|
|||||
|
يبدأ الرسم لدى هيمت محمد علي من لحظة الهام بصري ليفارقها ولا ينتهي إليها. ذلك لان هذا الرسام لا يلتفت إلى الوراء, لانه يدرك أن ما علق بروحه من الطبيعة يكفي يده غذاء تلتهمه في الأوقات العصية. ففي رحلته الأولى التي أوصلته إلى اليابان شعر وكأنه يعيش حلما مستعادا, ذلك لان مرجل الطبيعة أعاده إلى رسومه. وكأنه كان يحلم بهذه الطبيعة قبل ان يلتقيها. الطبيعة معه تصنع دهشتها كما لو أنها ترى لأول مرة. ربما لان هيمت يزج بحواسه الأخرى في عملية النظر هذه, وربما لأنه أيضا يتسلل إلى الطبيعة من داخلها فلا يراها على شكل مشاهد شاسعة بل يتحسس الطريق إليها عبر تفاصيلها الصغيرة. هذه التفاصيل الذي يحثه تداخلها على ان يعيد تركيبها وفق ما تقترحه مخيلته. وهنا تغادر الطبيعة هيئتها الشكلية من غير ان تغادر ذاتها, كونها رهانا جماليا قابلا للتشكل في كل لحظة نظر. فهي بالنسبة إليه لا تشكل كتلة مرصوصة على ذاتها, بل ثغرة ينفذ من خلالها إلى حدسه. ذلك الفعل الذي يسبق النظر ويلحق ما يرى بما هو متوقع رؤيته. وبذلك يتحاشى الرسام الوصف تحاشيه الصورة ذاهبا إلى فكرته عن الطبيعة, كونها كيانا مطلقا. انه يفعل ما يجده صحيحا داخل التعبير الجمالي لا عن الطبيعة بل عن تلك العاطفة الخفية التي تقوده في ممرات الروح بعيدا في اتجاه طفولته. بهذه العاطفة يفترس الرسام الطبيعة, لا ينكرها, لكنه لا يستسلم لصورتها الراهنة بل يسعى إلى الالتحام بصورتها الكامنة. لتكون طبيعته هو, تلك الطبيعة الخارجة من أعماق نفسه. حيث تمتزج الطبيعة بحساسية شعرية تخرج بالشعر من طابعه اللغوي إلى العراء. وكما يبدو فان هذا السلوك العاطفي صار مصدر إغراء بالنسبة للشعراء الذين أدهشهم ان تستعيد قصائدهم طابعها الأثيري, بعيدا عن قفص البلاغة الناقصة. من أدونيس العربي إلى أندريه فلتير الفرنسي صار هيمت يتنقل بين سواد الحروف ليلتقط فواصل بيضاء يبث من خلالها نفثات سحره, رقى وتمائم. ان عمل الرسام هنا يصدر عن رغبة ملحة في استجلاء غموض ما خفي من النص, والإفصاح عما لم يصرح به. بالمعنى الذي يمحو عن الرسم أية صفة تعليقية. الرسم هنا يملي على الطبيعة شروط فراره. انه يعظها بما يحثها على عصيان ما يظهر منها, مشهدها الذي تغمض عينيها عليه. ان هيمت- رساما- هو ابن الطبيعة الضال, ذلك الابن الذي يباشر انتماءه من لحظة فراقه المعرفي. هناك تلذذ تقشفي, تلذذ تمليه لحظة اقتباس استثنائية, هي ذاتها لحظة اللقاء بالطبيعة. هذا الرسام يقتبس من الطبيعة لحظة دنوها من الجمال. ولا يعنيه في شيء ان يأسرها في لحظة غنج. انه يقبض على خلاصاتها, ما لا يظهر منها, ما لا تدعيه علنا, بلاغتها وهي تمضي إلى فنائها. الطبيعة حاضرة لديه بما تدل عليه, ما تومئ إليه, لا بما يظهر منها. إنها بالنسبة لهيمت أشبه بمعجم يتنقل بين مفرداته بحرية. الطبيعة عدوته, تلك المرآة التي تنافسه على اقتباس الجمال في لحظة عري. أسلوبه في العمل يكشف عن طريقته في النظر إلى مصادره البصرية. ذلك لان هذا الأسلوب يهدف إلى تفكيك المشهد وتجزئته ومن ثم إعادة بنائه وفق مشهدية متخيلة. فعملية البناء لا