|
|||||
|
فدوى طوقان بين الإشارة والعبارة ولدت الشاعرة فدوى طوقان في نابلس العام 1917 لأسرة عريقة وغنية ذات نفوذ اقتصادي وسياسي, الأمر الذي فرض على الأسرة قيما وسلوكات اعتبرت فيها مشاركة المرأة في الحياة العامة أمرا غير مستحب. وانعكس هذا على الحياة الشخصية لشاعرتنا التي لم تستطع إكمال دراستها فأخرجت من المدرسة في وقت مبكر جدا , اضطرت فيه إلى الاعتماد على نفسها في تثقيف ذاتها وكسر الشرنقة التي حيكت حولها باسم التقاليد والقوانين غير المكتوبة. لم تتميز فدوى طوقان بالانقلابات الكبيرة والمناصب المهمة , بل يمكن القول إنها لم تمارس شيئا غير الشعر, هذا الشعر الذي تغذى على الفجائع والحرمان والموت والفراق والغضب المكبوت والثورة الصامتة. وقد شك لت علاقتها بشقيقها الشاعر إبراهيم علامة فارقة في حياتها, إذ استطاع هذا النبيل الساخر أن يدفع شقيقته إلى فضاء الشعر, وحررها من ظلام حياة عادية كان يمكن أن تعيشها. كان عالم فدوى طوقان ضيقا صغيرا ومحصورا , لم تخرج فيه إلى الحياة العامة, ولم تشارك فيها سوى بنشر قصائدها في الصحف المصرية والعراقية واللبنانية, وهو ما لفت الأنظار إليها بقوة, وأه لها لتدخل الحياة الأدبية الناشطة في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي ومطلع الأربعينيات. موت شقيقها إبراهيم ثم والدها ثم نكبة العام 1948 شك لت ظروفا مساعدة لخروج الشاعرة من قضبانها الحديدية, وجعلتها تشارك من بعيد في خضم الحياة السياسية في الخمسينيات, ولكن هذا النشاط السياسي لم يتعد الاهتمام العاطفي, ولم يصل إلى درجة الالتزام والانتماء الحزبي, وقد استهوتها الأفكار الليبرالية والتحررية كتعبير عن رفض استحقاقات نكبة العام 1948, وهي مسألة غاية في الأهمية إذ إن شاعرتنا الكبيرة - وبسبب من اعتمادها على نفسها في تثقيف ذاتها - غرقت في الفلسفة الوجودية بشكل خاص والمدارس الفلسفية الغربية بشكل عام. النقلة المهمة في حياة فدوى هي تلك الظروف التي دفعتها إلى أحضان لندن في بداية الستينيات من القرن الماضي, ذلك أن رحلتها التي دامت سنتين فتحت أمامها آفاقا معرفية وجمالية وإنسانية رحبة وواسعة, وجعلتها على تماس مع منجزات الحضارة الأوروبية فنا ومعمارا وأناسا وقيما أخرى. وتعترف الشاعرة بأن تلك المرحلة أثرت عليها تأثيرا عميقا على المستوى الشعري وعلى المستوى الشخصي. ويأبى القدر إلا أن يلاحق الشاعرة, فيموت شقيقها نمر أثناء وجودها في لندن. ولكن فدوى حافظت على وتيرة حياتها الهادئة في بيتها الصغير على إحدى هضاب جرزيم, تكتب الشعر وتنشره, تزرع الأزهار وتنتظر نموها. وشك لت نكسة العام 1967 أحد الدوافع المهمة لأن تكسر الشاعرة مرة أخرى إيقاع حياتها الرتيب, فتخرج من جديد للخوض في تفاصيل الحياة اليومية الصاخبة, فتشارك فيما عرف في حينه بوساطة بين وزير الحرب الإسرائيلي <<موشيه ديان>> والرئيس الراحل جمال عبد الناصر, وتشارك أيضا في الحياة العامة لأهالي مدينة نابلس تحت الاحتلال, وتبدأ عد ة مساجلات شعرية وصحافية مع المحتل وثقافته. هذا وقد أصدرت الشاعرة ثمانية دواوين شعرية هي على التوالي: <<وحدي مع الأيام>>, <<وجدتها>>, <<أعطنا حبا>>, <<أمام الباب المغلق>>, <<الليل والفرسان>>, <<على قمة الدنيا وحيدا>>, <<تموز والشيء الآخر>>, <<اللحن الأخير>>, عدا كتابي سيرتها الذاتية <<رحلة جبلية, رحلة صعبة>> و<<الرحلة الأصعب>>. وقد حصلت على جوائز دولية وعربية وفلسطينية عديدة وحازت على تكريم العديد من المحافل الثقافية في بلدان وأقطار متعددة. تعتبر فدوى طوقان من الشاعرات العربيات القلائل اللواتي وصلن الشعر القديم بحركة الحداثة والتجديد, فخرجت من الأساليب الكلاسيكية للقصيدة العربية القديمة خروجا سهلا غير مفتعل, ويمكن القول في هذا الصدد إنها جعلت من هذا الخروج أحد أهم نقاط قوتها, محافظة في ذلك على الوزن الموسيقي القديم والإيقاع الداخلي الحديث, وصاغت من ذلك قصيدة غنائية ناسبت ولاءمت نفسيتها التي تميل إلى التفجع. يتصف شعر فدوى طوقان بالمتانة اللغوية والسبك الجيد, مع ميل شديد للسردية والمباشرة. وهي في تمركزها حول أسئلتها الوجودية, فإنها تنكشف انكشافا سافرا للأفكار المجر دة, وتتكئ في ذلك على مقولات جاهزة, تجعل من بعض قصائدها وكأنها حوارات مع الأفكار, أكثر مما هي تصوير للمشاعر. جرأتها في مضامينها, جعلتها تتقد م في دروب المشهد الثقافي الشعري العربي, كما أن طر ق ها موضوع مكانة المرأة وعلاقتها بذاتها وعلاقتها بذوات الآخرين جعلها تتبوأ مكانة مرموقة بين الشاعرات العربيات, خاصة وأنها كسرت الصور التقليدية لمشاعر المرأة الشرقية, وابتعدت بها عن كونها مجرد متلق لتدفعها إلى ممارسة الفعل وأخذ المبادرة, انطلاقا من داخل مهشم ومهزوم. فالحب عند فدوى طوقان أقصى قوة للمرأة, من خلاله تمارس كل ما حرمت منه تحت كل مسم ى. الحب ليس قوة سلبية ولكن ه يصدر عن سلبية, ولهذا فهو طوق النجاة .. وعلى الرغم من التباس المفهوم في شعر الشاعرة واضطرابه ما بين حسية عالية وشفافية أخاذة, إلا أن طرقه والتركيز عليه جعل الشاعرة في مصاف الشاعرات اللواتي محضن هذا المعنى جل إبداعهن . بالإضافة إلى كل هذا, فإن شعر فدوى طوقان يتمي ز بطاقة عاطفية مذهلة, وهي لا تتأن ق في عرض هذه الطاقة التي تشدنا إليها شدا , ويمكن القول إن فدوى تجيد هذا اللون من القول, الذي تختلط فيه الشكوى بالمرارة والتفجع وغياب الآخرين. شعر فدوى طوقان شعر غنائي متمركز حول ذاته, شديد العاطفة, سردي العرض , يقدم ذاته مباشرة دون وساطة, وشاعرة كهذه لا بد لها - لتأكيد شكواها - أن تفلسفها ولو قليلا . الآن, وبعد رحيل شاعرتنا الكبيرة فدوى طوقان, أشهر شاعرة فلسطينية في القرن الماضي, وأعلى قمة إبداعية نسوية في تاريخ الفلسطينيين الحديث, وإحدى مشاهير الشاعرات العربيات, حيث ساهمت في معمار القصيدة العربية الحديثة وأصلت لها وقعدتها ودفعت بها إلى بقاع أخرى وولجت بها مناطق معتمة ووعرة, آن لنا أن نؤرخ لها وبها, وأن نحفر في إبداعها, وأن نقدمها للأجيال, ذاتا قوية صلبة, حمت نفسها من الموت والاندثار والصمت, ومبدعة شاركت في صنع الهوية وتأصيل الثقافة, وأسهمت في بلورة الموقف الوجداني لشعب تعرض وما يزال لأبشع حالات الاستهداف والتغييب. الشاعرة الكبيرة الراحلة, وعلى مدى سنوات عمرها الست والثمانين, شاهدت ورافقت وعب رت فيهن عن هذا الشعب, فيما تعرض إليه من قمع ومن مؤامرة, ومن خديعة وهزيمة وذل, وما تصاعد من مقاومة, وما تشرذم من مواقف, وما تآكل من مبادئ, وما حدث من تاريخ ومن فانتازيا, كانت شاعرتنا في كل ذلك على حد السكين, تخلط ما بين هزائمها الشخصية وهزائمها البرانية, وما بين تشوقها للحب والحياة الهانئة وبين ما تشاهد من فظاظة وقسوة عصية على الفهم. بكت كالثكالى, وغنت للمسحوقين والمهجرين والفقراء, كأنها أحدهم, وغضبت من أعمق أعماقها, إلى درجة أسمتها الصحافة الإسرائيلية ذات يوم <<أنها آكلة أكباد الجنود>> أو <<الشاعرة التي تخلق قصيدتها عشرة فدائيين>>, قمعت إلى درجة أنها شارفت على الموت, وانطلقت إلى العالم حتى سمع باسمها الجميع, أحبت حتى الثمالة, وتجرعت الخيبة حتى الثمالة أيضا , غنت للعطاء وعاشت في أضيق الحدود, عرفت الزعماء الكبار ولم تجد سعادتها إلا بصحبة الأطفال والأزهار. وعندما كشفت عن أسرارها لم تستطع أو لم تجسر على قول كل شيء. هذه هي فدوى طوقان, شاعرة محكومة بسقوف لم تستطع تجاوزها, ولم تستطع اختراقها حتى عندما كتبت سيرتها الذاتية, إذ أنها لم تفعل أكثر من إعلانها