|
|||||
|
لا يمكن قراءة الرواية بوصفها كتاب تاريخ, أو فلسفة, أو كتاب علم نفس يحلل الشخصية ويسبر أغوارها فحسب, كما لا يمكن قراءة الرواية, وكأنها بحث اجتماعي يدرس المشكلة الاجتماعية, ويرصد أبعادها وتغلغلها في بنية المجتمع, فيضع لها الحلول والتوصيات فقط ; ولكن الرواية - والأدب بشكل عام - توحي لنا بكل هذا ورغم هذا لا يمكن مساءلة الرواية عن مدى واقعية الحدث, أو مدى توافقه مع المذاهب الفلسفية والاتجاهات النفسية, كما أنها لا تحاسب وفق مؤشرات اجتماعية, لأنها لا تعمل طبقا لمعاييرها, ولا ترجو أهدافا كأهدافها, قد تشابهها لكنها لا تطابقها. إن الرواية بتقديمها عالما يشبه العالم الواقعي الذي يشكل بعدا مرجعيا لها, تسعى إلى تعميق فهمنا للواقع, و إدراكنا لأبعاده المتعددة والمتنوعة ; تلك الأبعاد التي نعيشها أولا نعيشها, على أن ذلك لا يشكل الهدف الأول للرواية باعتباره هاجسا أدبيا . لا يمكن الجزم لماذا يكتب الأديب/ الكاتب, لأنه تساؤل يتضمن عدة إشكاليات, ويختلف باختلاف المنظور الذي ينظر به الأديب/الكاتب, الذي يتعدد بتعدد الكتاب, ولا يمكن الجزم أيضا لماذا يقرأ القارئ الأدب, أو ما يبحث عنه القارئ وهو يقرأ الأدب . إن ذلك رهن أيضا بالقارئ نفسه ونوعه. إن بناء العالم الروائي وهو يستند إلى مرجعيات مشتركة بين الكاتب والقارئ, وتميز هذا العالم بالتعقيد الفني والتداخل والغموض الذي يدفع القارئ إلى التورط معرفيا في النص, جعل ذلك القارئ مشاركا في النص وفي تشكيله, بل إن القارئ نفسه يتكون عبر النص, ويعيد إنتاج ذاته, ورؤاه, كما يعيد الكاتب إنتاج الواقع, ويقدمه إلى القارئ على النحو الذي يجد نفسه متورطا فيه. هذه العلاقة الجدلية, والإشكالية تحكم العلاقة بين الكاتب كمنتج للنص, وبين النص كرؤية لأنفسنا وللواقع والقارئ كمشارك ومتلق للنص. وهذه العلاقة لا تنشأ بمعزل عن ثقافة المجتمع وتاريخه الذي يضم هذا الثالوث فالنص يأتي نتاجا طبيعيا لثقافته ولكنه ليس بالضرورة أن يكون مرآة تعكس الواقع الثقافي والاجتماعي, فلا بد أن يتمتع النص بالاختلاف,و أن يقدم عبر رؤيته تميزه عن أي نوع آخر من الكتابة. تهدف هذه الدراسة من خلال هذا الفصل إلى التعرف على رؤية النصوص الروائية النسوية في الخليج, تجاه المجتمع والثقافة اللذين تنتمي إليهما, وكيف صورت هذه النصوص الواقع الاجتماعي, ودلالة هذا التصوير, وعلاقته بهذا الواقع, ولكنه لا يطرح هذه العلاقة بإخضاع الخطاب الأدبي إلى <<امتحان الحقيقة>>(1) ولكن من حيث أسلوب معالجة الواقع الاجتماعي من منظور أدبي . لقد تم تقسيم الروايات موضوع الدراسة إلى نسقين, لعدة اعتبارات, أحدهما هو الرؤية الفنية للواقع, وكيفية رؤية الكاتبة للرواية باعتبارها أدبا , ووفقا لهذا المعيار اختلف التعامل مع الحدث الروائي وسلوك الشخصيات والمنطق الذي انبنت على أساسه . ورغم تشابه بعض الموضوعات, والدلالة المباشرة للأعمال الروائية إلا أن ثمة اختلافات بين الموضوعات نفسها في النسق التقليدي والآخر الحداثي. وإذا تشابهت النهاية في الحدثين الروائيين في النسقين فإنها تعبر عن رؤية وخطاب مختلفين, ففي الأدب <<لا نكون أبدا بإزاء أحداث أو وقائع خام, وإنما بإزاء أحداث تقدم لنا على نحو معين, فرؤيتان مختلفتان لواقعة واحدة تجعلان منها واقعتين متمايزتين>>.(2) لقد ألحت موضوعات معينة أكثر من غيرها في الخطاب الروائي النسوي أو شكلت هذه الموضوعات هاجسا للكاتبات, كما يمكن ملاحظة بعض الموتيفات التي تتكرر وتؤكد حضورها في هذه الأعمال على الرغم من الإشارات العابرة لها في النصوص. إن الإلحاح على موضوعات بعينها تتمحور حول قضايا المرأة الأصيلة التي تتعلق بها ككينونة, ووجود, هي ما يقلق هذه النصوص, وهو ما يحرك ما كان ساكنا , مع اختلاف درجة الحركة أو سكونها, بين روايات النسقين وهي موضوعات تعبر عن واقع المرأة الاجتماعي والثقافي والإرث الحضاري الذي تتحمل تبعات سلطاته بمختلف أشكالها سواء كانت سلطة الثقافة/ المجتمع أوسلطة الدين أو سلطة الرجل التي تمارس ضد المرأة. وإذا كانت كتابة المرأة تحمل خصوصية ما سواء من حيث تناول الموضوع أو اللغة, فهل تعني كتابتها إفصاحا عن الأنوثة, أم أنها هروب منها, وتسام عن صفة الأنثى في المرأة, وترفع عن الجسد المؤنث, وبالتالي فالكتابة مفارقة للأنوثة وليست تعبيرا عنها(3). في هذه الدراسة يتم بحث دلالة الموضوعات التي طرحتها الأعمال الروائية النسوية في النسقين السردي التقليدي والحداثي, وذلك من خلال تقديم نماذج للموضوعات التي تتكرر في هذه الأعمال ويمكن بالتالي اعتبارها تمثيلا صادقا لبقية الروايات, كذلك ستتم الإشارة إلى المثيرات الأكثر إلحاحا فيها. بالنسبة للدلالة في روايات النسق السردي التقليدي سيتم بحثها من خلال : الطبقية الاجتماعية والواقع الاجتماعي للمرأة والرجل في المجتمع الخليجي, ومن ثم التعرف إلى رؤية الكاتبة وطريقة المعالجة . أما بالنسبة لروايات النسق الحداثي فسيتم البحث من خلال : إشكالية الجسد والحب والحرية في ظل السلطة بأنواعها, والنص الروائي وأسئلة الإنسان وطرح القارئ كمشارك في النص. أولا : الدلالة في النسق التقليدي : تعددت الموضوعات التي تم تناولها عبر روايات النسق السردي التقليدي, هذا التعدد لا يعني اختلافها من رواية إلى أخرى, وتكرارها يدل على وجود هم مشترك في هذه الروايات, وهو يشكل هاجسا بالنسبة للكاتبات ويدل أيضا على أن هذا الهم/ الهاجس, يأتي نتيجة لظروف ثقافية متشابهة وسياق تاريخي واحد. وتعتبر قضية المرأة أوصورتها وعلاقتها بالرجل من جهة, وعلاقتها بالمجتمع من جهة أخرى هي القضية التي تشكل هاجسا لأغلب روايات النسقين, وعبرها يتم طرح قضايا أخرى تتعلق بالمجتمع, أوالإشارة إلى مشكلات تحتاج إلى إعادة نظر أوبالنسبة لروايات أخرى تحتاج إلى حل. إن حصر هذه الموضوعات وتعدادها ليس هدفا لهذه الدراسة, ولكن التعرف على أسلوب التناول وطريقة التعبير هو ما يشكل هذا الهدف والإلحاح على أهمية الخطاب الروائي كما يقول سعيد يقطين : <<يكمن في أنه شكل من أشكال التعبير الذي يبرز من خلاله الاختلاف, فقد تكون المادة الحكائية واحدة, لكننا عندما نقدمها لكتاب عديدين نجد كل واحد منهم يقدمها لنا بواسطة خطاب معين, سواء داخل النوع الأدبي الواحد, أوضمن أنواع متعددة>>(4) وهذا الاختلاف يأتي نتيجة لاختلاف النظرة إلى المجتمع رغم تشابه الظروف الثقافية والتاريخية, وتختلف هذه النظرة إما باختلاف الموقع الذي يرى منه الكاتب, أوباختلاف السياق الزمني الذي يعيشه ففي الأدب يتغير تمثل المكان مع الزمان, ويعكس بدقة على ما يبدو وكيفية تطور وعي الطبيعة في الثقافة.(5) ولكن عندما تتشابه الرؤية وتمثل الرؤية وتمثل المكان بالنسبة لأكثر من كاتبة فإن هذا يدعو إلى التساؤل والبحث عن المسكوت عنه. لقد تم اختيار موضوع الطبقية الاجتماعية من المنظور الروائي لدراسة دلالتها وتلقياتها لدى الكاتبات, لأنه أحد الموضوعات التي شكلت إلحاحا خاصا للخوض فيها, وذلك بسبب تكرارها في معظم الروايات ليس فقط في روايات النسق التقليدي(6), وإنما أيضا في روايات النسق الحداثي(7), وإذا لم تناقشه أوتتناوله بعض الروايات بتوسع أكبر فإنه قد تمت الإشارة إليه باعتباره واقعا اجتماعيا يسم مجتمعات الخليج, يدخل في باب المسكوت عنه في حركة دلالتها. ما يلفت النظر أنه رغم اختلاف السياق الذي قدمت من خلاله تجليات أوأشكال الموضوع, غير أن هناك تشابها بين رؤى الكاتبات لهذا الموضوع مع اختلاف الدرجة في حدة الرفض أوالقبول, ولم تختلف كثيرا الصور ة التي ظهرت لهذا الوضع الاجتماعي في النسق التقليدي عنها في الحداثي, غير أنه في الأول أكثر وضوحا ومباشرة. فيما يتعلق بكيفية تناول موضوع الطبقية الاجتماعية في الأعمال الروائية تستند الدراسة إلى تقديم الموضوع من خلال رواية (الطواف حيث الجمر) من روايات النسق التقليدي بالمقارنة مع رواية (النواخذة) لفوزية شويش (الكويت) من الروايات الحداثية,لأن الروايتين تتناولان الموضوعة بوصفها موضوعا رئيسا للعمل الروائي, وأيضا لأنهما تتشابهان في بعض الموضوعات والتفصيلات التي سيرد تفصيلها لاحقا. وسوف تتم دراسة أوجه الشبه والاختلافات في هاتين الروايتين وستتم الإشارة إلى الروايات الأخرى التي تتناول الموضوعة نفسها. كما سيتم تناول هذه الروايات بوصفها أعمالا إبداعية لا تقاس بالواقع ولا يحاكم فيها المؤلف على أساس أن الإبداع الفني مستقل نسبيا عن الحتميات البشرية التي يمكن أن تسهم في إنتاجه, لذلك يتعين التمييز بين المؤلف والمؤلف, بين النص والواقع, ثم بين القراءة والكتابة .