التهمني من فضلك
(مسرحية من مشهدين)

 

رسمي أبو علي


<<مسرحية من مشهدين مستوحاة من واقعة ألمانية قريبة أعلن فيها الهر ارمينوز عبر الانترنت عن رغبته في الحصول على متبرع مستعد أن يدعه يأكله وقد أكله فعلا>>. والقضية لا تزال مستمرة في المحاكم الألمانية.

 

المشهد الأول:

جرس الباب يقرع فيخرج ارمينوز.

هانز: مرحبا.

ارمينوز: من أنت..

هانز <<مبتهجا ومستعارا>>: ألم تعرفني بعد? أنا هانز.

ارمينوز. متنبها: أه..لا تقل لي أنك..

هانز <<مقاطعا>>: نعم..أنا هو من أعلنت عن رغبتك..

ارمينوز: لا أكاد أصدق.. هل حقا أنت... تفضل بالدخول.

هانز داخلا: ولماذا أنت مندهش. هل تراك تمزح?

اذا كان الامر كذلك فاسمح لي أن أعبر عن خيبة أملي الشديدة..

ارمينوز: لا.. لا.. لست أمزح.. إنني جاد هانز جاد تماما.. وكل ما في الامر..

هانز <<مقاطعا>>: كل ما في الامر أنك لم تصدق أن أحدا  سوف يستجيب لدعوتك.. اليس كذلك?

ارمينوز: بالضبط كما تقول.. لم أتوقع أن هذه المعجزة يمكن أن تحدث..

هانز: تسميها معجزة?

ارمينوز: بالتأكيد.. واذا كنت من النوع الذي لا يميل إلى المبالغة فيمكنك تسميتها بالامر الاستثنائي خارق الوقوع..

هانز: لعلها المرة الاولى في التاريخ?

ارمينوز <<يفرك يديه>>: بالتأكيد إنها المرة الاولى في التاريخ التي يتم فيها الامر بالتراضي وبقدر كبير من الهمة.. والحماس.

هانز: لكن لا تنسى أن هناك بعض القبائل في افريقيا وربما استراليا يمارسون عادة أكل اللحوم البشرية. إذ يجدون أن طعمها  سائغ  حتى أنه ألذ طعما من الغزلان نفسها.

ارمينوز: وهذا ما يثير شهيتي كثيرا, فقد جربت جميع اللحوم, حتى أنني تذوقت مرة طعم وحيد القرن.

هانز: لابد أن لحمه كان قاسيا..

ارمينوز: ليس الى هذا الحد, فبعد ساعات من وضعه في الفرن بدا لذيذا وهو ليس أسوأ من لحم الحمار الوحشي.

هانز: وهل تذوقت طعم الحمار الوحشي.

ارمينوز: بالتأكيد يا هانز.. لعلك لم تعرف بعد أنني كرست حياتي لتذوق جميع أنواع اللحوم في العالم.

هانز: وفرس البحر.. هل تذوقت لحمه?

ارمينوز: ما هذا السؤال يا هانز..هل تتصور أنه كان بمقدوري تجاهل تلك الكتلة الهائلة من اللحم اللامع.. صدقني أن لحم فرس البحر وخصوصا الفخذين هما أطيب لحم تذوقته في حياتي اذا استثنينا طعم لحم النمور..

هانز: ياه.. إنك رجل استثنائي بحيث أكاد أقرنك بالنبي الذي بنى سفينة ووضع فيها كل أنواع الحيوانات قبل مجيء الطوفان..

ارمينوز: تقصد نوح..

هانز: نعم.. نوح وكنت قد نسيت اسمه..

ارمينوز: حسنا.. ولكن نوح لم يكن يأكل الحيوانات التي وضعها في سفينته..

هانز: وكيف لي أن أعرف.. لابد أنه كان يجوع بين حين وآخر..

ارمينوز: لكن بقيت نقطة مهمة بالنسبة للقبائل الافريقية التي تستسيغ أكل اللحم البشري..

هانز: وما هي..

ارمينوز: ألم تدركها بعد.. هؤلاء الناس كان يتم أكلهم عنوة.. يتم اصطيادهم وتعريتهم ووضعهم في وعاء كبير بالماء المغلي.

هانز: كان يبدو أنهم منفعلون عندما شاهدت بعضهم في بعض الافلام..

ارمينوز: هم منفعلون من الخوف وليس من المتعة..

هانز: حمقى..أما أنا فأتحرق شوقا لأن تلتهمني يا ارمينوز. وكم أنا شاكر لك أن تمنحني هذه الفرصة النادرة..

ولكن قل لي يا صديقي..من أين جاءتك هذه الهواية..

ارمينوز: منذ طفولتي وأنا أحلم بالتهام رجل أو أكثر.

هانز: ربما كان لك صلة بواحدة من تلك القبائل..هل حدث أن سافر أبوك الى افريقيا..

ارمينوز: خيالك واسع يا صديقي هانز..كلا لم يسافر بسبب بسيط هو أنني لم أعرف أن لي أبا.