أنها حققت ذاتها شاعرة مبدعة, ولكنها صمتت عن كل ما عدا ذلك. كانت سيرتها التي عنونتها برحلة جبلية رحلة صعبة, سيرة متحفظة, غامضة, ناقصة, المحذوف منها أهم من المكتوب والمعلن فيها. ظلت فدوى حتى وهي تعترف, متحفظة, أرستقراطية, لا تستطيع البوح ولا الكلام, ظلت شاعرتنا محفوفة بشفرتين قاسيتين لا ترحمان, فهي شاعرة ذات أحاسيس قوية وعنيفة وعميقة, ولكنها في الوقت ذاته تنتمي لعالم لا تستطيع تحطيمه بالكامل, وإذا استطاعت, فإنها لا تستطيع أن تبوح بذلك. وعليه, فإنني أدعي أن فدوى طوقان, أحاطت نفسها بنوع من الغموض على المستوى الحياتي وعلى المستوى الإبداعي, أما الحياتي, فهي لم تذكر شيئا في سيرتها عن تفاصيل حياتها, وعلاقاتها, وأفكارها, وأولوياتها, ودوافعها, وعن النقاشات والجدل الذي خاضته, لم نر شيئا في سيرتها سوى صمودها وإصرارها على الحياة, دون أن نلاحظ أثر الآخرين عليها, وقد وضعت فدوى ستارا حديديا بيننا وبين أعماقها, إذ أنها لم تضئ شيئا من دواخلها ومشاعرها ونوازعها. ظلت أرستقراطية, تجيد الابتسام وتبث الهدوء, دون أن تفصح عما بداخلها. وأدعي أن ذلك انعكس على إبداعها الشعري أيضا , فقصيدتها ناعمة, رخوة, طويلة, هادئة, وتميل إلى النثرية, رغم أن أعماقها تمور بالغضب والرفض والتمرد. الأصل الأرستقراطي الذي تنتمي إليه فدوى, جعلها اقرب للتكتم والغموض والتحفظ, ودفعها إلى السكوت الكثير عن كثير. والأصل الأرستقراطي الذي دفعها لأن تتعرف على زعماء كبار أوقعها في دائرة تأثيرهم على الرغم من أنها ترفض مسالكهم وتوجهاتهم, والأصل الأرستقراطي دفعها لأن تعيش حياتين مختلفتين; حياة شاعرة لشعب مسحوق ومذل ومهان, وحياة إنسانة تستفيد مما تمنحه تلك الطبقة من مزايا وانطلاق. فدوى طوقان لم تقل كثيرا , ولم تنشغل بالقضايا الفكرية الكبرى, قدر انشغالها بعالمها الصغير الذي كبر رغما عنها, إذ أن العالم خارجها كان من الظلم والفظاظة إلى الدرجة التي اقتحم عليها عزلتها وأجبرها على التعامل معه, ولهذا, حولها من شاعرة تريد إثبات نفسها على المستوى العائلي والشخصي, إلى شاعرة مضطرة إلى إثبات هوية شعبها ووضعه على الخريطة, كان عليها هي بالذات أن تعبر عن هزيمة شعب كامل, وقمع بلد بحاله, وكان أن رأت ما تعرضت له من تهميش وإهمال يشابه تماما ما يتعرض له شعبها كله, ولكنها, ومن منطلق ما تعرضت له من تربية وقوانين وثوابت لم تر في تلك الهزيمة سوى البكاء والتفجع, وهو سلوك أقرب إلى روحها والى ما تعودت عليه منذ صغرها, والبكاء سلوك سلبي ولو كان شفقة ورحمة, والبكاء موقف فردي ولو كان من دوافع نبيلة, وقد وقفت فدوى طويلا في هذه الحالة ليدل ذلك على انعدام رؤية سياسية عميقة وشاملة لديها, على الرغم من مشاركتها الهامشية في الحياة السياسية التي شهدتها فلسطين في الخمسينيات من القرن الماضي. وهي على عكس شقيقها الراحل الكبير إبراهيم, لم تستطع أن ترى الصورة كاملة ولا المشهد شاملا , فظلت عند حدود معينة لا تتعداها. وفي الوقت الذي استطاع فيه إبراهيم أن يتجاوز حدود طبقته وأن يتعدى قوانينها وأن يعتمد على نفسه, وأن يذهب بعيدا في الحياة والإبداع, نجد أن فدوى خشيت كل ذلك, أو أبقته طي الكتمان. وربما كان لذلك أسبابه الوجيهة والمفهومة, فهي في نهاية الأمر امرأة في مجتمع محافظ لا يرضى ولا يقبل ولا يهضم التمرد عليه, وفدوى - وعلى الرغم من كل ثورتها الهادئة على وضع المرأة في المجتمع الفلسطيني - إلا أنها حافظت على كل ما لا يسيء لهذا المجتمع. انصياع شاعرتنا الكبيرة للسقوف والجدران التي حولها والتي بنتها لنفسها, أيضا , دفعتها لأن تصمت كثيرا وأن تجامل كثيرا وأن تحذف كثيرا , أيضا .. ميلها الواضح للمجاملة والمصالحة والمهادنة جعلها تميل إلى الغموض حتى في عرضها لمسائل ذات جدل كبير في الشارع الفلسطيني والعربي أيضا , وربما كان ذلك يعود إلى أن الشاعرة نفسها لم ترد لنفسها أن تشغل موقعا غير الموقع الذي ترغب به, بمعنى أنها كانت تميل إلى العزلة والوحدة والاقتصار على صديق أو صديقين, وربما أنها لم تكن مؤهلة لذلك; الجدل القاسي والصعب خاصة مثل الذي كان يدور في الشارع الفلسطيني. هل كانت تريد أن تثب ت لنفسها إطارا واحدا تضع فيه صورة واحدة في أذهان الناس?! صورة الشاعرة المتأملة, المنعزلة, المترفعة, التي لا تدخل في التفاصيل?! هل كانت تتجنب الخوض في حياتها الخاصة باعتبارها كنزا تستدفئ به في وحدتها الطويلة?!. هل كانت ذات طبيعتين تخفي إحداهما لأن ليس من حق أحد أن يطلع عليها سواها?! هل كانت مثل شقيقها الراحل الكبير إبراهيم طوقان الذي ملأ الدنيا وشغل الناس!! كائنة ما كانت الأجوبة, إلا أنه يمكن القول إن تربية فدوى وبيئتها الأولى والقوانين التي تشربتها والجرح العميق الغائر في قلبها, علمتها الكتمان والسكوت والمجاملة, وعلمتها أن لا تخيب الظن, وأن لا (ترتكب) ما من شأنه أن يشين العائلة أو الطبقة أو المستوى. وأعتقد في هذا الصدد أنه في الوقت الذي تعرضت فيه الشاعرة للقمع والاضطهاد فإنها - وفي الوقت ذاته والقوة ذاتها - عمدت إلى قمع ذاتها هي أيضا , من خلال ذلك الاستسلام الهادئ للتقلبات والظروف والشخصيات التي أحاطت بها. نخلص من هذا كله إلى أننا أمام شاعرة انتصرت على ظروفها ولكنها لم تنتصر على <<تابوهات>> تلك الظروف, شاعرة حققت إبداعا ولكنها لم تحقق مواقف, عبرت عن وجدانها ولكنها لم تعبر حدودا أو تخترق سقوفا . وهي لم تكن ولم تشبه شقيقها, حيث لم تنسلخ عن طبقتها ولم تخترقها ولم تخنها أيضا . ومن هنا, لم تتخذ مواقف واضحة أو حتى ثابتة من قضايا كبيرة ومنعطفات حادة مرت بها المنطقة. ونحن هنا لا نطالب بما لا تطيق وبما لا تريد وبما لا ترغب, ولكننا بصدد سيرة شاعرة كبيرة لم تعد سيرتها شخصية إلى حد كبير. ولهذا أيضا , فإننا إذا حاولنا رسم صورة اجتماعية ثقافية للروافد الأولى لشاعرتنا فيمكن القول إن فدوى التي تفتحت على قديم يتداعى وجديد يتناهض, وطبقة تنهار وطبقة تقوم, ودولة تذهب ودولة محتلة تستبد, ومجتمع يتهدد, وآخر ينبت بشكل مفاجئ, قد تشربت مبادئ الثقافة الواردة الحديثة الليبرالية, وهي الثقافة الأقرب لطبقتها, ما يعني أن شاعرة مثقفة ومتقدة الإحساس مثلها, لا بد لها أن تنغمس إلى أذنيها في ذلك السياق الفكري الاجتماعي, ولكن هذا لم يحو لها إلى ثائرة ومتمردة كتقليد شباب تلك المرحلة, حيث شهد ذلك الزمان تعدد الحركات والثورات والجماعات والجمعيات. إن حماسة تلك الأيام ووهجها, أيضا , لم يورطها في الالتحاق بإحدى القوى أو الجبهات, بل ظلت على الهامش, كما تحب هي أن تعيش.. شاعرة فقط.. شاعرة تستمتع بتأوهاتها وتفجعها وبكائها. هذا الاستمتاع بالألم, والاستمتاع بالانتصار الشخصي, جعلها تتورط في علاقات عاطفية لم تكن موفقة في معظمها, الأمر الذي زاد من مرارتها وخيبات أملها, ويمكن فهم هذا الشعور في قصيدتها المشهورة بعد العام (1967) عندما زارت حيفا, وقالت قصيدتها تلك, حيث لم تجد في قلبها سوى التفجع والبكاء ولم تر ملامح القوة وإشارات الصمود. إن شاعرة بهذه الخلفية النفسية والاجتماعية, وتعيش هذا الواقع الصعب والمعقد, كان عليها أن تكون بمستويين ولغتين وحياتين وسيرتين أيضا . وحتى لا نظلم شاعرتنا الكبيرة, نقول إن الشاعر لا يمكن له أن يتخطى واقعه وزمانه أيضا , فسنوات الخمسينيات والستينيات كانت سنوات الأفكار والرؤى والثورة, سنوات الشباب والهيجان وثورات الجسد وثورات الشعوب, وانقسام العالم إلى أبيض وأسود, أو إن شئت طيّب وشرير, كان <<الطيّب>> يقدم نفسه فقيرا , ولكنه إنساني, فيما