(8) الطبقية الاجتماعية ظاهرة ودلالة : تعد رواية(الطواف حيث الحجر) من الروايات التي تزخر بالمواقف والمفردات والعبارات التي تدل على الطبقية الاجتماعية بل والتمييز العنصري الذي كان يرزح تحته المجتمع العماني باعتباره جزءا من المجتمع في الخليج. وتتعرض الرواية بشكل مباشر إلى موضوعة (العبيد), وذلك من خلال الاتجار بهم, وشرائهم كرقيق, وكيفية التعامل معهم, والنظرة إليهم, كما تتناول الرواية الصور الذهنية الثابتة عن هؤلاء البشر التي لا مجال لتغييرها ضمن السائد والمتعارف عليه, وتطال هذه النظرة الأفارقة غير الرقيق منهم والذين لما يزالون في أوطانهم, وتعبر الرواية عن النظرة العنصرية تجاههم واستغلال بعض العرب لهم في تلك الحقبة الزمنية. وتفضح الرواية الازدواج الذي يعيشه المجتمع بين ادعائه المساواة بوازع من الدين, وبين إقراره لتجارة الرقيق وامتلاكهم كأي سلعة أخرى, وبين نظرتهم المحتقرة, وتعاملهم معهم. ومنذ بداية الرواية تتم الإشارة إلى الأفريقية التي تزوجها <<سالم>>(9) الذي ترك ابنة عمه البيضاء الجميلة من أجلها, فينعتها عمه بالسوداء, ويصفها بالخادمة وعاب عليه أنه <<ترك الحرات من أجل خادمة>>(10), رغم أن (ميا) زوجة (سالم) امرأة حرة ولم يمتلكها غير زوجها على سنة الله وشرعه, وهي ابنة لرجل عماني هاجر وتزوج هناك أفريقية وأنجب منها(ميا). والمفارقة أن العم كان قد نطق بعبارة << لا فرق بين الناس إلا بالتقوى>>(11) قبل وصف (ميا) بالخادمة. وتسمع (زهرة) الشخصية الرئيسة في الرواية أباها وعمها يتحدثان عن (سلطان) الذي يبيع العبيد وهما يذمانه وينعتانه بأبشع الصفات, بينما هما يخططان لشراء عدد من العبيد منه. لم تسلم (زهرة) نفسها من هذه الرؤية المزدوجة, فهي تعير أم (سلطان) بأن أبنها <<لص عبيد>>(12), العبارة التي ما تفتأ تذل وتهين (سلطان) بها في كل مناسبة . وتتساءل أيضا بدهشة << ألا يخاف ابنك من التلاعب بحياة الناس ? يبيع ويشتري ?>>(13) ورغم هذا فهي نفسها من تقول << يحرقني كثيرا أن ألقى الإهانة ممن يخدمنا في البيوت ونشتريه بأبخس الأثمان>>(14), وهي نفسها التي تهدد خميس الأفريقي الذي يعمل مديرا لمزرعة سلطان في السواحل <<سأبيعه>>(15), وهو يعمل في المزرعة بأجر, وقد اعتبرته عبدا لمجرد أن لونه أسود, ويعمل معها. وعندما يواجهها خميس بأن هؤلاء الأفارقة الذين يعملون معها هم في الأصل أحرار ولا يزالون,ترد << ليسوا أحرارا حفنة كسالى فقط>>(16). يلاحظ في الرواية تداخل فكرة العبودية وارتباطها باللون الأسود, فالعبد لا بد أن يكون أسود ولهذا هو عبد, ويصبح معنى أسود هو عبد مثل عبارة <<خادم أسود>>(17) فتتعلم زهرة منذ صغرها بأنها لا يجب أن تتزوج بأسود أوعبد << لكيلا أخرب النسل>>(18). كما تظهر العنصرية عندما تصف زهرة وجه ربيع عندما يبتسم وتذكر بأن الابتسامة <<تنير وجهه الحالك السواد>>(19)وهي تشمت - أي (زهرة) - في العمانيين الذين يتخذون لهم زوجات أفريقيات فينجبن لهم << قافلة من الأولاد بلون البن>>(20) وتشتبك النظرة إلى العبيد مع انثروبولوجيا الاستعمار بشكل عام الذي عمل على استغلال خيرات الأراضي والشعوب الأخرى, والتشدق في نفس الوقت بفضل الاستعمار في تحويل هذه الشعوب إلى شعوب متحضرة, فتقول زهرة عن الأفارقة <<إنهم بجحين, لقد صنعنا منهم شعبا متحضرا >>(21), وتقول لـ(ربيع) حين تنهره <<أليس لك مـخ>>(22) والواقع أنها تريده أن يكون كذلك حتى يتأكد فضلها عليه بتحضيره وتحويله إلى إنسان قادر على استخدام عقله. لم تتعرض الرواية (للعبيد) فقط, للتأكيد على الطبقية الاجتماعية التي تسود المجتمع بل تمت الإشارة إلى (الزطوط) في غير موضع فيها ووصفهم بأنهم بشر أدنى منزلة من (العبيد) حيث يعرف الزطي بأن <<عائلته مجهولة المنبت>>(23), و<<الزطي أوطأ من العبد>>(24) والزطوط << أقل شأنا>>(25) من العبيد, ولكنهم يشبهون العبيد في أنهم <<لا يعتدلون... و..العرق دساس>>(26), وهكذا فإن <<العبيد هم العبيد, والأسياد هم الأسياد>>(27). ولا يكفي أن يكون الحكم نهائيا وقاطعا , بل إنه يبرر ويسوغ, بأن هؤلاء البشر يقومون بالأعمال التي يتأفف منها الناس وتحديدا الأسياد <<وهم يعجبهم حالهم هكذا, يعرفون لماذا خلقوا?>>(28) وإذن فإن لا ذنب للمجتمع والناس إن عاملوهم باحتقار, فسبب خلقهم سلفا , غير هذا هم راضون عن حالهم ولكن زهرة أخيرا تعترف << كنت أقول..أن الناس سواء وأن الحر حر, والناس جميعهم أحرار, كنت أقول ذلك فقط لم أتعلمه ولم أؤمن به>>(29) والحقيقة أننا <<كلنا مراؤون>>(30) كما تقول زهرة. لقد عبرت الرواية بوضوح عن ما يعتري المجتمع من تناقض وازدواجية, بأن قدمت وجهين لأسلوب التعامل مع من وصفتهم الرواية بالعبيد أوالزطوط أوالخدم, وكانت زهرة نفسها المتمردة على الأوضاع الإجتماعية والرافضة لجل معتقداتها, واحدة من أكثر الشخصيات عنصرية,وأكثرها إلحاحا على إلحاق الإهانة بالآخرين, إما باحتقارهم, وإما بالتأكيد على مكانتها الاجتماعية كابنة (شيوخ). ولم يكن سلوك زهرة شاذا , بل كان تعبيرا حقيقيا عما يمارسه المجتمع ضد هؤلاء: <<الذين فقدوا نسبهم القبلي ولم يستطع النظام القبلي أن يجد لهم علاقة تدل عليهم فنظر إليهم نظرة مختلفة ودونية لأنهم خارج النظام المجازي.. إنها مزايا نسقية تجعل القبيلة والانتماء إليها للشرف الاجتماعي والرفعة الخلقية>>(31) ولهذا لا يستبعد أن يقوموا بكل الأعمال التي يأنف القيام بها الأسياد كما وصفتهم زهرة. ما يجب التأكيد عليه هنا هو أن الرواية رغم فضحها لهذه الازدواجية من خلال شخصية زهرة وكيفية تعاملها مع العمال والبحارة ونظرتها إليهم, إلا أنها كانت في الواقع تقف موقفا سلبيا من القضية العنصرية, وهي تلامس السطح لكنها لا تدرك العمق, وتصل إلى حقيقة أن الجميع (مراؤون), لكن هذه الحقيقة ما تقوله الرواية بشكل مباشر, وتقول شيئا أكثر, وإذا افترضنا أن النص سواء كان محكيا أوخطابا يقول دوما أكثر مما يقول أوغير ما يقول(32) فإن ما تقوله الرواية في النهاية أن هذا هو الوضع, ولا نملك غير أن نقبل به, فتأصل فينا, بل ونستمتع بممارسة فوقيتنا على من هم دوننا منزلة, فهذا يحقق ذواتنا, ويثبت وجودنا. لكن الرواية في نهايتها تستدرك ويخرج صوت واحد يعارض رؤية (زهرة), ليمثل الفكرة التي تتصارع ضد الاتجاه العنصري, وهو صوت (خميس) الأفريقي الذي يحقق في آخر الأمر ثورته وأهدافه, ويحرر أرضه وشعبه, نافيا بذلك كل التهم والصفات التي ألصقت به. ما يلاحظ في الرواية أيضا أنه لم تظهر أصوات معارضة لآراء (زهرة)/ المجتمع في هذه الفئة من الناس, حتى المعنيون الذين تتوجه إليهم زهرة بالتهم والانتقاد, وهم بذلك يسلمون بكل ما تقول بل ويقرونه, حتى (سلطان) الذي يعارض زهرة في كل صغيرة وكبيرة لم يكن يملك من أمره شيئا عندما يتحول الإشكال إلى النسب القبلي, والمكانة الاجتماعية, وكأن الرواية تؤكد على أنهم (راضون) عن وضعهم هذا, وهو أمر كالقضاء والقدر لا مفر ولا مناص من الاستسلام له. ليست (الطواف حيث الجمر) وحدها التي تصل إلى هذه النتيجة: الاستسلام والرضا بالواقع الذي وجدوا أنفسهم فيه أو أوجدوا فيه بالقوة, كذلك فإن رواية (النواخذة) تنبني على أكتاف (العبيد) الذين يظهرون جزءا أساسيا في تكوين المجتمع وبنيته, وهي تقدم صورة للعلاقات التي تجمع بين السادة والعبيد وهي صورة كما تظهرها الرواية تمثل حالة من التوافق والانسجام, فكل يعرف دوره ومكانته, فلا يحدث أي خرق لما هو سائد . فالرواية التي كتبت (لتمجد) مهنة (النواخذة) من خلال شخصية (إبراهيم العود) وأبنائه وأحفاده عبر ثلاثة أجيال, أخذت تمجد كل ما يقوم به (النواخذة) من قتل وسلب واختطاف بشر من أوطانهم, وبيعهم, وامتلاكهم, ومن ثم اتخاذهم خدما وحظايا. مثلما فعل (النوخذة إبراهيم العود) الذي اختطف رجاله من مجاهل أفريقيا عددا من النساء والفتيات والصبيان والرجال, مات من مات منهم في الطريق إلى الخليج, واغتصبت من اغتصبت حتى وصلوا إلى أرض الوطن الجديد بعد أن توقفت السفينة في كل مدينة تقع على الخليج العربي, لتفرغ الشحنة المطلوبة من العبيد. ثم يختار (النوخذة إبراهيم العود) (منجي) الفتاة التي أعجبته بعد أن باع الآخرين, لكنه يبقي على أخيها الصغير معها. ثم تحمل (منجي) بعد ليلة انتظر فيها سيدها (إبراهيم العود) الزيارة الأسبوعية لزوجته أم عبد العزيز. وتخبرها (إحدى العبدات): <<لعله خير لك وخير عظيم..تدرين لو ولدت طفلا معافى ستنالين حريتك, تعتقين وتصبحين سيدة وطفلك يصبح نوخذة........ بإمكانك يا جنة أن تعودي لمكانك.. لموطنك.. لبلادك.. أهلك وأمك.. بعد الولادة اطلبي ما تريدين من عمي النوخذة>>(33) لكن جنة وقد أصبح هذا اسمها الذي وهبها إياه النوخذة لم تفكر في العودة إلى بلادها لأنها تكتشف أن بإمكانها أن تحصل على كل شيء تريده حيث هي الآن, و<<الوطن أصبح بعيدا. والذاكرة محت تضاريسه>>(34) بعد الولادة تصبح (جنة) ; <<أم عبد الله السيدة الحرة زوجة النوخذة إبراهيم العود>>(35) وطلبت من زوجها أن يعتق أخاها الذي أصبح اسمه الجديد (مرزوق) بحجة انه ليس من اللائق أن يكون لابن (إبراهيم العود) خال عبد. وأصبحت (أم عبد الله) بعد وفاة أم (عبد العزيز) الآمرة الناهية المتصرفة في كل شؤون البيت الكبير : <<جنة روح البيت الحقيقية.. راحته.. هدوؤه وجنته, كل المنازعات تحلها (جنة).. كل خصومات الأزواج تصلحها (جنة).. كل معارك الأطفال تفضها (جنة) وتعتبرها زوجات الأبناء قدوة في <<الطاعة.. الحب والعطاء>>(36) لم تقف هذه الرواية موقفا عنصريا من (العبيد) لكنها أيضا لم تقف موقفا ناقدا ضد الاستعباد, ورغم أن الأدب لا يمكن أن يكون محايدا غير أن الرواية لم تدن مهنة النواخذة التي لا يزال المجتمع يعيش من خيرها كما تقول الكاتبة في مقدمة الرواية, وإذا كانت الرواية قد اتخذت موقفا ما فإنه موقف يتفهم ويتعاطف, رغم ما أشارت إليه الرواية من ممارسات العنف والاغتصاب في رحلات (الصيد) صيد البشر وبيعهم. فالخطاب الأدبي الذي يؤول واقعا ثقافيا سابق الوجود يميل كذلك وفي نفس الوقت إلى العالم الواقعي الذي يعنيه ويكشف عنه ويصفه ويخلقه أويفنيه.