تبدأ من لحظة بياض بل من ركام من الصدمات البصرية. فـ( هيمت) لا يرى المشهد إلا مقطع الأوصال, وهو مالا يراه المشاهد. الأمر اقرب إلى المسافة التي تفصل بين النظر إلى الغابة من داخلها وبين النظر إليها من الخارج. فالرسام الذي يقيم داخل المشهد لا يراه كليا ومكتملا إلا بعيني خياله في حين لا يبذل المشاهد أي جهد يذكر ليتأكد من كلية ما يراه واكتماله. ومثلما يرى الرسام يفعل. أي ان سلوكه أثناء الرسم قائم على طريقته في التلقي البصري للأشياء. ولقد اتخذ هذا السلوك طابع اللعب الطفولي مع تزايد الخبرة التقنية. إن هيمت وهو يرسم أشبه بطفل يسعى إلى تركيب مشهد من ركام من الأوراق المقطعة عشوائيا. متعة الرسم تكمن أحيانا في ما يرافقه من مكائد صغيرة. مكائد يخترعها طفل غير مرئي يقيم في أعماقنا بضحكاته العابثة. ليفترس عن طريقها هلعه بنبرة ساخرة. يترك هيمت رسومه لعنادها, مجزأة, غير قابلة للوصال. وكأنها ما خلقت إلا لتعاني وحدتها, ولتقاوم شظفها, متماهية مع زهد رسامها. أليس هذا هو قدرها: أن تمشي مع مبتكرها إلى الحافة, هناك حيث تحين لحظة انفصالهما, الرسام عن رسومه, الرسوم عن رسامها. ولان هذا الرسام لا ينظر إلى الرسم من جهة أسلوبية إلا بما يخبئه خيال يده من مفاجآت سلوكية فان الأسلوب بالنسبة إليه لا يحل أية مشكلة وجودية من مشكلاته. ومن اليسير على رسام على شاكلته ان يفلت من الأسلوب, ف-( هيمت) لا يباشر الرسم باستبداد من يعرف, بل يباشره باستغاثة غريق لم يعد الفشل يخيفه. هناك نوع من التشبث الكامن تحت قشرة هذا الترف, تشبث بما هو قابل للزوال من الفكرة, فكرة الجمال التي ترعى استفهاميا صورته. هيمت يروحن الجمال من خلال دفع الأشكال إلى مواجهة أبعادها الروحية المستترة. انه يواجهها بالنسيان ليمتحن الجزء الذي لم يتعرض للثلم منها. خطيئته التي ترافقه أينما مضى. متعته ان يرى. لكن ما الذي يراه هذا الرسام المفرط في انغماسه المتعوي? يروحن الطبيعة. هيمت وهو يسعى إلى ارتجال الجزء اللاصق به منها. ذلك الجزء الفالت من هيمنتها, السابح في فضاء حريته كما لو انه يستعيد هيأته منفردا, ليستعرض انسجامه الكوني. نفوره وهو نسيج ذاته مما يجعله محط اهتمامنا البصري. كائنا لم يصنعه انجذابه الجمالي إلى المحيط. بقدر ما هو يدور في فلك ذاته. استقلالية الجزء هذه تسمح لهيمت بإطلاق العنان لخيال يده وهي تشيد التكوين. فهو يقتبس من الطبيعة ولا يطيعها تصويريا. انه يستل من نسيجها الخيط الذي يظنه عصبها ليباشر به تشييد طبيعة مقابلة, وهي طبيعة نائمة. طبيعة تنسج عناصرها من مادة مضادة. مادة هي الأشد عصيانا للألفة. ومع ذلك فان هيمت يجذبها ببراءته العفوية لكي تشاركه تأليف نسيجه الإيقاعي. غير ان السر في هذا الرضا يكمن في التماهي الروحي بين الرسام ومفردته. تلك المفردة التي لا يعوق شكلها حريتها في التشكل من جديد دائما. في بيته الباريسي الصغير, محترفه الضيق يقطع هيمت صلته بالعالم الخارجي. وهو على أية حال لا يغادر بيته إلا قليلا, للتسوق أو لرؤية صديق نادر, أو لشراء مواد وأدوات للرسم. هناك نوع من الانضباط في حياته, انضباط لا