يقدم الشرير نفسه على أنه غني ومتعدد, أما منطقتنا فقد وقعت تحت تأثير الطيّب والشرير على السواء, وكان على مثقفنا العربي أن ينحاز أو أن يناقش ويجادل, وأن ينفعل وان يكتب. وكانت الوجودية إحدى نتاجات الشرير المتعدد والغني, وربما كانت توفر للمثقف العربي حينذاك ما يحتاجه من حرية وانطلاق وما يحتاجه من شعور بالالتزام والمسؤولية, وبالتالي يجمع ما بين أفضل ما في الماركسية وأفضل ما تتمتع به الليبرالية الغربية, وربما - وهذا محض ادعاء - يعود ذلك إلى انتشار تأثير الوجودية في منطقتنا العربية في سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الوجودية كتيار فلسفي وجد دعما له في صورة مؤلفات عظيمة لأسماء كبيرة وهامة, فإن ذلك كله شكل بريقا لا يمكن أن يقاوم, نقول ذلك كله للوصول إلى تأثير هذا التيار على معظم نتاجات تلك العقود, ومنها شاعرتنا العظيمة, التي تجد في دواوينها الأولى أثر الفكر الفلسفي الوجودي وتلك <<الثيمات>> التي تتردد في أدبيات ذلك التيار. إن الاحتماء بـ<<الذات>> وتعظيمها وتضخيمها مع ميل ما للترفع أو الانزواء من منطلق الإحساس بالعظمة وليس الدونية أو قلة الحيلة, كان ما يميز شعر تلك المرحلة, حيث لا نجد سوى ذلك الاستمتاع بالوحدة والعزلة وتقليب الأفكار والذكريات, مع ملاحظة هامة هي الإحساس بالقوة والمنعة والتمركز حول الذات, بمعنى آخر, هناك استمتاع بالوحدة, ولكنه استمتاع القوة, هو أشبه بمصادقة الذات والاستمتاع بكون الشخص هو نفسه. أنى لشاعرتنا أن تقرأ للوجوديين?! ومن أين لها أن تتأثر بأفكارهم!! تقول شاعرتنا إن مجموعات المثقفين في نابلس والقدس - وبينهم الثوريين والأكاديميين - كانوا يتناقشون بكل شيء ويتبادلون الكتب المترجمة وغيرها, وهذا ما قالته الشاعرة في مذكراتها, وقالت, أيضا , إنها كانت تنخرط في الجدل الفلسفي بشكل لافت, وقد كانت شاعرتنا متحفظة في الإشارة إلى طبيعة تلك المناقشات, فإذا عرفنا أن فدوى لم تتحصل على تعليم أكاديمي منتظم وكاف, فإننا سندرك مدى <<الانبهار>> الذي ستشعر به أمام كل أفكار جديدة تدعو إلى الالتفات إلى الذات من منطلق الحرية المسؤولة - ونجد أنفسنا مدفوعين حقا إلى اقتراح هذا المدخل لفهم سيرة الشاعرة ونتاجها الإبداعي كله - فالذات الحرة المسؤولة هي التي أنتجت ذلك الإبداع القائم في منطقة الوسط من كل شيء, شكل القصيدة القديم والجديد, والصورة الشعرية الكلاسيكية والحديثة, والذات والآخر, وعبادة القديم ومقاربة الجديد. أما حياتها, فهي, أيضا , في الوسط من كل شيء, الثقافة والطبقة, أولو الأمر والحياة العادية المتقشفة, الوضوح والغموض, المجاملة والصراحة, الحب والزواج, العزلة والعائلة. نحن أمام شخصية إرباكها يصدر عن تلك الحياة الرتيبة في ظاهرها, والغائرة في باطنها, ويصدر عن ذلك الشاعر الهادئ الرخو في جملته, المضطرم في معانيه ومراميه. ولكن متى لم يكن الشاعر مربكا أصلا ?! الشاعر مربك حقا , إنه يفاجئنا دائما , وهو بحق مفاجأة واقعة, و<<خبر>> أهله. وما كان لنا أن نعرف شيئا يمتلك كل هذا القدر من الصدق والحساسية والتصوير لولا فدوى طوقان; المرأة الفلسطينية التي عانت في العشرينيات, وتعلمت في الخمسينيات, وشعرت وكتبت وتفاعلت, لتعطينا كل هذه الحياة وكل هذا الشعر. هل يمكن القول إن الشاعر <<زلزال>> عصره ?! بمعنى من المعاني.. الجواب نعم !! ذلك أن الشعر هو الجماعة (رغم أن ذلك قد يزعج كثيرا من المنظرين والنقاد). حتى عندما يكتب الشاعر عن ذاته, فإن ذاته هذه هي مجموع أوامر ونواهي وذائقة الجماعة التي ينتمي إليها, ناهيك عن اللغة التي يكتب بها وهي ما تعلمه من جماعته, حتى التركيب والصورة والموسيقى, كل ذلك قواسم مشتركة مع الجماعة, وبهذا فالشعر هو الجماعة, وهو أكثر الأدوات إغراء بالجماعية والإحساس بها. ومن هنا بكت فدوى طوقان مع الباكين, وناحت مع الثكالى واللاجئين, كانوا صورتها الخارجية, وكانوا صوتها الذي فقدته في الواقع, وكانوا مشاعرها الأقوى, تلك المشاعر التي تعودت على قمعها. ومن هنا كان غناؤها للحب بشكله الأصفى والأنقى والأكثر رقة وعذوبة, أو لنقل الحب بصورته الأكثر صمتا وحياء وعفة. الكلام عن الحب, محرج وثقيل في واقع لم يتعو د أفراده الكلام عن الحب, باعتباره <<العيب>> أو <<الخيار>> الذي لا يمكن الكلام عليه, فهو سبب المهالك أو الفضائح أو مقارفة الذنب. شاعرتنا الكبيرة, تكلمت عن الحب, بالكلمة الأنعم والألطف والأكثر صمتا , كان تلويحا بالحب لا مقاربة له, كان استشرافا للمشاعر وسبرها واستطعامها, كان شيئا شبيها بالكلام عن الألم والعذاب. (تستعذب شاعرتنا الكلام عن الألم). كان الحب مفاجأتها الأخرى, كان ذاتها الأخرى أيضا , ومن عجب أن شاعرتنا الكبيرة ظلت متحفظة طيلة الوقت, كانت لا تصرح ولا تلمح, تكتمت على حبها وجعلته كنزها الذي لا تبوح به أبدا . هل هي غريزة العاشقة التي تعمد إلى إخفاء اسم معشوقها خوفا عليه من الأخريات?! هل هي التربية والطبقة?! هل هي نزعة أصيلة في الشاعرة التي تميل عادة إلى <<الصمت والبكاء>>?! ولكن حبها كان مثلها, أيضا , بكاء صامتا , ينفعل ولا يفعل, يتهيأ ولا يغوص, يكتفي بالإشارة عن العبارة. وكان ذلك جديدا في تاريخ القصيدة الفلسطينية; جديدا ومفاجئا وجميلا , وقد تقبلته الأوساط الأدبية العربية بالترحاب والقبول. ولكن قصيدة الحب التي كتبتها فدوى كانت قصيدة مترفعة, كتومة, مغلقة, صامتة, ليس فيها من الألوان والروائح الشعبية شيء, وليس فيها من الحس الشيء الكثير, وكان ذلك من الأسباب التي جعلت من تلك القصائد أقل انتشارا بين الناس, ظلت قصائد خاصة تعب ر عن حالة خاصة لشاعرة خاصة, لا تبوح وتحذف أكثر مما تقول. نعم, هي تحذف أكثر مما تقول!! هي تقف وسط كل شيء, بين الإشارة والعبارة!! قصيدة الحب التي كتبتها فدوى طوقان لا تشبه قصائد أخيها إبراهيم (الذي لم يكتب في الحب وإنما في الغزل, والغزل فيه شهوة والحب فيه عفة, الغزل فيه شبق والحب فيه عبادة). قصيدة فدوى - ولا نبالغ إذا قلنا - تتحدث عن حب معق د, فيه إشارات وفيه ألغاز وفيه أعماق لا يتشاطر القارئ العادي معها, فإذا أضفنا إلى ذلك ما تتميز به قصائد الشاعرة من الهدوء وتلك <<الرخاوة>> أو ذلك <<الفتور>>, فإن تلك القصيدة - قصيدة الحب - لم تتحول إلى ما يمكن اعتباره شعر لافتة في الحب, فهي قصيدة الصوت الخفيض والهامس والحيي , وهي قصيدة المعنى وليس الصورة التي تزدحم باللون والحركة والصوت, وهي قصيدة الشهوات المهذبة والرغبات المقموعة والتربية الخاصة. ثورة الحب هذه, أو مفاجأته, كانت مقدمة لثورة أخرى في نفس وإبداع الشاعرة, تمثلت في الغناء للثورة والمقاومة ولرموزها ورجالها, كانت سنة (1967) انقلابا كبيرا في حياة الفرد العربي والأمة العربية. في ذلك العام سقطت كل الأشياء والمعاني والمقدسات, كان سقوط القدس العام (1967) يشبه, إن لم نقل إنه كان أخطر من سقوط بغداد أمام المغول أو سقوط بغداد أمام المغول الجدد, مرة أخرى! في ذلك العام, استيقظ الحالمون والافتراضيون والشعاراتيون والمغتربون والمستعربون والسلفيون والحداثيون.. استيقظ الجميع على هزيمة لا تشبه الهزائم, وعلى انكسار لا يشبه الانكسارات. كانت هزيمة مخجلة بكل المعاني وبكل المقاييس, لأنها لم تكن متوقعة, وانبرى البعض للتجميل وانبرى البعض الآخر للتبرير, ولكن الهزيمة هزيمة.. سوءة قبيحة لا يسترها شيء!! وفي تلك السنة, أيضا , عرفت شاعرتنا الكبيرة أن الظلم والطغيان حقيقة واقعة في الكون, حقيقة ممضة وفظة, وهي التي اكتوت به داخل جدران بيتها وداخل