(38) والعالم الواقعي الذي يعني هذه الرواية وتكشف عنه هو عالم منسجم ومتوافق مع بعضه البعض, ولا يقوم على صراع رغم حساسية القضية. الرواية لم تقم بإعادة خلق أوإقصاء هذا العالم رغم توجهها إلى الحاضر كعالم مرجعي وتكتفي بالكشف والوصف في أسلوب أقرب إلى التمجيد منه إلى الانتقاد. ولإضفاء مزيد من المصداقية على حركة المجتمع المتوافقة بأفرادها السادة والعبيد, يأتي الرضا والاقتناع بحياة العبودية والنفي خارج الوطن من قبل (العبيد) المخطوفين أنفسهم كما حدث مع (منجي) أو(جنة) أو(أم عبدالله) الحرة التي تصبح حرة مرة أخرى. لا شك أن << تلقيات الرواية ومؤلفها كذلك تختلف باختلاف الأسيقة التاريخية والأيديولوجية>>(38), ولكن في حال أن الرواية تقدم مشاهدها وأحداثها ضمن نفس السياق, فإن تلقي الرواية ورؤية مؤلفها تخضع لنفس المعيار, فالقارئ يفهم الرواية وفق رؤية المؤلف ومن ثم تكون له تأويلاته الخاصة, وقراءته للحدث. في النواخذة يظهر الانحياز وبالتالي العنصرية ضد جنس معين من البشر والتعصب لجنس آخر, وذلك من خلال المقارنة بين موقف (منجي) التي ترفض العودة إلى وطنها, وقد أعجبت بالمدينة (الكويت) في بداية وصولها, وبين موقف (نايفة) البدوية التي تزوجت (عبدالله), وعدم قدرتها على التأقلم على العيش داخل الجدران وهي التي كانت تعيش في صحرائها الواسعة لا يحدها شيء, وعانت لفترة قبل أن تتعود على الوضع في (الحضر) وهي التي لا تبعد الصحراء التي قدمت منها سوى عدة أميال. لم تقف الرواية موقفا انتقاديا من المجتمع والثقافة اللذين لا يقفان محايدين في واقع الأمر من موضوعة (العبيد), وإن تناسلوا وأصبحوا جزءا من نسيج المجتمع, فالثقافة تنظر إليهم باعتبارهم أقل منزلة, وهم يعانون من نظرة دونية, وهم وإن اعتقوا يظلون بلا نسب, ولا لقب ينتمون إليه إلا إلى أسيادهم. لم تظهر الرواية الصراع الذي يحقق لها روائيتها, الصراع بين الذات والآخر والذات والواقع الاجتماعي, هناك استسلام من الشخصيات لواقعها يدعمه الرضا والعرفان بالجميل للسيد الذي يأمر ويهب وينهى ويعتق. إنه انسجام لا يتحقق إلا في مخيلة لا تشبه الواقع وفي نفس الوقت لا تتميز بالفنية الروائية و<<على الروائي أن يمتنع عن استلهام نوع من الوحي الجاهز يأتيه من سماء تتسم فيها الأشياء بالتكامل ولا يعرف عنها شيئا>>(39) هناك واقعية سطحية ومباشرة, واتجاه يعبر عن رؤية واحدة,سواء في الطواف حيث الجمر أوالنواخذة, وهذه المعالجة لم تحقق خصوصية الرواية باعتبارها شكلا من أشكال السرد الذي يتجاوز مجال الأدب ليكون أحد المقومات الأساسية لفهمنا للواقع(40) إن تكرار علاقات الحب التي تفشل بسبب التمييز الاجتماعي, والذي في كل الحالات تكون المرأة في الدرجة العليا والرجل في الدنيا, يدل على تغلغل هذه الظاهرة في نسيج المجتمع بحيث يشكل هما إبداعيا تحاول الكاتبات أن يعالجنها أو يشرن إليها بشكل أوبآخر. وكل هذه العلاقات توأد في بدايتها, عندما يعلم أحد حراس الثقافة بأمر هذه العلاقة الخارجة عن المألوف التي يرفضها المجمتع, فـ(وسمية) تغرق منذ اللقاء الأول بـ(عبدالله) ابن مريوم الدلالة عندما يظهر أحد رجال الدورية الليلية(41), وهيا تحبس لأربعين يوما في الظلام في غرفة ضيقة عندما يعلم أبوها برغبة (سعود) العامل البسيط في الزواج منها وتخرج من الحبس وقد فقدت عقلها(42), و(وضحة) تجبر على الزواج من رجل مزواج وهي تحب ابن مربيتها, وحتى بعد طلاقها تعاد إلى زوجها دون أن يرجع إليها في ذلك(43) ولم تختلف معالجة الروايات التقليدية عن الحداثية في التعامل مع هذا الموضوع ; الاستسلام وتقبل الأمر الواقع,وعلاقة تنتهي نتيجة الظروف الاجتماعية التي لا مجال لتجاوز شروطها وقوانينها. النموذج الفاعل الوحيد في الروايات هو شخصية (سعود) الذي يصر على أن يفعل شيئا ويتحدى هذا الواقع, فيذهب ليطلب يد (هيا) بواسطة إمام المسجد, لكن الإمام الذي يتساوى الناس خلفه في الصلاة, يدرك صعوبة الأمر لأن الأمور خارج المسجد شيء آخر, وعندما يعلم (إبراهيم العود) بالأمر يعلن غضبه ويصبه على ابنته التي يقضي على حياتها ويدفعها للجنون(44). تنحاز الرواية إلى قصة الحب, وتدين كل ما يسعى إلى القضاء عليه, وتثأر علاقة الحب لنفسها,عندما يقوم (سعود) وقد انضم إلى مجموعة من القراصنة ويهاجم سفينة (النوخذة) ويقتل ابنه البكر ويحرق سفينته, انتقام لا يقضي على الخصم لكنه يعاقبه ويعلن رفضه لكل ما يشير إليه ويرمز. إنها <<لغة بوجهين, دال ومدلول, محكي ومكتوب, وشعري وسردي>>(45). إنها اللغة التي تتأرجح بين الإدانة والتفهم, ترفض في حالات وتقبل في أحوال, لغة تدل على تاريخ يمجد ومدلول لا يرفض الواقع ولا يقبله. إن التعاطف مع قصة الحب شيء وإدانة أسباب وأدها شيء آخر, تتعاطف الأعمال الروائية مع قصة الحب ومن هذا المنطلق تدين الطبقية الاجتماعية التي لا تؤدي فقط إلى فصل الحبيبين ولكن وفي الغالب إلى القضاء على الحياة الطبيعية للمحبين إما بالموت, أوالجنون أوالهرب إلى خارج المجتمع أوالنفي إلى حياة الحقد والانتقام. تعد <<ملامسة السطوح واحدة من مشكلات التأليف والإبداع العربيين>>(46). التي تحول دون الوصول إلى جوهر الإشكال, وكأن المشكلة الفنية هي حكاية نادرة حدثت وانتهت دون أن تترك أثرا, دون أن تحلل, وتقارن بالواقع,ودون أن يقوم المؤلف/ الكاتبة بدوره في التخييل وإعادة خلق الحكاية بما يجعل القارئ هو الآخر مأزوما وشريكا في المشكلة الإبداعية. تصل كل الروايات في النهاية إلى حتمية واقعية تحصر الخطاب الأدبي وتحدد زاوية رؤيته فتضيق لتعبر عن رؤية واحدة, وبالتالي فهي لا تتعامل مع الحكاية باعتبارها خطابا : << ينهض على مستوى الأيديولوجي, فيحدد له موقعا فيه, موقعه هو نموه, ونموه هو اختلافه, هو حركته التاريخية التي تجدد ديناميتها في الصراعية التي تدفعها حوافز بشرية باحثة عن حقها في الحياة ضد من يسلبها الحياة>>(47) إن تلك الرؤية تنطلق من واقع اجتماعي تعبر عنه وتؤكده, وهي أيضا كأعمال إبداعية لم تستطع - رغم محاولاتها- التحرر من وطأته, واحتلال موقع رؤيوي خاص, يناهض الرؤية الواقعية ويعارضها, أكثر من أن تكون مجرد رؤية تابعة تتفهم الواقع وتعذره, وضمنا لم تحسم بعد كرؤية إبداعية ذات خطاب مغاير موقفها من المجتمع, ولم تمتلك أساليب تعبيرية ضمنية تسمح لها بتبليغ خطابها دون أن تكون قد قالته بالفعل(48). ثانيا : الدلالة في النسق الحداثي : يقول أمبرتو إيكو : <<لقد خلف لنا التاريخ تصورين مختلفين للتأويل. فتأويل نص ما حسب التصور الأول يعني الكشف عن الدلالة التي أرادها المؤلف, أوعلى الأقل الكشف عن طابعها الموضوعي, وهو ما يعني إجلاء جوهرها المستقل عن فعل التأويل. أما التصور الثاني فيرى العكس من ذلك, أن النصوص تحتمل كل تأويل>>(49) تسعى الدراسة إلى قراءة النص الروائي من خلال الطابع العام لموضوعه, ومحاولة تأويله باتجاه يحتمله النص, وذلك من خلال إشاراته, ودلالته الإيحائية. ولابد من التأكيد على أن التأويل لن يكون اعتباطيا في << صنع المعنى>>(50), وإنما سيقوم بالبحث عن المعنى على <<اتباع الطرق الدلالية والنحوية والتداولية المختلفة التي تخرجنا من نطاق كلمات النص>>(51) وستتناول النص الروائي من حيث طرحه لإشكالية الحب والجسد, وعلاقته المعرفية بالعالم والإنسان ومشاركة القارئ في النص. لقد عبرت بعض روايات النسق الحداثي مثل رواية (القلق السري) لفوزية رشيد ورواية (خاتم) لرجاء عالم من خلال لغتها الموحية, وأسلوب تناولها للأحداث يكشف عن وعي عميق, وإدراك ذي حساسية عالية تجاه الواقع وثقافته, وهيمنة سلطاته بأنواعها على الفرد في المجتمع, وأثر ذلك على العلاقات بين الأفراد,ولا سيما بين قطبيها الرجل والمرأة. وقد انطلقت هذه الروايات في التعبير عن مشكلات الإنسان ابتداء من مجتمعاتها المباشرة إلى المجتمع الأكبر الذي يمثل الإنسانية في كل المجتمعات بهمومه وأسئلته ورؤيته للكون والحياة ولوجوده كإنسان مرتبط بقيم أخرى مثل الحرية, والسعادة والحب. وكان البحث عن اليقين والمعنى,و الهوية الجسدية والإنسانية هو السؤال الكبير الذي سعت الروايات إلى الكشف عن التباساته, وتحديد جوهره, والتعبير عن علاقاته مع محيطه