يخلو من رغبة تأملية في الاختلاء بالذات, والتمتع بترف يهبط من الجدران المزدحمة بالرسوم. هناك حيث يقيم عالمه الذي يستأنف سعته مع كل نظرة. عزلته هذه هي المكان الأمثل الذي يساعده على استدراج كل الجنات المفقودة:الوطن, الطفولة, الأصدقاء, الطمأنينة, المسرات, العائلة. هذا الغريب وجد في الرسم القوة التي تملي عليه معنى افتراضيا لكل فتنة عصية على الحضور المباشر. معنى يهب صمته الطويل والموحش ألفة ملغزة, ألفة تعيده طفلا مسحورا بلعبته. لقد عثر في عزلته على الخيط الذي يقود خطاه في طريق لذة لا تنتهي, كما لو ان نشوته تصنع نسيجها من مادة ذاتها. إنها لا تستعير حطبها من أي مكان ممتنع عليها. مهما كانت فتنته البصرية ساحرة. كائن قفز في لحظة زخرفة من الإيقاع المنسجم ليصنع إيقاعه الشخصي بأجزاء مقطعة باضطراب. هيمت الرسام المعتكف على ذاته. هناك وجعه ينتظم في الموسيقى. يده التي تشتغل في اللحن. قسوة تتسرب إليه بخفة ليل.الماضي يأسره, الذكريات تتلبسه. يتوئم ذاته من غير ان يقلق المحيط فهو لا يسعى إلى الاستيلاء عليه. يجتر سيرته الداخلية, سيرة أعضائه التي لا ترى, لا تلمس, ولا تطارد سوى قدرتها على ان تظل موجودة في حدسها. أسطورته تمشي به. هي وطنه الصامت الوحيد الذي يمتد به من غير ان يجعله يدفع الثمن. أسطورة ما نساه ليجده ماثلا أمامه وما محاه ليعثر عليه مكتوبا في دفاتره التي هي في آخر أطوارها دفاتر للشعراء. هؤلاء أشباحه القادمون من العتمة. أدونيس العربي وفلتير الفرنسي. كمن يتكلم صامتا, يرسم هيمت عن طريق ما يحذفه. يتبع خطا وهميا إلى حيث علامته. قبر الهناءة. هناك حيث بلاغة الصمت لا تستر بل تشف. ولا يفسد الوضوح غموض العاطفة. فما يلمسه هذا الرسام من الأشياء التي يرسمها بقصد مسبق, هيأتها الحياة, تلك الهيئة التي تقيم بعدا عن النظر المباشر. في الفعل أو في الدلالة. العسل بالنسبة لدودة القز أو العطر بالنسبة للوردة. هناك يكون الرسم فرصة للقفز على ما نراه لكيلا نرسمه. وفرصة لكي تتخلص الأشياء المرسومة من بعدها الرمزي لتحضر كما هي, من غير تواطؤ بصري مسبق. الروح تسبق المعجم. الورقة الخضراء كائن يستحق أن يفرد له هيمت الكثير من الجهد. والكثير من الوقت. والكثير من الخيال. كائن فريد يكتشفه. وكأنه الأول في هذا. الأول الذي يستولي على كل هذا البهاء. الأول الذي يستغرقه كل هذا التأمل. كأني اسمعه يقول بصوت طفل: ياه, انها ورقة خضراء! يعزز هذا الاكتشاف شعور عظيم في داخله بالدهشة والانبهار. فمن بين يديه تخرج الورقة كما لو انها خلقت في عزلتها من جديد. وهي لم تخلق إلا لكي ترسم. مخلوق يليق به الإنصات إلى شطحات قلم الرسام. عينه التي سبقته إلى تخيل طريدته. من هذه الورقة الخضراء يستأنف هيمت امثولته وهو يستعيد الطبيعة, في كل ما يراه, وفي كل ما يرسمه. فهو يستولي على الجزء ليصنع منه كلا. كلا مكتفيا بذاته, بل هنالك منه ما يفيض لينتهي محذوفا. فهيمت يرعى كائناته بتقشف جلي. يحثها على الاحتماء بترفها الخفي. هناك حيث يكمن وعدها منصتا إلى نقرات أصابعه على حياة مستعادة. فكم تشبهه الأشياء التي يرسمها. فصاحة لا