جدران وعيها, هذه المرة, كان الطغيان يشمل الكون كله, كان البكاء لا يكفي وكان النواح والندب لا يكفي, أيضا . هذا طغيان مختلف, هذا ظلم يطال كل شيء, الفرد والجماعة, الماضي والحاضر والمستقبل. هذا ظلم يصادر كل شيء, ويميت كل شيء, هذا ظلم لا يطاق ولا تمكن الحياة معه أو تحت ظله. وكعادتها, فقد أحست شاعرتنا بهذا الظلم من زاويتها الخاصة, ومن ذائقتها الخاصة أيضا , ولكنها هذه المرة, تقدمت أكثر, كانت واضحة وصريحة ومباشرة, وربما يمكن القول إنها كانت حادة في التعبير عن نفسها, ربما لأول مرة يكون ذلك. الاحتلال اعتدى على حياتها بالكامل, وهدد خصوصيتها وهدوءها ورتابة حياتها وتنقلاتها ورحلاتها وصداقاتها وبريدها وأزهارها. فغنت للمقاومة وغنت لجبل النار, وغنت لنابلس التي كانت ولا تزال تقدم النموذج الساطع في المقاومة والتصدي. غنت للرجال والسواعد والدماء الزكية, غنت للوطن ولأهل الوطن, وأفرغت الشاعرة حبها ووجدها لما يحدث أمامها من أعمال مقاومة مجيدة. ومرة أخرى, تتربع الشاعرة على قمة السبق والالتقاط والتصوير والمعايشة, لم تكن شاعرة مقاومة, ولكنها غنت للمقاومة, لم تكن شاعرة موقف ولكنها كانت شاعرة الوجدان. كانت بشعرها أشبه بالأم التي تدعو لأولادها أن لا يصابوا وأن يحفظهم الله من كل شر أو سوء. شعرها, في تلك المرحلة, لم يكن يحمل ذلك الغضب ولم يتميز بتلك المراجل القوية التي تبث القوة في العروق والأوردة, ولكنه كان أشبه بالتميمة التي تعلق في العنق. كان شعرا يصدر عن أم وسع حبها كل شيء حتى عدوها, لولا غباؤه وحقده وعنصريته, ومن هنا لم يفهم العدو قصائدها بل اتهمها بأنها آكلة أكباد الجنود, وما درى هذا العدو أنه غير بعيد عن حب تلك الشاعرة لولا كراهيته لكل شيء. وفي هذا, تقف الشاعرة موقفا إنسانيا فريدا من نوعه, ذلك انها لم تتميز بالتطرف أو التعصب أو الانغلاق, بل تميزت بنظرة إنسانية عميقة وسعت كل الاتجاهات والأعراق والأجناس. ولا نكاد نلمس في شعرها كله أي نوع من أنواع الاتهامات أو التعصب لفكرة أو لشخص أو لعقيدة. شاعرتنا الكبيرة فدوى طوقان, ظلت طيلة حياتها تمسك العصا من الوسط, قادرة على القول وقادرة على الحذف, قادرة على التلميح دون التصريح, قادرة على الابتسام الجميل رغم اضطرام داخلها بالنيران. هل يمكن القول إنها لم تستنفذ طاقاتها كلها بسبب الظرف!! أم إن الإنسان بعامة والمبدع بخاصة يجهض حين كان يجب أن ينهض!! كم منا يحمل في داخله <<نابليون>> ينتظر اللحظة المناسبة للخروج!! وكم منا يحمل في وجدانه المتنبي وينتظر الظرف ليخرج كالعملاق!! هل كان داخل فدوى شاعرة أخرى لم تخرج أبدا?! كيف أصف علاقتي الشخصية بهذه الشاعرة الكبيرة?! كيف أصف رهبتي وأنا أتقدم إلى بيتها المتواضع على أحد أكتاف جبل جرزيم في نابلس?! كنت أذهب إلى شجرة حور عالية, أظلتني بشعرها وسمعتها وإنجازاتها!! كنت أذهب إلى شعرنا الفلسطيني الكلاسيكي, المتين والمحكم وصاحب الموقع المتميز!! دهمتني الروائح, والأزهار, والجو العابق بحضور دافئ وكثيف, تقدمت الشاعرة بكل شيء, بابتسامتها الواسعة وعينيها الطيبتين اللتين تشعر معهما أنهما كانتا في بكاء أو أنهما توشكان على البكاء, بوجهها العريض الأبيض المتغضن, ذلك الوجه الأمومي, بالجبهة العالية الواسعة المريحة, والألق الخفي الذي يشيع حولها, كل شيء في ذلك البيت يدعو إلى الراحة والهدوء, الشاعرة وبيتها وأشياؤها, في انسجام تام, كأن كل شيء يعرف كل شيء آخر, كأن لكل شيء قصة وحكاية, وكأن كل شيء حولي في الغرفتين المتجاورتين له حكاية خاصة وترتيب خاص, والورد في كل مكان, ورود ضاحكة وأخرى ضامرة, وثالثة خجولة ورابعة متوارية وخامسة متسلقة عابثة وسادسة عارية أو متعرية, الورد هناك كالقصائد, وكعرائس الخيال, توتر داخلي وأنا أشاهد ذلك الأثاث القليل والمتقشف, لم يبد لي حينها أنه كذلك, بل رأيته وجودا يتحدث معي عن الشاعرة, عن صاحبته, التي لم تتوقف عن الترحيب والابتسام. الإنسان في بيته غير الإنسان خارجه. الإنسان في بيته يكشف عن نفسه, عن وجدانه, وعن جزء ما من شخصيته. البيت امتداد ما لدواخلنا ولرغباتنا. كان بيتها يشبهها, متقشف من الخارج, يضج بالحياة من الداخل, غامض وفيه عتمات وغبار, ولكنه يموج في عبق خاص من روائح وحضور, كان عاليا ومشرفا دون صخب أو بحث عن شهرة, كان خاصا بحجارته وأثاثه, وخاصا في وجوده وتميزه, كان البيت الذي يميل إلى عدم الترتيب ي شعرك بصاحبته وروحها, حتى الألوان الغامقة التي تتآلف مع ألوان الورد المختلفة تدعوك إلى التحديق بكل هذه الروح التي جمعت كل هذا العالم مع بعضه البعض. كنت أيامها منشغلا بالكتابة عن الشاعر الكبير إبراهيم طوقان ضمن رسالة الماجستير التي طال عملي بها لأسباب خارجة عن إرادتي, كان ذلك في الثمانينيات, ورغبت يومها أن أتعرف إلى حياة هذا الشاعر الذي عاش ومات كشمعة سريعة الاشتعال والاحتراق والانطفاء. شكل لي هذا الشاعر هاجسا قويا , ورسم في أعماقي صورة عجيبة له, كشاعر عابث إذا أراد, جاد إذا أراد, يحتوي على كل هذا القدر من الإحساس بقمة اللاجدوى وقمة الإحساس بالمسؤولية, وكيف استطاع أن يجمع بين جوانحه قلبا غزلا وروحا ساخرة فكهة ووعيا سياسيا شاملا . لوهلة ما أحسست أن ما يربطني بهذا الشاعر أشياء تتعدى الشعر إلى المزايا الشخصية. وهأنذا اليوم في بيت شقيقته أسألها عنه وعن أوراقه وعن أسراره, كنت أريد أن أتسلل إلى عالم الشاعر من بوابة شقيقته الشاعرة الأخرى, ولم أكن أعرف أنني سأقع أسيرا في عالم هذه الشاعرة بالذات. أخذني هدوؤها وسلامها الداخلي تماما . أخذني هذا الجو المفعم بالفوضى واللون والرائحة والتنسيق الذي تتخيله ولا تجده. أخذتني طريقة الكلام الهادئ الممطوط الذي لا يريد أن ينتهي.. أخذني هذا القلب الذي يسع كل شيء.. قلب الأم وقلب المرأة وقلب العذراء وقلب الشاعرة. أخذني هذا العالم المليء بالحكايات والقصص والأماكن.. ومنذ ذلك اليوم, لم أنقطع عن علاقتي بها أبدا . كانت بالنسبة لي, الشاعر في ديمومته, الشاعر في زمانه, الشاعر في تذوقه لشهرته وإبداعه وعلاقاته, الشاعر في حكمته وحنكته وعبثه, الشاعر في شيخوخته وفي شبابه. كنت أذهب إليها في بيتها المشرف ذاك, نطبخ لها أو نقدم لها الشاي, نسقي أزهارها, ونستمع لحكاياتها وذكرياتها وأشعارها. وكنت اصطحبها إلى بيتي في رام الله, فتقضي أياما مع أسرتي, تقضي أوقاتها تلعب مع أطفالي وتنام معهم, كنت ألحظ سعادتها البالغة وهي تعابث الأطفال وتنسى نفسها معهم. كانت تتورد وهي تقضي جل وقتها مع الأولاد.. وكانت تتورد وأنا أعل ق على اهتمامها بماكياجها الخفيف المرسوم الذي تحافظ عليه بكل الأناقة وكل التفاصيل, كانت تتصرف كفتاة خجولة حتى في شيخوختها, وكان ذلك فاتنا حقا . كانت خفيفة مثل فراشة, ناعمة حتى لا تشعر بوجودها, ترغب أن تتحرك في البيت كنسمة لا تترك إلا الأثر الطيب, ولهذا أحبها كل من في البيت, حتى صار الجميع ي سر إليها بالأسرار والرسائل, وحتى صارت ت طلب للزيارة. كنت في بعض الأحيان <<أضبطها>> نائمة في ضجعة لها في الصالون أو في الحديقة, فأتأمل تلك الشاعرة على أريكتها كزر ورد لاه عن سواه, فأتساءل عن سر تلك القوة التي جعلت منها تملأ الأسماع وتلفت الأنظار, أحدق في ذلك الوجه العريض الأبيض الذي تألم ثم أضاء, فأحس أن للإنسان ما سعى, كما قال رب العالمين. أعتقد هنا وأنا أتحدث عن شاعرة كبيرة راحلة أن علاقتي بها قد أفادتني كثيرا على مستويات عديدة, فقد كانت كريمة كل الكرم في إعطائي أوراقا وقصائد خاصة لشقيقها الراحل, وحدثتني عنه ما لم