وثقافته(52). وإذا كانت بعض روايات هذا النسق مثل روايات (الشمس مذبوحة والليل محبوس) و(النواخذة), و(مزون وردة الصحراء) لفوزية شويش, ورواية (الفردوس اليباب) لليلى الجهني قد طرحت أسئلة عميقة حول واقع المرأة العربية انطلاقا من مجتمعها المحلي/ الخليجي, وحول علاقتها بجسدها من جهة وعلاقتها بالرجل من جهة ثانية ومن ثم رؤيتها للجسد وفقا لهذه العلاقة (53), فإن الروايات بصدد التحليل هنا عبرت عن رؤيتها من خلال حكاية محلية/ عربية لكنها لم تقتصر على مجتمع بعينه, بل عبرت عن مجتمع إنساني يشكل فيه المرأة/الإنسان المعنى أواللامعنى, هذه الروايات تعبر عن أزمة هذا المرأة/ الإنسان في واقع اجتماعي يختلف تاريخا وثقافة وأسلوب حياة. لكن الروايات تعتمد في ذلك مرجعية مشتركة مع القارئ العربي,ولهذا فهي تحيل وتؤول وتقدم المفارقة على أساس المجتمع الذي ينتمي إليه كل من الكاتبة والقارئ. وبذات الحركة التي انطلقت فيها الروايات/ الحكايات من المحلي إلى الإنساني, تنطلق من الذاتي إلى الموضوعي, ومن الخاص إلى العام, وهذه الحركات تشكل هواجس, و قلقا إبداعيا حادا تغير في مسار السرد, وتتقدم به وترتد إلى نقطة البداية: إنه <<عند إبداع رواية ما ثم عند إبداعها ثانية بقراءتها قراءة واعية نتعرض إلى نظام معقد من العلاقات ذات المعاني المتعددة,فإذا حاول الروائي مخلصا إشراكنا في تجربته, وإذا بلغت واقعيته درجة كبيرة من الدقة, وإذا كان الشكل الذي يستخدمه مناسبا تاما لموضعه, فإنه بالضرورة سيأخذ في اعتباره هذه النماذج من العلاقات المتباينة داخل عمله>>(54) 1- إشكالية الحب والجسد والحرية : يدخل الجسد بوصفه مكونا أساسيا في تشكيل العلاقات في روايات فوزية شويش الثلاث(55) وهو سبب رئيس في انفراج العلاقة وتأزمها, وفي استمرارها, وتوقفها. وسؤال الجسد في (مزون وردة الصحراء) ظل يبحث عن إجابته عبر ثلاثة أجيال عالجت موضوعه في أطر مختلفة وأزمان متباينة, لترسم في النهاية شكلا لعلاقة يكون الجسد هو المقياس الذي يقيم العلاقة ويقيمها. لم يطرح سؤال الجسد منفردا عن متغيرات أخرى مثل الحب, وإدراك المعنى في الحياة, بيد أن هذه المتغيرات لم تجعل هذا السؤال سهلا بل أدخلته في دوائر من التعقيد لها بداية ولا نهاية لها. وعبر التجارب الثلاث لكل من (زيانة وزوينة ومزون) تتخذ تجربتا (زيانة), و(مزون) اتجاها متقاربا يسير صوب الجسد والبحث عن ماهية العلاقة بين الجسد والحب, لكن تجربة (زوينة) تتخذ اتجاها معاكسا, صوب اللاجسد, إلى الحياة بعيدا عن رغبة الجسد ومتعته التي فقدتها بسبب عملية الختان التي شوهت جسدها, وأفقدتها الإحساس به. وضعت (زيانة) منذ اليوم الأول الذي وعت فيه ذاك الانجذاب القوي باتجاه (إيف) كل الأسئلة التي تحد من انجرافها خارج علاقة الزواج, فعاشت حالة من الصراع والتجاذب بين أفكار عدة, واستطاعت في النهاية أن تقصي كل الأسئلة وتجيب على بعضها وتفسرها لصالح الجسد رغم إلحاح صوت زانية البئر التي ظلت تئن تحت وطأة الرجم, الصوت الذي اختفى في الوقت الذي توافقت فيه رغباتها وقناعاتها, في الوقت الذي أحدثت فيه التوازن بين عقلها وقلبها, وأصبحت تبحث عن المعاني الأخرى الكامنة وراء الجسد ورغبته, وراء تمرده على كل أساليب القمع والعقاب. انطلقت (زيانة) في بحثها هذا من مسلمة أنه <<أمام عشق حقيقي لا تنفع تعويذة ولا حصن حصين.. ليس أمام العشاق إلا فريضة التسليم والرضوخ>>(56), ثم بدأت تتبع أسباب هذا العشق بدءا بغياب (حمود) - زوجها - لمدة عامين في زنجبار, الغياب الذي <<جعل كل جانحة من جوانحي تتعطش للحب>>(57), وهي تصف علاقتها بـ(حمود) بأنه <<ليس ما يسمى عاطفة لكنها شراكة الجسد>>(58) كانت (زيانة) تحتاج إلى مسوغات تبرر لها ما يمكن أن تفعله ضمن تداعيات الحب والجسد, فكان لابد من التحرر النفسي, ولابد من التفكير بصوت عال عن العادات والتقاليد, واختلاف الثقافة بينها وبين (إيف) عالم الآثار الفرنسي, فتدخل معه في حوار يعبر طرفاه عن انتمائه الثقافي فنحن <<نعيش وفقا لهذه القوانين أكثر مما نعيش وفقا لإرادتنا ورغباتنا.. نحمل إرثا من حياتنا حتى الممات نقبله كقانون..لا نستطيع الخروج عنه وإلا وهبنا أرواحنا لضياع أبدي>>(59) ومنطق الثقافة الأخرى يوضح أن هناك <<قرارات فردية لا تخص غيرنا سواي وسواك>>(60) لكن (زيانة) لا تستطيع تجاهل المحددات الاجتماعية والدينية التي ورثتها جيلا بعد جيل لأنها لا تتسامح مع المرأة ولا سيما المتزوجة إن هي <<أحبت وخانت زوجها>>(61), والثقافة ترد أن <<ما يجمع بين رجل وامرأة حتمية مقدسة>>(62), ولكنه ليس الواقع وحده وإنما هناك ثقل آخر <<ما تريده مني يحتاج على الحرية.. وأنا لا أملكها.. بيني وبينك مفهوم للحرية مختلف>>(63), لكن المنطق يملك مبرراته دائما فالحرية << تأتي من الداخل.. أنت حرة في حبك لي, وأنت حرة في اختيارك لي وجسدك وقلبك حر فيما يختاره ويرغبه>>(64) وتقتنع (زيانة) وتبدأ في <<جس حروف الرغبة وتهجئة تضاريس الجسد>>(65), وبدأت في تقييم علاقتها ب-(حمود) الذي << يحرث أرضه بالقوة والسرعة, قد تصل بي وقد لا تصل.. تشبع أولا تشبع>> بالمقابل فإن العلاقة مع (إيف) <<تقدس وتحتفي بكل ذرة من ذرات البدن>>(66), امتد تأثير هذه العلاقة الجديدة إلى كل شيء في حياة (زيانة) لأن <<ثورة الجسد حررت روحي وفكري>>(67) في هذه العلاقة كان الجسد غاية تدرك في حد ذاتها, ولكنه كان أيضا وسيلة لإعادة اكتشاف الذات والآخر والحياة, وكان سبيلا لإدخال(زيانة) وتعرفها على ثقافة أخرى تعبر عنها ولا تعيشها. لم تعان (زيانة) صراعا كبيرا يعادل ثقل التراث والواقع, وإلحاح صوت زانية البئر/ الدين, قبل أن تقرر الاستسلام لرغبة الجسد, الذي كانت نتيجته الحمل غير الشرعي بجنين اضطرت إلى ولادته سرا في الجبال بمساعدة خادمتها (صالحة). كذلك لم يكن الحصول على المتعة التي تجاهلت (زيانة) من أجلها كل شيء دون مقابل, حيث اضطرت إلى التخلي عن المولودة(زوينة) وتركها أمام بيت أحد سكان الجبال لتربيتها, الأمر الذي جعل (زيانة) تشعر بالذنب, والندم سنوات طويلة قبل استرجاع ابنتها إلى رعايتها. استمر عقاب الثقافة ل-(زيانة) عندما تعرضت (زوينة) إلى عملية ختان بشعة كادت أن تودي بحياتها,بعد أن لازمتها الحمى لأيام كانت فيها بين الحياة والموت. وتظهر المفارقة الكبرى في العلاقة بالجسد عندما تحرم (زوينة) من الإحساس بجسدها في علاقتها بزوجها بسبب الختان, وكأن ما نشدته (زيانة) خارج إطار الزواج, تعاقب عليه لاحقا في شخصية (زوينة) التي ظلت محرومة من حق شرعي, بسبب خطيئة ارتكبتها الأم في حقها وحق نفسها. <<إن تحول الجسد من قيمة جنسية إلى قيمة ثقافية أدى إلى ظهور نموذج نسوي فريد هو بمثابة الإبداع النوعي في جنس النساء>>(68) هذه القيمة الثقافية أكدت هويتها أيضا روايات أخرى(69) وجعلت من العلاقة بالجسد علاقة تتعامل مع المجتمع وثقافته, واكتشاف الجسد عن طريق الحب هو ما يذكي جذوة المقارنة بين الجسد بعاطفة وجسد بلا عاطفة, وكانت الثقافة نفسها عاملا أساسيا بالنسبة ل-(مزون) التي لم تصل إلى إجابة على السؤال بنفس السرعة والحسم الذي وصلت به (زيانة), وكانت رحلة (مزون) في الكشف عن جوهر العلاقة بين الحب والجسد احتاجت إلى اكثر من مجرد حديث يجلي الرؤية, احتاجت إلى ثلاث تجارب قبل أن تصل إلى اتفاق يعقد الصلح بين طرفي الثنائية. بحثت (مزون) عن شكل للعلاقة مثالي, شكل كامل يجمع بين متقلبين, الجسد الذي لا يثبت على حال, والحب الذي يبحث فيما وراء الجسد وما وراء اللحظة, ومشكلة (مزون) تبدأ من مقدمة أن << الحب لم يثر شهيتي>>(70) و<<لم أتصور أبدا أن هذا الثدي الجميل يصبح رضاعة لفم طفل نهم يمتصه كما يمتص العجل ثدي البقرة>>(71) خشيت (مزون) على نفسها كذات أنثوية من اقتحام يضعفها, وخافت على نفسها كجسد يتم اجتياحه فيصبح بلا قيمة, مجردا من ذاته المميزة. لهذا لم تستطع (مزون) أن تمنح (خالد) الذي تزوجها وأحبها كامل حبها, وقد أحس (خالد) بذلك الجزء الذي يتوارى بعيدا عنه ويوتر العلاقة بينهما وكان يلح عليها <<أحبيني... أحبيني>>(72) لقد أحبت (مزون) في (خالد) حبه لها, وبهذا المعنى أثار شهيتها للحب لكنه لم يشرع باب التأمل في مسألة الجسد والحب معا. لم يكن الجسد حاضرا في علاقة الزواج التي ربطت بين (مزون) و(خالد) ويرجع سبب ذلك إلى أن الزواج علاقة تتوافق مع الشرائع والأعراف, ويصبح التعاطي مع الجسد ضمن متطلبات الزواج, وبهذا يصبح الجسد مجرد شيء عادي. قام الجسد بوظيفة تكميلية للجزء الناقص في العلاقة, وخفف من حدة الخلافات الكامنة التي << تذوب وتتناهى وتصغر تحت اجتياح المد الهرموني المتصاعدة أبخرته الحارقة والمؤججة للبدن بلهيب الرغبة والتواصل>>(73) بعد موت (خالد) في حادث سيارة, يظل سؤال (مزون) بلا إجابة << هل أدركت أنا ذلك الحب?