يثلمها الصمت بل يزيدها امتلاء. تقلده الأشياء فهو اكثر براءة من ان يجعلها على هيأته. وهو الساهر على أسرارها. الممعن في الإطراء على وداعتها. تشبهه في اللحظة العابرة ذاتها التي تقرر الانفصال عنه. يبلغ هيمت حديقة أسراره بعد رحلة شقاء طويلة. هي ذاتها رحلته في الحياة. هناك تناقض فاضح انتصر عليه الرسام متبرجا بالرسم. تناقض بين الفقر وفكرته, بين الضياع ومعرفته, بين السفر ومتاهاته, بين الأحجية وما تستقر عليه من معان. لذلك فقد كانت طريقه لكي تصل إلى أوروبا لابد ان تمر باليابان. قدره الاستثنائي الصاعق. كان لابد له من ان يذهب شرقا لكي يكون قويا في مواجهة إغراء الغرب. في اليابان عثر على شيء من ادعيته وفي فرنسا اهتدى إلى شيء من رجائه. وفي الحالين كان توقيته اقل عتمة. ليس له بداية ولا نهاية, فعل الرسم . كأنه يتبع ما سبقه ويمهد لما يليه. وسيطا بين عالمين: العالم الذي صدر عنه والعالم الذي يشيده. ما يبهر هيمت ليس الرسم في حد ذاته, بل الإيقاع. بتوتره الذي يسببه أو الذي يتسبب به على حد سواء. للرسام هنا وظيفة سحرية. فهو يستدعي كائناته لتأخذ هيئة الموسيقى لكن عبر وسيط بصري. فعل الرسم هنا يعادل فعل الانخطاف لا من حيث شدته, حسب, بل وأيضا من خلال ايهاماته التي ترتجل حقائقها على السطح التصويري. كلما خف الرسم من أعبائه كونه رسما, غدا اشد قربا من حقيقته, كونه وهما. معجمه في تخليه لا في استيلائه على ما لا يملك. يمس هيمت الورقة التي يرسم عليها مسا خفيفا, بأصابعه كما بالفرشاة. حتى ليكاد لا يلمسها. فكأنه يتحسس الهواء الذي يحيط بها. ينحت أشكاله بدخان رؤاه في الفضاء قبل ان تهبط بهدوء على الورقة. الأصح أنها تنسل من فضائها لتتسرب إلى أعماق الورقة. فيتبعها الرسام. يتبع نغمها مأخوذا بخفتها. يرتجل مغزلا لحريرها. ويتحسس النور الذي يحيط بها. انه يرعى قلقها وهي تمضي إلى حتفها الشكلي, حيث تقيم لا شكليتها الكامنة. السطح التصويري لدى هيمت كان عصيا على التجزئة. لذلك لا يمكن تفكيكه أو إعادته إلى عناصره البنائية. فبعد ان مزج الرسام فتات رؤاه البصرية على السطح بحساسية حلمية رائقة تصبح العودة إلى ما قبل هذا المزيج عسيرة, بل وتكشف عن سوء فهم عميق لضالة الرسم ذاتها. الجمال كونه هدفا تخدمه كل التفاصيل مجتمعة من غير ان يستولي على سحره تفصيل بعينه. وهنا بالضبط تقع علاقة فن هيمت بفن الزخرفة في التباس يفصح عن اختلاف لا في الأداء المباشر, حسب, بل وفي النتائج التي يقود إليها ذلك الأداء. ان هيمت كأي فنان شرقي يجد في الزخرفة وليمة طاعنة في إيحائها ولكنه مدفوع بإلهامه الشخصي يكتفي بهذا الإيحاء ليباشر عزلته ونفيه: عزلته البصرية ونفيه العاطفي. فهذا الرسام المأسور بالمناخات الأسطورية يعثر في ارتطام الأجزاء, بعضها بالبعض الآخر,على توتره الداخلي. وهو من جهة أخرى يسعى إلى صياغة نوع من التعايش الافتراضي الذي هو صدى لحياة المنفيين. حيلة أخرى من حيل الإبداع للانتصار على الزمن أو على الأقل نسيانه. وهو لا يخالف في ذلك حقائقه الجمالية التي يرعى بقدر كبير من الصبر نزقها. لقد اتجه هيمت ذات يوم إلى