هانز: يعني أنك..

ارمينوز: ابن حرام.. نعم.. حتى أنني لم أعرف أمي.

هانز <<يفرك يديه>>: وأنا كذلك..وأنا كذلك..أترى كم نحن متشابهان يا ارمينوز?

ارمينوز: مع فارق واحد..هو أنني سأكون الآكل وأنت ستكون المأكول..

هانز: طبعا طبعا..وهذا هو الرائع في الامر ولكن مثل لي يا صديقي..كيف ستأكلني هل تضعني في قدر كبير كما تفعل القبائل الافريقية.

ارمينوز: هل تحب ذلك?

هانز: جدا.. وليتك تضع جلد حيوان على وسطك وتقرع بعض الطبول.. سيكون المشهد مؤثرا.

ارمينوز: ان لك خيالا واسعا جميلا يا عزيزي.. ولكنني آسف إنني لا أستطيع أن أحقق رغبتك فليس لدي قدر كبير.. كما أنني لا أجيد القرع على الطبول. حتى إنني لا أعرف كيف أرقص.. لكن لدي طريقة عصرية جدا وسريعة..

<<يتناول مسدسه ويفاجئ هانز باطلاق رصاصة على رأسه فيخر هانز صريعا>> وعلى الفور يبدأ ارمينوز بتقطيع جسده ووضع أجزاء منها في الفرن.. ثم يشرع في أكله.

<<نهاية المشهد الاول>>

قاعة محكمة: القاضي.. المحلفون. محامي الاتهام محامي الدفاع وعدد كبير من المتفرجين بحيث تضيق قاعة المحكمة عن استيعابهم.

القاضي: نجتمع اليوم للنظر في تهمة القتل الموجهة الى الهر ارمينوز الماثل امامكم وهي كما تعرفون جريمة قتل غير عادية واعترف لم يسبق ان مرت علي   جريمة مماثلة.. لقد نظرت في كثير من الجرائم وبعضهما فظيع ولا يمكن تصور مدى بشاعته.. لكن هذه الجريمة فاقت كل التصور فقد قام المتهم, لا بقتل الضحية هانز ولكن قام بتقطيع جسده والتهام اجزاء منه وخاصة الفخذين واليدين.. إنه شيء فظيع ربما يعيدنا الى بدايات الهمجية خلال التاريخ الانساني..وعلى كل حال فالقضية امامكم لتنظروا في العقوبة التي يتوجب ايقاعها على المتهم الذي. ويا للغرابة. يبدو هادئا مبتسما كأنه عائد من حفلة صيد اصطاد فيها احد الارانب البرية وليس رجلا.

الكلمة الآن للادعاء العام.

المدعي العام: من الصعب أن أضيف المزيد لما تفضلتم به, سيدي القاضي.. انها جريمة مروعة هزت المانيا ولا تزال وربما هزت العالم المتحضر برمته..ومهما اتيت من قوة الحجة فإنني عاجز عن وصف مدى القسوة والانحطاط التي تنطوي عليها هذه الجريمة.. ولو كان الامر بيدي لأوقعت بالمتهم العقوبة التي ارتكبها. ولكن نقطة الضعف هنا هو أنه لن يوجد ألماني واحد على استعداد أن يلتهم ولو قطعة صغيرة من لحم هذا المجرم السفاح.. ولذلك وضمن قانون العقوبات أطلب بتنفيذ حكم الاعدام بأشد وسيلة ممكنة.. وأتساءل اذا كان بالامكان وبصورة استثنائية بعث أحد عقوبات القرون الوسطى التي كانت موجودة لدينا, وأعني حرقه بالنار فوق تلة من الحطب شديد الاحتراق.

القاضي: هذا لم يعد ممكنا..فهذه عقوبة تمت للماضي ثم أنني أمام مجرم وليس أمام زنديق مجدف.

الإدعاء العام: هذا مما يحز في نفسي.

القاضي: حسنا..والان الكلمة للدفاع.

محامي الدفاع: سيدي القاضي.. مع احترامي لعدالتكم وتقديري لمدى غضبكم على موكلي الهر ارمينوز.. فانني من حيث المبدأ وببساطة شديدة أقول أنه ما من جريمة هناك.. <<ضجة شديدة في قاعة المحكمة...>> وأصوات تصرخ: هل تقول ليس هناك جريمة.. هل جننت يا رجل..

القاضي يضرب مطرقته الخشبية صارخا: نظام.. نظام.. لا أريد فوضى وكل من يرفع صوته سأخرجه من القاعة..والآن فليستمر محامي الدفاع..تفضل..

محامي الدفاع: شكرا سيدي القاضي.. أكرر ما قلته دون زيادة أو نقصان.. ليس هناك جريمة في هذه القضية.

ممثل الادعاء صارخا: وتكررها ايها السيد..هذا لا يطاق.

<<القاضي متدخلا مرة أخرى>>: أرجو الهدوء من ممثل الادعاء وارجو ان لا يقاطع احد محامي الدفاع.. تفضل ايها الهر.