>>(74) في علاقتها بـ(ضاري) تحاول (مزون) أن تجد الإجابة في علاقة يشكل فيها الجسد حضورا عنيفا ومكثفا, حضورا ينفي ما عداه, فمنذ اللقاء الأول بينهما وعندما تلمس ذراعه ذراعها بالصدفة <<تقدح جمرة اشتعال من ذراعه إلى ذراعي ومنها يعمر جسدي باللهب والارتعاش, وشيء خارج عن إرادتي يجتاحني في لحظة عبور غريبة تهز جسدي بشكل لم أعرفه من قبل>>(75) منذ تلك اللحظة تبدأ (مزون) في تأمل ماهية الجسد,في رغباته, وانفلاته,وفي تحرره وتمرده,و في علاقته بالأنوثة وهرموناتها. وتطرح (مزون) أسئلة حول الذكورة والفحولة, وتكتشف لأول مرة << هذا الجزء الحيواني ]الذي تطلق عليه[ تهذيبا اسم الأنوثة... هذا الجزء الخارج على التشذيب والتهذيب وقيد العادات والتقاليد>>(76), ويتأكد حضور الجسد المكثف من خلال استخدام مفردات معينة في وصف (ضاري) الذي يشير اسمه إلى الضراوة التي وصفتها بأنها <<جاذبية ذئبية>>(77) وهي تصفه أيضا بأنه << قناص جامح... أخرج بربرية أنوثتي إلى شكلها الحيواني الفالت من التدجين والتهذيب>>(78) ويهم (مزون) أن تكون << الأنثى القوية الكاملة>>(79), لأنها تدرك مقوماتها الجسدية والفكرية كامرأة جميلة ومثقفة, والبحث عن الكمال في العلاقة, والمساواة مع الآخر ضرورة نفسية/ فنية لها, فهي تكمل النقص الذي اعترى (زيانة) المتمثل في الثقافة والوعي المتقدم للذات والجسد والمجتمع, وتكمل النقص الذي اعترى (زوينة) أيضا المتمثل في اكتمال الجسد, والاعتزاز بمقوماته الأنثوية, لذلك يقلق (مزون) ألا تكون ندا مساويا للآخر/ الرجل. ثم تبدأ (مزون) في تحرير نفسها باتجاه الجسد عندما تجد إجابة لسؤالها <<هل أنا أنثاه الند ? ولذا نحن متساويان في الجذب والجاذبية?>>(80) عندما <<تلتقي ضراوة الند في الحيوان>>(81) وتتفجر طاقات الجسد. لكن (مزون) لم تسلم من الإرث الثقافي الذي تحمله وتقع تحت طائلته, وتدخل في صراع بين الانجراف وراء رغبة>>هذا الجسد الملعون ]الذي[ يكاد يخرج عن طوعي ويلتحم بحيوانيته المفقودة... ضد إرادة عقلي ووعي.. ضد الأسئلة المنهمرة كالمطر.. وضد قناعاتي المسبقة>>(82) أو التوقف واحترام ذلك الإرث. في النهاية ينتصر الجسد بحضوره الطاغي, برغبته التي لم تتمكن (مزون) من كبح جماحها و<<وجهر الجسد بإرادة التحدي.. نبذ قوانيني الصارمة>>(83) في هذه العلاقة اكتشفت (مزون) الأمر الذي ينقص علاقتها بـ(خالد): <<هوس الحب>>(84) كان زواجها يفتقد هذه المشاعر المتأججة في العاطفة والجسد معا. لكن سؤال الحب والجسد لا يزال معلقا في سماء تأملات (مزون) السؤال الذي لم تجد إجابته كلها في العلاقة بـ(ضاري). بدائية (ضاري) هي ما أقلق العلاقة,وجعل (مزون) تتخبط في تساؤلاتها << إذا لم يكن حبي لخالد هو الحب هل هو هذا الحب المتهور الضاري هو الحب المرغوب والمطلوب>>(85) لم ترض (مزون) عن علاقتها بـ(ضاري) لأنها لا تبحث عن مميزات تقنعها وحدها فقط, بل تبحث عن اتفاق اجتماعي على هذه المميزات, فاستخدام صيغة اسم المفعول (المرغوب, المطلوب) ولا تحدد من يرغب ومن يطلب, تدل على أن (مزون) مدمجة في الآخر/ المجتمع الذي له شروطه ومواصفاته الخاصة. ظلت (مزون) تتذبذب في البت في أمر العلاقة حتى ظهر (برنار مارتين) فكان <<معراج الرحمة والخلاص>>(86) لأنه يتمتع بالجاذبية والوسامة بما يكفي لإثارة الجسد, و<<اشتعال العاطفة>>(87), وهو مخرج فنان محترف يعرف تماما متى يصور ومن أي الزوايا, وجمع بذلك كل الصفات التي نقصت في (خالد وضاري). أصبحت الصورة واضحة في ذهن (مزون) : <<الحب... الكراهية.. والغيرة والاختلافات كلها تعني لي (ضاري).. الاحترام.. التقدير.. الإعجاب والراحة والسكون.. المعرفة والتقدم والنجاح كلها معنى واحد (برنار)>>(88) بعد رحلة البحث والاكتشاف, ترفض (مزون) الحب وصبوات الجسد, وتكتفي بالإعجاب, وذلك في مقابل الحصول على المعرفة والتقدم والسكون والراحة, لكن هل يمكن لـ(مزون) أن ترتاح إذا هي اكتفت بمعايير عامة, معايير تتفق فيها مع الرؤية المثالية للمجتمع في اختيار الشريك, وتترك خصوصية الحب والجسد اللذين يمثلهما ضاري والثقافة التي يمثلها. هل تنحاز (مزون) لمعطيات الثقافة الغربية لتحصل على النجاح والمعرفة مقابل التضحية بالحب, أم أنها لعنة السلالة كما ادعت (مزون)? يظهر الانحياز للغرب من خلال علاقة (زيانة) بـ(إيف) الفرنسي أيضا الذي تفضله على زوجها لنفس أسباب (مزون), وتؤكد على أن حبه أدخلها << بوابة الحضارة>>(89). تتكرر فكرة تحقق المرأة في فضاء ثقافي مختلف في أكثر من عمل روائي(90), سواء في روايات النسق التقليدي أم الحداثي, وهذا يشير إلى أن المرأة تفتقد في علاقتها بالرجل الذي ينتمي إلى ثقافتها نفسها إلى استقلال ذاتها واحترامها, ويتم التعامل معها باعتبار أنها نمط عادي ضمن المجتمع دون تمييز أوتفرد. في رواية (مزون وردة الصحراء) أيضا محاولة للكشف عن عالم الأنثى الداخلي, ولتشكيل فضاء خاص بها, والبحث عن قيمة خاصة تعنى بتفاصيل الجسد, والتصريح عن مشاعر وأفكار تختلف عن السائد في مفاهيم الأمومة والحمل والجنس. وهذه الرواية يمكن أن تدرج ضمن الأعمال التي وصفها الغذامي بأنها محاولة واعية لتأسيس قيمة إبداعية للأنوثة تضارع الفحولة وتنافسها التي تتحقق عبر كتابة سمات الأنوثة, وتقدمها في النص اللغوي لا على أنها استرجال, وإنما بوصفها قيمة إبداعية تجعل الأنوثة مصطلحا إبداعيا مثلما هو مصطلح (الفحولة).(91) إن وجود المرأة في فضاء يختلف عن ثقافتها الأم كان عاملا مهما لتحققها ونجاحها على مستويات عدة, فعلى سبيل المثال تنجح (نورة) الشخصية الرئيسة في رواية (أشجار البراري البعيدة) أثناء إقامتها في بريطانيا في دراستها وتحصل على شهادة الدكتوراه بتفوق في مجال الرياضيات والحاسب الآلي, وتنجح في إقامة علاقة حب مع شاب بريطاني, تحقق فيها (نورة) ذاتها على الصعيد العاطفي, وكانت ترى في (دونالد) الشريك المثالي لها, ولكن اختلاف الدين والثقافة كان حائلا أمام الزواج منه,ثم تعود إلى وطنها وتعمل في وظيفة وتبحث لها العائلة عن الزوج المناسب, كانت الاختيارات أمامها محدودة, وإمكانية اختيار الشريك بشكل حر غير واردة, تبقى ذكرى (دونالد) تجتر الحنين إلى رجل يحبها ويحترمها ويقدر عقلها, ويعاملها بوصفها إنسانا لا يقل قدرة أوكفاءة عن الرجل. وكانت (زهرة) في رواية (الطواف حيث الجمر) فتاة تقوم على خدمة أبيها وأخوتها الذكور, تصحو قبل آذان الفجر, لتعد لهم إفطارهم وما يحتاجون إليه في يومهم, وتنام بعد نوم الجميع وانقضاء الحاجات, ويتركها ابن عمها الذي أعدت منذ ولادتها لتكون زوجة له, ويهاجر ويتزوج بأخرى, فتبحث لها العائلة عن ابن عم آخر يصغرها باثني عشر عاما, تهرب (زهرة) رفضا للواقع الذي تعيشه. في رحلة طويلة وشاقة تظهر شخصية (زهرة) القوية, التي تحدت الرجال وشكوكهم ورغباتهم, وفي زنجبار حيث تعمل المرأة لتعيل نفسها, وجدت (زهرة) المجال لتثبت لذاكرة الاضطهاد أنها تستطيع المحافظة على نفسها , وأن تنجح دون الحاجة إلى رجل يقف إلى جانبها. فأدارت مزرعة ضخمة بما تشتمل عليه من عمال وأعمال, واستطاعت أن تنجح في التجارة وتحدت منافسيها,ودخلت في صراعات من أجل ذلك. فعلت (زهرة) كل ذلك وهي تتخيل أخوتها وأباها وأهل قريتها في الجبل يرون النفوذ والقوة اللذين تمتلكهما, وهم لا يصدقون أنها هي (زهرة) نفسها التي يعرفونها, وطالما سخروا منها. لم ترحل (صبا) في رواية (الفردوس اليباب) إلى أرض أخرى لتلتقي ثقافة مغايرة, كانت الرحلة هذه المرة فكرية, متأثرة بدراسة الأدب الإنجليزي واستيعاب الثقافة الغربية والإعجاب بها تناست (صبا) الواقع الاجتماعي الذي تعيش, والقيود التي فرضها عليها الدين والمجتمع, فانطلقت بكل حريتها , وإيمانها بالحب في شوارع مدينتها (جدة) متجاهلة نظرات الناس وانتقاداتهم, وأحبت (عامرا) ولم تأبه بأية محظورات. كانت (صبا) تحلم بثقافة تمارسها كما قرأت عنها في القصائد والروايات, وبعالم يشبه عالم الأدب لا تقيده شروط, ولا تسلبه القوانين حريته. كانت رحلة (شهرزاد) في رواية (القلق السري) ترحالا من نوع خاص, يبحث في جميع الثقافات الإنسانية ويقارن بينها, ترحالا يبحث عن ماهية الأشياء والإنسان والمرأة والرجل بحثا مضنيا وعميقا, ولا يصل إلى قرارت يقينية وقاطعة. تهرب (شهرزاد) هربا فكريا وفيزيقيا, تترك بيتها لتبحث عن نفسها وعن القناعات والأفكار التي آمنت بها من خلال الكتب وحكايات جدها (الشيخ مبروك) الذي يختفي ليتركها وحيدة بلا صديق يشاركها هذه الأفكار الناتئة على سائد المجتمع وعرفه. تبحث (شهرزاد) في الخطوط الأربعة التي مثلت الثقافات الإنسانية في الشرق والغرب, فتظهر لها التناقضات حينا والانسجام حينا آخر, وفي كل بحث تجد (شهرزاد) جزءا منها لكنها أبدا لم تتوصل إلى مطلق, إلى حقيقة كلية, حتى في الخط الذي أطلقت عليه(تشابك الخطوط) والذي تخيلت فيه حلا يتمثل في دمج الثقافات والحضارات كلها. ورغم أن (شهرزاد) لم تتوصل إلى يقين قاطع في رحلتها تلك, غير أنها تكتشف بشكل حاسم أن <<الرحلة هي تلك التي في الداخل ومرأى المشاهد الخارجية مجرد وهم يطفو على سطح العمق.... وما لم تتشظ القوقعة الخارجية فلن يصفو ويخرج ذلك الجوهر العميق>>(92). 