يعرفه أحد, وكانت عونا لي في أن أكتب عن شقيقها ما وسعني الحب والكتابة والمعرفة, وكانت كريمة معي في أن فتحت لي قلبها وذكرياتها وما مر بها من أيام وسعادة وشقاء, وكانت كريمة في ذلك العطاء الكبير لشاعرة ترغب أن تنقل ما للشعر من بهاء وقوة وحكمة وإنسانية. وأعتقد هنا, أيضا , أنني شددتها, من عالمها الأقرب للعزلة, إلى حياتنا المضطربة في تلك الأيام, أيام الانتفاضة الأولى, حيث الشعراء والأدباء كانوا في الخنادق الأولى من الفعل الكفاحي, وكان أن راحت شاعرتنا الكبيرة تتفقد أحوال هؤلاء والسؤال عنهم, وبلغ بها الأمر إلى أن تعطي بعضهم مبالغ من المال ليستعينوا على حياتهم الصعبة. شددتها إلى مناسبات مختلفة, ليتعرف عليها أناس جدد, ويسعد بها الكثيرون من الزملاء الذين لم يجلسوا إليها أبدا , وكنت أرى فرحتها الغامرة في مثل تلك المناسبات, كانت سعيدة بالوجوه والطقوس واللغة الجديدة, وكانت فدوى تستمتع بصمت, تسمع أكثر مما تناقش, وتجامل أكثر مما تجادل لكنها وفي بعض الجلسات الغامرة بالشعر والغناء .. كانت تتماهى مع المغنيين حتى أنها التقطت آلة العود, غير مرة, وراحت تدوزن عليه نغمات بعيدة, تنساب من أناملها, كأنها أمواه فضية يتناثر رذاذها حتى يبلل الجدران والقلوب . وحرصت شاعرتنا, لفترة طويلة ,على المشاركة وحضور أمسية الخميس .. التي كان اتحاد الكتاب يقيمها أسبوعيا في <<مسرح الحكواتي>> أو في <<مسرح القصبة>> ويحضرها أبرز أدباء فلسطين وشعرائها ونقادها وفنانيها, حتى أن المسرح كان يضيق باحتشاد الحضور الذين جاءوا ليروا فدوى طوقان أو سميح القاسم وتوفيق زياد أو عبد اللطيف عقل وعلي الخليلي أو اميل حبيبي ويسمعونهم والآخرين , أو ليشاهدوا أحمد أبو سلعوم وحسام أو عيشة والمبدعين معهم وهم يؤد ون أسكتشاتهم المسرحية اللاذعة العميقة, أو ليكونوا << كورالا>> يغن ي مع مصطفى الكرد أو جميل السايح أو د. محمود العطشان أو فدوى طوقان تعزف وأبو سلعوم يتماهى معها في غناء سرعان ما يصبح جماعيا طافحا بالتصفيق والاهتزاز .. ولقد استمرت تلك الليالي لمدة تجاوزت الثلاث سنوات, حتى جاءت اتفاقيات أوسلو, ووجد الاحتلال الإسرائيلي سببا لوضع الحواجز على مداخل المدينة المقدسة, ويغلقها في وجوهنا ! لقد كانت تلك الليالي أشهى ما شهدته القدس ومسارحها من ندوات لم تنقطع ,بقدر ما اشتعلت وأضاءت ليل الأزقة والمنصات بقراءات شعرية ومداخلات نقدية كان يقدمها أساتذة النقد في جامعاتنا , وخاصة بيرزيت, وفقرات غنائية ووصلات رقص شعبي ودبكات تصطهد لها الأرض , وتتورد معها وجوه الحضور الذي يضع فدوى في صدر الجلسة باعتبارها العنوان الأسمى الذي تتجه إليه العيون والكلمات .. والأجساد . وبهذا الصدد, أذكر يوم أن دعينا لحضور زفاف كريمة الصديق الشاعر المرحوم عبد القادر العزة في بيته في بير نبالا, كان المرحوم كريما ومضيافا , فأبدى اهتماما شديدا براحة شاعرتنا الكبيرة, بحيث شدت الأنظار إليها, وأعجبها ذلك, وتألقت يومها وتوهجت, كانت سعيدة بالفرحة والرفقة والألفة التي اجتمع فيها أهل فلسطين يعبرون عن أفراحهم بطرقهم العديدة ودبكاتهم ولهجاتهم, وعندما حان وقت خروج العروس مع عريسها, أمسكت الشاعرة الكبيرة بذراع العروس وأخذت تنصحها بلغة حارة وصادقة حول كيفية إسعاد الزوج وتوفير الراحة له, وتدفقت الشاعرة في نصحها وكلامها, قالت للعروس ما ذك رني بتلك البدوية التي نصحت ابنتها ليلة زفافها, كان كلام الشاعرة يصدر عن قلب حقيقي أحب وذاق وعرف الألم واللوعة والفراق, قلب عرف الاشتياق والالتياع. كانت تلك لفتة كريمة تكشف ما في قلب الشاعرة وروحها من التوق والحنين للاجتماع والرفقة, وأسأل بعد تلك السنوات: هل كانت ترغب شاعرتنا أن تكون أم العروس أم العروس نفسها?! ويحضرني الآن أن شاعرتنا الكبيرة لم تتحدث يوما عن كراهيتها للرجال أو نضالها ضدهم, أو جعلهم خصوما وأعداء, ولم تتشنج ضمن مقولات شاعت في العصر الحالي حول مفاهيم الأنوثة والنسوية والجندر, ربما كان العكس هو الصحيح, فدوى كانت تحب, تحب كل شيء, الحياة باعتبارها الاختراع الإلهي الأروع والأجمل والأكثر جدارة بالتذوق. وعندما ألم بها عارض في شتاء العام (2001) ومكثت في مستشفى الرعاية العربية في رام الله, ذهبت لزيارتها, وهناك على سرير المرض, كانت ما تزال تحتفظ بذلك الألق الخفيف الذي يحيط بجرمها القليل الضامر, كانت ابتسامتها أوسع رغم إنهاكها وشحوبها, كان جلدها الأبيض المتغضن يزداد إشراقا رغم ذلك الإجهاد الذي يطل من العينين الطيبتين.. على سرير المرض ذاك, تحدثت عن الدنيا الجميلة, وذكرت الآخرة.. الشاعر دنيوي!! الشعر دنيوي!! قربي من هذه الشاعرة الكبيرة, أشعرني شخصيا بمسؤولياتي كشاعر, وضع أمامي قضية الشعر باعتبارها قضية جمالية بالدرجة الأولى ومن ثم قضية وظيفية تؤدي رسائل أو تحملها, الشعر ليس للترف وليس للعب وليس للتجمل وليس وسيلة تسلق أو استرزاق, الشعر قضية وجودية حقيقية, الشعر حياة كاملة, الشعر مسؤولية, الشعر جمال وذوق وحضارة, الشعر تاريخ, الشعر أنا, الشعر جماعتي, الشعر ما أحلم به, وما أرجوه وما أتمناه, الشعر هو جميلنا وسرنا وآخر ما نحن عليه. استمرت علاقتي بالشاعرة الكبيرة قرابة عقدين, عرفت منها أن الشاعر يظل شاعرا مهما رأى وعاش, ومثلها, من تلقى الجوائز والأوسمة وطاف في البلدان ورأى أولي الأمر والمشاهير, وقوبلت بالترحاب أينما ذهبت, فإن من الصعب أن لا يتغير المرء, ولكنها كانت تعود في كل مرة إلى بيتها المشرف المتواضع والمتقشف, ترعى أزهارها وتعيش مع ذكرياتها, وتحاول كتابة قصيدتها التالية. كانت تترك العالم وراءها لتعود إلى نابلس, مدينتها الأولى, وعشقها الأول, وعذاباتها الأولى. كان ذلك يسحرني منها, كان بإمكانها أن تغير حياتها, وأن تغير مكانها, وأن تستثمر علاقاتها وأن تتحول إلى نجمة صحافة أو نجمة صالونات, ولكنها لم تفعل, بل فضلت ذلك البيت المتقشف في نابلس الذي يطل على كل بيت من بيوت المدينة. وكأني بها كانت تكتفي بذاتها, وبآلامها, وبأشعارها وأزهارها, لا تطلب أكثر ولا تريد أكثر, كان هذا الجانب منها يسحرني ويشعرني أنني بجوار شاعرة حقيقية لا تريد من الدنيا سوى شعرها وروحها فقط. علاقتي بها, علمتني أن الشاعر الحقيقي يركض وراء روحه ويبحث داخله ويحفر في أعماقه, لا تعميه الأضواء ولا تغشيه الفلاشات. وأزعم بهذا الصدد أن عملي - كشاعر وباحث وكاتب - تغير كما ونوعا بعد انتهائي من كتابة رسالة الماجستير عن إبراهيم طوقان, أعترف أنني شعرت بالغيرة, وأعترف أن هذه الغيرة كانت محمودة وإنها دفعتني للاستثمار جيدا في الوقت والجهد والتخصص. في الثلاثين من كانون الثاني (يناير) من هذا العام 2004م, في ذلك المساء الثقيل الماطر, في مدينة رام الله المحاصرة, في مقر الأخ الرئيس ياسر عرفات المدمر الذي لم يبق منه سوى عدة غرف يعيش فيها رمز الشعب الفلسطيني للعام الثالث على التوالي, محاصرا , في ذلك المساء, نحى السيد الرئيس مشاغله ومسؤولياته الكبيرة ليحدثني عن الشاعرة الكبيرة فدوى طوقان. ونقطة ضعف الرئيس عرفات, الشعراء والأطفال, فهو لم يرد شاعرا , بل كان دائما معهم حتى أولئك الذين انتقدوه. إن الثورة الفلسطينية هي من أكثر ثورات العالم <<تدليلا>> ودعما للمثقف بشكل عام, وربما تم ذلك دون تمحيص أو تدقيق, وربما ارتد هذا بشكل سيئ على الثورة في بعض جوانبه, ولكن هذا ما تم ولسنا بصدد الكلام عنه الآن. الرئيس عرفات, وفي ذلك المساء الثقيل الماطر, وحيث الدبابات الاحتلالية لا تبعد كثيرا عن مكتبه, وبعد أن تناولنا العشاء بصحبته, أخذ يحدثني عن الشاعرة الراحلة, حديث ذكريات, لاحظت أن الرئيس يتحدث باهتمام وحب وتقدير, وأنه يستمتع حقا بالكلام عن فدوى. قال لي الرئيس إن أول لقاء جمعه بالشاعرة كان في العام (1969) في مكتب تابع للثورة الفلسطينية في عمّان, وذلك بعد أن مر ت الشاعرة على قواعد للفدائيين في غور الأردن, ورأت بأم عينها ما الذي تصنعه المقاومة الفلسطينية والعربية. وفي ذلك اللقاء, تناول أبو عمّار والشاعرة طعام الغداء مع عدد من القيادة الفدائية, وكان الغداء حساء فاصولياء وأرز مسلوق, حيث طوّق عرفات عنق الشاعرة بالكوفية الفلسطينية الشهيرة, وفي ذلك اللقاء, نقلت الشاعرة الرسالة التي حم لها إياها وزير الحرب الإسرائيلي في ذلك الحين (موشيه ديان) إلى ياسر عرفات زعيم الثورة الفلسطينية, ومفادها <<أن على الفلسطينيين التخلي عن فكرة المقاومة, لأن آلة الحرب الإسرائيلية قادرة على سحق الشعب الفلسطيني, وأن الإسرائيليين على استعداد للتخلي عن الأراضي المحتلة العام (1967) بشروط مختلفة, تشترك فيها أطراف عربية لحل الصراع عن طريق المفاوضات فقط.