محامي الدفاع: شكرا سيدي القاضي.. وأكرر للمرة الثالثة انه ليست هناك جريمة, لأن أركان الجريمة ليست متوفرة هنا..

القاضي: اشرح الامر أكثر..

محامي الدفاع: سأفعل سيدي.. وسوف أقول على الفور بأن موكلي لم يرتكب أية جريمة لأن المأكول وأعني السيد هانز جاء من تلقاء نفسه الى بيت موكلي وطلب منه بل رجاه بشدة ان يأكله.. فأين الجريمة في هذا?

محامي الاتهام: ولكن المأكول هانز كان معتوها..

المحامي: انت تقول ذلك.. فهو لم يكن معتوها..

محامي الاتهام: بل كان معتوها ولم يكن يعرف ماذا يفعل وسأثبت ذلك على الفور وأطلب شهادة زوجته السيدة مونيكا..

القاضي: حسنا.. لتتقدم السيدة مونيكا الى منصة الشهود وبعد تلاوة القسم يسألها القاضي:

- حدثينا عن زوجك يا سيدة مونيكا..

مونيكا: كان زوجي المرحوم رجلا رائعا..إنني سأفتقده كثيرا سيدي القاضي..

القاضي: حسنا.. ولكن ألم تلاحظي عليه شيئا ما..

مونيكا: كان له بعض الميول الغريبة..

القاضي: مثل ماذا?

مونيكا: حسنا.. في بعض المرات كان يطلب مني أن أقطع أحد أصابعه وكان يطلب مني أن التهم هذا الاصبع بعد أن أقطعه.

محامي الاتهام: أترى سيدي القاضي.. هل تسمعون ما تقول?

القاضي: وهل قطعت أحد أصابعه..

مونيكا: مترددة.. تصعب علي الاجابة.

القاضي: لماذا تصعب عليك.. لابد أنك فعلتها يا سيدة.

مونيكا: مرة واحدة.. اذ قطعت اصبعه الصغير بعد إلحاحه الطويل..

القاضي مستثارا: ولعلك اكلتها بعد ذلك..

مونيكا: ألح علي كثيرا وقال بأن طعمه سيكون طيبا فاضطررت الى أكله بعد أن وضعته في الفرن وأضفت اليه بعض التوابل.

القاضي <<ساخرا>>: لابد أن طعمه كان سائغا..

مونيكا <<بخجل>>: يصعب علي   قول هذا ولكن طعمه كان سائغا فعلا.. ولولا أنني كنت حريصة على بقية أصابعه من اجل استخدامها في عمله لطلبت منه أن التهم المزيد..

محامي الاتهام: هذه جريمة أخرى.. وأطلب أن تتحول هذه السيدة الى متهمة..

القاضي: صار بودي أن أنسحب من هذه القضية..ان هذا غير معقول..

مونيكا: لماذا يا سيدي.. فقد كنت أحبه كثيرا وأردت أن أحقق رغباته.. خصوصا أن المسكين كان يرجوني بالحاح.. فماذا كان علي   أن أفعل? وإنني كإمرأة وزوجة صالحة رأيت من واجبي أن أسعد زوجي بالطريقة التي يريدها..

القاضي <<وقد خرج عن طوره>>: هذا هو أغرب شيء سمعته في حياتي.. لكن دعونا من هذا واسمحي لي أيتها السيدة أن أسألك.. كيف شعرت بعد أن عرفت أن زوجك.. <<لا أعرف كيف أقول ذلك>>.. عندما عرفت أن زوجك قد تم التهامه..

مونيكا: كنت سعيدة من أجله سيدي القاضي فقد حقق أمنية حياته.

القاضي: سعيدة..

مونيكا: طبعا سيدي القاضي كما يليق بأية زوجة مطيعة تحرص على إرضاء رغبات زوجها..

القاضي: يكاد رأسي ينفجر. ولكن أخبريني يا سيدة.. ما هو شعورك تجاه الهر ارمينوز..

مونيكا: تقصد الهر المحترم الذي تكرم بالتهام زوجي?

القاضي: نعم..هذا ما أعنيه..

مونيكا: ترمق المتهم بإعجاب وحب وتقول للقاضي:

اعتقد أنه هر رائع لأنه حقق لزوجي الحبيب ما كان يتمناه.. وأتطلع أن نكون صديقين في المستقبل.

القاضي: يعني أنك لست حاقدة عليه لأنه التهم زوجك..

مونيكا: حاقدة عليه. كلا سيدي. قلت لك قبل قليل أنني ممتنة له ومعجبة به..

وإن كنت أفتقد زوجي بعض الشيء ولكنني سعيدة من أجله..

هنا ينفجر القاضي ويبدأ بتمزيق شعره وكذلك يفعل محامي الدفاع وجميع الحضور وهم يصرخون:

يا هر ارمينوز... التهمنا من فضلك..التهمنا من فضلك.

 

تصميم الحاسب الشامل