2- النص الروائي وأسئلة الإنسان ومشاركة القارئ: تقوم رواية (القلق السري) لفوزية رشيد على ثنائية الوهم والحقيقة, الشك واليقين, الحلم والواقع, وذلك من حيث الشكل والمحتوى, من حيث هيئة الخطاب ودلالة الحكاية فيه. فشهرزاد - الشخصية الرئيسة - التي تقرر بعد وفاة جدها أن تقطع صلتها بالعلم الخارجي كوجود مادي تتعاطى معه وتتفاعل, فتحبس نفسها في غرفتها وتعيش مع خيالاتها, وتهيؤاتها, وأفكارها وذكرياتها,ورؤاها المستقبلية. في الغرفة التي تمسي كل عالمها تصنع شهرزاد فضاء ممتدا من الثقافات والحضارات وتاريخ التسلط على المرأة أو تحريرها, في هذه الغرفة يصبح النفي حضورا مكثفا, وتصبح العزلة انفتاحا على عوالم خيالية لا تحد, وفي هذه الغرفة لا يمكن الفصل بين الذكرى والخيال, بين الماضي والحاضر, بين الحلم والواقع, بين التمني والرفض. هذا الشكل الروائي يشير إلى فوضى الحياة وعدم ترتبها وفق نظام معين, إنها تشبه ذهن/عقل شهرزاد/ الإنسان, الذي تمر فيه كل هذه المتغيرات في غير ما ترتيب, وبأسلوب لا تعرف بدايته من نهايته, وهذا الشكل يشير إلى أيضا إلى نتيجة البث الذي قامت به شهرزاد في ارتحالاتها عبر الخطوط التي ترمز إلى الثقافات المختلفة, وكيفية تعاملها مع المرأة ونظرتها إلى شكل علاقتها بالرجل, وهي نتيجة مؤداها أن <<التجربة تزيد الإنسان إرباكا وغواية>>(93) وأن <<الوهم هو فيما تراه العين>>(94), وهي نتيجة تؤكد وتثبت السؤال << أين هو ذلك اليقين المخبوء>>(95) فقد توصلت شهرزاد بعد رحلتها في خط الاستواء الذي يقدس جسد المرأة ويطلق له حريته, وفي خط الجليد الذي يساوي بين جسد المرأة وجسد الرجل ويمنحها حرية الاختيار, وفي خط المتوسط الذي يسفر عن ازدواجية المبادئ والتصرفات, ازدواجية بين حفظ كرامة المرأة وشرفها وطريقة التعامل معها, بين منحها قسطا من الحرية التي يقيس الرجل مقدارها ونوعها وبين السجن الذي تضعها بين جدرانه السلطات التي تمثل المجتمع بإرثه الحضاري, والدين بثقافته ورهبته. توصلت شهرزاد في النهاية إلى (تشابك الخطوط) التصور الذي ظنت شهرزاد أنه سيحل الإشكال, لكنها اكتشفت اختلاطا لا يؤدي إلى يقين أو إلى وضع يسكت أسئلتها ويحقق الاستقرار لواقع المرأة, فالمرأة نفسها تقبل ما يمكن أن ترفضه امرأة أخرى في ثقافة أخرى والعكس صحيح. لم تكن الحكاية في (القلق السري) مجرد إخبار أو سرد قدمته الشخصيات والأحداث, ولكنها كانت خطابا لم تقله الرواية كله, وقد تضافر الشكل الروائي للنص مع موضوعه ليعبر كل منهما عن الآخر وعن الخطاب في نهاية الأمر, وأكدت الرواية أن وظيفتها>> ليست فيما تقدم, إنها تكوين مشهد يبقى لغزا بالنسبة إلينا, ولكنه لا يعرف أن يكون تابعا لنظام المحاكاة>>(96) فالرواية لا تنقل الواقع وتحاكيه, بل تقوم بنية الرواية على الاختلاط والاشتباك, والجدل بين ثنائيات لا تنتهي إلى حقيقة واقعية مطلقة, الثنائيات التي تشكل أسئلة الإنسان وصراعه مع الواقع. إن جوهر النص وطابعه العام يشير إلى وضع المرأة في المجتمع العربي من خلال شهرزاد التي عاشت كل حياتها في بيتها, تقضي الوقت في القراءة داخل غرفتها, والتحاور مع كائنات لا وجود لها إلا في مخيلتها المنقطعة عن الحياة الفعلية لتهرب إلى حياة تشكلها وتكونها وحدها وتعيش فيها مع شخصيات متخيلة وفضاءات لا تتبع جغرافيا معينة. المرأة التي تنتهي حياتها بشكل خارج على العادة, وهو شكل مغاير ويتناص مع نهاية (شهرزاد) ألف ليلة وليلة التي يشفع لها إنجابها لثلاثة من الذكور(97) فيبقي على حياتها (شهريار), هؤلاء الذكور الثلاثة أنفسهم أحرقوا شهرزاد (القلق السري) عندما خرجت على طاعتهم, وهربت إلى عالم تبحث فيه عن تجربتها الخاصة, هؤلاء الذكور الذين يمثلون سلطة المجتمع التي يتوارثونها ذكرا بعد ذكر, إنهم << ورثة ما يجب المحافظة عليه>>(98) كما تصفهم شهرزاد. إن التناص مع بطلة ألف ليلة وليلة ; شهرزاد المرأة الأكثر شهرة في تاريخ الحكاية العربية يشير إلى حالة من الثبات في وضع المرأة, الوضع الذي يعبر بوضوح عن حالة القلق من الموت والخوف على الحياة, والتهديد بالقتل الذي يمثله مسرور سياف شهرزاد/ الرجل/ السلطة منذ ذلك التاريخ البعيد إلى يومنا هذا. لكن البنية العميقة للنص تطرح أسئلة تتجاوز وضع المرأة في المجتمع العربي إلى مشكلة إنسان في الحياة, وهي أسئلة تضع صورة الرجل في حالة اهتزاز تجاه ما يرث من ثقافة وسلطة, وذلك عبر المقارنة بين ثقافات تضع المرأة في مكانة أرفع من الرجل, وأخرى تساويها به. ما تدل عليه هذه البنى النصية هو أن الرجل والمرأة في النهاية يتساويان باعتبار إنسانيتهما, لكنهما يختلفان باعتبار الاختلاف الفسيولوجي الذي وجدا نفسيهما عليه, وهما يتشابهان ويختلفان بذات النسبة التي تختلف أو تتشابه امرأة بامرأة أو رجل برجل, ورغم هذا فإن العالم بينهما يقوم على الصراع والتناحر من جانب, وعلى الاتحاد والحب من جوانب أخرى. إن رواية (القلق السري) لا تفترض - كما يفعل كتاب معاصرون - أنها تعرف كل شيء, ولهذا فهي لا تجيب على الأسئلة أو أنها تجيب عليها بدون يقين ; بشك يسري في حروفها, ولا تحاول أن تكون علما أو تاريخا فتقدم إجابات لأسئلة الإنسان بيقين وثبات وحسم قطعي. هذه الرواية تؤمن أن <<موضوع الروائي لا يمكن إدراكه بمثل هذه الطرق, اللغز يتزايد غموضه, ولا يتضاءل, والنماذج الأدبية يصيبها البلى, ولغز الإنسان قائم يتحدى>>(99) لقد وضعت (القلق السري) القارئ في وضع المشاركة في تشكيل النص, في الوقت الذي وضعت فيه (شهرزاد) في حالة من التداعيات السردية, بين ماهية الحلم,وماهية الحكاية الأصلية للخطاب, وبين زمن الحكاية وزمن السرد,وأزمنة الحكاية المتداخلة وفضاءاتها المتداخلة, وعندما يزداد عالم شهرزاد تعقيدا, يتورط القارئ أكثر في محاولة الفهم وتنظيم الأحداث, وترتيب العلاقات. إن العمل الروائي الذي <<يتطلب من قارئه جهدا خاصا عند قراءته>>(100) هو عمل يتمثل الحياة, ويضرب بتساؤلاته في أغوارها السحيقة, وهو عمل يقيم علاقة تواطؤ مع القارئ لأن << إبداع الرواية لا يشكل حلم يقظة لكاتبها فقط بل للقارئ أيضا>> (101) والروائي وهو يترك مساحة للقارئ ويطرح أسئلة حول كيفية رؤية الناس للعمل الروائي, ولماذا يرى شخص ما نموذجا معينا ولا شيء آخر في العمل نفسه, وهو يفعل ذلك يدعو القارئ للمشاركة في عمله(102). وقراءة النص الأدبي من هذا المنطلق ليست مجرد تلق لأفكار وأساليب الكاتب بشكل حيادي, بل إن: << القراءة من حيث هي موقع وزمن وثقافة مشاركة في تقويم جمالية الأدب ومساهمة بالتالي, في عملية إنتاج قيم الثقافة,و ليست الثقافة بهذا المفهوم, مجرد تلق, أو قبول بمرسلة النص, وإلا لكانت القراءة مجرد تماه مع النص, يكرس له سلطة, وللأدب نخبوية, وللغة بلاغة تميت الحياة في اللغة. إن تخلي القراءة عن فاعليتها في الأدب هو بمثابة تغريب اللغة عن منابتها في اليومي, وعن المتداول في الحياة, وهو بالتالي تغريب للأدب عن مرويات الناس واستيهاماتهم وأساطيرهم, وعن النثري بكل ما يحفل به من أحداث ووقائع هي على فوضاها وجزئياتها لب الحياة, وسؤالها الأعمق المطمور تحت ركام الكلام, السؤال الذي تبحث عنه, وتتواصل معه, القراءة النشطة>>(103) إن هروب (شهرزاد) من بيتها هذا الهروب الذي يقف في الحلم واليقظة, الهروب الذي تتركه الرواية معلقا في خيال غامض, يدفع بالقاري إلى مزيد من التورط في النص الذي يعتبر حرية الخيال أغلى ما يمتلكه الروائي(104), النص الذي أسئلته/ أسئلة القارئ عبر شخصية (شهرزاد), التي هربت وهي تحمل تساؤلات <<سعيا وراء امتلاك ما تسميه المعنى أو الجوهر>>(105) وهي تساؤلات تتمحور حول المرأة ككينونة ووجود في واقع اجتماعي معين, وتساؤلات حول علاقتها بالرجل ونظرة المجتمع إليها, ومن هذه الأسئلة تولد أسئلة أخرى حول الحرية, والجسد والحب, وتبدأ أسئلة(شهرزاد) من العلاقة الجدلية بين الرجل والمرأة التي يحكمها قانون التبعية <<لماذا تابع ومتبوع>>(106) و<<ماذا لو كان العالم قسمة عادلة بينهما>>(107), ولماذا تكون المطاردة هي حتمية العلاقة بينهما فتكون << الأنثى الطريدة, والرجل الصياد ولا زمن لفكاك من المطاردة>>(108) ولا تفهم (شهرزاد) لماذا تطالب المرأة دائما بالتنازل في كل أنواع العلاقة بالرجل حتى في علاقة الحب, فلماذا بسبب الحب يجب << على الإنسان أن يفرط حتى بحريته. أي حب هو في معادلة مغلوطة>>(109) , و<<لماذا بالنسبة لنا ]نحن النساء[ الحب أو الحرية>>(110) وتظهر علاقة الحب نفسها لـ(شهرزاد)ملتبسة وغير واضحة : <<ثم ما هو الحب, هل هو الذي يجعل من حياتنا شيئا أجمل..أم أنه الأجمل لأنه يدخلنا في المدهش والمختلف عن سياق الرتابة?هل هو ما نبحث عنه في داخلنا فنجده في الآخر.. أم هو الذي يعلمنا كيف نفتش في داخلنا عن أجمل ما فيه وأكثره رقيا ورقة>>(111) وما يزيد الأمر تعقيدا وغموضا ولا تستوعبه (شهرزاد) هو: <<ما الذي يحدث فجأة ? لماذا يفتر المحبون كل تجاه الآخر بعد أن يصلوا لبعضهم?