>> كانت هذه الرسالة التي تحملها الشاعرة من وزير الحرب الإسرائيلي, الذي كان التقى الشاعرة بصحبة رئيس بلدية نابلس حمدي كنعان وابن عمها حافظ طوقان بوزارة الحرب في تل أبيب (وقد حدثتني الشاعرة عن هذه الحادثة بتفاصيل تزيد أو تقل عما كتبته في مذكراتها المعروفة). أضاف السيد الرئيس قائلا عن ذلك اللقاء: إن الرسالة التي نقلتها فدوى كانت تعني شيئا واحدا بالنسبة لنا في المقاومة, وهو أن (إسرائيل) لا تحتمل فكرة المقاومة ولا تستطيع أن تتعايش معها, لهذا فقد قلت لفدوى أن تنقل على لساني: إننا هزمنا قوات الاحتلال في معركة الكرامة, وإن من يريد أن يكسرنا كالبيضة الهشة في يده, عليه أن يتذكر هزيمته في تلك المعركة!! وإن حقوقنا الشرعية والتاريخية والدينية لا يمكن أن تنسى أو أن يفرط بها, وإن الثورة هي التي أعادت الكرامة لأمتنا العربية, وإن صيغتنا لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي تقوم على أساس دولة ديمقراطية علمانية على كل فلسطين التاريخية للعرب واليهود. (ذكرت الشاعرة أنها التقت مرة أخرى بوزير الحرب ديان وحدها بفندق الملك داود في مدينة القدس وأنها نقلت ذلك له). الرئيس عرفات استفاض بالكلام عن الشاعرة قائلا : لنا أن ن باهي بفدوى على كل أشقائنا العرب, إنها المعادل الموضوعي للشعب الفلسطيني, بمعنى أنه انتصر على الألم والحصار والإلغاء وأثبت حضوره. وأذكر هنا أن الرئيس عرفات بدأ خطابه بمدينة نابلس العام 1994 بالقول:إننا في نابلس .. نابلس فدوى طوقان. وتكريما لها واحتفاء بدورها وإشادة بإبداعها فقد منحها الرئيس عرفات وسام القدس العام 1990, وسلمها جائزة فلسطين العام 1996, ومنحها, أيضا , جواز سفر دبلوماسيا وأمر بمعاملتها معاملة الشخصيات الهامة, وعندما كان يجتمع بها كان يجلسها عن يمينه ويطعمها بيده ويتفرغ لها تماما , بالحديث والملاطفة, وأنا شاهد على ذلك, غير مرة. (قد يبدو من الغريب أن يختار وزير الحرب الإسرائيلي ديان شاعرة مثل فدوى طوقان لتحمل رسائل بهذه الخطورة, ولكن هذا يعني بصورة من الصور أن الاحتلال الإسرائيلي استطاع أن يهزم كل النخب السياسية والاقتصادية التي كانت قائمة قبل (1967), ولهذا لم يجد ديان سوى البرجوازية الوطنية لتحمل رسائل معنية لما تتميز به هذه البرجوازية من ثقل اقتصادي وسياسي معين لدى أطراف متعددة, وغاب عن ذهن المحتل أن احتلاله يعيد ترتيب الأمور من جديد, وقد يكون الأمر غير ذلك, وأن الأمر كله لا يعدو كونه عن عمليات جس نبض أو استكشاف مواقف تلجأ إليه الأطراف المتحاربة عادة). علاقة الشاعرة مع أولي الأمر كانت مختلفة ومتنوعة, فقد حملت رسالة أخرى من وزير الحرب الإسرائيلي (ديان) إلى جمال عبد الناصر - الذي كانت تحبه حبا شديدا وتعتبره رمزا كبيرا للقومية والمشروع النهضوي - وقد حدثتني الشاعرة عن زيارتها إلى بيت الرئيس المصري في منشية البكري في القاهرة, وقد لفت نظرها بساطة البيت وأناقته ورقة زوجته ولطف أبنائه, ثم وصفت لقاءها بالزعيم الذي كان يسحر الجماهير من الخليج إلى المحيط, وقالت إنها سحرت, أيضا, بالطول والأناقة والقوة والحضور, ولكن تلك الوساطة, إذا جاز تسميتها كذلك, لم تسفر عن شيء, أيضا . (إن هذا الدور السياسي الذي لعبته الشاعرة لم يكن مفصلا لها ولا لائقا لروحها أو شخصيتها, ولم يكن الظرف أو القوى المحيطة لتساعد الشاعرة, أيضا , على أن تنجح بهذه المهمة, وهو ما لمح لي به الرئيس ياسر عرفات. ثم توص ل إلى هذه النتيجة المبدع العربي المعروف رجاء النقاش, في غير مقال نشره في صحيفة الاهرام القاهرية في أواخر شهر كانون الثاني (يناير)2004 حيث تناول في تلك المقالات ما تردد حول الوساطة التي قامت بها فدوى بين الرئيس عبد الناصر ووزير الحرب اليهودي موشيه ديان). علاقة أخرى ربطت الشاعرة بالسيدة جيهان السادات, التي كانت تستضيفها في منزلها وتدير معها حوارات عن الشعر والأدب والسياسة والتاريخ, وقد ذكرت لي الشاعرة أن جيهان السادات كانت مثقفة وقارئة جيدة ومحاورة بارعة وأنها كانت تهتم بالأناقة والثقافة بشكل لافت للنظر, وذكرت لي الشاعرة أنها التقت السادات في بيته, وأن ما لفتها منه أناقته المفرطة ورق ته وعفويته البالغة في التعامل معها بل إن الذي أبلغ الرئيس عبد الناصر بوجود فدوى في القاهرة , أول مرة التقيا فيها , كان السادات نفسه . وحدثتني الشاعرة عن دعوة الملك حسين لها لتناول طعام الغداء في أحد قصوره في عم ان, وذكرت لي فدوى أن تلك الدعوة كانت مفاجئة, وأنها تناولت الغداء مع الملك وزوجته وأطفاله, ثم جلس الملك معها بعد ذلك في الحديقة لتناول الشاي, وأن تلك الجلسة طالت كثيرا , حتى طلبت إذنا بالمغادرة, بعد أن أكد الملك لأحد أبنائه الذي سأل عن هوية الضيفة بقوله له: إنها شاعرتنا. وذكرت لي الشاعرة الكبيرة أنها التقت الملك حسين مرة أخرى في حفل زفاف إحدى قريباتها في عم ان, وأن الملك أخذها من يدها إلى <<البوفيه>> وأنه هو الذي اختار بنفسه نوع الطعام في طبقها. وتقول فدوى إن الملك وقور ولطيف وصاحب صوت أخاذ. (لا بد من الإشارة هنا إلى أن أحمد طوقان وهو شقيق الشاعرة تولى مواقع متقدمة في الحكومة الأردنية, كما أن الملك حسين نفسه تزوج من آل طوقان وهي المرحومة الملكة علياء طوقان) . كما حدثتني الشاعرة مطولا عن علاقاتها الحميمة والرائعة مع غير أميرة في بعض دول الخليج العربي, وعن احتفائهن بها, وزيارتها لهن في كثير من المناسبات. والمهم في هذا كله أن الشاعرة لم تحو ل تلك العلاقات إلى ميزة أو إلى استغلال أو إلى أي نوع من أنواع الابتزاز أو الشهرة, بل على العكس من ذلك كله, فقد كانت تختار كل مرة أن تعود إلى بيتها الوحيد المتقشف, إلى جبل جرزيم لتشرف على نابلس كلها وكأنها تشرف على العالم. فدوى طوقان التي نالت أوسمة عربية وجوائز دولية, ظلت تلك <<الصفراء>> كما وصفتها أمها ذات يوم, تلك الفتاة الوحيدة التي لا ترى في العالم سوى ألمها وذكرياتها. فهي التي نجحت في الحب وفي الأشقاء وفي الأصدقاء, وهي التي رأت ولم تفعل سوى أن تكتب الشعر وكأنه الدرع الواقي من أدران العالم. وظلت الشاعرة على تواضعها الجم ورقتها البالغة, لم تطلب شيئا ولم يعرف عنها الإسراف أو الإفراط. حياة الشاعرة شعرها .. لا أكثر ولا اقل!! لم تكتب الشاعرة نثرا سوى مذكراتها المعروفة <<رحلة جبلية .. رحلة صعبة>> و<<الرحلة الأصعب>>, وقد كتبت بلغة سردية تخلو إلى حد بعيد من الشاعرية. وكانت اللغة محايدة