اليابان من غير قصد جمالي مسبق, فإذا به يجد نفسه وهي تتنزه بين جناتها الخفية. جنات روحه الفاتنة. لقد اكتشف يومها شرقيته. عثر على القاسم المشترك الذي يجمع بينه وبين اليابان, حياة ورسوما. اكتشف في سلوكه, رساما ما يؤكد شرقيته ويثني عليها. فرسومه نابتة في ارض مفتوحة على خصوبة سرمدية. كان رساما شرقيا بالفطرة. غير انه لم يعد كذلك بعد ان أقام في اليابان عددا من السنين. صارت تلقائيته العجيبة مصدر إلهامه. وصار يمني المفردة الساكنة التي يمسها بلقاء عاطفي عاصف, هو أشبه بلقاءات الشعراء العذريين. لقد قادته الزخرفة إلى نوع من التبتل المترف والاكتفاء الزاهد وفقر نبيل لا تفزعه المظاهر الخارجية لانه مطلع على خوائها. ان هيمت من خلال رسومه إنما يستعرض رحلته عبر ليل عزلته. لقد ذهب إلى اليابان كمن يعود إلى نفسه. هيمت الكامن, لقيته الخبيئة ومجرته حيث تتصادم أفلاكه. إذن هو دائما. من بغداد إلى طوكيو إلى باريس هيمت ذاته وهو يطارد شبحا يسكنه. شفقته التي تتسلل من عينين ثملتين, هلعه وهو يهرب بيديه من الدرس. هيمت يرى بيديه ما يلمسه بعينيه. هو دائما المقيم في ذعره من ان يكون ذاته. ذاته التي لم يتعرف عليها بعد. أشبه بمن يقتفي أثرا لغيمة عابرة, يكفيه ظلها. يطارد وهم غزال, ولا يعنيه أكان الغزال موجودا أم لم يكن. يثير حماسته التصفيق من غير ان يلهو بالبحث عن اليدين. لديه العطر قبل الوردة, الهدير قبل الموجة, الشهوة قبل الجسد. لديه دائما العلاقات مقلوبة. ولا يمنعه ذلك من الاستمرار في القول. يتبع هيمت في خطابه الصامت نوعا من السرد المقلوب. يبدأ الحكاية من آخرها. فما يعنيه ليس الحكاية بتسلسل وقائعها, بل بما تخلفه من تأثير عصي إلا على محاولة التلذذ به. لا ينوء بعزلته. إنها تسليته الوحيدة. يمد هيمت يده كما الساحر ليلتقط من الهواء أشكاله. وهي أشكال تنمو خارج حدود مظهرها الواعي, إنها تتبع أخطاءها كما لو أنها تستلهم فتنة المقدس الخفية. حيث تقيم كل غواياتها. لذلك فان هيمت يمارس الرسم, كونه فعل عصيان. فعن طريقه لا يفارق المرئي, حسب, بل ويمحوه من ذاكرته البصرية أيضا لكيلا يقع في شراكه. وهو عن طريق هذا النسيان المتعمد إنما يحرث الطرق أمام حساسيته لتقتنص فرائسها. وهي حساسية إنسان قرر أن يترك العالم وراءه مكتظا بزواله. انه ينتقي كائناته مزهوا بانفصاله هذا. انفصاله الرؤيوي عن العالم ليمتص رحيق أحلامه من مكان آخر. مكان يقع خارج مما هو متاح بصريا. فتخرج كائناته نقية كما لو أنها لم تفارق عريها لحظة واحدة. كائنات حين يصطدم هواؤها ببعضه يحدث إيقاعا يظل عالقا بالعين. إن هيمت عن طريق الرسم يصل إلى اختراعه: كائنات تتدفق من الحبر لتسيل معه ذاهبة إلى مستقرها لتفاجئ رسامها بحضورها. بين الاقتضاب والإسراف ينشئ هيمت لوحته وهي تتكون تدريجيا. اقتضاب يصل إلى حد التوتر يصيب الجزء الواحد (غالبا ما تتشكل لوحاته من أجزاء متراصة) حتى ليبدو ذلك الجزء وكأنه خلاصة مكابدات غامضة, في حين يسرف الرسام في رصف الأجزاء, بعضها إلى جانب البعض الآخر, حتى لتبدو وكأنها لا تنتهي. إنها تمتد إلى ما لانهاية. وتبدو حدود