>>(112) أسئلة تدفع (شهرزاد) لتشد رحالها في بحث فكري خاص, يبتعد بها ويبحث لها عن إجابات لأسئلتها المتوالدة والمتعاظمة فلم تكن <<الأسئلة ما يهرب منها وإنما يقين الإجابات>>(113) تطوف شهرزاد بين حرية الجسد وحرية التعبير عنه والتوحد مع الطبيعة في خط الاستواء, وبين حرية الحب والتعبير عنه وتقدم الحضارة في خط الجليد, وبين ازدواجية الفكر والسلوك في خط المتوسط, وثم حيث تتشابك الخطوط وتكبر الأسئلة ولا يقين فقد << اختلطت كل المعايير الآن دفعة واحدة. وكل يجد تبريره المنطقي>>(114) لا تخرج (شهرزاد) رغم ذلك خالية من الحكمة لأن شخصيتها المبنية على قراءة حقيقية, قراءة الواقع وتأمله , تجعلها قادرة على الوصول إلى يقينات خاصة, لكنها ظلت على هيئتها الأولى هيئة الأسئلة <<لماذا الحب بكل تجلياته الإنسانية المتفرعة, وحده قادر على كشف المخزون الهيولي الرابض فينا?>>(115) وتصل شهرزاد إلى حقيقة واحدة وهي أن <<الفكرة والكلمة وقبلهما الحرية وراء كل شيء ولا جدال>>(116), استطاعت (شهرزاد) أخيرا أن تمتلك المعنى أو الجوهر الذي طالما بحثت عنه, وإن بقي هذا المعنى في دائرة الشك فلكي يبقي (شهرزاد) في دائرة النضج الذي يضفي عليها الكثير من التميز والاختلاف والقدرة على خرق المألوف والطواف في دائرة المحرمات وتحدي السائد والمعروف, ويسلبها الكثير من القطعية والجزم لتحافظ بذلك على عمق المعنى, وجوهر الاختلاف, ومرونة الحركة والاعتقاد. لقد مثلت (شهرزاد) المرأة العربية المثقفة التي تتورط معرفيا بما يغاير واقع مجتمعها وخلفياته الأيدلوجية, تلك المثقفة التي تطمح إلى تجربة تخوضها وحدها دون وصاية, لتبني نفسها, وتحدد طريقها,وإن بدت <<التجربة تزيد الإنسان إرباكا وغواية>>(117), إنها المرأة المثقفة التي تحلم بالحرية, تلك الحرية التي بـ<<داخلنا وهي لا تعطي ثمارها سريعا>>(118) إنها الحرية التي تحتاج إلى من يناضل من أجلها, وليس فقط اللغة تحتاج إلى امرأة تناضل من أجل أنوثة النص, وأنوثة قلم الكاتبة, لكي ترد اللغة إلى أصلها الأول وهو الأنوثة(119) وإذا كان الغذامي يرى أن تأنيث اللغة والنص لن يتحققا إلا بعد أن تكتنز الذاكرة بالمعنى المؤنث والأنوثة, وهو شرط لم يتحقق بعد وإن كانت الكاتبة الجديدة تسير باتجاهه بوعي واضح. فإن المرأة نفسها تبدو قلقة ومتأرجحة بين عالمين ولغتين,وتحتاج إلى أن تتحرر من ثقافة تسلطت عليها طويلا.هي امرأة يحدد هويتها الرجل, ويتدخل في أدق تفاصيل الهوية الشخصية وهو الجسد. إن (خاتم) تعبر عن حيرة المرأة وانتمائها بطرحها تساؤلات أكثر ألما وربما رعبا, ورؤية لا تستشرف مستقبلا مضيئا, إنها قادم ضبابي في أفضل أحواله, أو هو معتم كما يتنبأ به النص الروائي في (خاتم). يذكر أمبرتو إيكو في كتابه بين السيميائيات والتفكيكية أنه <<من الصعب معرفة ما إذا كان تأويل ما تأويلا صحيحا, وبالمقابل من السهل جدا التعرف على التأويل الرديء>>(120) ويقول أيضا أنه <<لو اقتصر التمثيل الدلالي على البعد القاموسي, لما تضمن سوى الخصائص التحليلية مستبعدا الخصائص المركبة, أي تلك التي تستدعي معرفة العالم>>(121) يحاول التحليل في هذا القسم أن يقدم تأويلا منطقيا لمتوالية الأحداث والوقائع في رواية (خاتم) لرجاء عالم (السعودية) وذلك بالاستناد إلى إشارات الكلمات, والرموز المستخدمة في النص الروائي وذلك من خلال علاقتها بواقعها الثقافي غير معزولة من محيطها الذي تفسر ضمنه ومن خلاله, فمعنى الإشارة أو الكلمة ليس محض وظيفة لمكانتها في نظام تبادلي واستعمالها في موقف تتابعي, ولكن المعنى وظيفة التجربة الإنسانية أيضا(122) أما (خاتم) فهي آخر ولادات (الشيخ نصيب), الذي تعود أن يرزق بتوائم في كل ولادة أحدهما أنثى والآخر ذكر, بقيت الإناث, ومات الذكور في الحروب, في الولادة الأخيرة, خاتمة الولادات, ولدت خاتم - وحدها - وهي لا تحمل انتماء إلى جنس معين, فلا هي بالأنثى ولا هي بالذكر. عاشت (خاتم) بثياب الأنثى في البيت, وخارجه بثياب الذكر, فعاشت حياة منقسمة بين عالمين, تحمل هويتين أولاهوية. هكذا استمرت حتى توحد جسدها بالعود الذي تعلمت العزف عليه, وأخذت تداعب أوتاره فتنشر ألحانا عجبا, علمتها إياها (زرياب) المغنية, الأنثى باسم ذكر, وقد تعرفت على (خاتم) الأنثى بثياب ذكر. يؤرق (خاتم) عدم انتمائها إلى جنس محدد, ولا تفهم لماذا لا يتخذ جسدها شكلا ما, ولماذا لا يرغب فيها الآخر, وهي تحلم بأن تكون كأي أنثى تتزوج وتحمل لكن ذلك الجسد لا يتجاوب. << أشعر بجسدي موصد, لكأنه غير مخلوق ليفتح ويحمل, كمن يحتاج على وسيط للحمل عنه, أتظنين لهذا ألجأ للعود ? أيصلح وسيطا للحمل عني ? عندي شوق لحمل, وشوق لصب, أتعرفين كيف هو هذا الألم الماسك بجسدي ? شوقي خطيئة>>(123) وتتساءل خاتم أيضا << لماذا لا يطاوع جسدي فيستسلم لهذه الرغبة الحارقة لاحتواء جنين بجسدي,ولا يستسلم للرغبة في الانصباب لجسد? لم يتجنب جسدي الانسياق لحالة?>>(124) وتزداد الأسئلة عمقا وحيرة فتتوجه (خاتم) إلى إمام المسجد وتسأله: << أينه هذا الذي يتصدر الجلسات من انكشاف هوية, من قفل هوية, من انغلاق باب, تريد أن تعرف ما أنا ? قل لي : ما أنت ? لو ألصقت كامل أطرافك هكذا, أتستطيع أن تحبسني في جنس?>>(125) وتصبح الأسئلة أكثر إيغالا وفلسفية : << حين يكون جسدك من حجر لا يعود يحفل بالأقفال والقوالب, قل لي كيف تختار صوتك كل صلاة ? أي نبرة هي للريح : أنبرة ذكر أم أنثى? هي أيضا لا تحفل ما تكون ? انا أيضا لا أريد ان أحفل, لكن هناك مفترق طرق يتقدم صوبي, أنت جعلتني الآن أراه قادما, يريد أن يشق جسدي, أويحملني على جناحين أنا لا أريد أن أطير>>(126) تعي (خاتم) أنها لا تمتلك حرية الاختيار بين جسدين, وهي فوق ذلك محكومة بسلطة لا تقل تحكما عن غربة الجسد ولإقصائه عن الانتماء, هي سلطة الأب/ الرجل الذي لا يعلم بتجليها في العزف على العود في (الدحديرة) عالم (الشيخة تحفة) وبناتها. العالم الذي تمارس فيه حرية ما كانت تمتلكها لولا إتقانها للعزف, حيث تذهب متخفية في ثوب صبي, تدرك (خاتم) إلى أي مدى هي على شفا جرف لا تعرف له قرارا: <<كلمة طائشة..كلمة تبلغ أبي كفيلة بإطلاق المفارق صوبي لتمزقني. كفيلة بقفل الأبواب وتركي خارج العود, خارج الحميم, خارج جسدي هذا الكلي, كلمة واحدة كفيلة بشطري نصفين... أهذا ما أسعى إليه ويرعبني هذه الكلمة السكين? في الثامنة عشرة, في العشرين, في الثلاثين, في غمضة عين سيتحتم على أبي الاختيار لي بين جسدين>>(127) ما يقض أفكار (خاتم) أنها ليست على يقين من هو صاحب القرار في النهاية,ويعلن مصير جسدها <<أتظن لي في هذا الجسد خيار ? أم كل الخيار للشيخ نصيب ? هو ولي هذا الجسد أم أنت الولي ? من سيقرر إرسائي لذكر أولأنثى ? ومتى? ولماذا توقظ هذا السؤال ليؤرقني الآن>>(128) تيئس (خاتم) من قدرتها على التوصل إلى إجابة تشفي غليلها, وتذهب بحرارة الأسئلة التي شرعت تشعل حريقا في صدرها, فألقت بحمل الأسئلة والإجابة, الأسئلة الأخيرة, الأسئلة الكلية, التي تريد إجابة واحدة محددة : << لماذا يأخذ هذا الجسد يرتعد بخوف, لم اشعر به وفجأة يلهث كمن على هاوية لتعجيل الاختيار ? لم يريد السقوط للأقفال ? فما عسى الأئمة مثلك يفتون في جسدي ? ما حكم هذا الباب ? يا محراب بوسعك لمي لمدفونك الصالح فلا أرجع لذلك السؤال الواقف في الخارج ينتظر>>(129)
إنها ليست أسئلة (خاتم) وحدها التي لم تستطع,ولم تمتلك القدرة على الاختيار بين جسدين, كل منهما ينتمي إلى وسط وثقافة خاصة, ضمن الوسط والثقافة الأكبر, وسطين عاشت فيهما (خاتم) كليهما بشخصية واحدة أومختلفة, وروح واحدة أومنشطرة,وجسد واحد يحمل سمات الوسطين, لكنها لم تظفر بعالمها الخاص, بجسدها الذي يحدد الانتماء الأخير, فبحثت عن انتماء لا يحتاج إلى ذكورة أوأنوثة هو عالم الموسيقى. ليست أسئلة (خاتم) وحدها هذه الحال من البحث عن الهوية والانتماء المفقود, الذي قد يتعلق بالجسد أوبجوهر الإنسان أوالثقافة, إنها حالة المرأة المحاصرة أينما حلت, فلا اتفاق على أنوثتها, فإذا كانت المرأة كاملة الأنوثة فهي إنسان لا يفكر ولا يملك حرية الاختيار والعمل, فتحكم عليها السلطة الاجتماعية بالوصاية, وإذا كانت المرأة تتميز بصفات القوة والعقل فهي أنثى ناقصة, وهي صفة ترفضها الثقافة الذكورية وتعتبرها عيبا يحط من قدر المرأة بالإضافة إلى اعتبارها مخلوقا ناقصا أصلا. و<< مثلما يجري حصر الأنوثة في أجزاء محددة من الجسد ذاته, فليس كل ما في الجسد مطلوبا أوشرطا للأنوثة, بل إن بعضه مضاد للأنوثة,مثل العقل واللسان والعضلية الجسدية الرامزة للقوة, وهذه كلها - إن وجدت - فهي علامات ذكورية تظهر على الأنثى ن وتجري دائما إزالتها أوتغطيتها بوسائط ثقافية جرى التواطؤ عليها>>(130) وتبقى المرأة في واقعها مثل (خاتم) إذا هي أرادت الاختيار, والانتماء إلى عالم يرضيها, ويؤكد هويتها التي تتأرجح بين عالمين, إلى أن يختار لها