إلى حد كبير, وكأن النص كتب بهدوء وتأمل وبدون انحياز. ولكن بعيدا عن ذلك, فإن هذه السيرة أضاءت لنا بعض جوانب حياة الشاعرة إلا أنها خلت من الكثير مما كان يجب أن يقال. ولكن الشاعرة على ما فيها من ميل إلى التكتم والحذف لم تقل كل شيء, ويمكن القول إن هذه السيرة كانت للتعريف بالمعروف أصلا , ولكنها لم تضئ أي جانب من تلك الجوانب الخفية في حياة كل منا. ربما لم تتعود بعد فن الاعتراف على الطريقة الغربية!! ربما كان من الصعب على ثقافتنا أن تعتاد التعري الجواني!! وأقول - بعد معرفتي الطويلة بالشاعرة - إن ما قيل في المذكرات قليل جدا , ما يدل على أن الشاعرة تحذف وتعتم وتختار. ولكنها سيرة النجاح والشهرة والشعر, والسيرة بمعناها الغربي قد تكون قاسية وغير مقبولة في مجتمع عشائري متماسك يعرف أبناءه واحدا واحدا . فالشاعرة الكبيرة عاشت حياتها أيضا , وكانت صاحبة أحاسيس مشتعلة كما ذكرت في سيرتها, وأحبت وأخفقت وسافرت وتعاملت مع أنواع عديدة من الناس وواجهت الأقارب وغيرهم, وسمعت شائعات وأكاذيب, وخاضت معارك صغيرة ولكنها حافظت على روحها نقية للشعر والحياة. ميزة مذكراتها أنها كتبت بقلمها وباختيارها, وكما أرادت لنا أن نسمع أو نقرأ سيرتها, ولكن الحياة أوسع من أقوالنا وأرحب من روايتنا, الحكاية جزء من الحياة وليست الحياة كلها. الحكاية وجهة نظر للحياة, والحياة لا تعترف بذلك أبدا . وفي هذا المقام, ونحن نقدم لجمهور القراء قصائد جديدة لم تنشر أبدا في ديوان لشاعرتنا الكبيرة, فإننا نضع أيدينا على مفاتيح جديدة وهامة لجانب من جوانب شاعرتنا, توقعناه في مقدمة كتابنا <<رسائل إبراهيم طوقان إلى فدوى>>, وخاصة فيما أشرنا إليه حول عمق الجرح الذي لحق بالشاعرة جراء المعاملة القاسية التي تعرضت لها في مقتبل عمرها. في هذه القصائد التي لم تنشرها الشاعرة في حياتها نفاجأ أن بعضها في الهجاء وهو الفن الذي لم نعهده لدى الشاعرة, فهي مجاملة متصالحة, مسالمة ومهادنة, ولهذا كان من الصعب عليها أن تهجو - والهجاء موقف ومواجهة -. إن الهجاء سيكون صعبا ومؤلما وسلوكا مستهجنا عند شاعرة مثل شاعرتنا, تعودت الكتمان والسكوت والهدوء, وتعودت الرد على الإساءة بالبكاء أو الانزواء, ولهذا فإن الهجاء الذي بين أيدينا, يضيف كما ولا يضيف نوعا , بمعنى أن هذا الهجاء فقد تأثيره المطلوب في وقته, فيما سيضاف إلى الكم الشعري الذي تركته. وتجدر الإشارة إلى أن هجاءها قاس وعنيف ومباشر ويكاد يقترب من الكلام العادي, وهذا يضاف إلى صدقه وعمق غضبه وشد ته (إن الأشخاص ذوي العالية عادة ما يت خذون مواقف متطرفة في الحب والبغض دون مواقف معتدلة أو قابلة للتسوية). الهجاء الذي نقرأه في قصائدها هذه, التي لم تر النور, تدل على أنها لم ترغب في الإساءة لأحد أو مواجهة أحد أو الاشتباك مع أحد, فقصائد الهجاء دون أسماء ولا يمكن الحدس بالمقصودين إلا من خلال الاستدلال بأحداث أخرى. القصيدة التي تلفت الانتباه وتؤكد ما ذهبنا إليه في مقدمة كتاب <<رسائل إبراهيم إلى فدوى>>هي القصيدة التي عنوانها <<أينهم>>. هذه القصيدة التي كتبت العام (1933) تكشف تماما أساس المأساة الشخصية والعامة التي هزت أعمق أعماق الشاعرة وظلت تحكمها إلى آخر يوم من أيامها. نسمعها تقول في هذه القصيدة, هكذا مباشرة, ودون مواربة وبأقصى ما في صوتها من غضب: جر عوني كأس الهوان وسد وا الدرب دوني وأمعنوا في امتهاني كم تمنوا سحقي ومحقي ولكن ظل ربي معي يعظ م شأني في فراغ اللاشيء واللامكان ظلها الجهم .. ظلها الثعباني وانتشاري في أربع الأركان نغم عالق بكل لسان أينهم? إنهم هباء تلاشى العيون الحقودة انزاح عني ها أنا حاضر وجودي بشعري فليموتوا بغيظهم ها هو اسمي إنها تحكي بالضبط حكايتها, مأساتها, (لكل منا حكاية واحدة يحب دائما أن يحكيها ويحب أن يظل مشدودا إليها طيلة عمره, كل واحد منا, مبدعا كان أو غير ذلك, هناك قصة قلبت حياته, هناك نقطة ما جعلته ما هو عليه الآن.. هذه النقطة تبقى نقطة الإشعاع, البؤرة التي تربط إليها الإنسان طيلة عمره وتحكمه في تصرفاته وخياراته واولوياته). فدوى في هذه القصيدة التي قص ت فيها حكايتها, انتبهت أنها تتشفى بأولئك الذين (سحقوها ومحقوها), فتحاول أن تعتذر من الله, ولكنها ما كادت تفعل حتى عادت إلى التشفي الفعلي بقولها: وليظلوا وليمة الديدان وجبة تستفاد بالمجان أينهم ! أينهم إلى حيث ألقت تتغذى بهم لحوما وشحما هذا قاس جدا , وقد نسيت أنها اعتذرت إلى الله من هذه الشماتة, ويبدو أن جرحها كان من العمق بحيث لم يعد بإمكانها أن تنسى الذين ظلموها. ولكن هذه القصيدة لم تعن بأي شكل من الأشكال انسلاخها عن طبقتها أو تنكرها لتقاليدها أو أعرافها, هذه القصيدة على قسوتها تشير إلى انتصارها - وإن اسمها صار على كل لسان - كان انتصارا شخصيا سج لته في هذه القصيدة المبكرة جدا , ويبدو أن مثل هذه القصائد لم تكتبها الشاعرة بعد ذلك. إن مثل هذه القضية الجارحة والراعفة بالغضب, تقرع ألف جرس أمام كل أب وأم, وأمام كل تربوي, وأمام من يتصدى للتنظير المجتمعي والإنساني, للاهتمام بالمبدع من جهة والاهتمام بالأبناء من جهة ثانية. إن هذه القصيدة الناضحة بالكراهية والشماتة تعني أن الأبناء يرصدون تماما آباءهم وأمهاتهم وأقاربهم, وأنهم من الحساسية بحيث يفهمون كل شيء ويحللون كل شيء. لنسمع الشاعرة تقول في تلك القصيدة بكامل الغضب وكامل القرف: وسأبقى على مدى الأزمان رغم كوني أ عزى إلى <<فعلان>> مستفاد من عنصر الشيطان إنهم عصبة تبر أت منها لا أنا منهمو ولا هم مني طبعهم فاسد خبيث النوايا من هذه الأبيات نفهم لماذا اخفت الشاعرة هذه القصيدة مدة تزيد على ستين عاما , ونفهم, أيضا , لماذا احتفظت بها طيلة هذه العقود. إن هذه القصيدة - بمبناها ومعناها - هي أقوى عندي, مليون مرة, مما كتبته في سيرتها الذاتية <<رحلة جبلية .. رحلة صعبة>>, ذلك أن هذه القصيدة فيها موقف وفيها كشف عن تلك البؤرة, وذلك الجرح الذي صنع من فدوى ما صنع. وهي- وان كانت تحتوي كل هذا المقدار من القوة والإشعاع وإضاءة الموقف, فإن هذه القصيدة بالذات ستدخل ضمن التاريخ الحقيقي والعادي لسيرة فدوى التي حاولت دائما أن تحذفها من حياتها بشكل جزئي أو كلي. فدوى التي حذفت من دواوينها كل ما يمت إلى الهجاء بصلة, نقرأ لها هنا, في هذه القصائد, التي تنشر لأول مرة, هجاء لأشخاص يمكن أن ارتبطوا بها عاطفيا وها هي تعيد إليهم خيبة الأمل بطريقة تشعرهم بقرفها واشمئزازها منهم. هذه القصائد, قاسية, مباشرة, تكاد تقترب من الكلام المباشر أيضا , وهي لا تعمد إلى الصورة الشعرية قدر استعمالها العادي من الكلام للوصول الى الهدف, وكأن القصيدة قيلت لأجل معنى واحد وليس من أجل الشعر حصرا . لنسمعها تقول: أيهذا المتعالي المتعجرف أيها المقرف يا ليتك تعرف كيف تبدو لعيون الناس لكن كيف تعرف وغرور النفس يغشاك قويا ومكثف وغرور النفس داء أي داء أعجز العلم فما منه شفاء لننظر إلى <<المتعالي, المتعجرف, المقرف>>, هذه هي القصيدة, وهذا ما أرادت الشاعرة أن تقوله. كل هذه الصراحة, كل هذه المباشرة, كل هذا الاقتصاد في الوصول إلى الهدف. وفي قصيدة أخرى بعنوان <<نفضت منك اليدين>>, حيث تعلن فيها الشاعرة عن عزوفها عن حب شخص ما, لم تجد رغم كل خديعتها إلا أن تقول له في نهاية القصيدة : <<اذهب بحفظ الله>>, وهذا استسلام لخيبة الأمل, وهو السلوك الأقرب لشاعرتنا في كل مواجهة تخوضها في الحياة. أما في قصيدة <<توأم الثور>>, فهي تصف شخصا ما ارتبطت به بعلاقة عاطفية كما يلي: لم يكن حبا ولكن كان