناء ذلك توفي جبرائيل وأصبح ابنه بختيشوع (المتوفى عام 257هـ) صديق حنين ووليه الذي يحبوه برعايته. ولقي حنين فوق  ذلك  من يوحنا بن ماسويه أستاذه السابق وسلمويه بن بنان منافسه العلمى (المتوفى عام 225 هـ) خير عطف وعناية. وقد ذكر حنين نفسه كيف شارك الأخير في بعض غزوات المأمون ضد الدولة البيزنطية. ولما مات المأمون عقب ذلك بقليل عين ماسويه رئيسا  لأطباء المعتصم بالله (218-227هـ) الذي خلف المأمون وأصاب عنده مكانة. ومما لا ريب فيه أن حنينا ظفر منه بصديق قوي استظل بحمايته, وترجم له خلاصة ثلاثة عشر كتابا  من أهم كتب جالينوس  وأصاب مثل هذه الحظوة عند الواثق بالله (227 - 242هـ) الذي كان يعظم العلماء ويتعشق محادثتهم. وكان حنين خلال ذلك قد ترجم قدرا  هائلا من كتب جالينوس وغيرها من الكتب الطبية والفلسفية عن اليونانية. ولقد قام حنين برحلات طويلة جاب فيها أرجاء العراق وسوريا وفلسطين ومصر (الإسكندرية) سعيا  وراء الحصول على المخطوطات العلمية اليونانية. الا أننا لا نعرف بالضبط في أي وقت قام بهذه الرحلات.

رعاة الترجمة

 وكان الخليفة وكبار رجال البلاط يدفعون نفقات هذه الرحلات وأثمان الكتب النادرة, وغني عن البيان أن كبار رجال البلاط كانوا هم أنفسهم من جلة العلماء المبرزين في حلبة المعرفة أمثال  بني موسى ابن شاكر منجم المأمون. وكانوا ثلاثة نخص منهم بالذكر محمد  وأحمد اللذين كانا من مشاهير الرياضيين. واللذين قدما بالإضافة إلى حنين بن اسحق ثابت بن قرة الحراني الطبيب الصابئ  والفلكى العظيم إلى الخليفة. وقد قال ابن أبي أصيبعة أن بني موسى بن شاكر كانوا ينفقون خمسمائة دينار  تقريبا  في كل شهر على أعمال الترجمة. ويرى حنين نفسه أن ترجمته تحسنت كثيرا  بعد أن بلغ سن الثلاثين. ومن المحتمل أن حبيشا ابن أخت حنين اشترك في أعمال الترجمة بعد ذلك بقليل مع خاله الذي أصبح بفضل تحد يه به أحد مشاهير المترجمين. 

بداية المح--ن

و في أيام الخليفة المتوكل على الله (232 - 247هـ) بلغ حنين قمة مجده كمترجم ومتطبب. لكنه خلال نفس هذا الوقت نكب بمحن جرها سوء ظن المتوكل به وحسد زملائه النصارى له. وأول هذه المحن ما رواه ابن أبي أصيبعة من أن المتوكل لما قوى أمر حنين وانتشر ذكره بين الأطباء أمر بإحضاره. فلما حضر أقطعه اقطاعات حسنة, وكان الخليفة يسمع بعلمه ولا يأخذ بأي دواء يصفه حتى يشاور فيه غيره, وأحب امتحانه حتى يزول ما في نفسه عليه, ظنا منه أن ملك الروم ربما كان عمل شيئا من الحيلة به, فاستدعاه يوما وأمر بأن  يخلع عليه وأحضر توقيعا فيه اقطاع يشتمل على خمسين ألف درهم. فشكر حنين هذا الفعل. ثم قال الخليفة بعد أشياء جرت : <<أريد أن تصف لي دواء يقتل عدوا نريد قتله سرا>>. فقال حنين : <<يا أمير المؤمنين إنى لم أتعلم إلا الأدوية النافعة. وما علمت أن أمير المؤمنين يطلب مني غيرها. فإن  أحب أن امضي وأتعلم فعلت ذلك>>. فقال الخليفة : <<هذا شيء  يطول>>. ورغبه وهدده فلم يزد حنين عما قاله. فأمر بحبسه في بعض القلاع ووكل به من يوصل إليه خبره وقتا بوقت ويوما بيوم. فمكث سنة في حبسه دأبه النقل والتفسير والتصنيف غير مكترث بما هو فيه : فلما كان بعد سنة أمر الخليفة بإحضاره واحضار أموال يرغبه فيها. وأحضر سيفا ونطعا وسائر آلات العقوبات. فلما حضر قال له الخليفة : <<هذا شيء قد كان. ولا بد مما قلته لك. فإن أنت فعلت فزت بهذا المال وكان لك عندي أضعافه. وإن امتنعت قابلتك بشر مقابلة وقتلتك شر قتلة>>.