الرجل/ السلطة ما تراه مناسبا, ما توحي به هذه الرواية في دلالتها أن المرأة/ الكاتبة التي تمتلك أداة القلم/ المذكر, تقوم بتشكيل عالم يحقق ذاتها, ويثبت هويتها, وهي تستخدم كلمات/ مؤنثة لترسخ وجودها, وتؤسس لها تاريخا لغويا يعادل تاريخ الرجل,لهذا تقع المرأة/ الكاتبة في صراع دائم بين الذكورة والأنوثة. إن هذه النصوص الروائية وهي تعتمد على خيال القارئ, كما تقوم على خيال الكاتب, وهي تطرح موضوعاتها التي تتناسب مع الشكل والتقنيات المستخدمة/ تترك مجالا واسعا لتعدد القراءات, وتأويل الإشارات, وتوظف من أجل تحقيق ذلك رموزا وإحالات يفهمها القارئ من خلال ثقافته فيقدم تفسيره الخاص. إن هذه النصوص التي لا تنحصر دلالتها في الواقعي والمباشر, هي نصوص مفتوحة الاحتمالات على دلالات إيحائية, البحث عنها هو دور القاريء الذي لا يقتصر على القراءة فقط وإنما هو: <<قارئ طليق ونشط هو ناقد, وشاهد وضمير, ومن أجل ما لمثل هذا القارئ من دور في تغيير واقعنا الاجتماعي ن وتطوير ثقافتنا المعرفية, وصياغة قيمنا الجمالية المعنية بكرامة الإنسان والارتقاء بحياته>>(131) لقد استطاعت هذه النصوص أن تدرك أهمية القارئ, ليس القارئ السلبي الذي يستمتع بقراءة النص وحسب, بل ذلك الذي يشارك في صناعة وصياغة أحداثه, وتجسيد شخصياته, وعبرت عن رفضها - أي النصوص - في أن تكون نتاجات راكدة, تعبيرا عن معرفة الكاتب المحدودة, ووعت أن القارئ المثقف ينأى عن ما هو أحادي وفج وساذج(132). لقد دخلت روايات النسق الحداثي وخاصة روايات فوزية رشيد, ورجاء عالم في علاقة وطيدة معقدة مع القارئ, مثل تلك العلاقات التي ربطت بين شخصيات الروايات, وبين عناصرها التي تداخلت وما يزال هذا التداخل مشتبكا, العناصر التي تم الاحتفاء بها, فاحتفت بالنص,مثل عناصر اللغة, والزمان, والفضاء الروائي. ورغم هذه العلاقة, حافظت النصوص الروائية على استقلالها كأعمال فنية لها عالمها الخاص الذي يوهم القارئ بحقيقيتها, وهي توفر في ذات الوقت إمكانية دخول القارئ في علاقة مع عالم الرواية النابض بالحياة: << لتحاور معنى الحياة فيه, وهي تؤسس في الآن نفسه, لمتعة قراءته, وتساهم في صياغة قيمه الجمالية, وهي بهذا كله تدخل العمل الأدبي في علاقته المركبة المنسوجة بين الكتابة والقراءة والحياة>>(133) خاتمـــة لقد شكلت المرأة وعلاقتها بالرجل والواقع الاجتماعي الموضوعة الأساسية في الخطاب الروائي النسائي في الخليج, وقد تبين من خلال الدراسة أن : 1- خطاب روايات النسق التقليدي عبر عن رؤيته للإنسان الخليجي رجلا كان أم امرأة تحت ظل السلطات الاجتماعية والدينية,وهي رؤية مباشرة وواقعية, تنقل عن الواقع وتعبر عنه, ولا تتدخل روايات النسق فنيا لإضفاء الأبعاد الروائية على الأعمال. 2- تشكل حكايات الحب الفاشلة بسبب التمييز الطبقي موضوعا أساسيا لروايات النسق التقليدي, وقد تم معالجتها بأسلوب واقعي, يعلن في النهاية استسلام الطرفين للسلطة الاجتماعية وممثليها. 3- أظهر الخطاب الروائي في روايات النسق الحداثي الإنسان الخليجي أكثر وعيا وإدراكا لواقعه, وأقدر على مقومة سلطاته في ظل هذا الوعي المتقدم. 4- لقد تشابهت بعض الرؤى الحداثية مع التقليدية من حيث الاستسلام للواقع, والإقرار بفشل المحاولة لتجاوز ثقافته المهيمنة. 5- عالج الخطاب الحداثي مشكلات الإنسان في علاقته بواقعه, وبالآخر, بأسلوب يعبر عن الواقع ولا ينقل عنه, أسلوب يترك للخيال مساحة تميز العمل الفني عما سواه, وتسمح للقاريء بممارسة دور يشارك فيه في صياغة النص, وتكوين آراء ورؤى مختلفة تتعدد باختلاف القراء وثقافاتهم. 6- تبحث بعض نصوص النسق الحداثي في أسئلة الإنسان التي لا أجوبة لها, هي أسئلة الحياة والوجود, وتعبر عن فكر الإنسان وشكه ويقينه, أسئلة تظل دائما بلا إجابة, وهي اللغز الذي يكسب العمل الفني ديمومته ونجاحه. الهوامش 1- تودوروف : الشعرية ص 35 2- المصدر السابق ص 51 3- الغذامي - المرأة واللغة ص 158 4- يقطين ; سعيد : تحليل الخطاب الروائي ص382 5- هال ; إدوارد : البروكسيميا أوعلم المكان - العرب والفكر العالمي ع2- ص68 6- من هذه الروايات : أحلام البحر القديمة - شعاع خليفة, وسمية تخرج من البحر - ليلى العثمان, والطوف حيث الجمر بدرية الشحي 7- ومنها روايات النواخذة والشمس مذبوحة, ومزون وردة الصحراء - فوزية شويش. 8- برنارفاليت- الفن الروائي ص63 9- انظر بدرية الشحي: الطواف حيث الجمر 10- نفسه ص 14 11- نفسه ص 14 12- نفسه ص 117 13- نفسه ص 101 14- نفسه ص 135 15- نفسه ص 214 16- المصدر السابق ص 184 17- الشحي ; بدرية : الطواف حيث الجمر ص 03 18- نفسه ص 275 19- نفسه ص 143 20- نفسه ص 67 21- نفسه ص 28 22- نفسه ص101 23- نفسه ص 28 24- نفسه ص 28 25- نفسه ص 28 26- نفسه ص 101 27- نفسه ص 239 28- نفسه ص 87 29- نفسه ص 279 30- نفسه ص329 , لمزيد من التوضيح حول هذه المسألة انظر مقال غالية آل سعيد: قراءة في رواية الطواف حيث الجمر ص237- مجلة نزوى العدد 24 أكتوبر 2000 31- الغذامي : ثقافة الوهم ص 174 32- فاليت : الفن الروائي ص 121 33- شويش ; فوزية : النواخذة ص 164 34- نفسه ص 164 35- نفسه ص 167 36- نفسه ص 251 37- فاليت : الفن الروائي ص 121 38- نفسه ص 126 39- كونراد : هدف الفن الروائي - مرجع سابق ص016 40- بوتور ; مييشل : الرواية كبحث - مرجع سابق ص 34 41- انظر رواية وسمية تخرج من البحر لليلى العثمان 42- انظر رواية النواخذة لفوزية شويش 43- انظر رواية الشمس مذبوحة والليل محبوس لفوزية شويش 44- انظر رواية النواخذة 45- الغذامي : المرأة واللغة ص 196 46- الموسوي: ثارات شهرزاد ص 47 47-العيد ; يمنى : تقنيات السرد الروائي ص 164 48- فاليت : الفن الروائي ص 34 49- إيكو : التأويل بين السيميائيات والتفكيكية ص 87 50- شولز ; روبرت : بين السيمياء والتأويل ص 62 51- المصدر السابق ص 62 52- رشيد: القلق لسري, ورجاء عالم :خاتم - انظر فوزية 52 53- انظر روايات فوزية شويش: مزون وردة الصحراء, والنواخذة, والشمس مذبوحة والليل محبوس, ورواية ليلى الجهني : الفردوس اليباب 54- بوتور : الرواية كبحث - مرجع سابق ص 46 55- وهي روايات : الشمس مذبوحة والليل محبوس, والنواخذة, ومزون وردة الصحراء 56- شويش ; فوزية: مزون وردة الصحراء ص 72 57- نفسه ص 83 58- نفسه ص 83 59- نفسه ص 88 60- نفسه ص 88 61- نفسه ص 88 62- نفسه ص 88 63- نفسه ص 88 64- نفسه ص 89 65- نفسه ص 89 66- نفسه ص 92 67- نفسه ص 93 68- الغذامي: المرأة واللغة ص 98 69- مثل روايات : الشمس مذبوحة والليل محبوس التي اكتشفت فيها (وضحة) علاقة جديدة بجسدها بعد طلاقها من زوجها المتعدد الزوجات, وقد تزوجته وهي في الثالثة عشر, وكانت تحيض في كل مرة يقترب منها زوجها.بدأت تكتشف أهمية الجسد وجماله ورغباته عندما عادت علاقتها بعبدالله ابن مربيتها. كذلك في (النواخذة) يصبح (الجسد أغلى من الروح) بالنسبة لنايفة التي لم تفرط بجسدها لمن لا تحب. وتقوم الإشكالية في الفردوس اليباب على الصراع بين الثقافة المجتمعية وبين الجسد كقيمة وذلك عبر علاقة الحب العابرة مع عامر الذي تخلى عن (صبا) عندما علم بحملها منه. 70- شويش ; فوزية : مزون وردة الصحراء ص 160 71- نفسه ص 173 72-نفسه ص 182 73- نفسه ص 185 74- نفسه ص 181 75- نفسه ص 260 76- نفسه ص 262 77- نفسه ص 262 78- نفسه ص 262 79- نفسه ص 262 80- نفسه ص 263 81- نفسه ص 263 82- نفسه ص 264 83- نفسه ص 265 84- نفسه ص 273 85- نفسه ص 274 86- نفسه ص 283 87- نفسه ص 283 88- نفسه ص304 89- نفسه ص 93 90- مثل رواية أشجار البراري البعيدة : دلال خليفة ك حيث تحب (نورة) (دونالد) أثناء دراستها في بريطانيا, وتعود إلى بلادها ولديها قناعة تامة بانها تتحقق ككيان في هذه العلاقة التي لم تستطع أن تصل إليها في علاقتها بزوجها في قطر, كذلك (زهرة) في (الطواف حيث الجمر) حيث تتحقق سيطرة ونفوذا في مجتمع آخر/ زنجبار. أيضا تتحقق (صبا) في (الفردوس اليباب) بدراستها الأدب الإنجليزي, وتتحقق (شهرزاد) في (لقلق السري) بالترحال في مجتمعات مختلفة, وكذلك بظهور رجل لا ينتمي إلى عالمها أوواقعها 91- الغذامي المرأة واللغة ص 55. 92- رشيد ; فوزية : القلق السري ص 173 93- رشيد; فوزية : القلق السري ص 270 94- نفسه ص 58 95- نفسه ص 27 96- بارت : مدخل إلى التحليل البنيوي القصصي ص 92 97- انظر الغذامي : المرأة واللغة 98- رشيد ; فوزية : القلق السري ص 306 99- مردوخ ; أيريس : في مواجهة الجدب : مشهد جدلي - مرجع سابق ص 63 100- بوتور : الرواية كبحث - مرجع سابق ص 45 101- المرجع السابق ص 46 102- ستيفك ; فيليب :مقال في الرواية الجديدة - المرجع السابق ص 163 103- العيد ; يمنى : فن الرواية العربية ص 19 104- انظر جوزيف كونراد : هدف الفن الروائي - مرجع سابق ص 160 105- رشيد ; فوزية : القلق السري ص 79 106-نفسه ص 92 107- نفسه ص 92 108- نفسه ص 41 109- نفسه ص 117 110- نفسه ص 117 111- نفسه ص 30 | |||||