كشفا واكتشاف (لاحظ هنا أن الشاعرة تعترف أنها ترغب بالكشف والاكتشاف, وبالتالي التجربة العاطفية المتكررة, وهي من مزايا الأشخاص الذين يحسون بأنهم مظلومون وأنهم ضحايا, حيث أنهم لا يستفيدون من تجاربهم ويقعون في الأخطاء نفسها, ويرغبون في اتخاذ المواقف ذاتها في كل تجربة). وتكمل الشاعرة لتصف ذلك الذي انخدعت به: لامرئ غير ردي سيئ الطبع غوي هو مهزوز الهوية وهو شر وبلي ة ضل واستفحل فيه الانحراف أنت فظ .. شرس اعترف يا منحرف اعترف فالاعتراف توبة مقبولة وهو فضيلة انظر إلى مستويات الكلام في هذه القصيدة, فالمستوى الأول تتحدث فيه إلى نفسها أو إلى صديقتها, ولكنها سرعان ما تتذكر أنها تخاطب ذلك الحبيب الغادر وتريد إهانته فتطلب منه الاعتراف باعتباره فظ وشرس, وتنهي قصيدتها بنصيحة لا يراد منها شيء ما. على ضعف القصيدة ونثريتها وخلوها من الشعر إلى حد كبير, إلا أن ذلك يعكس الحياة الداخلية للشاعرة, تلك الحياة التي عتمت الشاعرة عليها كثيرا . كل ذلك يقود إلى أن الشاعرة فدوى طوقان, شاعرة واربت في المواجهة, وناورت في التعامل, وترددت في التناول, وحاولت أن تصالح دائما . حتى في الحب, فهي عندما تكتب لحبيبها تطلب منه قلبا آخر لتحبه به, وكان من الأجدى أن يتسع قلبها وحده لحبه: يا حبيبي الجميل خفف عن القلب هواه أخاف أن يتفجر أو فهبني قلبا يظل كحبي لك ينمو في كل يوم ويكبر كان من الأجدى والأجمل والأروع أن يكون قلبها قادرا على ذلك, ولكنها فدوى التي تحذف أكثر مما تضيف. هل يمكن القول إن فدوى كانت شاعرة فاترة, بمعنى أنها شاعرة دون قضايا ودون مواقف!! ربما كان في هذا ظلما لها, فهي شاعرة حاولت أن تشارك في الحياة العامة بمفاهيمها, وحاولت أن تحيا بأكبر قدر من السلم والسلامة, وحاولت أن تعيش قلبها وحياتها دون أن تحكمها قوانين وجدران, ولكن, وللأسف, بالقدر الذي استطاعت فيه أن تحطم بعض تلك الجدران, بنت جدران أخرى في وجدانها. ما يلفت النظر في هذه القصائد, أيضا , هي خيبة الأمل العميقة من أولئك الذين ارتبطت بهم عاطفيا , ولا يمكن لنا أن نعرف فيما إذا كان ذلك شخصا واحدا أو أكثر. ولكن قصيدة <<جدلية الحب والبغض>> تدفعنا للقول إن الشاعرة جربت هذه العاطفة كثيرا وإنها اكتوت بها إلى درجة أن أصبح ذلك جدلية, تقول الشاعرة بكل خيبة الأمل: البغض يحاصرني من كل جهات الأرض يا هذا أبغضك كثيرا (انظر إلى التعبير الطفولي في كلمة كثيرا ) ثم تقول الشاعرة في القصيدة ذاتها: أكرهك وأكره اسمك أمسحه حرفا حرفا عن ذاكرة القلب أكرهك كثيرا جدا (انظر إلى التعابير الطفولية في تكرار الأفعال) خيبة الأمل الشديدة والعميقة تدفع الشاعرة إلى القول هكذا: من يحمل لي البشرى بزوالك يا هذا عن وجه الأرض هي تتمنى عمليا موت صاحبها, وأعتقد أن هذا ما دفع الشاعرة إلى عدم نشر هذه القصيدة, فبالإضافة إلى عدم نضج المشاعر وقربها من الانفعالات الطفولية فإن أحدا لا يتمنى لمعشوقه الموت أبدا . إذ أنها وبعد أن تتمنى الموت لهذا المعشوق الظالم تعود إليه قائلة: يا نقطة ضعفي أنت يا أكبر أخطائي وذنوبي عند الله اسأل ربي أن يغفر لي ربي حبك وهي على طول القصيدة مضطربة ما بين كره شديد وحب شديد لمعشوق مرهق ومربك يدفعها لأن تقول في النهاية: أرجع لي نفسي الأنقى والأجمل أرجع لي نفسي الأجمل خيبة الأمل - هذه - ترافق شاعرتنا دائما , وتتقبل ذلك باعتباره قدرا , ولهذا لا تجد مفرا من تحمل ذلك رغم قسوته وشدته. تقول الشاعرة: كيف أحببتك يا أقنوم شر غلطة في عمري لا تغتفر قدر في حجب الغيب استتر هل مفر من قدر? لا مفر لا مفر لا مفر (لا بد من ملاحظة تكرار الأفعال والأسماء في شعر الشاعرة من جهة, ولا بد, أيضا , من ملاحظة الاستسلام الكامل للقدر من جهة ثانية.) والشاعرة تعترف بأن <<أساء الزمان إلي كثيرا>>. وأنها <<تحيا خارج الموت البطيء>>. وفي التماعة مفاجئة, تكشف لنا الشاعرة عن <<شيطنتها>>, وهي المرة الأولى التي نرى فيها شاعرتنا الباكية المنفجعة تكشف عن جانب آخر من نفسها, فهي تقول في قصيدة <<دعي الشعر>>: أيها المأفون هلا عدت للعقل وأدركت بأني كنت أملأ بك أوقات فراغي كنت ألهو وأتسلى ليس إلا !! هي تعترف أنها كانت تلهو بهذا المأفون وأنها كانت تطمعه لمجرد اللهو والتسلية وهذا اعتراف مفاجئ وجديد ومدهش, وهذا باعتقادي سبب آخر لعدم رغبة الشاعرة بنشر مثل هذه القصيدة من قبل. وفي قصائد الهجاء جمال وتصوير ودقة ومعرفة بأحوال النفس البشرية, تقول الشاعرة راصدة إحدى الحالات المألوفة: عراه شعور من الغبطة معاني الغرابة والدهشة إذا أنت حي يته باحترام وراح احترامك يبعث فيه هذا رصد ذكي لأولئك الذين يحملون نفوسا صغيرة ولا يتوقعون الاحترام من أحد. هذه القصائد التي نقدمها, لأول مرة, لم تنشرها الشاعرة لأسباب فنية واضحة وللبعد الشخصي فيها, ونحن نقدمها للقارئ الفلسطيني والعربي لأن الشاعرة الراحلة وإبداعها تحو لا إلى صرح وجداني وحضاري للشعب العربي الفلسطيني, ومن حق أبنائه أن يتعر فوا على كل جوانب هذا الصرح. رام الله - فلسطين (شباط - فبراير 2004, ذو الحجة 1424) قصائد لم تنشرها فدوى طوقان هذا الكوكب الأرضي لو ب ي دي لو أن ي أقدر أن أقل به هذا الكوكب أن أ فرغه من كل شرور الأرض أن أقتلع جذور البغض لو أن ي أقدر , لو بيدي أن أقصي قابيل الثعلب أقصيه إلى أبعد كوكب أن أغسل بالماء الصافي إخوة يوسف وأطهر أعماق الإخوة من دنس الشر . لو بيدي أن أمسح عن هذا الكوكب بصمات الفقر لو أن ي أقدر لو بيدي أن أجتث جذور الظلم وأجف فه هذا الكوكب من أنهار الدم لو أني أملك لو بيدي أن أرفع للإنسان الم تعب في درب الحيرة والأحزان قنديل رخاء واطمئنان أن أمنح ه العيش الآمن لو أن ي أقدر لو بيدي لكن ما بيدي شيء إلا لكن لو أني أملك أن أملأه هذا الكوكب ببذور الحب فتعر ش في كل الدنيا أشجار الحب ويصير الحب هو الدنيا ويصير الحب منار الدرب . لو بيدي أن أحميه هذا الكوكب من شر خيار صعب لو بيدي أن أرفع عن هذا الكوكب كابوس الحرب ! جدلي ة الحب والبغض <<كنت صديقا راعني سحره وكنت في وهمي زين الرجال واليوم , ما أنت ? لقد بنت لي حقيقة أفر غ منها الجمال !>> يوم انفصل النهر بعيدا عن مجراه وانداحت في الأرض الأمواه وقف الزمن كسيح القدمين يا حبي كيف أراك ? وأين ? يا أحلى حب سلطه القدر الغيبي علي لو ترجعك الأيام إلي يا حبي لو تطرق بابي يرجع لي فرحي المفقود ويرجع لي زهو شبابي كم ذا أشتاق إليك وأحن إلى لمسات يديك كم ذا أشتاق إلى عينيك الواسعتين عيناك بحيرة إلهامي أتفيأ شاطئها وأنام على موسيقى كونية يتجلى فيها وجه الله على أحلام وردية ليتك تأتي حتى لو طيف خيال تحمله أرض الأحلام لو تأتي تحضنك جفوني أسدل فوقك أهدابي وأصونك من شر الأشرار أرقيك بسورة يوسف وبأسماء الله الحسنى وأحيطك بالحب وبالإيثار. *** ما لي تنفضني وتمزق أذني صرخة صوت منكرة تحمل طعم الموت دمرت الحب , أحالت جوهره القدسي إلى بغضاء أفقدت الكون توازنه أرضا وسماء بعثرت الأنجم , عاثت في كل الأشياء شحنتني بسموم البغض البغض يحاصرني من كل جهات الأرض يا هذا أبغضك كثيرا مازال صراخك سكينا تهوي وتقطع في قلبي شريان القلب تستنزف منه دماء الحب أكرهك وأكره اسمك أمسحه حرفا حرفا عن ذاكرة القلب مزقت الر سم , خلت من رسمك أدراجي ورفوف الكتب , خلت منه جدران البيت كابوس حياتي أصبحت أكرهك كثيرا جدا امض إلى أقصى أركان الأرض لو ترجع أصفق بابي لا رجعة لي أبدا أبدا عن هذا الر فض من يحمل لي البشرى بزوالك يا هذا عن وجه الأرض الحزن يلف نسيج وجودي من أي كهوف | |||||