فقال حنين: <<قد قلت لأمير المؤمنين اني لم أحسن إلا الشيء النافع ولم أتعلم غيره>>. فقال الخليفة: <<فإنني أقتلك>>  فقال حنين : <<لي رب يأخذ بحقي غدا في الموقف الأعظم فان اختار أمير المؤمنين  أن يظلم نفسه فليفعل>>. فتبسم الخليفة وقال له : <<يا حنين طب نفسا وثق بنا فهذا الفعل كان منا لامتحانك, لأنا حذرنا من كيد الملوك واعجابنا بك. فأردنا الطمأنينة إليك والثقة بك لننتفع بعلمك>> فقبل حنين الأرض وشكر له. فقال الخليفة : <<يا حنين ما الذي منعك من الاجابة مع ما رأيته من صدق عزيمتنا في الحالتين>>. فقال حنين: <<شيئان يا أمير المؤمنين>> فقال المتوكل: <<وما هما>>. قال: <<الدين والصناعة>> فقال الخليفة وكيف?! قال حنين: <<الدين يأمرنا بفعل الخير والجميل مع أعدائنا فكيف أصحابنا وأصدقائنا, ويبعد   ويحرم من لم يكن كذلك والصناعة تمنعنا من الإضرار ببني الجنس لأنها موضوعة لنفعهم ومقصورة على مصالحهم.

ومع هذا فقد جعل الله في رقاب الأطباء عهدا  مؤكدا بإيمان مغلظة : ألا يعطوا دواء قتالا ولا ما يؤذي. فلم أر أن أخالف هذين الأمرين من الشريعتين ووطنت نفسي على القتل. فإن الله ما كان يضيع من بذل نفسه في طاعته. وكل يثيبني>>.  فقال الخليفة : <<انهما لشريعتان جليلتان>>. وأمر بالخلع فخلعت عليه. وحمل المال بين يديه. وخرج من عنده وهو أحسن الناس حالا وجاها.     

كانت هذه التجربة امتحانا قاسيا وسوف تعقبها محنة أشد فكلما ارتقى حنين في فكره وعلمه   كلما زاد حساده والحاقدين عليه. فما أسهل اللعب بعقول الحكام المستبدين.      

فبعد مضي سنوات قليلة ابتلي حنين بمحنة أخرى إذ كان بختيشوع بن جبرائيل - وفي رواية أخرى إسرائيل بن زكريا الطيفورى الطبيب النسطوري قد قلب لحنين ظهر المجن وأصبح يعاديه ويحسده على علمه وفضله, فحاك له مكيدة عرضته لغضب الخليفة فأمر بسجنه وتعذيبه وتبديد مكتبته وبيته وكل ماكان يمتلكه. وقد سجل حنين  تفاصيل هذه المحنة بقلمه ونقلها إلينا ابن أبي أصيبعة في كتابه الحافل:

<<عيون الأنباء في طبقات الأطباء>> تحقيق الدكتور عامر النجار القاهرة...2-الهيئة المصرية العامة للكتاب).


تصميم الحاسب الشامل