اللوحة وكأنها نهايات مؤقتة لهذا الفيض من الأشكال التي تتناسل بخفة واسترخاء مترف. وكما أرى فان هذا الرسام إنما يرسم لوحة واحدة تمتد وتتسع لتشمل كل اللوحات التي رسمها والتي سيرسمها. وما المسافة التي تفصل بين لوحة وأخرى إلا همزة الوصل التي تصل الكلمات ببعضها في سطر واحد. إن هيمت رسام خلاصات. خلاصاته تذهب إلى هدفها الجمالي مباشرة لتغري العيون بمزيد من المتعة الخلوية. متعة توحي بامتدادها الغامض. تدخل إلى لوحة هيمت مأخوذا بسحر تلاقيات خطوطها المنبعثة من مساحة اللون الواحد لتخرج فيما بعد ممتلئة ألوانا وليس أمام عينيك سوى خط واحد: يقود إلى الأفق, حيث المتاهة الأخرى. لم يحن بعد موعدها, قصيدته. تلك الملحمة التي تمتد ما بين طفولة محاصرة بجدران الحكمة وبين شيخوخة يغريها الطيش بالتجوال المرح بين دروب متاهاته. هذا الرسام يحن إلى الشعر, أسلوب حياته. فيقترب من ناره. لكن من جهة إزاحة العبء الأعظم من معانيه. انه يرغب في أن يراه محلقا بريش فتنته. وحيدا كما لو أن العزلة أطلقته لتوها. يرى في الكلمات خيانة للشعر. وهو راعي الصمت. يود لو كان العالم اكثر صمتا ليكون اكثر كفاءة على قول الشعر. وهو يسعى من خلال سلطته, رساما, أن يفرغ الشعر من كلماته التي تقوله. انه يراه قائما في ذاته العارية, كونه النبع الذي يصدر عنه الخيال. بلاده لم تنشأ بعد. كما لو انه يستخرج من حكايات ألف ليلة وليلة مدنا, هي أشبه بمدن الأطفال, ليقول لنا: إن بلاده في طريقها إلى التشكل. بلاد تشبهه, لها تلفته الذي يمنح كل حساسية موضعا. خارطة وهمية لأرض لم يحن بعد مولدها. الرسم هنا نوع من قراءة الغيب. رسام ضالته لا تكمن في الأشكال التي يخترعها. فهي أشبه بالمتاهة التي تخفي اعتذارا صامتا. سؤاله الخجول لا تنوء به العين التي يتسع فضاء ترفها مع كل لحظة مشاهدة: إلى أين يقود هذا التيه? المتعة وحدها لا تكفي. وكلما سال حبر على ورقة انبثقت متاهة من العدم لتبعث الحيرة من جديد في عيني الرسام. ذلك الكائن الاستفهامي العاكف على تأثيث عزلته الباريسية بعبق الشرق. فرشاته تغوي الفراغ, تستدرجه, لا لكي تملأ وحشته بآهاتها التي تتلوى باستمرار بل وأيضا لكي تمتص عاطفته كما تفعل الفراشة برحيق الزهرة. عاطفة البياض التي تحثها الفرشاة عن طريق الأحبار الملونة على مباشرة نشيدها. في اللوفر, فيما أصاب الوهن أقدامنا, سمعت هيمت بصوت سيزان يقول: لقد دخلت اللوفر, يكفيني هذا. كانت هناك لوحة سوداء تعود إلى عصر النهضة تذكر خلفيتها بآخر لوحة كانت لا تزال بين يديه قيد الإنجاز. هل حلمتها? صار يقول وكأنه يرى لوحته وقد اخترقت الزمن بعكس حركته. وهيمت الذي اعرفه مسكون بتداخل الأزمنة. ومثلما يشعر بالتيه في أول لحظة يغادر فيها بيته فان زمانه مطلق السراح هو الآخر. ) (هيمت) رسام عراقي يقيم في باريس بعد أن أقام سنوات في اليابان. درس الفن بطريقته الخاصة. اصدر العديد من الكتب بالتعاون مع الشاعر العربي الكبير أدونيس والشاعر الفرنسي اندريه فلتير. اقام معارضه الشخصية في العراق والأردن واليابان وفرنسا والدانمارك وهولندا والبحرين ولبنان. |
|||||
|
|||||